Data Loading...

Al Sharqa Al Thaqafia 64 Flipbook PDF

Al Sharqa Al Thaqafia 64


302 Views
83 Downloads
FLIP PDF NAN

DOWNLOAD FLIP

REPORT DMCA

‫ت�صـدر �شـهـري ًا عـن دائرة الثقافة بال�شارقة‬ ‫ال�سنة ال�سـاد�سـة‪-‬العـدد الـرابـع وال�سـتـون ‪ -‬فبراير ‪٢٠٢٢‬‬

‫نافذة الثقافة العربية‬

‫�أعالم العلماء العرب والم�سلمين‬

‫ثــــابـــــت بــــن قــــرة‬

‫ال�شعـراء العـرب‬ ‫و�أحــــوال الــقــ�صـــيـــدة‬

‫عبدالحميد بن هدوقة‬

‫�سعد اهلل ونو�س‬

‫ال�شخ�صية التاريخية‬

‫بــور�ســعـيــد‬

‫مــــن رواد الأدب الـــجــــزائــــري‬

‫بـــيـــن الــــواقــــع والــمـتــخــيـل‬

‫والـمـ�سـرح الـتجـريـبـي‬

‫وعــبــقــريــة الــمــكــان‬

‫مجالت دائرة الثقافة‬ ‫عـدد فبراير ‪2022‬‬ ‫ال�شنة ال�شـاد�شـة‪-‬العـدد الـرابـع وال�شـتـون ‪ -‬فبراير ‪٢٠٢٢‬‬

‫نافذة الثقافة العربية‬

‫اأعالم العلماء العرب والم�سلمين‬

‫ثــــابـــــت بــــن قــــرة‬

‫ال�سعـراء العـرب‬ ‫واأحــــوال الــقــ�ســـيـــدة‬

‫عبدالحميد بن هدوقة‬

‫�سعد اهلل ونو�س‬

‫ال�صخ�صية التاريخية‬

‫بــور�ســعـيــد‬

‫مــــن رواد الأدب الـــجــــزائــــري‬

‫تصدر عن دائرة الـثـقـافـة بالشارقـة‬

‫ت�شـدر �شـهـري ًا عـن دائرة الثقافة بال�شارقة‬

‫فعاليات ومفاجآت‬ ‫ســـعــــد ُ‬ ‫تُ ِ‬ ‫األ َســـــر‬ ‫في «ضواحــي ‪»10‬‬

‫مجلة شهرية تُ ـعنى بالشعر واألدب الشعبي ‪ -‬السنة الرابعة ‪ -‬فبراير ‪2022‬م ‪ -‬العدد (‪)30‬‬

‫العدد (‪ - )294‬فبراير ‪2022‬‬

‫والـمـ�سـرح الـتجـريـبـي‬

‫رحلــة مـع مـبــدع «التغرودة»‬ ‫الـــــشـــــاعـــــر «الــــكــــيــــف»‬ ‫عـــــــلـــــــي الــــحــــلــــيــــطــــي‬ ‫مواقع التواصل االجتماعي‪..‬‬ ‫مــــــاذا أعـــطـــت لــلــشــعــراء‬ ‫ومــــــــاذا أخــــــذت مــنــهــم؟!‬

‫بـــيـــن الــــواقــــع والــمـتــخــيـل‬

‫"الـشارقـة للشعـر الـنبطـي"‪..‬‬ ‫أرشــــيــــف ثـــــري لـــمـــدارس‬ ‫الـــــشـــــعـــــر ولــــهــــجــــاتــــه‬

‫وعــبــقــريــة الــمــكــان‬

‫القصـيدة التفـاعلية‪..‬‬

‫جربة التّونسيّة‪..‬‬

‫مســاحــــات واسعـــة‬ ‫تُعنى بالشعر واألدب العربي‬

‫للمعنــــى والخيـــــال‬

‫العدد (‪ )29‬السنة الثالثة ‪ -‬فبراير ‪ - 2022‬رجــب ‪ 1443‬هـ‬

‫رهان الشعراء في العصر الرقمي‬

‫مهرجان المدام للتسوق‪..‬‬ ‫تنشــيط للحركـــة‬ ‫التجارية والســياحية‬ ‫أسماء المســـطحات‬ ‫والتضاريس الجغرافية‬ ‫في المنطقة الوسطى‬

‫السنة الثالثة ‪ -‬فبراير ‪2022‬م ‪ -‬الـعدد (‪)29‬‬

‫مجلة شهرية تصدر عن دائرة الثقافة بالشارقة‬ ‫السنة الرابعة ‪ -‬العدد (‪ - )30‬فبراير ‪2022‬‬

‫مشتل بلدية المدام‪ ..‬تشجير ومساحات خضراء تواجه زحف الصحراء‬

‫عبد اهلل بن عامر الفالسي‪..‬‬ ‫شـــاعـــر ارتــــبــــط بــالــبــحــر‬ ‫فــأبــدع الــقــصــيــدة المغناة‬

‫«الـخـدمــات االجتماعـيــة»‬ ‫فــــــي دبــــــــا الــــحــــصــــن‪..‬‬ ‫حــمــايــة ورعــــايــــة ودعـــم‬ ‫الــغــيــل‪ ..‬حــكــايــة األفـــاج‬ ‫والــمــيــاه الــعــذبــة والجبل‬ ‫ملتقى الشارقة لاتصال‪.. 2‬‬ ‫حلول رقمية وتجـارب دولية‬

‫مـجـلـــة شهـريــــة تــنـمويــة ثـقـافـيـــة‬ ‫من المنطـقة الشرقية بإمارة الـشارقة‬

‫مجلة شهرية تنموية ثقافية من المنطقة الوسطى بإمارة الشارقة‬

‫وديان المدام‪..‬‬ ‫حينما يهمي الغيث تكافئ‬ ‫الصحــراء أهلهــا بالجمـال‬

‫عقبة مزوزي‪:‬‬ ‫الطفولة هـامـش‬ ‫ضــروري للشعــر‬

‫ا لنــــــا قـــة ‪. .‬‬ ‫رمز العنفوان في ذاكرتنا‬

‫االكتشافات األثريـة في مديـنـة‬ ‫دبــا الــحــصــن‪ ..‬تــاريــخ وشــواهــد‬

‫السنة الثالثة ‪ -‬فبراير ‪ - 2022‬العدد (‪)29‬‬

‫ص‪.‬ب‪ 5119 :‬الشـارقة ‪ -‬اإلمـارات العـربية المتحدة‬ ‫البراق‪+971 6 5123303 :‬‬ ‫الهاتف‪+971 6 5123333 :‬‬ ‫ّ‬ ‫البريـد اإللكتروني‪[email protected] :‬‬ ‫الموقع اإللكتروني‪www.sdc.gov.ae :‬‬ ‫‪sharjahculture‬‬

‫‪1‬‬

‫كلمة العدد‬

‫عالمية الخط العربي‬ ‫فن الخط العربي اليوم مرحلة‬ ‫يعي�ش ّ‬ ‫مهمة جداً من النهو�ض واالزدهار والن�ضج‪،‬‬ ‫مر بها في العقود‬ ‫وهي امتداد للمراحل التي ّ‬ ‫الثالثة الأخ��ي��رة‪� ،‬إذ ت�شهد رواج � ًا و�إقبا ًال‬ ‫كبيرين �سواء على تعلمه �أو اقتنائه‪ ،‬بف�ضل‬ ‫االهتمام المتزايد الذي يحظى به من قبل‬ ‫الم�س�ؤولين والم�ؤ�س�سات والأف���راد‪ ،‬ومن‬ ‫خ�لال تنظيم المعار�ض والمهرجانات‬ ‫وال���دورات وال��ن��دوات وال��ور���ش التعليمية‪،‬‬ ‫التي �أ�سهمت ب�شكل �أ�سا�سي ف��ي تعلمه‬ ‫و�إت��ق��ان��ه وت��ذوق��ه والتعرف �إل��ى مدار�سه‬ ‫وقواعده و�أ�ساليبه‪ ،‬وذلك لما يمتلكه من‬ ‫قيم جمالية وخ�صائ�ص نابعة من الهوية‬ ‫وم�ستمدة من الإ�شعاع الح�ضاري‬ ‫والتراث‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫للأمة وتاريخها وثقافتها‪ ،‬ومن هنا نقر�أ‬ ‫�سر ت�ألقه الم�ستمر طوال خم�سة ع�شر قرن ًا‬ ‫ّ‬ ‫الرتباطه باللغة والدين وال�شعر والعمارة‬ ‫العربية‪ ،‬ما جعله يحافظ على مكانته في‬ ‫ال�صدارة وير�سخ ح�ضوره المميز ودوره‬ ‫المعرفي والتنويري‪ ،‬ويبلغ من االنت�شار‬ ‫مبلغ ًا مهم ًا عربي ًا وعالمي ًا‪ ،‬ويمكن القول‬ ‫�إن��ه ما كان ليحت ّل هذه المكانة العظيمة‬ ‫لوال جهود الخطاطين الأوائ��ل والحاليين‪،‬‬ ‫الذين حملوا على عاتقهم �أمانة تطويره‬ ‫وعانقوا حروفه وكلماته في �أبهى التجارب‬ ‫واللوحات‪ ،‬فكان لهم الف�ضل في الدفع به‬ ‫من مرحلة التقليد �إلى التح�سين‪ ،‬و�صو ًال �إلى‬

‫الخط العربي ر�سالة‬ ‫�إن�سانية وح�ضارية‬ ‫وثقافية‬

‫مرحلة االبتكار‪ ،‬انطالق ًا من مقدرة الخط‬ ‫الكبيرة في التطويع والت�شكيل على �أنماط‬ ‫مختلفة‪ ،‬واال�ستعانة به في الفنون الأخرى‬ ‫وال�صناعات الفنية والإبداعية‪.‬‬ ‫و�إن��ه لمن دواع��ي الفخر واالع��ت��زاز �أن‬ ‫تعلن منظمة اليون�سكو �أخيراً �إدراج الخط‬ ‫العربي في تراثها العالمي غير المادي‪،‬‬ ‫باعتباره رمزاً ثقافي ًا في العالمين العربي‬ ‫والإ�سالمي‪ ،‬وهو �إعالن لي�س م�ستغرب ًا كون‬ ‫تعد ركن ًا من �أرك��ان التنوع‬ ‫اللغة العربية ّ‬ ‫الثقافي والتوا�صل الإن�ساني والح�ضاري‪،‬‬ ‫حيث يهدف �إل��ى االحتفاء بالخط العربي‬ ‫وب���رواده الذين بذلوا‬ ‫واالرت��ق��اء بواقعه‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫جهوداً في المحافظة عليه وتطويره‪ .‬هذه‬ ‫الخطوة ت�سهم ب�شكل فعال في تعزيز مكانة‬ ‫الخط العربي‪ ،‬وت�سليط ال�ضوء على �أهميته‬ ‫وخ�صائ�صه وجمالياته‪ ،‬والنهو�ض به فكري ًا‬ ‫وثقافي ًا وتعليمي ًا‪ ،‬كما ي�سهم في �صون‬ ‫الهوية ويعتبر منطلق ًا للحوار بين الثقافات‬ ‫العالمية‪ ،‬خ�صو�ص ًا من خالل المعار�ض‬ ‫التي تنظمها الدول العربية في العديد من‬ ‫المدن العالمية‪ ،‬والتي تقوم بالتعريف‬ ‫وتقدم �أعما ًال‬ ‫بالخط العربي والخطاطين‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫فنية تجمع بين الحروفيات والجداريات‬ ‫واللوحات الخطية الأ�صيلة‪ ،‬ف�ض ًال عن عقد‬ ‫الفعاليات الفكرية والمحا�ضرات والور�ش‬ ‫التعليمية‪.‬‬ ‫ول ّأن الخط العربي هو الفن الوحيد‬ ‫الذي لم يت�أ ّثر بالفنون الغربية والثقافات‬ ‫الأجنبية‪ ،‬وهو �أي�ض ًا الوحيد بين الخطوط‬ ‫في العالم ال��ذي يكتب ب�أ�شكال مختلفة‪،‬‬ ‫فله �سماته المتفردة وخ�صو�صيته المميزة‬ ‫وتاريخه الموغل في القدم‪ ،‬وف�ضا�ؤه الممتد‬

‫في حنايا القلب‪ ،‬وك��ل لوحة خطية هي‬ ‫قطعة من الذاكرة وال��روح والتجربة‪ ،‬وكل‬ ‫كلمة مترامية الأحرف هي �شجرة نور ذات‬ ‫ج��ذور ثابتة‪ ،‬فالخط العربي لي�س مجرد‬ ‫كتابات مزخرفة بهيئات مختلفة‪ ،‬بل هو‬ ‫تتج�سد‬ ‫ر�سالة �إن�سانية وح�ضارية وثقافية‬ ‫ّ‬ ‫بالن�صو�ص والآي ��ات القر�آنية والأب��ي��ات‬ ‫ال�شعرية والمقوالت الم�أثورة للتعبير عن‬ ‫المواقف والأفكار والر�ؤى‪ ،‬ونقل المعارف‬ ‫والتجارب واللحظات التاريخية الم�ؤثرة‪،‬‬ ‫�إ ّنه بكل اخت�صار يم ّثل �سيرة الفن الإ�سالمي‪،‬‬ ‫وير�سم ال�شخ�صية العربية وهويتها الخا�صة‬ ‫وعبقريتها المتوارثة‪.‬‬ ‫لقد لعب الخط العربي دوراً حيوي ًا‬ ‫في ن�شر اللغة العربية والتعريف بثقافتنا‬ ‫وقيمنا وتراثنا من خالل �إدخاله في الكثير‬ ‫من المجاالت والتفا�صيل والأماكن‪ ،‬وكذلك‬ ‫في الفنون الت�شكيلية المعا�صرة‪ ،‬لما له‬ ‫قدرة عالية على الت�شكيل ويحوي ف�ضاءات‬ ‫و�أ�شكا ًال و�إ�ضاءات ملهمة‪ ،‬فقد �أثرى الأعمال‬ ‫الت�شكيلية‪ ،‬و�أعطى المنحوتات والت�صاميم‬ ‫المعمارية والهند�سية قيمة جمالية �ساحرة‪،‬‬ ‫من هنا تتج ّلى فل�سفة الخط العربي؛ فهو‬ ‫يمتلك العديد من المفاهيم والقيم الجمالية‬ ‫والفنية والروحية‪ ،‬لذلك بهر العالم برونقه‬ ‫وتكويناته وتعبيراته و�أبعاده‪ ،‬وت�أثر به‬ ‫العديد من الفنانين والنحاتين والر�سامين‬ ‫الغربيين‪ ،‬وا�ستخدموه كعن�صر زخرفي في‬ ‫لوحاتهم و�أعمالهم‪ ،‬ف�ض ًال عن انت�شاره في‬ ‫�أماكن كثيرة في العالم‪ ،‬و�إقبال الكثير من‬ ‫غير العرب على تعلمه‪ ،‬كل ذلك �شاهد على‬ ‫عالمية الخط العربي بحروفه المطواعة‬ ‫و�إمكانياته الهائلة وتوالداته التي ال تنتهي‪.‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪3‬‬

‫رئي�س دائرة الثقافة‬

‫عبد اهلل بن محمد العوي�س‬

‫مدير التحرير‬ ‫نـواف يونـ�س‬

‫هيئة التحرير‬

‫عبد الكريم يون�س‬ ‫عـــــزت عـــــمــــــــر‬ ‫حــ�ســـــان الـعــبـــد‬ ‫عبدالعليم حري�ص‬ ‫فــــــوزي �صـــــالـــــح‬

‫‪٢٠‬‬

‫الت�صميم والإخـراج‬ ‫محـمـد �سـمــير‬

‫م�ساعد مخرج‬

‫بــور�ســعـيــد‬

‫محـمـد غانم‬

‫المحتوى الب�صري والإلكتروني‬

‫وعـبـقـريـة الــمـكـان‬

‫محـمـد مح�سن‬

‫التوزيع والإعالنات‬ ‫خالد �صديق‬

‫ت�صدر �شهري ًا عن دائرة الثقافة ‪ -‬ال�شارقة ‪ -‬الإمارات العربية المتحدة‬

‫ال�سنة ال�ساد�سة‪-‬العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فرباير ‪ ٢٠٢٢‬م‬

‫مراقب الجودة والإنتاج‬ ‫�أحمد �سعيد‬

‫نافذة الثقافة العربية‬

‫قيمـة اال�شـتـراك ال�سنـوي‬ ‫داخل الإمارات العربية المتحدة‬ ‫الأفراد‬ ‫امل�ؤ�س�سات‬

‫الت�سليم املبا�شر‬ ‫‪ 100‬درهم‬ ‫‪ 120‬درهم ًا‬

‫بالربيد‬ ‫‪ 150‬درهم ًا‬ ‫‪ 170‬درهم ًا‬

‫خارج الإمارات العربية المتحدة‬ ‫�شامل ر�سوم الربيد‬ ‫‪ ٣٦٥‬درهم ًا‬ ‫جميع الدول العربية‬ ‫‪ 280‬يــورو‬ ‫دول االحتاد الأوروبي‬ ‫‪ 300‬دوالر‬ ‫الواليات املتحدة‬ ‫‪ 350‬دوالر ًا‬ ‫كندا و�أ�سرتاليا‬

‫الأ�سعار‬ ‫الإمارات‬

‫‪ 10‬دراهم‬

‫ال�سعودية‬

‫‪ 10‬رياالت‬

‫عمان‬

‫ريال‬

‫البحرين‬

‫دينار‬

‫العراق‬

‫‪ ٢٥٠٠‬دينار‬

‫الكويت‬

‫دينار‬

‫اليمن‬

‫‪ 400‬ريال‬

‫م�صر‬

‫‪ 10‬جنيهات‬ ‫‪ 20‬جنيه ًا‬

‫ال�سودان‬

‫�سوريا‬ ‫لبنان‬ ‫الأردن‬ ‫اجلزائر‬ ‫املغرب‬ ‫تون�س‬ ‫اململكة املتحدة‬ ‫دول الإحتاد الأوربي‬ ‫الواليات املتحدة‬ ‫كندا و�أ�سرتاليا‬

‫‪ 400‬لرية �سورية‬ ‫دوالران‬ ‫ديناران‬ ‫دوالران‬ ‫‪ 15‬درهم ًا‬ ‫‪ 4‬دنانري‬ ‫‪ 3‬جنيهات �إ�سرتلينية‬ ‫‪ 4‬يورو‬ ‫‪ 4‬دوالرات‬ ‫‪ 5‬دوالرات‬

‫فكر ور�ؤى‬ ‫‪ ١٤‬‬

‫عنترة بن �شداد في باري�س‬

‫‪ ١٦‬‬

‫ت�صور الوقت في الفن الإ�سالمي‬

‫�أمكنة و�شواهد‬ ‫‪٢٠‬‬ ‫ ‬ ‫‪٢٦‬‬ ‫ ‬

‫بور�سعيد‪ ..‬وعبقرية المكان‬

‫�سال‪ ..‬مدينة التاريخ والحا�ضر‬

‫�إبداعات‬ ‫‪٣٠‬‬ ‫ ‬ ‫‪٣٤‬‬ ‫ ‬ ‫‪٣٦‬‬ ‫ ‬ ‫‪38‬‬ ‫ ‬

‫�أدبيات‬

‫قا�ص وناقد‬ ‫نخلة في الهواء ‪ -‬ق�صة ق�صيرة‬

‫مايكل كوبر�سون‪� :‬أترجم وعيني على الن�ص ولي�س على القارئ‬

‫راكم مايكل كوبر�سون ربع قرن في تدري�س الأدب العربي وفي ترجمة عدد كبير‬ ‫من ن�صو�صه الكبرى‪ ,‬كما فاز بعدة جوائز عربية في مجاالت مختلفة‪...‬‬

‫الطاهر بن جلون‪� :‬أعبر عن‬ ‫هويتي العربية بلغة �أجنبية‬

‫‪٤٠‬‬

‫من كبار كتاب الأدب الفرن�سي من غير‬ ‫الأ�صول الفرن�سية‪ .‬وقد تنوعت كتاباته‬ ‫بين ال�شعر والق�صة والرواية والمقالة‪...‬‬

‫بيوليتا ‪ -‬ق�صة مترجمة‬

‫�أدب و�أدباء‬ ‫‪ ٤٨‬‬

‫‪١٠‬‬

‫‪٧٤‬‬ ‫ ‬ ‫‪ ١٠٠‬‬ ‫‪١٠٦‬‬ ‫ ‬

‫فتحية النمر‪ :‬الكتابة لحظة �سالم نف�سي‬

‫كري�ستيان �أندر�سن رائد �أدب الأطفال في العالم‬ ‫حامد جوهر رائد البحريات‬ ‫يارا الم�صري و ترجمة الأدب ال�صيني المعا�صر‬

‫فن‪.‬وتر ‪.‬ري�شة‬

‫‪� 122‬إ�سماعيل الرفاعي ير�سم الأ�شعار ويكتب اللوحات‬ ‫‪« 130‬ال تنظر �إلى �أعلى» كوميديا �سوداء تواجه الفناء‬

‫تحت دائرة ال�ضوء‬

‫‪ 134‬قراءة في «الأدب ال�ساخر» للدكتور نبيل راغب‬ ‫‪ 135‬العالم بعيون طفل في ق�صة «النافذة»‬

‫‪ 145‬قا�سم توفيق في روايته «ج�سر عبدون»‬ ‫ر�سوم العدد للفنانين‪:‬‬ ‫د‪ .‬جهاد العامري‬ ‫نبيل ال�سنباطي‬ ‫مهاب لبيب‬ ‫جمال عقل‬

‫التوزيع والإعالنات‬

‫الهاتف‪+٩٧١٦٥١٢٣٢٦٣ :‬‬

‫البراق‪+97165123259 :‬‬ ‫ّ‬

‫‪[email protected]‬‬

‫توزع في جميع �إمارات ومدن الدولة‬ ‫لال�ستفـ�سـار الـرقـم المجـاني‪8002220 :‬‬

‫م�صطفى ن�صر‪ :‬تكريم ال�شارقة‬ ‫الثقافي توج م�سيرتي الأدبية‬ ‫ال���روائ���ي م�����ص��ط��ف��ى ن�����ص��ر م��وال��ي��د‬ ‫الإ�سكندرية‪� ،‬أ�صدر �سبع مجموعات‬ ‫ق�ص�صية و�أ�صدر �سبع ع�شرة رواية‪...‬‬

‫‪٩٦‬‬

‫الإم�����ارات‪��� :‬ش��رك��ة ت ��وزي ��ع‪ ،‬ال��رق��م ال��م��ج��ان��ي ‪8002220‬‬ ‫ال�����س��ع��ودي��ة‪ :‬ال�����ش��رك��ة ال��وط��ن��ي��ة ل��ل��ت��وزي��ع ‪-‬ال��ري��ا���ض ‪-‬‬ ‫ه��ات��ف‪ ،٠٠966114871414 :‬الكويت‪ :‬المجموعة الإع�لام��ي��ة العالمية ‪ -‬الكويت‬ ‫ ه� ��ات� ��ف‪� ،0096524826821:‬سلطنة ُعمان‪ :‬المتحدة لخدمة و�سائل الإع�ل�ام ‪-‬‬‫م�سقط ‪ -‬هاتف‪ ،0096824700895 :‬البحرين‪ :‬م�ؤ�س�سة الأي ��ام للن�شر ‪ -‬المنامة‬ ‫ هاتف‪ ،0097317617733 :‬م�صر‪ :‬م�ؤ�س�سة الأه��رام للتوزيع ‪ -‬القاهرة ‪ -‬هاتف‪:‬‬‫‪ ،0020227704293‬لبنان‪� :‬شركة نعنوع والأوائ����ل ل��ت��وزي��ع ال�صحف ‪ -‬هاتف‪:‬‬ ‫عمان ‪ -‬هاتف‪،0096265358855 :‬‬ ‫‪ ،009611666314‬الأردن‪ :‬وكالة التوزيع الأردنية ‪ّ -‬‬ ‫المغرب‪� :‬سو�شبر�س للتوزيع ‪ -‬ال ��دار البي�ضاء ‪ -‬ه��ات��ف‪،00212522589121 :‬‬ ‫تون�س‪ :‬ال�شركة التون�سية لل�صحافة ‪ -‬تون�س ‪ -‬هاتف‪0021671322499 :‬‬

‫وكـالء التوزيع‬

‫عـنـاويـن المـجـلـة‪:‬‬

‫�ص ب‪ 5119 :‬ال�شارقة‬

‫‪Alshariqa althaqafiya‬‬

‫الإمـارات العربيـة المتحدة ‪-‬ال�شـارقة ‪ -‬الل ّية ‪-‬دائرة الثقـافـة‬ ‫البراق‪+97165123303 :‬‬ ‫الهاتف‪+97165123333 :‬‬ ‫ّ‬

‫‪[email protected]‬‬ ‫ ‪shj_althaqafiya‬‬

‫‪[email protected]‬‬

‫ ‪www.alshariqa-althaqafiya.ae‬‬

‫تطبيقنا الذكي متوفر على‪:‬‬ ‫¯ترتيب ن�شر المواد وفق ًا لـ�ضرورات فـنية‪.‬‬ ‫¯المقاالت المن�شـورة تعبر عن �آراء �أ�صحابهـا وال تعبر بال�ضرورة عن ر�أي المجلة‪.‬‬ ‫¯المجلة غير ملزمـة ب�إعادة �أي مادة تتلقاها للن�شر �سواء ن�شرت �أم لـم تن�شر‪.‬‬ ‫¯حـقوق ن�شر ال�صور والمو�ضوعات الخا�صة محفوظة للمجلة‪.‬‬ ‫¯ال تقبل المواد المن�شورة في ال�صحف والمجالت والمواقع الإلكترونية‪.‬‬

‫�أعالم العلماء العرب والم�سلمين‬

‫قرة م ّهد البتكار‬ ‫ثابت بن ّ‬ ‫«حـ�سـاب الـتـفـا�ضـل والـتـكـامـل»‬ ‫ً‬ ‫ن�سبة �إلى حران ال�شامية‪ /‬جنوبي تركيا حالياً‪ ،‬والمتوفى‬ ‫�أبو الح�سن ثابت بن قرة الحراني؛‬ ‫في بغداد عام (‪901‬م)‪ .‬تعلم في م�ساجدها وفي مجال�س علمائها اللغة العربية وال�شعر‬ ‫والفقه والحديث وعلوم القر�آن الكريم‪ .‬وفي �سن الخام�سة ع�شرة‪ ،‬انكب على تعلم الفل�سفة‬ ‫والريا�ضيات والفلك والمنطق والطب باللغات ال�سريانية واليونانية والعبرية‪ ،‬حتى لقد �صار‬ ‫عالم ًا مو�سوعياً؛ فكان من ندرة الب�شر الذين تميزوا حب ًا بالعلم وعرفوا حقيقة اللذة العقلية‬ ‫الكامنة خلف الك�شف عن الأنظمة التي ت�سود الكون‪ ،‬والقوانين التي ي�سير العالم بموجبها‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫يقظان م�صطفى‬

‫�إ�سهامات‬ ‫وت��روي الم�صادر �أن الع ّالمة محمد بن‬ ‫مو�سى الخوارزمي‪ ،‬التقاه في طريق عودته‬ ‫من بالد الروم‪ ،‬في منطقة ا�سمها (كفر توما)‬ ‫بعد اليزال‬ ‫و�أُعجب بف�صاحة ونبوغ ثابت وهو ُ‬ ‫يافع ًا‪ ،‬فا�ست�صحبه �إلى بغداد‪ ،‬و�ألحقه بداره‬ ‫ليطلب العلم‪ ...‬ثم و�صله بالخليفة المعت�ضد‪،‬‬ ‫وبعدها �أخذ نجم ثابت بن قرة‪ ،‬يعلو حتى غدا‬ ‫من �أبرز علماء الهند�سة والفلك في الح�ضارة‬ ‫العربية الإ�سالمية‪ .‬وعندما ذاع �صيته في‬ ‫�أر� ��ض ال��ج��زي��رة‪� ،‬سعى �إل��ي��ه (�أب��ن��اء مو�سى)‬ ‫ليترجم لهم الكتب وي�صحح بع�ض ما كان قد‬ ‫ترجم منها‪ ،‬ولي�صلح لهم �أر�صادهم‪ ،‬بمر�صد‬ ‫ال�شما�سية‪ ،‬وي�شرح ما ا�ستع�صى عليهم من علم‬ ‫الحيل‪ ،‬وعلوم الهند�سة الأخرى‪.‬‬ ‫لا م��ن الأع��م��ال‬ ‫�ت ع���دداً ه��ائ� ً‬ ‫ت��رج��م ث��اب� ٌ‬ ‫الفلكية والريا�ضية والطبية‪ ،‬لأ�شهر علماء‬ ‫اليونان وفال�سفتهم‪ ،‬مثل �إقليد�س و�أرخميد�س‬ ‫و�أفالطون و�أبقراط‪ ،‬وع ّلق على ثمانية كتب‬ ‫لأبولونيو�س و�أرخميد�س وبطليمو�س‪ ،‬فظلت‬ ‫ن�سخها العربية مرجع ًا �أ�سا�سي ًا في مكتبات‬ ‫العالم‪ ..‬وكان �أول من ترجم م�ؤلفات بطليمو�س‪،‬‬ ‫و�أ�صلح ترجمة كتابه الأ�شهر (المج�سطي)‬ ‫ونقل كتابه (ف��ي المعمو ِر َو ِ�صف ِة الأر���ض)‪،‬‬ ‫و�أ�صلح ترجمة (الكرة والأ�سطوانة) لأرخميد�س‬ ‫الم�صري‪ ..‬كذلك لم يترك ابن قرة �شيئ ًا من‬ ‫م�ؤلفات �إقليد�س �إال وترجمه و�أ���ض��اف �إليه‬ ‫�سيما كتابه (الأ�صول)‪،‬‬ ‫معلومات جديدة‪ ،‬ال ّ‬ ‫كما ترجم كتاب (الأرثماطيقي) في علم العدد‪،‬‬ ‫الذي �ألفه نيقوماخو�س الجارا�سيني‪ ،‬بعنوان‬ ‫(المدخل �إلى علم العدد)‪.‬‬ ‫وقد ُقدرت م�ؤلفات العالم المو�سوعي ثابت‬ ‫بن قرة بـنحو (‪ )180‬م�ؤلف ًا‪ ،‬ما بين كتاب‬ ‫ور�سالة‪ ،‬في العديد من العلوم الأ�سا�سية‪،‬‬ ‫مثل الريا�ضيات والفلك والهند�سة والطب‬ ‫والمنطق؛ ففي الريا�ضيات مهد ثابت البتكار‬ ‫(ح�ساب التفا�ضل والتكامل)‪ ،‬الذي يعد محور‬ ‫الريا�ضيات الأولية‪ ،‬م� ِّؤ�س�س ًا لت�سهيالت في‬

‫ويل ديورانت‬

‫ر�سم تخيلي لـ �أبوالح�سن ثابت بن قرة الحراني‬

‫حل الكثير من الم�سائل العوي�صة والعمليات‬ ‫الملتوية بطريقة النهايات‪ ،‬وبت�أثير (نظرية‬ ‫�إفناء ال� َف� ْ�رق) اليونانية؛ وذل��ك عندما �أوجد‬ ‫في ذاك الوقت المبكر حجم الج�سم المتو ّلد‬ ‫م��ن دوران القطع المكافئ ح��ول م��ح��وره‪،‬‬ ‫وذلك بطريقة قريبة من طريقة التكامل التي‬ ‫نتبعها نحن حالي ًا‪ ،‬وه��و عمل ي�صفه �أح��د‬ ‫م�ؤرخي العلوم ب�أنه (من فعل عقل جبار!)‪.‬‬ ‫كذلك ا�ستطاع �أن ي�ضع قاعدة عامة لإيجاد‬ ‫(الأع���داد المتحابة) ُتنبي عن اطالعه على‬ ‫نظرية فيثاغور�س في الأع��داد‪ ،‬ومن م�ؤلفاته‬ ‫الريا�ضية الأخرى؛ كتاب (في الن�سبة الم�ؤلفة)‪.‬‬ ‫غير �أن من �أهم �إنجازاته الريا�ضية؛ درا�ساته‬ ‫القيمة في الأعداد‪ ،‬فهو الذي ق�سمها �إلى زوجية‬ ‫ّ‬ ‫وفردية‪ ،‬كما ق�سم العدد نف�سه �إلى �أنواع ثالثة‪:‬‬ ‫العدد التام‪ ،‬والعدد الناق�ص‪،‬‬ ‫والعدد الزائد‪.‬‬ ‫أر�صاد‬ ‫�‬ ‫الفلك‬ ‫في‬ ‫لثابت‬ ‫ٌ‬ ‫توالها من مر�صد ال�شما�سية‬ ‫ف��ي ب ��غ ��داد‪ ،‬ف��در���س حركة‬ ‫ال�شم�س‪ ،‬وح�سب طول ال�سنة‬ ‫ال�شم�سية بدقة مذهلة‪ ،‬وح�سب‬ ‫ميل دائ��رة ال��ب��روج‪ ،‬و�أي�ض ًا‬

‫من م�ؤلفاته‬

‫التقاه الخوارزمي‬ ‫و�أعجب بف�صاحته‬ ‫ونبوغه وا�ست�صحبه‬ ‫�إلى بغداد لطلب‬ ‫العلم‬

‫�سعى �إليه (�أبناء‬ ‫مو�سى) ليترجم لهم‬ ‫الكتب وي�صحح بع�ض‬ ‫ما كان قد ترجم منها‬

‫الخوارزمي‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪7‬‬

‫�إ�سهامات‬ ‫ف�سر ظاهرة (ه��زة االعتدالين)‪ ،‬وله م�ؤلفات‬ ‫فلكية منها‪( :‬في تركيب الأف�لاك)‪ ،‬في حركة‬ ‫الأفالك‪ ،‬في الهيئة‪ ،‬مخت�صر في علم النجوم‪،‬‬ ‫علة ك�سوف ال�شم�س والقمر‪ ،‬وكتاب الأهلة)‪.‬‬ ‫ا�شتغاالته في (الهند�سة التحليلية)‪ ،‬لم‬ ‫ُي�سبق �إليها‪ ،‬كما �أنها جاءت قبل �إ�سهامات‬ ‫دي��ك��ارت وف��ي��رم��ا ب�ستة ق���رون؛ فقد و�ضع‬ ‫بين فيه كيفية الجمع بين الجبر‬ ‫ثابت كتاب ًا ّ‬ ‫و�صحح م�سائل الجبر بالبراهين‬ ‫والهند�سة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الهند�سية‪ ،‬وحل م�س�ألة تثليث الزاوية بطريقة‬ ‫تغاير طريقة علماء اليونان‪� .‬أل��ف (في قطع‬ ‫الأ�سطوانة) و(في المربع وقطره)‪ ،‬و(في �أ�شكال‬ ‫�إقليد�س)‪ ،‬و(مخت�صر في علم الهند�سة)‪ ،‬و(كتاب‬ ‫في المثلث قائم الزاوية)‪ ،‬و(ر�سالة في الدوائر‬ ‫المتما�سة)‪ ...‬وهو �أول من ا�ستعمل الجيوب بد ًال‬ ‫من الأوتار؛ فنقل الريا�ضيات �إلى عالم الدوال‬ ‫المثلثية‪ ،‬كذلك حل بع�ض المعادالت التكعيبية‬ ‫بطرق هند�سية ا�ستعان بها بع�ض علماء الغرب‬ ‫في القرن ال�ساد�س ع�شر‪ ،‬مثل ك ��اردان‪ ،‬في‬ ‫بحوثه الريا�ضية‪.‬‬ ‫ك��ان ثابت ب��ن ق��رة طبيب ًا ح��اذق � ًا‪ ،‬وقد‬ ‫تولى رئا�سة بيمار�ستان بغداد ال��ذي �أ�س�سه‬ ‫الخليفة المعت�ضد‪ ،‬وال��ذي تولى رئا�سته من‬ ‫بعده ولده �سنان ثم حفيده ثابت‪ ..‬وكان ابن‬ ‫قرة �أول من �أدخ��ل العالج الجراحي في هذا‬ ‫الم�ست�شفى‪ .‬وكان له في الطب اهتمام مميز‬ ‫بالأمرا�ض الجلدية‪ ،‬وبم�ستح�ضرات التجميل‪،‬‬ ‫وباع طويل في �أمرا�ض الر�أ�س‪ ،‬مثل ال�صداع‬ ‫وال�شقيقة‪ ،‬والأم��را���ض الع�صبية والعقلية‬ ‫وال�صرع‪ ،‬وو�صف‬ ‫ففرق بين ال�سكتة‬ ‫َ‬ ‫والنف�سية؛ ّ‬ ‫الت�شنج وذكر �أ�سبابه وعالجه‪ ،‬وبرع ونبغ في‬ ‫طب العيون وت�شريحها‪� ..‬أي�ض ًا �أ ّلف العديد من‬ ‫كتب الطب‪ ،‬منها‪( :‬في �أوجاع ال ُكلى والمثاني)‪،‬‬ ‫و(في �أجنا�س ما تنق�سم الأدوي��ة �إليه)‪ ،‬و(في‬ ‫�أجنا�س ما توزن به الأدوية)‪ ،‬و(�صفة الجنين)‪،‬‬ ‫و(ت�شريح بع�ض الطيور)‪ ،‬و(الح�صى المتولد في‬ ‫المثانة)‪ ،‬و(الذخيرة في الطب) الذي و�ضعه‬ ‫البنه �سنان‪.‬‬ ‫وثابت نقل علمه خطوة �إلى �سوية �أرقى‪،‬‬ ‫عندما �أن�ش�أ في مدينة الرقة ال�سورية في العام‬ ‫(‪848‬م) مدر�سة عليا لتعليم الفلك والفل�سفة‬ ‫وال��ط��ب‪ ،‬تخرج فيها نحو (‪ )20‬عالم ًا من‬ ‫الأ�سماء المرموقة �آن���ذاك؛ منهم‪ :‬اب��ن �أخته‬ ‫الب ّتاني وعي�سى بن �أُ�سيد الن�صراني‪ ،‬و�آخرون‪.‬‬ ‫يثني الم�ست�شرق المحدث (�ألدومييلي)‬ ‫‪8‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫�أرخميد�س‬

‫الإيطالي‪ ،‬على ف�ضل ثابت الكبير في حركة‬ ‫ال��ت��رج��م��ة‪ ،‬وخ��ا���ص��ة م ��ؤل��ف��ات �أرخ��م��ي��د���س‪،‬‬ ‫و�إق��ل��ي��د���س‪ ،‬وكثيرين �آخ��ري��ن‪ ..‬وخ�صو�ص ًا‬ ‫تنقيحه ترجمة كتاب (الأ���ص��ول) لإقليد�س‪،‬‬ ‫تنقيح ًا دقيق ًا‪ ،‬وت�صحيحه لترجمة �إ�سحق بن‬ ‫حنين‪ ،‬لكتاب مهم في علم النبات لأر�سطو‪� ،‬إذ‬ ‫�إن الكثير من هذه الترجمات وال�شروح‪ ،‬فقدت‬ ‫في �أ�صولها اليونانية‪ ،‬ولم يبق �إال ترجماتها‬ ‫العربية التي يعود �إليها كثير من الدار�سين‬ ‫ال�شرقيين والغربيين في الع�صر الحديث‪.‬‬ ‫�أي�ض ًا (ويل ديورانت) في مو�سوعته (ق�صة‬ ‫الح�ضارة)‪ ،‬امتدح ثابت ًا بقوله‪�( :‬إن ثابت بن قرة‬ ‫�أعظم علماء ع�صره في علم الهند�سة‪ ،‬فكان المع ًا‬ ‫بين �إخوانه العرب)‪ ..‬وقال الم�ست�شرق (روبرت‬ ‫مارك�س) في كتابه تطورات الريا�ضيات‪�( :‬إن‬ ‫�أعمال �أرخميد�س الأ�صلية‪ ،‬عن خوا�ص م�سبع‬ ‫ال�شكل‪ُ ،‬فقدت‪ ،‬ولكن لح�سن الحظ �أن مخطوطة‬ ‫لثابت بن قرة في هذا المو�ضوع باللغة العربية‪،‬‬ ‫وجدت في مكتبة جامعة القاهرة‪ ،‬وترجمت �إلى‬ ‫اللغة الألمانية في العام ‪1929‬م)‪.‬‬

‫�أبقراط‬

‫�أفالطون‬

‫ترجمات ثابت بن قرة لأعمال �أبولونيو�س‬ ‫في هند�سة المخروطيات‬

‫در�س حركة ال�شم�س‬ ‫وح�سب طول ال�سنة‬ ‫ال�شم�سية وميل‬ ‫دائرة البروج بدقة‬ ‫مذهلة‬

‫تولى رئا�سة‬ ‫(بيمار�ستان) بغداد‬ ‫الذي �أ�س�سه الخليفة‬ ‫المعت�ضد و�أول من‬ ‫�أدخل الجراحة �إليه‬

‫مقاالت‬ ‫ف�ضاءات‬

‫الم�ست�شرقة كـاريـن �آرم�ستـرونج‬ ‫ج�سرت العالقات بين الإ�سالم والغرب‬ ‫ّ‬ ‫عنيت الكاتبة والم�ست�شرقة البريطانية‬ ‫(كارين �آرم�سترونج) بالدرا�سات في الثقافة‬ ‫العربية والإ�سالمية‪ ،‬وكتبت في العديد من‬ ‫المو�ضوعات الإ�سالمية‪ ،‬مثل التاريخ الإ�سالمي‪،‬‬ ‫وال�سيرة النبوية‪ ،‬والفرق‪ ..‬و�ضربت �أروع الأمثلة‬ ‫في الإن�صاف‪ ،‬والتجرد في كتاباتها عن الإ�سالم‬ ‫وح�ضارته ور�سوله الكريم �صلى اهلل عليه و�سلم‪.‬‬ ‫والحقيقة �أن كارين �آرم�سترونج قد تجردت‬ ‫تجرداً‪ ،‬ي�صعب �أن نجده في كتابات الكثير من‬ ‫الكتاب والم�ست�شرقين الذين تناولوا الكتابة عن‬ ‫الإ�سالم وح�ضارته‪ ،‬وقد جاء هذا التجرد بحكم‬ ‫ن�ش�أتها العلمية الأكاديمية الواعية‪ ،‬وروحها‬ ‫النزيهة في البحث عن الحقيقة دون تحيز �أو‬ ‫تع�صب منها‪ ،‬وقد �أعطى هذا التجرد م�صداقية‬ ‫كبيرة لكتاباتها‪.‬‬ ‫وكارين �أرم�سترونج‪ ،‬هي كاتبة بريطانية‬ ‫الجن�سية‪ ،‬من �أ�صل �أيرلندي‪ ،‬متخ�ص�صة في علم‬ ‫الأدي��ان المقارن‪ .‬ولدت في (‪ 14‬نوفمبر عام‬ ‫‪1944‬م)‪ ،‬ودخلت �سلك الرهبنة‪ ،‬ثم تركت حياة‬ ‫الرهبنة وغ��ادرت دير الرهبان معترفة ب�أنها‬ ‫لم ت�ستطع �أن تفي بمطالب حياة الرهبانية‬ ‫التي كانت قد اختارتها‪ .‬و�أخذت تدر�س الأدب‬ ‫الإنجليزي في القرنين التا�سع ع�شر والع�شرين‬ ‫ف��ي (ب��ي��دف��ورد كوليج) جامعة ل��ن��دن‪ ،‬بعدئ ٍذ‬ ‫�أم�ضت �سبع �سنوات تدر�س في �إحدى مدار�س‬ ‫البنات‪� ،‬إال �أن و�ضعها ال�صحي حال بينها وبين‬ ‫االنتظام في عملها بالتدري�س الذي تركته عام‬ ‫(‪1981‬م)‪ ،‬ووا�صلت الدرا�سة حتى �سجلت ر�سالة‬ ‫الدكتوراه في ال�شاعر (تينين)‪ ،‬لكنها �أخفقت في‬ ‫الح�صول عليها من قبل ممتحنها الخارجي‪.‬‬ ‫قامت كارين �آرم�سترونج بجهد مميز في‬ ‫ن�شر ثقافة التعاي�ش وال�سالم في المجتمع‬ ‫الإن�����س��ان��ي‪ ،‬وه��ي �أرادت م��ن خ�لال ت�صحيح‬ ‫المفاهيم الخط�أ التي راجت بكثرة في الغرب‬ ‫عن الإ�سالم والم�سلمين‪ ،‬وقامت بعر�ضها من‬ ‫خالل ذكر �سيرة الر�سول �صلى اهلل عليه و�سلم‬ ‫حتى يت�سنى للغرب التعرف �إلى هذه ال�شخ�صية‬

‫قامت بجهد متميز في ن�شر‬ ‫ثقافة المحبة وال�سالم في‬ ‫المجتمع الإن�ساني‬

‫العظيمة التي طالما نالت �أقالمهم و�صحفهم‬ ‫منه‪ ،‬وحتى يقدروا �إنجازاته العظيمة في خدمة‬ ‫الإن�سانية‪ ،‬فقد نظرت في الكتابات العلمية‬ ‫الغربية‪ ،‬فوجدت ق�صوراً علمي ًا �شديداً‪ ،‬على حد‬ ‫تعبيرها‪ ،‬في تناول حقيقة الدين الإ�سالمي‪،‬‬ ‫وحقبة الح�ضارة الإ�سالمية �شرق ًا وغرب ًا في‬ ‫معظم الكتابات الغربية‪ ،‬و�أن الذين تناولوها‪ ،‬قد‬ ‫غلب عليهم �إما التع�صب‪� ،‬أو عدم المعرفة‪ ،‬لأ�س�س‬ ‫و�أ�صول ومبادئ الدين الإ�سالمي‪ ،‬و�إ�سهامات‬ ‫الح�ضارة الإ�سالمية في تقدم الح�ضارة الغربية‪.‬‬ ‫ومن هنا بد�أت رحلتها في البحث عن الحقائق‬ ‫العلمية الموثقة لرفع الغبن والتجني الذي وقع‬ ‫على الإ�سالم‪ ،‬ب�سبب الكتابات غير المن�صفة‪،‬‬ ‫التي تفتقد روح البحث العلمي النزيه‪ ،‬واال�ستناد‬ ‫�إلى الحقائق الم�ؤكدة‪.‬‬ ‫ولم تبالغ كارين �آرم�سترونج عندما ذكرت‬ ‫في كتبها‪� ،‬أن الح�ضارة الإ�سالمية قدمت تراث ًا‬ ‫�إ�سالمي ًا فريداً‪ ،‬كان بمثابة الم�صباح الم�ضيء‬ ‫الذي �أ�سهم في نمو وتقدم الح�ضارة الغربية‬ ‫الحديثة‪� .‬إن االهتمام العالمي المتزايد في‬ ‫النقا�ش حول ت�أثير الإ�سالم‪ ،‬وتزايد انت�شاره في‬ ‫كثير من البلدان الغربية‪ ،‬قد جعل من كارين‬ ‫�آرم�سترونج متكلمة ذات �شعبية وا�سعة‪ ،‬وذات‬ ‫ت�أثير كبير لأنها �ساعدت في بناء وجهة نظر‬ ‫معتدلة نحو الإ�سالم من قبل جمهور عري�ض‬ ‫في �أوروبا و�أمريكا‪ .‬كما �أن معرفتها الوا�سعة‬ ‫بالثقافة العربية والإ�سالمية من م�صادرها‬ ‫الأ�صيلة‪ ،‬قد انعك�ست على كتاباتها و�أبحاثها‪،‬‬ ‫وذلك بكثرة م�صادرها وتنوعها‪ ،‬فقد رجعت �إلى‬ ‫�أ�شهر كتب ال�سيرة النبوية‪ ،‬وعلوم القر�آن والحديث‬ ‫والتف�سير‪ ،‬والتاريخ‪ ،‬وكتب الأدب واللغة العربية‪،‬‬ ‫وكتب العقائد‪ ،‬والتوراة والإنجيل‪ ،‬وبع�ض كتب‬ ‫الم�ست�شرقين‪ ،‬والمفكرين والم�ؤرخين الم�سلمين‪.‬‬ ‫وبالرغم من ذلك؛ فقد لقيت كارين �آرم�سترونج‬ ‫معار�ضة �شديدة من قبل بع�ض مفكري الغرب‬ ‫ب�سبب موقفها الإيجابي نحو الإ�سالم‪ ،‬حتى �إنها‬ ‫اتهمت ب�أنها عميلة للم�سلمين‪ ،‬لكن هذا الأمر‬ ‫لم يثنها‪ ،‬بل وا�صلت طريقها في دفاعها عن‬ ‫الإ�سالم‪ ،‬وقد برز ذلك من خالل م�ؤلفاتها الآتية‪:‬‬ ‫(الجهاد المقد�س‪ :‬الحمالت ال�صليبية وت�أثيرها‬ ‫في العالم)‪( ،‬الإيمان بعد ‪� 11‬سبتمبر)‪( ،‬الإ�سالم‬ ‫في مر�آة الغرب)‪( ،‬القد�س مدينة واحدة وثالثة‬

‫محمد �إ�سماعيل‬ ‫معتقدات)‪ ،‬و(الإ�سالم المتعاطف)‪.‬‬ ‫ويعد كتاب (الإ�سالم في مر�آة الغرب) الأهم‬ ‫والأبرز من بين جميع م�ؤلفاتها‪ ،‬و�صار عالمة‬ ‫م�ضيئة في مجال الدرا�سات الغربية للإ�سالم‪،‬‬ ‫لما تميز به من مو�ضوعية وعمق وحر�ص على‬ ‫االعتماد على المناهج التي ال ي�أ�سرها التحيز‬ ‫وال��ه��وى‪ .‬كما �أن الكتيب ال��ذي �أعدته كارين‬ ‫�آرم�سترونج بعنوان (الإ�سالم المتعاطف) قد‬ ‫بيع منه �أكثر من ربع مليون ن�سخة في ال�ساحل‬ ‫ال�شرقي بالواليات المتحدة وحدها‪ ،‬وجاء كثير‬ ‫من الأ�سئلة �إلى كارين �آرم�سترونج �أثناء جولة‬ ‫محا�ضراتها التي دلت على �إح�سا�س ب�أن معرفة‬ ‫الأمريكيين للإ�سالم �ضئيلة جداً‪ ،‬وتوجد �إرادة‬ ‫لمعرفة متعمقة حول الإ�سالم‪ ،‬لكن �أي�ض ًا هناك‬ ‫كم كبير جداً من االعترا�ضات الإعالمية �ضد‬ ‫الإ�سالم في الروح الأمريكية‪.‬‬ ‫تتوان كارين �آرم�سترونج في �سبيل‬ ‫ولم‬ ‫َ‬ ‫دعوتها �إلى ن�شر ثقافة الت�سامح ونبذ التع�صب‬ ‫با�سم الأديان‪ ،‬وتوطيد �أوا�صر الأخوة الإن�سانية‬ ‫وال�سالم في المجتمع الإن�ساني‪ .‬وفي فبراير من‬ ‫عام (‪2008‬م)‪ ،‬قدمت لمنظمة (تيد) م�شروع‬ ‫د�ستور با�سم مجل�س قادة الم�سيحيين والم�سلمين‬ ‫واليهود لر�سم د�ستور للرحمة‪ ،‬وفازت كارين‬ ‫بمنحة �ضخمة تمنح لكل مفكر يريد تغيير العالم‬ ‫�إلى الأف�ضل‪ ،‬وذلك لو�ضع د�ستور الرحمة‪ ،‬وهو‬ ‫عبارة عن �أولويات �أخالقية م�شتركة في الأديان‬ ‫ال�سماوية تحد من ال�صدام‪ ،‬وتن�شد المحبة‬ ‫وال�سالم‪ ،‬تتبنى فهم ًا عالي ًا لروح هذه القاعدة‬ ‫الذهبية‪ .‬وفى مايو من عام (‪2008‬م)‪ ،‬منحت‬ ‫جائزة حرية العبادة بمعهد روزفلت‪ ،‬و�صرح‬ ‫المعهد ب��أن البريطانية كارين �آرم�سترونج‪،‬‬ ‫�صارت �صوت ًا مهم ًا‪ ،‬يطالب بفهم متبادل في‬ ‫�أوقات كثر فيها الهرج والمجابهة والعنف بين‬ ‫المجموعات الدينية‪ ،‬وا�ست�شهد ب�أن تركيزها‬ ‫ال�شخ�صي المثالي نحو ال�سالم يمكن �أن يوجد‬ ‫في الفهم الديني‪.‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪9‬‬

‫راكم ربع قرن في تدري�س الأدب العربي وترجمة ن�صو�صه الكبرى‬

‫المـتـرجم والم�ست�شرق مايكل كوبر�سون‪:‬‬ ‫�أترجـم وعيـنـي علـى النـ�ص ولـيـ�س على القــارئ‬

‫راك��م مايكل كوبر�سون رب��ع ق��رن في تدري�س الأدب العربي‬ ‫وف��ي ترجمة ع��دد كبير م��ن ن�صو�صه ال��ك��ب��رى‪ .‬ح�صل على‬ ‫ال��دك��ت��وراه في لغات ال�شرق الأدن���ى وح�ضاراته من جامعة‬ ‫ه��ارف��ارد‪ ،‬وترجم ع��دد ًا من الن�صو�ص الأدب��ي��ة العربية �إلى‬ ‫الإن��ج��ل��ي��زي��ة‪ ،‬م��ن بينها (ال��ك��ت��اب��ة وال��ت��ن��ا���س��خ‪ :‬م��ق��االت في‬ ‫ح�سن الوزاني‬ ‫الثقافة العربية التقليدية) لعبدالفتاح كيليطو‪ ،‬و(رحالت‬ ‫الطر�شجي الحلوجي) لخيري �شلبي‪ ،‬و(الأم��ي��ن وال��م���أم��ون) لجرجي زي��دان‪،‬‬ ‫و(م��ق��ام��ات ال��ح��ري��ري)‪ .‬كما ف��از بعدة ج��وائ��ز عربية ف��ي م��ج��االت مختلفة‪.‬‬ ‫‪10‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫الجمهور المق�صود‬ ‫ب�أية ترجمة �إلى‬ ‫الإنجليزية جمهور‬ ‫عالمي ولي�س �أمريكي ًا‬ ‫فح�سب‬

‫توا�صل‬ ‫ولي�س �أمريكي ًا فح�سب‪ ،‬ففي الهند ونيجيريا‬ ‫مثال نجد عدداً �ضخم ًا من القراء الذين ثقافتهم‬ ‫هي في الأ�سا�س ثقافة �إنجليزية‪ ،‬و�إن كانت‬ ‫اهتماماتهم محلية �أو كوكبية‪ .‬ولعلني �أُعبر‬ ‫عن �شعور كثير من المترجمين المتفرغين‬ ‫للترجمة الأدبية حين �أقول �إننا نترجم وعيننا‬ ‫على الن�ص‪ ،‬ولي�س على القارئ‪� .‬أما بخ�صو�ص‬ ‫الكتب ال��ت��ي ترجم ُتها فقد ك��ان الجمهور‬ ‫المق�صود هو جمهور المهتمين بال�شرق الأو�سط‬ ‫من المخت�صين وغير المخت�صين‪ ،‬با�ستثناء‬ ‫(المقامات)‪ ،‬والتي تتوجه �إلى هواة الأالعيب‬ ‫اللغوية والتجارب الأ�سلوبية ب�صرف النظر عن‬ ‫الجغرافيا‪.‬‬

‫¯ تعود عالقتك باللغة العربية على م�ستوى‬ ‫ع�شت‬ ‫التدري�س والترجمة �إلى ربع قرن‪ ...‬كيف‬ ‫َ‬ ‫هذه االزدواجية اللغوية؟‬ ‫ الحقيقة �أن��ن��ي ن�ش� ُأت �أتكلم اللغتين‬‫الإنجليزية واليونانية‪ ،‬فاالزدواجية �أعتبرها‬ ‫حا ًال طبيعية‪ .‬كانت ال�سنوات التي ق�ضيتها في‬ ‫حظيت بفر�صة‬ ‫م�صر محوري ًة في تكويني‪� ،‬إذ‬ ‫ُ‬ ‫التعرف �إلى جيل كامل من المثقفين ال�شبان‪،‬‬ ‫ور�أيت اللغ َة تنطبق على كل ظروف الحياة‪ ،‬بعد‬ ‫�أن كانت بالن�سبة �إلى لغ ًة تحمل تراث ًا يبعد كل‬ ‫البعد عن معمعة الحياة اليومية‪.‬‬

‫¯ ما الذي يقودك في اختيار الأعمال التي‬ ‫تترجمها؟‬ ‫ لي�س لي معايير ثابتة‪ ،‬ذل��ك لأن كل‬‫اختيار له منطقه الخا�ص‪ .‬ف�أول عمل ترجمته‬ ‫ه��و (ال��ك��ات��ب والتنا�سخ) للكاتب المغربي‬ ‫عبد الفتاح كيليطو‪ ،‬وال��ذي �أعجبني تطبيقه‬ ‫ال�ضمني للتطورات النظرية حديثة العهد �آنذاك‬ ‫على الن�صو�ص التراثية‪� .‬أما كتاب (مناقب �أبي‬ ‫عبد اهلل �أحمد بن محمد بن حنبل) البن الجوزي‬ ‫ف�شدني �إليه من ناحية �شخ�صي ُة ابن حنبل‪،‬‬ ‫ثراء‬ ‫رغم تق�شفه وتوا�ضعه‪ ،‬ومن ناحية �أخرى ُ‬ ‫و�صف تفا�صيل الحياة اليومية في بغداد القرن‬ ‫الثالث الهجري‪� ،‬إذ نجد على �سبيل المثال‬ ‫و�صف ًا دقيق ًا للمنازل والمالب�س والأطعمة‬ ‫وبعد بذل الجهد في‬ ‫وال��ع��ادات االجتماعية‪َ .‬‬ ‫ا�ستق�صاء معاني الم�صطلحات العمرانية‬ ‫كـ(المالج والطاقچه والجرمق) ناهيك عن‬ ‫التعريف برجال الأ�سانيد وعددهم بالمئات‪.‬‬

‫ي�سعى بقدر الإمكان‬ ‫�إلى ن�شر مجموعة‬ ‫من الأعمال التي‬ ‫تمثل تنوع الموروث‬ ‫وثراءه ويرف�ض‬ ‫المنطق اال�ست�شراقي‬ ‫بمعناه ال�سلبي‬

‫ال يعتمد معايير‬ ‫ثابتة في انتقاء‬ ‫الكتب التي يترجمها‬

‫ترجمت عدداً مهم ًا من الن�صو�ص الأدبية‬ ‫¯‬ ‫َ‬ ‫العربية �إلى الإنجليزية‪ .‬ماذا عن �آثار وم�ستوى‬ ‫تلقيها من طرف القارئ الأمريكي؟‬ ‫أذك��ر �أو ًال �أن الجمهور المق�صود ب�أية‬ ‫� ّ‬‫ترجمة �إل��ى الإنجليزية هو جمهور عالمي‬ ‫من م�ؤلفاته‬ ‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪11‬‬

‫�أحمد فار�س ال�شدياق‬

‫عبدالفتاح كيليطو‬

‫جرجي زيدان‬

‫خيري �شلبي‬

‫ليان �ألول‬

‫تحم�ست لترجمة مقامات الحريري ب�صفتها نبهان بجوائز مالطية و�أوروبية‪ ،‬ثم ُترجمت‬ ‫ُ‬ ‫�إلى العربية‪ ،‬كما ُترجمت عدة روايات مالطية‬ ‫لعبة لغوية ال تدل على �شيء غير نف�سها‪.‬‬ ‫�أخرى‪� ،‬أذكر منها (جرام) ل�صاحبتها ليان �ألول‪.‬‬ ‫¯ تهتم �أي�ض ًا باللغة المالطية التي تحتفظ‬ ‫اال�ست�شراق محاط ًا بكثير من االلتبا�سات‪،‬‬ ‫بكثير من الترابطات مع اللغة العربية‪ ..‬كيف ¯ ظ َّل‬ ‫ُ‬ ‫ت��رى دالالت الت�أثير التي يمكن �أن تجمع �سواء على م�ستوى �إنتاجه �أو تلقيه‪ ..‬ما هي‬ ‫اللغات؟‬ ‫ال�سمات التي تطبع المدر�سة اال�ست�شراقية‬ ‫ يجب االعتراف ب�أن اللغة المالطية قد الأمريكية في الوقت الراهن؟‬‫ٍ‬ ‫محاوالت‬ ‫كونت هويتها الخا�صة من خالل‬ ‫ تنبغي الإ���ش��ارة �أو ًال �إل ��ى ���س��وء فهم‬‫ْ‬ ‫لأدبائها بهدف تمييزها عن العربية‪� ،‬إذ نجد �شائع في الخطابين‪ :‬ال�صحافي والأكاديمي‬ ‫حتى الآن من ينكر للمالطية‬ ‫جذورها العربية ف��ي ال��وط��ن ال��ع��رب��ي‪� ،‬أع��ن��ي �إط�ل�اق م�صطلح‬ ‫َ‬ ‫مدعي ًا �أنها فينيقية‪ ،‬برغم الت�شابه البديهي اال�ست�شراق على جميع الفئات دونما تمييز‪ ،‬مع‬ ‫ّ‬ ‫الموجود بينها وبين دارجات البحر الأبي�ض �أن م�صطلح اال�ست�شراق بالمعنى الحيادي من‬ ‫المتو�سط‪ ،‬خا�صة لهجة �صفاق�س التون�سية‪� .‬ش�أنه �أن ُيطلق على فئة من َيدر�س الح�ضارات‬ ‫ولكن ال�سنوات الأخيرة‬ ‫�شهدت تقارب ًا على العربية والإ�سالمية‪� .‬أما م�صطلح اال�ست�شراق‬ ‫ْ‬ ‫ال�سلبي فمن �ش�أنه‬ ‫الم�ستوى الثقافي‪ ،‬فقد ف��ازت رواي��ة (هجرة ح�سب مفهوم �إدوارد �سعيد ِّ‬ ‫اللقالق) للكاتب الفل�سطيني المالطي وليد �أن ُيطلق على فئة مدعي الخبرة في �ش�ؤون‬ ‫‪12‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫م�صطلح اال�ست�شراق‬ ‫ال�سلبي من �ش�أنه‬ ‫�أن يطلق على فئة‬ ‫مدعي الخبرة‬ ‫في �ش�ؤون ال�شرق‬ ‫الأو�سط المعا�صرة‬

‫توا�صل‬ ‫ال�شرق الأو���س��ط المعا�صر‪ ،‬والمتدخلين في‬ ‫�أم ��وره من منطلق هو �أ�شبه باال�ستعمارية‬ ‫الجديدة‪ .‬ففي القرن التا�سع ع�شر‪ ،‬الذي ركز‬ ‫عليه �إدوارد �سعيد في درا�سته الم�شهورة‪ ،‬كان‬ ‫عدد من هواة اللغات والآثار يعملون ترو�س ًا في‬ ‫ٌ‬ ‫الجهاز التو�سعي واال�ستعماري لدول �أوروبا‬ ‫الكبرى‪ ،‬ولكن الو�ضع قد تغير منذ ذلك الوقت‬ ‫ان�شق المخت�صون باللغات‬ ‫جذري ًا‪ ،‬فقد‬ ‫تغيراً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫والح�ضارات ع��ن المنخرطين ف��ي ال�ش�ؤون‬ ‫تام ًا و�شبه تام‪،‬‬ ‫ال�سيا�سية والع�سكرية ان�شقاق ًا ّ‬ ‫وبما �أن ازدواجية م�صطلح اال�ست�شراق ال بد �أن‬ ‫ُتولد خلط ًا والتبا�س ًا‪ ،‬فينبغي تجنبه‪� ،‬إال فيما‬ ‫يخ�ص ظاهرة اال�ست�شراق التاريخية والمنهج‬ ‫النقدي المبنى على تحليل �إدوارد �سعيد لها‪.‬‬ ‫أ�سهمت في �إطالق م�شروع المكتبة العربية‬ ‫¯�‬ ‫َ‬ ‫التابع لجامعة نيويورك في �أبوظبي‪ ..‬ما الذي‬ ‫يمكنه �أن تمنحه مثل هذه الم�شاريع على‬ ‫م�ستوى ت�سريع وتيرة الترجمة من اللغة‬ ‫العربية �إلى الإنجليزية؟‬ ‫ �أجد �أن هذه الوتيرة قد ت�سارعت بالفعل‪،‬‬‫خ�لال العقد الأخ��ي��ر‪ ،‬بف�ضل ن�شاط م�شروع‬ ‫المكتبة العربية التابع لجامعة نيويورك في‬ ‫�أبوظبي والذي �صدر عنه ما ال يقل عن �سبعين‬ ‫مجلداً‪ ،‬منها‪ :‬ديوان عنترة بن �شداد‪ ،‬ور�سالة‬ ‫الغفران للمعري‪ ،‬وال�ساق على ال�ساق لأحمد‬ ‫فار�س ال�شدياق‪ ،‬وكتاب الو�صلة �إلى الحبيب‬

‫مايكل كوبر�سون‬

‫وال ��ذي يعتبر �أول كتاب طبخ كامل و�صل‬ ‫عالمي ًا‪.‬‬ ‫عربي ًا فقط بل‬ ‫�إلينا حتى الآن لي�س‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وبالجملة ف�إن من�شورات المكتبة تقدم نماذج‬ ‫لنتاج جميع الع�صور وكثير م��ن المناطق‬ ‫الناطقة بالعربية‪ ،‬كما �أنها تمثل طيف ًا وا�سع ًا‬ ‫من المجاالت‪ ،‬منها ال�شعر والنثر الفني و�أدب‬ ‫ال�سير والطبقات وعلوم الكالم والفل�سفة وحتى‬ ‫فن الطبخ‪ .‬وفي هذا الخ�صم ال تن�س الدور المهم‬ ‫الذي يقدمه الم�شروع الثقافي ل�صاحب ال�سمو‬ ‫ال�شيخ الدكتور �سلطان بن محمد القا�سمي‪،‬‬ ‫حاكم ال�شارقة‪ ،‬في ن�شر عيون الأعمال الأدبية‬ ‫العربية وطرحها للجمهور المتعط�ش لكل جديد‪،‬‬ ‫ودور دائرة الثقافة في طباعة الكثير من الكتب‬ ‫العربية‪ ،‬ن�صو�ص ًا وق�صة ورواي���ة‪ ..‬لخدمة‬ ‫القارئ و�إر�سائه على قواعد ثابتة من الن�شاط‬ ‫الثقافي‪.‬‬ ‫على �أ ّننا ل�سنا ب�صدد فر�ض قائمة ن�صو�ص‬ ‫مقررة‪ ،‬وال تتويج عناوين بعينها باعتبارها‬ ‫�أعما ًال نموذجية �أو ممثلة بال�ضرورة للثقافة‬ ‫العربية‪ ،‬بل ن�سعى بقدر الإم��ك��ان �إل��ى ن�شر‬ ‫مجموعة من الأعمال التي تمثل تنوع الموروث‬ ‫وثراءه‪� ،‬إما عن طريق نقل م�شاهير الأعمال �أو‬ ‫�إعادة نقلها في بع�ض الحاالت‪ ،‬و�إما ب�إلقاء‬ ‫المزيد من ال�ضوء على �أع��م��ال مهجورة �أو‬ ‫مجهولة‪.‬‬ ‫وم��ن المهم للغاية االل��ت��زام ب�أ�سلوب‬ ‫�إنجليزي بعيد كل البعد عن �أ�سلوب الترجمات‬ ‫المتخبطة في حرفيتها الذي كان للأ�سف هو‬ ‫المعتاد لدى الم�ست�شرقين �إل��ى وقت قريب؛‬ ‫وذل ��ك لأ ّن���ا نرف�ض المنطق اال�ست�شراقي‬ ‫(بالمعنى ال�سلبي)‪ ،‬ال��ذي ي��رى في التراث‬ ‫العربي م�صدر معلومات ع��ن المجتمعات‬ ‫العربية‪ ،‬ولي�س مكتبة لها قيمة علمية �أو‬ ‫روحية �أو جمالية بالمعنى الأو�سع‪.‬‬

‫ترجم عدداً من‬ ‫الن�صو�ص العربية‬ ‫�إلى الإنجليزية وفاز‬ ‫بعدة جوائز في‬ ‫مجاالت مختلفة‬

‫در�س الأدب العربي‬ ‫ّ‬ ‫لمدة تزيد على ربع‬ ‫قرن‬

‫يجب �أال نن�سى الدور‬ ‫الثقافي لل�شارقة في‬ ‫ن�شر عيون الأدب‬ ‫العربي‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪13‬‬

‫مقاالت‬

‫عنترة بن �شداد‬ ‫في باري�س‬

‫د‪ .‬محمد �صابر عرب‬

‫في عام (‪١٩١٠‬م)‪� ،‬أ�صدرت م�صلحة البو�ستة‬ ‫الم�صرية تقريراً بعدد الجرائد والمجالت التي‬ ‫كانت ت�صدر في م�صر‪ ،‬وقد �أح�صى التقرير عددها‬ ‫عن ع��ام (‪١٩١٠‬م)‪ ،‬ب���ـ(‪ )١٢٤‬جريدة ومجلة‪،‬‬ ‫العقد الأول من نف�س القرن‬ ‫بينما كان عددها في َ‬ ‫(‪ ،)١٤٤‬وكانت معظم ال�صحف والمجالت التي‬ ‫ُحجبت عن الظهور ت�صدر باللغة العربية‪ ،‬بينما لم‬ ‫ُيحجب من ال�صحف الأجنبية �إال �صحيفة واحدة‪.‬‬ ‫وكانت معظم ال�صحف ت�صدر في القاهرة‪ ،‬وبلغ‬ ‫عددها ثمانين‪ ،‬وفي الإ�سكندرية �سبع ًا وثالثين‪،‬‬ ‫وثالث ًا في كل من بور�سعيد وطنطا‪ ،‬و�صحيفة‬ ‫واحدة ت�صدر في �أ�سيوط‪.‬‬ ‫المتابع لتاريخ ال�صحافة الم�صرية‪ ،‬يعلم‬ ‫�أن ه��ذا النق�صان ك��ان ب�سبب ���ص��دور قانون‬ ‫المطبوعات (‪١٩٠٩‬م)‪ ،‬الذي و�ضع قيوداً �صارمة‬ ‫لعمل ال�صحافة بدوافع �سيا�سية خال�صة‪ ،‬وتحت‬ ‫�ضغط من �سلطة االحتالل البريطاني‪ .‬في الأول من‬ ‫مار�س (‪١٩١٠‬م)‪� ،‬صدرت مجلة �شهرية جديدة في‬ ‫محتواها وفي فكرتها (مجلة الزهور)‪ ،‬ل�صاحبها‬ ‫الجميل‪ ،‬وا�ستمر �إ�صدارها لأربع �سنوات‬ ‫�أنطون ُ‬ ‫فقط‪ ،‬وهي مجلة ثقافية وفكرية وفنية و�أدبية‪،‬‬ ‫وقد حددت فكرتها منذ �صدور العدد الأول (مار�س‬ ‫‪١٩١٠‬م)‪ ،‬فقد ُعنيت ببعث الثقافة العربية �أدب ًا‬ ‫و�شعراً وتاريخ ًا‪ ،‬وخ�صو�ص ًا في المو�ضوعات التي‬ ‫يجهلها الأبناء مع مطلع القرن الع�شرين‪ ،‬حينما‬ ‫ن�شرت المجلة ما يمكن ت�سميته بالتراث البناء‪،‬‬ ‫الذي �أبدعه الكتاب وال�شعراء العرب طوال القرون‬ ‫المن�صرمة‪ ،‬وقد ابتعدت عن ال�سيا�سة والدين‪� ،‬سواء‬ ‫�أكان ذلك ب�سبب قانون المطبوعات‪� ،‬أو خوف ًا من‬ ‫الخالفات ال�سيا�سية والمذهبية‪ ،‬التي من الممكن‬ ‫�أن ُتدخل المجلة في �صراعات ال طائل من ورائها‪.‬‬ ‫اختارت هيئة تحرير المجلة عدداً من �شوامخ‬

‫‪14‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫الك ّتاب وال�شعراء ال��ع��رب‪ ،‬من بينهم‪� :‬إبراهيم‬ ‫الحوراني و�أحمد �شوقي وخليل مطران و�إ�سماعيل‬ ‫���ص��ب��ري وب�����ش��ارة ال��خ��وري وح��اف��ظ �إب��راه��ي��م‬ ‫وم�صطفى المنفلوطي و�شبلي �شميل ومحمد كرد‬ ‫علي وول��ي الدين يكن ونعيم �شقير‪ ..‬وغيرهم‬ ‫كثيرون من م�صر وال�شام وال��ع��راق وطرابل�س‬ ‫الغرب والجزائر‪ ،‬و�صو ًال �إلى المثقفين العرب في‬ ‫�أوروبا والأمريكيتين‪ ،‬فقد ن�شرت المجلة �أروع ما‬ ‫كتبه الكتاب وال�شعراء العرب القدامى والمحدثون‪،‬‬ ‫كما �أف�سحت م�ساح ًة كبيرة للترجمة عن �أروع ما‬ ‫خلفه العقل الأوروبي من �أعمال فكرية و�شعرية‬ ‫وم�سرحية‪ ،‬وقد ُعنيت المجلة بكل ما هو جديد في‬ ‫عالم الثقافة والفن‪ ،‬في كل القارة الأوروبية من‬ ‫خالل المرا�سلين العرب المقيمين في هذه البالد‪،‬‬ ‫لتعريف القارئ العربي بكل ما هو جديد في عالم‬ ‫الن�شر والإبداعات الفكرية والثقافية والم�سرحية‪.‬‬ ‫ومنذ العدد الأول وحتى العدد الأخير من �إ�صدارات‬ ‫المجلة‪ ،‬وهي تقدم وجبة ثقافية وفكرية راح‬ ‫يتلقفها القارئ العربي من المحيط �إلى الخليج‪.‬‬ ‫غطت المجلة �أخ��ب��ار الكتب الجديدة قبل‬ ‫االنتهاء من طباعتها و�شيوعها بين القراء‪ ،‬من‬ ‫قبيل كتاب (النظرات) لم�صطفى المنفلوطي‪،‬‬ ‫والجديد في عالم الم�سرح لكبار الكتاب وال�شعراء‪،‬‬ ‫وخ�صو�ص ًا �أ�شعار (�إدم��ون رو�ستان) في نف�س‬ ‫الوقت ال��ذي كانت ُتن�شر فيه في باري�س‪ ،‬وقد‬ ‫قارنت المجلة بين هذا ال�شاعر الفرن�سي الكبير‬ ‫رو�ستان‪ ،‬وبين ال�شاعر الم�صري حافظ �إبراهيم‪،‬‬ ‫وخ�صو�ص ًا ف��ي العائد ال��م��ادي‪ ،‬فبينما كان‬ ‫رو�ستان يتقا�ضى عن بيت واح��د من ال�شعر ما‬ ‫يتقا�ضاه حافظ �إبراهيم عن ع�شرات الق�صائد‪،‬‬ ‫ولعلها ق�ضية ماتزال قائمة برغم مرور �أكثر من‬ ‫قرن على هذه الظاهرة‪.‬‬

‫�صدرت مجلة‬ ‫«الزهور» �شهري ًا عام‬ ‫(‪١٩١٠‬م) ل�صاحبها‬ ‫�أنطون الجميل‬ ‫وعنيت بالثقافة‬ ‫والفكر والفن‬

‫�أفردت المجلة في‬ ‫كل �أعدادها م�ساحة‬ ‫كبيرة للم�سرح‬ ‫العربي خ�صو�ص ًا عن‬ ‫بداياته في �أوروبا‬

‫�أ�سئلة‬ ‫�أفردت المجلة في كل �أعدادها م�ساحة كبيرة‬ ‫للم�سرح العربي‪ ،‬وخ�صو�ص ًا عن بداياته في‬ ‫�أوروبا‪ ،‬وقد غطت المجلة عر�ض م�سرحية (عنترة‬ ‫بن �شداد) في باري�س‪ ،‬حينما ُعر�ضت على م�سرح‬ ‫�أودي���ون‪ ،‬وق��د كتبها بالفرن�سية �شعراً (�شكري‬ ‫غانم)‪ ،‬و�أجاد ترجمتها و�صياغتها بلغة �شعرية‬ ‫رائعة‪ ،‬وخ�صو�ص ًا حينما تخيل عنترة وهو يجوب‬ ‫البوادي في �شكل درامي بديع‪ ،‬وقد ر�صدت المجلة‬ ‫ردود فعل الفرن�سيين على هذا العمل الذي هز قلب‬ ‫باري�س طرب ًا و�إعجاب ًا‪ ،‬وقد ر�أى مرا�سلو المجلة �أنه‬ ‫عمل يفوق ما قدمه فيكتور هيجو و�شك�سبير‪ ،‬وال‬ ‫يدانيه في تاريخ هذا الإبداع �إال دانتي‪ ،‬وخ�صو�ص ًا‬ ‫وهو ينظر �إلى حبيبته عبلة مخاطب ًا �إياها بلغة‬ ‫فرن�سية ر�شيقة‪ ،‬حينما يقول بلغة بني عب�س‪:‬‬ ‫ول��ق��د ذك���رت���ك وال���رم���اح ن��واه��لٌ‬ ‫مني وبي�ض الهند تقطر م��ن دمي‬ ‫ف�����وددت ت��ق��ب��ي��ل ال�����س��ي��وف لأن��ه��ا‬ ‫المتب�سم‬ ‫ل��م��ع��ت ك���ب���ارق ث��غ��رك‬ ‫ِ‬ ‫وعنترة بهذه ال�صورة الدرامية العميقة‪ُ ،‬يع ِلي‬ ‫من قيمة ما قاله ال�شعراء العرب على ما قاله‬ ‫�شعراء الغرب‪ ،‬حينما يج�سد البطولة‪ ،‬حيث تكون‬ ‫رجولة الع�شاق‪ ،‬وكيف ُيح ّلق ال�شاعر في عالم‬ ‫الخيال‪ ،‬وال ي�أنف الباري�سيون �أن يع�شقوا البدوي‬ ‫الأ�سود ل�شهامته‪ ،‬لأن الف�ضيلة ملك للإن�سانية‬ ‫جمعاء‪ ،‬فال هي بدوية وال هي ح�ضرية‪ .‬ولعل‬ ‫�أجمل ما قيل في هذا ال�سياق‪ ،‬ما �أبدعه عنترة في‬ ‫م�شهد درامي بديع‪:‬‬ ‫تُ��ع��ي��رن��ي ال���ع���دا ب�����س��واد ج��ل��دي‬ ‫وب��ي�����ض �شمائلي تمحو ال�����س��وادا‬ ‫فتلك ال��م��روءة تتفق وك��ل الف�ضائل‪ ،‬وال‬ ‫ت�ستنكفها �أية ثقافة �إن�سانية‪ .‬وكان �شكري غانم‬ ‫ف��ي ك��ل م��ا كتب وت��رج��م‪ ،‬ي�ستعيد روح عنترة‬ ‫بلغة فرن�سية بديعة‪ ،‬ولم ي�شعر الفرن�سيون ب�أي‬ ‫ا�ضطراب في المعنى‪ ،‬وهو بهذا يكون قد فتح باب ًا‬ ‫للثقافة العربية في باري�س‪ ،‬وخ�صو�ص ًا حينما‬ ‫�أن�شد على ل�سان عنترة‪:‬‬ ‫دلل ال��م��ن��اي��ا‬ ‫ح�����ص��ان��ي ك�����ان ّ‬ ‫ف��خ��ا���ض غ��م��اره��ا َ‬ ‫و����ش���رى وب��اع��ا‬ ‫و���س��ي��ف��ي ك���ان ف��ي ال��ه��ي��ج��ا طبيب ًا‬ ‫ي���داوي ر�أ����س م��ن ي�شكو ال�صداعا‬ ‫ف ��أي جمال يفوق ه��ذا الجمال؟! فما �أروع‬ ‫الباري�سية التي �ألب�سها ال�شاعر لبا�س البدوية!‬ ‫لعل من المهم �أن نختار من تراثنا �أدب ًا ونثراً‬ ‫و�شعراً ما ُيعلي من قيمتنا في كثير مما ُحفظ من‬ ‫هذا الفي�ض الإن�ساني الرائع‪ .‬فحينما ترجمت (�ألف‬ ‫ليلة وليلة) �إلى اللغة العربية والفرن�سية؛ �شعر‬

‫المثقفون الأوروبيون بعظمتها وبهائها‪ ،‬وحينما‬ ‫ترجم �شعر عمر الخيام بلغة �إنجليزية رفيعة‪� ،‬أ�شاد‬ ‫النقاد وال�صحافيون بروعة هذا العمل الكبير‪.‬‬ ‫لقد �أحدثت م�سرحية عنترة ردود فعل عظيمة‬ ‫من النقاد وال�صحافيين في باري�س‪ ،‬وقبل ذلك‬ ‫كانت الكثير من الأعمال العربية قد تعرف �إليها‬ ‫الأوروبيون من خالل ترجمات الريحاني وغانم‬ ‫وم��ردو���س وغيرهم‪ ..‬ل��ذا انفتحت �آف��اق جديدة‬ ‫للثقافة العربية �أمام العالم‪ ،‬وقد ر�صدت مجلة‬ ‫(الزهور) تزاحم الجماهير الفرن�سية الغفيرة على‬ ‫م�شاهدة م�سرحية (عنترة بن �شداد)‪ ،‬و�أح�صتهم‬ ‫المجلة ب��الآالف‪ ،‬وقد علق مرا�سل (الزهور) على‬ ‫ما �أحدثته الم�سرحية من ردود فعل حينما قال‪:‬‬ ‫(لي�س الغزاة من يفتحون البالد بالمدافع‪ ،‬بل �أعظم‬ ‫منهم و�أنبل من يفتحون القلوب بالثقافة)‪.‬‬ ‫�أح��دث��ت م�سرحية عنترة ب��ن ���ش��داد �ضجة‬ ‫كبيرة في فرن�سا‪ ،‬حينما ُعر�ضت في (باري�س)‬ ‫و(ني�س)‪ ،‬وقد �أ�شادت ال�صحف الفرن�سية بها‪ ،‬من‬ ‫قبيل لوفيجارو ولوجورنال وغيرهما من �أمهات‬ ‫ال�صحف الفرن�سية‪.‬‬ ‫واك��ب ظهور مجلة (ال��زه��ور) حركة ثقافية‬ ‫وفنية كبيرة‪ ،‬وخ�صو�ص ًا في مجال الم�سرح‪،‬‬ ‫حينما ُترجمت �إلى العربية الأعمال الكبيرة التي‬ ‫كانت ُتعر�ض في باري�س ولندن‪ ،‬من قبيل رواية‬ ‫(يوليو�س قي�صر) ل�شك�سبير‪ ،‬وقد ن�شرتها (الزهور)‬ ‫في �أعداد منتظمة‪ ،‬ومثلها جورچ �أبي�ض في نف�س‬ ‫الوقت الذي كانت ُتعر�ض فيه في باري�س‪ ،‬كما‬ ‫�شهدت دار الأوب��را الم�صرية عر�ض م�سرحيات‬ ‫عالمية كبيرة‪ ،‬مثل (الأحدب) لفيفال‪ ،‬و(م�ضحك‬ ‫الملك) لفيكتور هيجو‪ ،‬و(ال�ساحرة) لفيكتور ريان‪،‬‬ ‫و(مدر�سة الن�ساء) لموليير‪ ،‬وبينما كانت كل هذه‬ ‫الأعمال ُتقدم باللغة العربية الف�صيحة‪ ،‬فقد �شذ‬ ‫عن ه��ذه القاعدة عثمان بك ج�لال‪ ،‬ال��ذي نقل‬ ‫روايات موليير بالزجل‪ ،‬وبلغة عامية مده�شة‪.‬‬ ‫المتابع لحال الم�سرح العربي في حياتنا‬ ‫المعا�صرة؛ ي�شعر بقدر من الألم‪� ،‬سواء في �سطحية‬ ‫المو�ضوعات التي ُتقدم‪� ،‬أو في م�ستوى الممثلين‬ ‫والمخرجين‪ ،‬وهي �أزمة ي�شعر بها كل المتابعين‬ ‫للواقع الثقافي العربي‪ .‬ولعل بعد هذا العر�ض‬ ‫من المنا�سب �أن نطرح �س�ؤا ًال‪� :‬ألي�س من الالئق‬ ‫�أن نعيد عر�ض هذه الأعمال الفنية الكبيرة‪� ،‬سواء‬ ‫المترجمة من الم�سرح العالمي‪� ،‬أو الم�ستقاة من‬ ‫التراث العربي؟ �أعتقد �أن حاجتنا �إلى الم�سرح ال‬ ‫تقل �أهمية عن حاجتنا �إلى المدر�سة والجامعة‪،‬‬ ‫وال تقل �أهمية عن حاجتنا �إلى الغذاء‪ ،‬حتى ُن�صلح‬ ‫النفو�س و ُن�شيع الوعي بين مواطنينا‪.‬‬

‫�أحدثت م�سرحية‬ ‫«عنترة بن �شداد»‬ ‫�ضجة كبيرة عند‬ ‫عر�ضها في باري�س‬ ‫وقد �أ�شادت ال�صحف‬ ‫الفرن�سية بها‬

‫ر�أى مرا�سلو المجلة‬ ‫�أن تلك الم�سرحية‬ ‫عمل ال يدانيه‬ ‫�إبداعي ًا �إال دانتي‬

‫المتابع لحال‬ ‫الم�سرح العربي في‬ ‫حياتنا المعا�صرة‬ ‫ي�شعر بقدر من الألم‬ ‫على الم�ستويين‬ ‫الفني والفكري‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪15‬‬

‫عنا�صره التمثيل واللعب واالحتفال‬

‫تــ�صـــور الــوقـــت فــي‬

‫الفن الإ�سـالمي‬

‫‪16‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫ج�سور‬ ‫ك��ان المفكر الأل��م��ان��ي الكبير جادامير (‪٢٠٠٢-١٩٠٠‬م)‪،‬‬ ‫ق��د لخ�ص العنا�صر الأ���س��ا���س��ي��ة المكونة للفن �أي��ن��م��ا كان‬ ‫وم��ه��م��ا ك��ان��ت ���ص��ورت��ه ف��ي ث�لاث��ة ع��ن��ا���ص��ر‪ ،‬ه��ي (التمثيل)‬ ‫و(اللعب) و(االح��ت��ف��ال)‪ ،‬وه��ي مفاهيم مت�صلة (بالوقت)‪،‬‬ ‫ذل��ك المفهوم ال���ذي دار ال��ك�لام م����رار ًا ح��ول��ه ف��ي درا���س��ات‬ ‫خو�سيه ميغيل بويرتا‬ ‫ال��ف��ن الإ���س�لام��ي‪ .‬م��ن م��ن��ظ��ور ج��ادام��ي��ر‪ ،‬وري���ث الفل�سفة‬ ‫الأل���م���ان���ي���ة ال��م���ؤ���س�����س��ة ل��ع��ل��م ال���ج���م���ال ال���ح���دي���ث‪ ،‬ف���ي ال���ق���رن (‪١٨‬م)‪.‬‬ ‫تت�سم الأع��م��ال والأح���داث الفنية ب�إخراج‬ ‫المرء‪ ،‬الفنان والمتلقي مع ًا‪ ،‬من �سيرورة الوقت‬ ‫العادي �إل��ى وقت ال يح�سب بالثواني ودقائق‬ ‫ال�ساعة المتعارف عليها اجتماعي ًا‪ ،‬بل وقت‬ ‫مغاير يقام في نف�س المرء �أثناء الفعل الفني‬ ‫والم�شاهدة‪ .‬تجربة الفن ُتح ِد ُث اللذة الجمالية‪،‬‬ ‫الطرب‪ ،‬الذي يح�صل في لحظة �أو لحظات الإبداع‬ ‫يقدم تمثي ًال‬ ‫والت�أمل‪ .‬وفق ًا لهذا الر�أي‪ ،‬ف� ّإن الفن ّ‬ ‫خالق ًا لأفكار �أو عواطف �أو �أحداث بوا�سطة لعبة‬ ‫الحوا�س والخيال والعقل‪ ،‬غر�ضها الأخير هو‬ ‫االحتفال بالوجود والحياة �أي ًا كانت الظروف‬ ‫والإمالءات المفرو�ضة على الفنان‪.‬‬ ‫م���ن ه����ذا ال��م��ن��ط��ل��ق‪ ،‬ي��ج��ب ا���س��ت��رج��اع‬ ‫المبادئ الجمالية للفن الإ�سالمي لال�ستمتاع‬ ‫ب��ه واال���س��ت��ف��ادة م��ن در���س��ه ب��رغ��م التفا�سير‬ ‫الأي��دي��ول��وج��ي��ة وال��م��ي��ت��اف��ي��زي��ق��ي��ة ال�شائعة‬ ‫والم�ستهينة‪ ،‬وعي ًا �أو بال وعي‪� ،‬إنجازاته التقنية‬ ‫قوي وجِ ّد م�ؤثر‬ ‫والجمالية‪ .‬لهذا التوجه‬ ‫ٌ‬ ‫مدون ٌ‬ ‫في فل�سفة الهيجيلية التي ت�صنف الفن الإ�سالمي‬ ‫�ضمن (الفن ال��رم��زي) معتبر ًة �أن��ه يرتقي �إلى‬ ‫قمته بف�ضل ال�شعر ال�صوفي‪ ،‬ولكن دون �أن‬ ‫يبلغ ه��ذا الفن ن�ضوجه ال��ت��ام‪ ،‬كما في ع�صر‬ ‫الرومان�سية الأوروبية بين القرنين (‪ ١٨‬و‪١٩‬م)‪.‬‬ ‫تجرد الفن‬ ‫من ثم‪� ،‬سوف تحظى هذه الر�ؤية التي ّ‬ ‫الإ�سالمي من التاريخ الخا�ص به‪ ،‬برواج وا�سع‬ ‫بعد �أن �ألقى الم�ستعرب الفرن�سي الكبير لوي�س‬ ‫ما�سينيون الكلمة االفتتاحية لعام (‪١٩٢١‬م)‬ ‫الأكاديمي في جامعة ال�سوربون الباري�سية حول‬ ‫مو�ضوعة (�أ�ساليب العمل الفني ل�شعوب الإ�سالم)‪،‬‬ ‫وهي كلمة مازال ن�صها فعا ًال حتى يومنا في‬ ‫�أو�ساط الم�ست�شرقين وغيرهم من الذين يعتنون‬ ‫بفنون الإ�سالم‪.‬‬ ‫و�صف (ما�سينيون) في كلمته‪ ،‬كافة الفنون‬ ‫الإ�سالمية على �أ�سا�س �شمولي وماورائي‪ ،‬فحواه‬ ‫�أنها تمثل الذات الإلهية‪ ،‬ما يترتب �أنه ال توجد‬ ‫�صور وال �أ�شكال ثابتة في العالم‪ ،‬طالما اهلل وحده‬

‫هو الخالد وال يجوز �إلحاق �صفة الزمن بجاللته‪.‬‬ ‫هذه الفكرة المو�صوفة (بالذرية) تتبلور‪ ،‬في‬ ‫ر�أي ما�سينيون‪ ،‬في ميالن ال�شعر العربي �إلى‬ ‫تحجير الطبيعة في ا�ستعاراته‪ ،‬كما يف�سر �آخرون‪،‬‬ ‫باالعتماد على النظرية الذرية ذاتها‪ ،‬ن�شوء فن‬ ‫المقر َن�صات في العمارة الإ�سالمية‪ .‬لي�س هذا‬ ‫ُ‬ ‫وح�سب‪ ،‬ف ��إن الم�ستعرب الإ�سباني الم�شهور‬ ‫غرثيا غوميث اتك�أ على �أطروحة (ما�سينيون)‪،‬‬ ‫كذلك يذهب باحثون �آخرون �إلى �شرح فن الرق�ش‬ ‫العربي كتج�سيد لمفهوم الفي�ض والنور الإلهيين‬ ‫من النقطة‪ ،‬المركز �إلى �أنحاء الكون والعالم‪،‬‬ ‫ويجدون �أن التخطيطات الهند�سية والنباتية‬ ‫التي تغطي �سطوح التحف الإ�سالمية هي كناية‬ ‫عن الكمال الريا�ضي والعددي الكامن في الخلق‪،‬‬ ‫على غرار قول الفيثاغورثيين‪ .‬لكن �أ�صحاب هذه‬ ‫التفا�سير ي��ع��ت��ذرون‬ ‫غ��ال��ب � ًا ع��ن ت��زوي��دن��ا‬ ‫ب��ن�����ص��و���ص ودالئ����ل‬ ‫م��ب��ا���ش��رة ل��ت�����س��وي��غ‬ ‫ادع��اءات��ه��م الأح��ادي��ة‬ ‫والمتجاهلة لقدرات‬ ‫الفن على �إن��ت��اج علم‬ ‫ووقت خا�صين به‪.‬‬ ‫م��ن الم�ستح�سن‪،‬‬ ‫بالتالي‪� ،‬إمعان الب�صر‬ ‫جادامير‬ ‫ف��ي ف��ن��ون �إ���س�لام��ي��ة‬ ‫م����ح����ددة وت�����أوي����ل‬ ‫م��ك��ون��ات��ه��ا ال��م��ادي��ة‬ ‫وال ��ث ��ق ��اف ��ي ��ة ب����روح‬ ‫م��ن��ف��ت��ح��ة وم��ع��م��ق��ة‪،‬‬ ‫وه������و ال�������ذي ف��ع��ل��ه‬ ‫الم�ستعرب الإ�سباني‬ ‫داري��و كابانيال�س في‬ ‫درا�سته القيمة حول‬ ‫ق��اع��ة ع��ر���ش يو�سف‬ ‫ابن حزم الأندل�سي‬ ‫الأول بالحمراء‪ ،‬التي‬

‫العنا�صر الأ�سا�سية‬ ‫المكونة للفن تتمثل‬ ‫في التمثيل واللعب‬ ‫واالحتفال‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫لوي�س ما�سينيون‬

‫القرطبي‬

‫‪17‬‬

‫ج�سور‬ ‫�أورد فيها بعد بحث د�ؤوب‪ ،‬وثائق وحجج ًا كافية‬ ‫ال�ستنتاج �أن ال�سقف الخ�شبي لتلك القاعة يمثل‬ ‫ال�سماوات ال�سبع القر�آنية المذكورة في �سورة الملك‬ ‫الكريمة‪ ،‬المكتوبة في قاعدتها‪ ،‬و�أن تلوين القبة‬ ‫عد �أجمل و�أعظم ال�صنائع الخ�شبية للفن‬ ‫التي ُت ّ‬ ‫الإ�سالمي الكال�سيكي‪ ،‬يحاكي الألوان المن�سوبة‬ ‫في كتب المعراج النبوي لأ�صعدة الكون ال�سبع‪.‬‬ ‫برغم �شيوع الأحكام الذاهبة �إلى �أن عمائر كق�صر‬ ‫الحمراء ال تكلمنا �سوى عن �آنية العالم وفنائه‬ ‫مقابل �سرمدية الآخرة‪ ،‬بيد �أن النقو�ش القر�آنية‬ ‫وال�شعرية والزخارف والنوافير والحدائق تخلق‬ ‫ف�ضاءات م�صنوعة للبقاء ولال�ستمتاع برونق‬ ‫الفن بحد ذات��ه‪ ،‬وبغ�ض الطرف عن وظائفها‬ ‫الترميزية الأخرى‪ .‬ال ريب في �أن الفن الإ�سالمي‪،‬‬ ‫كمعظم فنون الإن�سان‪ ،‬فن م�صمم وم�صنوع‬ ‫للبقاء‪ ،‬لي�س للفناء‪� ..‬إنه فن يتوق للمكوث ماد ًة‬ ‫ومعنى و� ْإن كان ُ�ص ّناعه مدركين ب�أن بني �آدم‬ ‫ً‬ ‫و�أعمالهم فانون‪ .‬ب�صفة عامة‪ ،‬لم يكن مبدعو‬ ‫الفن الإ�سالمي قبل الحداثة ينوون مبدئي ًا تذكير‬ ‫المتلقي �أن هذه الدنيا م�ؤقتة‪ ،‬هاربة‪ ،‬بل �إثارة‬ ‫الإعجاب والتمتع بال�صورة الفنية الناجمة عن‬ ‫ا�ستنباط العنا�صر الكامنة في الطبيعة وت�شكيلها‬ ‫مجدداً ب�صيغة ال �سابقة لها‪ ،‬تفاجئ الحوا�س‬ ‫والذهن لحظة الم�شاهدة‪.‬‬ ‫وف��ي القطع الخزفية القرطبية المزرك�شة‬ ‫بكلمة (الملك) بالكوفي المزهر‪ ،‬وفي العاجيات‬ ‫ال��م��زودة ببرامج ت�صويرية وخطية ونباتية‬ ‫رائعة‪ ،‬وكذلك في الأن�سجة الحريرية والمذهبة‬ ‫والمجوهرات الم�صنوعة بالأحجار النفي�سة‪،‬‬ ‫نلم�س �إرادة �صناعة تحفة ح�سنة وعجيبة‪ ،‬حاملة‬ ‫(البركة الكاملة وال�سعادة ال�شاملة والغبطة‬ ‫المت�صلة والعافية الباقية)‪ ،‬ل�صاحبها ح�سبما‬ ‫نقر�ؤه في نقو�ش العديد منها‪ .‬و�إذا هذا هو كذلك‪،‬‬ ‫ماذا نقول عن عمائر الم�شرق الإ�سالمي ال�ضخمة‬ ‫وال�صلبة التي باتت معالم فنية عالمية؟! يمتاز‬ ‫النقاد والمفكرون العرب الكال�سيكيون بتطوير‬ ‫ر�ؤى مف�صلة عن الفن‪ ،‬ال�صنائع بلغة ذلك العهد‪،‬‬ ‫وعالقته بالطبيعة‪ ،‬وبما بعد الطبيعة‪ ،‬وعن �آلية‬ ‫�إنتاجه بو�ساطة التعلم والتدريب والتجريب‬ ‫المتعاقب‪ ،‬وكعمل م�شترك بين الخيال والعقل‬ ‫وتطبيق ًا لقوانين مدرو�سة وموروثة‪ .‬من �أجل‬ ‫�إح��راز جامع على م�ستوى الإم ��ارة والخالفة‬ ‫الأم��وي��ت��ي��ن ب��الأن��دل�����س‪ ،‬اجتهد المهند�سون‬ ‫وال�صناع العاملون في قرطبة في �صناعة �أروقة‬ ‫المبنى المتراكبة وف�سيف�ساء قبلتها وقبابها‬ ‫البديعة بعد تعلم تقنيات هذه الأخيرة من معلم‬

‫‪18‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫بيزنطي‪ ،‬ودون الإ�صغاء �إل��ى �أ���ص��وات بع�ض‬ ‫الفقهاء المواجهة للغلو في تزيين المحاريب‪.‬‬ ‫دليل �آخر على ا�ستقاللية الفن هي‪ :‬الق�صائد‬ ‫المنقو�شة في جدران الحمراء التي يجوز قراءتها‬ ‫الدار ج ّن ٌة للخلو ِد‪/‬‬ ‫كبيان لطوباوية الخلود‪( :‬هذه ُ‬ ‫معت للنعيم بها‬ ‫موا�صل و�سعود‪ُ /‬ج ْ‬ ‫في �سرورٍ َ‬ ‫فنون‪ /‬من ظ�لال تندى وع��ذب َب ��رود)‪ .‬و(ه��ذه‬ ‫ٌ‬ ‫جنة النعيم تج ّل ْت‪ /‬لي�س عنها ل�ساكن من براح‪/‬‬ ‫فنقو�شي تبدو كزهر ريا�ضي‪ /‬وبيا�ضي يحكي‬ ‫حيا ال�صباح)‪( .‬دي��وان ابن زمرك‪ ،‬للنق�ش في‬ ‫ُم ّ‬ ‫طاقتين للرواق الجنوبي في باحة الرياحين)‪.‬‬ ‫وف��ي �أك��ب��ر ت�صوير �شعري معماري لمفهوم‬ ‫الحديقة‪ /‬الجنة الإ�سالمي بالأندل�س‪� ،‬أال وهو‬ ‫(الريا�ض ال�سعيد) (ق�صر الأ�سود) للغني باهلل‪،‬‬ ‫ع��اد (اب��ن زم��رك) �إل��ى م�صطلح (جنة خلدها)‬ ‫لالحتفاء بحجرات الق�صر‪� .‬أما الأ�شعار الجدارية‬ ‫الأخرى للحمراء‪ ،‬فتدعو �أغلبيتها لبقاء الإمام‬ ‫مقر الإ�سالم في الأندل�س‪ ،‬كما تومئ‬ ‫وداره ب�صفة ّ‬ ‫النقو�ش �إذاً‪ ،‬عبر �سعي ال�ص ّناع وبت� ٍ ّأن لتنفيذ‬ ‫�صنعة متقنة وح�سنة‪ ،‬عارفين �أن المادة فانية‬ ‫ولكنها قابلة لإح��راز ح�صة الكمال المتاحة‬ ‫للحذق والتجربة والعلم‪.‬‬ ‫حركية المياه في الحدائق ت�صوغ معماري ًا‬ ‫�صو ُر فكرة‬ ‫ا�ستمرارية الحياة‪ ،‬و�صفحات الب َِرك ُت ِّ‬ ‫ت�أمل العمارة‪ /‬العرو�س نف�سها في المر�آة را�ضية‬ ‫بجمالها وكمالها‪ .‬زراع��ة الحدائق وممار�سة‬ ‫الفالحة في الق�صور والبيوت‪� ،‬أعمال محكومة‬ ‫بالهالك‪ ،‬ال محالة‪ ،‬لكنها هي �أي�ض ًا احتفاء‬ ‫بالحياة والتمتع بها كما قال ابن حزم القرطبي‪،‬‬ ‫و�سوف تحل الحداثة من بعد لتغيير معادلة‬ ‫الوقت في فن ب�لاد الإ���س�لام‪ ،‬مف�سح ًة المجال‬ ‫�أكثر ف�أكثر لتعبير الفنان‪ /‬الفرد عن �أحالمه‬ ‫و�إح�سا�سه بالزمان بحرية تامة تجاه القوانين‬ ‫الفنية الما�ضية‪.‬‬

‫ق�صر الحمراء‬

‫ظلت هذه العنا�صر‬ ‫مت�صلة بالوقت‬ ‫الذي �أثيرت حوله‬ ‫الكثير من الدرا�سات‬ ‫الإ�سالمية‬

‫غر�ض العمل الفني‬ ‫االحتفال بالحياة‬ ‫والوجود برغم كل‬ ‫الظروف ال�صعبة‬

‫الق�صائد المنقو�شة‬ ‫في جدران الحمراء‬ ‫تدل على ا�ستقاللية‬ ‫الفن الإ�سالمي‬

‫أمكنة وشواهد‬ ‫واجهة بحرية ملدينة بور�سعيد‬

‫¯ بور�سعيد‪ ..‬وعبقرية المكان‬ ‫¯ �سال‪ ..‬مدينة التاريخ والحا�ضر‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪19‬‬

‫عرو�س قناة ال�سوي�س‬

‫بور�سعيد‬

‫وعبقرية المكان‬ ‫بور�سعيد‪� ..‬إح��دى �أه��م ال ُ��م��دن ال�ساحلية‬ ‫الم�صرية‪ ،‬والتي تتميز بعبقرية المكان‬ ‫والزمان‪ ،‬فتاريخها �ضارب بجذوره منذ ع�صور‬ ‫الأُ���س��ر ف��ي الع�صر الفرعوني‪ ،‬وق��د كتبت‬ ‫�شهادة بقائها و�صمودها بدماء �شُ هدائها عبر‬ ‫عمر �إبراهيم محمد‬ ‫والملقبة‬ ‫الع�صور‪ .‬هي عرو�س قناة ال�سوي�س ُ‬ ‫بالمدينة البا�سلة التي ال تعرف اال�ست�سالم‪ ،‬نظر ًا لتاريخها‬ ‫الن�ضالي الكبير من خالل المقاومة ال�شعبية عبر �سنوات ال ِمحن‬ ‫التي �ألمت بها‪ ،‬منذ (ع��دوان ‪1956‬م م��رور ًا بنك�سة ‪1967‬م‬ ‫والتهجير)‪� ،‬إلى ن�صر �أكتوبر العظيم (‪1973‬م)‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫ينق�سم ا�سمها �إلى �شقين (بورت ‪)BORT‬‬ ‫وتعني الميناء‪ ،‬و(�سعيد ‪ )SAID‬ن�سبة �إلى والي‬ ‫م�صر الخديوي محمد �سعيد با�شا حاكم م�صر‪،‬‬ ‫الذي �أمر بت�شييدها بالتزامن مع بدء حفر قناة‬ ‫ال�سوي�س في (‪� 25‬أبريل ‪1859‬م)‪.‬‬ ‫وكانت بور�سعيد قبل ذل��ك‪ُ ،‬ت�سمى �آن��ذاك‬ ‫(الفرما)‪ ،‬ومنها بداية طريق ال�شرق (الفرما ـ‬ ‫العري�ش ـ رفح ـ غزة) المعروف حينها بالطريق‬ ‫الحربي‪.‬‬ ‫وقد ُذكرت في التوراة با�سم (�سين) ومعناها‬ ‫المدن في ُحكم‬ ‫قوة م�صر‪ ،‬وقد كانت من �أعظم ُ‬ ‫الأُ���س��ر في الع�صر الفرعوني‪ ،‬وت��ؤك��د بع�ض‬ ‫البرديات‪� ،‬أن (�ست) قد قتل �أخاه (�أوزوري�س)‬ ‫وعرفت في الع�صر الم�سيحي‬ ‫في تلك المنطقة‪ُ ،‬‬ ‫با�سم (برما �أو برمون)‪ ،‬وفي الع�صر العربي‬ ‫الإ�سالمي �أ�صبح ا�سمها (الفرما)‪.‬‬ ‫وتقع مدينة (بور�سعيد) الحالية �شمال‬ ‫�شرقي م�صر‪ ،‬و ُتطل على �ساحل البحر الأبي�ض‬ ‫المتو�سط عند مدخل قناة ال�سوي�س‪ ،‬يحدها‬ ‫�شما ًال البحر المتو�سط‪ ،‬وجنوب ًا محافظة‬ ‫الإ�سماعيلية‪ ،‬و�شرق ًا محافظة �شمال‬ ‫�سيناء‪ ،‬ومن الغرب محافظة دمياط‪،‬‬

‫مدن‬ ‫وتبلغ م�ساحتها نحو �أل��ف كيلو متر مربع‪،‬‬ ‫ويقطنها نحو مليون ون�صف المليون ن�سمة‪،‬‬ ‫يعمل �أغلبهم بالتجارة وبع�ضهم في مهنة‬ ‫ال�صيد‪.‬‬ ‫وت�ضم المدينة عدة �أحياء �إدارية هي‪ :‬حي‬ ‫المناخ الذي ُيعد �أكثر الأحياء ازدحام ًا بال ُكتلة‬ ‫ال�سكانية بالمدينة‪ ،‬وحي ال�شرق وكان ُيطلق‬ ‫ُ‬ ‫عليه �سابق ًا الحي (الإفرنجي) وي�ضم في دائرته‬ ‫ال�شهداء وال ُقن�صليات‪،‬‬ ‫الأ�سواق ال ُتجارية وميدان ُ‬ ‫وبع�ض ال ُكليات والمعاهد الدرا�سية ور�صيف‬ ‫وهناك حي العرب‪ ،‬وه��و �أق��دم‬ ‫(ديلي�سب�س)‪ُ ،‬‬ ‫الأحياء ببور�سعيد ويتميز بالمباني الخ�شبية‪،‬‬ ‫وي�ضم الم�ساجد القديمة والمتحف الحربي‬ ‫وبع�ض الأ���س��واق‪ ،‬وح��ي ال�ضواحي الحديث‬ ‫الذي تم �إن�شا�ؤه ُعمراني ًا نتيجة لزيادة ال ُكتلة‬ ‫ال�سكانية بالمدينة‪ ،‬و�أي�ض ًا حي (ب��ورف��ؤاد)‬ ‫ُ‬ ‫و�سمي ن�سبة للملك ف�ؤاد‬ ‫بور�سعيد‪،‬‬ ‫�شرق‬ ‫ويقع‬ ‫ُ‬ ‫الأول‪ ،‬وهو عبارة عن جزيرة ُمثلثة ال�شكل‪،‬‬ ‫وقد ُ�شيد لخدمة العاملين بمرفق هيئة قناة‬ ‫ال�سوي�س‪ ،‬وقد �أ�صبح (بورف�ؤاد) الآن مدينة تتبع‬ ‫وهناك �أحياء الزهور‬ ‫�إداري ًا لمدينة بور�سعيد‪ُ ،‬‬ ‫والجنوب وغرب والإماراتي‪.‬‬

‫مبنى هيئة قناة ال�سوي�س‬

‫المميزة‬ ‫وت�ضم بور�سعيد حالي ًا من المعالم ُ‬ ‫الكثير منها‪( :‬ميناء بور�سعيد) بوابة العبور‬ ‫بين ال�شرق والغرب‪ ،‬وقد �أُن�شئ عام (‪1869‬م)‬ ‫على المدخل ال�شمالي لقناة ال�سوي�س‪ ،‬من جهة‬ ‫البحر الأبي�ض المتو�سط‪ ،‬وهو ذو‬ ‫طابع خا�ص حيث يربط بين ثالث‬ ‫قارات؛ �آ�سيا‪ ،‬و�أوروب��ا‪ ،‬و�إفريقيا‪.‬‬ ‫و(م��ب��ن��ى هيئة ق��ن��اة ال�سوي�س)‬

‫تعد من �أهم المدن‬ ‫ال�ساحلية الم�صرية‬ ‫لجغرافية مكانها‬ ‫وتاريخه‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪21‬‬

‫عازف �سم�سمية بور�سعيدي‬

‫الذي ُ�شيد مع افتتاح القناة لخدمة المالحة‬ ‫العالمية‪ ،‬و�أي�ض ًا (متحف بور�سعيد القومي‬ ‫للآثار) والذي ي�ضم �أكثر من �ستة �آالف قطعة‬ ‫من �شتى الع�صور‪ ،‬منها الفرعوني واليوناني‬ ‫والروماني والقبطي والإ�سالمي‪ ،‬و�أخيراً الع�صر‬ ‫وه��ن��اك (المتحف ال��ح��رب��ي) ال��ذي‬ ‫ال��ح��دي��ث‪ُ ،‬‬ ‫ي�ضم ثالث قاعات للعر�ض؛ الأولى ُمخ�ص�صة‬ ‫لعر�ض تاريخ م�صر الفرعوني والإ�سالمي‪،‬‬ ‫والقاعة الثانية لعر�ض وتوثيق كفاح �شعب‬ ‫بور�سعيد �ضد العدوان ال ُثالثي عامة(‪1956‬م)‪،‬‬ ‫والثالثة ُمخ�ص�صة لعر�ض وت�سجيل انت�صارات‬

‫ملعب بور�سعيد‬

‫الم�سلحة في (‪� 6‬أكتوبر ‪1973‬م)‪.‬‬ ‫ال��ق��وات ُ‬ ‫ويوجد �أي�ض ًا (الفنار القديم) ال��ذي ُ�شيد‬ ‫عام (‪1869‬م) في عهد الخديوي �إ�سماعيل‬ ‫ال�سفن‪ ،‬وليكون نواة للبدء‬ ‫لكي تهتدي بنوره ُ‬ ‫في �إن�شاء ميناء بور�سعيد ويبلغ ارتفاعه (‪)56‬‬ ‫متراً‪ ،‬وهو �أول مبنى ُي�شيد بالخر�سانة في م�صر‬ ‫وم�صمم على �شكل ُمثمن الأ�ضالع‪ ،‬ومن معالم‬ ‫ُ‬ ‫المدينة �أي�ض ًا (مقابر الكومونولث) الموجودة‬ ‫بحي ال��زه��ور وال��ت��ي ت�ضم ُرف���ات �ضحايا‬ ‫الحربين العالميتين الأول���ى والثانية من‬ ‫وهناك ميدان الم�سلة ومم�شى‬ ‫ُمختلف الدول‪ُ ،‬‬ ‫ديلي�سب�س والحدائق العامة و�شواطئ المدينة‬ ‫والم�ساجد والكنائ�س العريقة‪.‬‬ ‫ولمدينة بور�سعيد تاريخ كبير في الثورات‬ ‫والمعارك الحربية‪ ،‬التي خا�ضتها م�صر‪ ،‬ولقد‬ ‫اكت�سب �شعب بور�سعيد ال�صمود والب�سالة‬ ‫والت�ضحية‪ ،‬منذ بواكير الحياة وخ�صو�ص ًا‬ ‫�إب��ان ال��ع��دوان الثالثي ع��ام (‪1956‬م)‪ ،‬وقد‬ ‫ون�ساء‬ ‫�أبهر ال�شعب العالم كفدائيين رج��ا ًال‬ ‫ً‬ ‫م��ن خ�لال المقاومة ال�شعبية التي �سطرت‬ ‫مالحم خالدة‪ ،‬مازالت تتناقلها الأجيال جي ًال‬ ‫بعد جيل‪ ،‬وت�ضم مدينة بور�سعيد العديد من‬ ‫الأندية الريا�ضية �أ�شهرها النادي ( الم�صري‬ ‫البور�سعيدي) الذي ت�أ�س�س عام (‪1920‬م) �أي‬ ‫منذ مئة ع��ام‪ ،‬وي�شجعه �شعب بور�سعيد وال‬ ‫ير�ضون عنه بدي ًال‪.‬‬

‫ميناء بور�سعيد البحري‬

‫ميدان ال�شهداء ببور�سعيد ال�شهير با�سم «الم�سلة» �أحد �أ�شهر ميادين المدينة‬

‫‪22‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫بورف�ؤاد وبور�سعيد متجاوران منذ ال ِقدم‬

‫مثلت بداية طريق‬ ‫ال�شرق وكانت من‬ ‫�أعظم المدن في‬ ‫الع�صر الفرعوني‬

‫مدن‬

‫االنتقال من بور �سعيد وبور ف�ؤاد ذهاب ًا و�إياب ًا‬

‫ومن م�شاهير تلك المدينة عبر الع�صور‪ :‬ال��ك��ب��ي��ر ال ��ب ��دري ف��رغ��ل��ي‪ ،‬وغ��ي��ره��م كثير‪.‬‬ ‫من فدائيي (‪1956‬م) ال�سيد ع�سران الذي �ألقى‬ ‫وتحتفل بور�سعيد في (‪ 23‬دي�سمبر) من ُكل‬ ‫ال ُقنبلة اليدوية على الميجور(وليامز) رئي�س عام بعيدها القومي المجيد‪ ،‬الذي يتزامن مع‬ ‫المخابرات البريطانية وقتها وهو يتجول في ذكرى ب�سالة �شعبها‪ ،‬و�صمودها وانت�صارها‬ ‫ُ‬ ‫�شوارع بور�سعيد فيلقى حتفه‪ ،‬ومحمد مهران على العدوان ال ُثالثي (فرن�سا و�إنجلترا و�إ�سرائيل‬ ‫وهناك تم ‪1956‬م)‪ ،‬وقد �أ�ضحت بور�سعيد الآن مدينة‬ ‫الذي تم �أ�سره وترحيله لبريطانية ُ‬ ‫تعذيبه وفقء عينيه بعد �أن رف�ض الك�شف عن ُحرة‪ ،‬وذات مكانة ُمتميزة‪ ،‬من خالل مينائها‬ ‫ُزمالئه‪ ،‬وعلي زنجير‪ ،‬وزينب الكفراوي‪ ،‬وعلية البحري الذي جعل المدينة من خالل موقعها‬ ‫ال�شطوي �أول من حملتا ال�سالح من الفدائيات‪ ..‬اال�ستراتيجي‪ُ ،‬نقطة ج��ذب ل�شركات النقل‬ ‫و�أي�����ض � ًا م��ن م��وال��ي��د المدينة وم�شاهيرها ال ُكبرى‪ ،‬وت�ضم عدة مناطق �صناعية‪ ،‬ومركز ًا‬ ‫الكاتب ال�صحافي الكبير م�صطفى �شردي‪ ،‬ل�صيد الأ�سماك وت�سويقها وت�صديرها للخارج‪.‬‬ ‫ال��ذي عمل في جريدة (االت��ح��اد )الإماراتية‬ ‫وقد �أ�شاد بها قديم ًا الأدي��ب الإنجليزي‬ ‫مع بع�ض ُرفقائه‪ ،‬والفنان محمود يا�سين‪( ،‬روديارد كبلينغ) حين قال‪� :‬إذا �أردتم ُمالقاة‬ ‫ونجم ن��ادي الم�صري البور�سعيدي م�سعد �شخ�ص ما عرفتموه وهو كثير ال�سفر والترحال‪،‬‬ ‫نور‪ ،‬ورجل الأعمال ال�سيد متولي‪ ،‬وال�سيا�سي‬ ‫فهناك مكانان على ال ُكرة الأر�ضية ُيتيحان‬ ‫ُ‬ ‫لكم ذل ��ك‪ ،‬حيث عليكم الجلو�س‬ ‫وانتظار و�صوله �إن عاج ًال �أو �آج ًال‪،‬‬ ‫وهما‪( :‬لندن وبور�سعيد)‪.‬‬ ‫وق ��ال عنها الرئي�س الأ�سبق‬ ‫ج��م��ال ع��ب��دال��ن��ا���ص��ر‪ :‬بور�سعيد‬ ‫ت�ساوي وزنها ما�س ًا وياقوت ًا وذهب ًا‬ ‫ومرجان ًا‪ ،‬م�ضروب ًا في مئة مرة‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫ومدحها الرئي�س الجزائري الأ�سبق‬ ‫م�صطفى �شردي‬ ‫محمود يا�سين‬ ‫�أحمد بن بيال قائ ًال‪ :‬بور�سعيد قبلة‬ ‫الن�ضال العالمي‪ .‬وقال عنها الثائر‬ ‫جيفارا‪ :‬لقد ا�ستمددنا القوة من‬ ‫بور�سعيد‪ ،‬ومنحتنا العزيمة لتحرير‬ ‫المنا�ضلة الجزائرية‬ ‫كوبا‪ .‬و�سطرت ُ‬ ‫جميلة بوحيرد كلماتها قائلة‪ :‬و�أنا‬ ‫في بور�سعيد‪� ،‬أ�شعر وك ��أن ر�أ�سي‬ ‫يتجاوز ال�سحاب‪ ،‬لأنني �أ�سير على‬ ‫الخديوي محمد �سعيد با�شا‬ ‫جميلة بوحيرد‬ ‫�أر�ض الأبطال‪.‬‬

‫ين�سب ا�سمها �إلى‬ ‫الخديوي محمد‬ ‫�سعيد با�شا حاكم‬ ‫م�صر الذي �أمر‬ ‫بت�شييدها مع حفر‬ ‫قناة ال�سوي�س‬

‫�شهدت عبر تاريخها‬ ‫الطويل مواقف‬ ‫�شعبها و�صموده �ضد‬ ‫العدوان واالحتالل‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪23‬‬

‫مقاالت‬

‫الغربة‪ ..‬والمثقف العربي‬ ‫ح�سونة الم�صباحي‬

‫ب ��د� ْأت هجرتي الطوعية انطالق ًا من‬ ‫مطلع الثمانينيات من القرن الما�ضي‪..‬‬ ‫ح��دث ذل��ك بعد �أن ا�ستعدت ج��واز �سفري‬ ‫المحجوز منذ منت�صف ال�سبعينيات‪ .‬وبعد‬ ‫�أن �أم�ضيت خم�س �سنوات متنق ًال بين‬ ‫بلدان �أوروبية متعددة‪ ،‬وا�ستقر بي المقام‬ ‫في مدينة ميونيخ الألمانية‪ ،‬وذل��ك عام‬ ‫(‪1986‬م)‪ .‬وفي البداية‪� ،‬أ�صبت باالرتباك‬ ‫والخوف ب�سبب جهلي بلغة (غوته)‪ ،‬وبنمط‬ ‫ال��ح��ي��اة ف��ي ب�لاد ال��ج��رم��ان‪ .‬لكن �شيئ ًا‬ ‫ف�شيئ ًا‪� ،‬ألفت الحياة في ميونيخ‪ ،‬واكت�سبت‬ ‫�أ�صدقاء رائعين �أزاح��وا من ذهني �صورة‬ ‫(الألماني البارد الثقيل)‪ ،‬وفتحوا عيني‬ ‫على عوالم و�أج ��واء بديعة خل�صتني من‬ ‫الخوف ومن االرتباك‪ .‬عندئ ٍذ كتبت روايتي‬ ‫الأول��ى (هلو�سات تر�شي�ش) التي �صدرت‬ ‫عن دار (توبقال) المغربية عام (‪1995‬م)‪،‬‬ ‫وفيها �أروي ق�صة مهاجر يعود �إلى وطنه‬ ‫ليكت�شف خيبات جيله وفواجعه و�أمرا�ضه‪.‬‬ ‫بعدها قر�أت بعمق �أعمال المنفيين الكبار‬ ‫في الع�صر الحديث‪� ،‬أمثال جيم�س جوي�س‪،‬‬ ‫و�صاموئيل بيكت‪ ،‬وفيتولد غومروفيت�ش‪،‬‬ ‫وفالديمير نابكوف‪ .‬كما �أعدت قراءة كتاب‬ ‫كنت قد اقتنيته من مكتبة قديمة بمدينة‬ ‫�سو�سة التون�سية �أواخ��ر ال�سبعينيات‪ .‬وهو‬ ‫بعنوان (الجيل الخائب)‪ ،‬وفيه يروي م�ؤلفه‬ ‫(�ألفون�س كار) حياة المنفيين الرو�س في‬ ‫كل من باري�س ولندن وجنيف في العهد‬ ‫القي�صري‪ ،‬وتحديداً في الن�صف الثاني من‬ ‫القرن التا�سع ع�شر‪ ..‬و�أعترف ب�أني ا�ستفدت‬ ‫‪24‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫كثيراً من ذلك الكتاب بخ�صو�ص جوانب‬ ‫مختلفة وم��ت��ع��ددة م��ن ح��ي��اة المنفيين‪.‬‬ ‫وخ �ل�ال ت����رددي ال��م��ت��وا���ص��ل ع��ل��ى م��دن‬ ‫�أوروبية مثل‪ :‬برلين‪ ،‬وكولونيا‪ ،‬ومدريد‪،‬‬ ‫و�أم�ستردام‪ ،‬تعرفت �إلى العديد من المثقفين‬ ‫والمبدعين والفنانين العرب الذين �أجبرتهم‬ ‫الأو�ضاع ال�صعبة في بلدانهم على الهجرة‬ ‫�إلى المنافي الأوروبية‪ ..‬معهم كنت �أق�ضي‬ ‫�أوق��ات�� ًا طويلة ف��ي الحديث ع��ن ق�ضايا‬ ‫مختلفة‪ ،‬ومعهم تقا�سمت �أوج��اع الغربة‪،‬‬ ‫وبرفقتهم ع�شت �أحالم الأر�صفة الباردة‪،‬‬ ‫والأركان المعتمة‪ ،‬وتيه ليالي الت�شرد التي‬ ‫قد تنتهي ب��والدة ق�صيدة تعك�س �آالمنا‬ ‫الدفينة‪ .‬و�شيئ ًا ف�شيئ ًا‪ ،‬تمكنت من النفاذ‬ ‫�إل��ى �أ�سرار حياة بع�ضهم‪ .‬واعتماداً على‬ ‫ذلك‪ ،‬واعتماداً �أي�ض ًا على معا�شرتي الطويلة‬ ‫لهم‪ ،‬كتبت رواي��ت��ي الثانية (الآخ� ��رون)‬ ‫التي �صورت من خاللها �أو�ضاع مثقفين‬ ‫من الجن�سين‪ ،‬ومن بلدان عربية مختلفة‪،‬‬ ‫كانوا يكابدون مرارة الغربة و�إحباطاتها‬ ‫المدمرة‪ .‬وكانت جميع ال�شخ�صيات التي‬ ‫حفلت بها روايتي (الآخرون) معروفة‪ ..‬لذا‬ ‫لم �أغير �أ�سماء بع�ضها‪� ،‬إذ �إنني كنت �أبتغي‬ ‫�أن �أزيح الحواجز بين الواقع والخيال بحيث‬ ‫ال ن�ستطيع في النهاية التفريق بينهما‪.‬‬ ‫خالل العقود الثالثة الأخيرة‪ ،‬ات�سعت‬ ‫الرقعة الجغرافية لهجرة المثقفين العرب‬ ‫لت�شمل كل البلدان الأوروبية‪ ،‬و�أي�ض ًا كندا‬ ‫والواليات المتحدة الأمريكية‪ ،‬و�أ�ستراليا‪.‬‬ ‫والآن ن��ح��ن ن��ع��اي��ن �أع�����داداً ك��ث��ي��رة من‬

‫الكتاب‪ ،‬وال�شعراء‪ ،‬والنقاد‪ ،‬والر�سامين‪،‬‬ ‫وال�سينمائيين‪ ،‬والم�سرحيين المنتمين‬ ‫�إل��ى بلدان عربية من الم�شرق والمغرب‪،‬‬ ‫يقيمون في هذه البلدان‪ ،‬ومنهم من تح�صل‬ ‫على جن�سياتها‪ ،‬وب��ات مواطن ًا فرن�سي ًا‪،‬‬ ‫�أو بريطاني ًا‪� ،‬أو هولندي ًا‪� ،‬أو �ألماني ًا‪� ،‬أو‬ ‫�سويدي ًا‪� ،‬أو �إيطالي ًا‪� ،‬أو �إ�سباني ًا‪� ،‬أو غير‬ ‫ذل��ك‪ ...‬وه��ذه ظاهرة جديدة لم ي�سبق لها‬ ‫مثيل في التاريخ العربي المعا�صر‪� ،‬إذ �إن‬ ‫وجهات هجرة المثقفين العرب في البداية‪،‬‬ ‫�أي منت�صف القرن التا�سع ع�شر‪ ،‬كانت‬ ‫باري�س‪ .‬وهذا ما يتجلى من خالل (تخلي�ص‬ ‫الإبريز في تلخي�ص باريز) للم�صري رفاعة‬ ‫الطهطاوي‪ ،‬و�أي�ض ًا في (ال�ساق على ال�ساق‬ ‫فيما هو الفارياق) للبناني �أحمد فار�س‬ ‫ال�شدياق‪ ،‬الذي كان قد �ساح �أي�ض ًا في لندن‪،‬‬ ‫وفي مالطة‪ .‬وفي مطلع القرن الع�شرين‪ ،‬قطع‬ ‫المثقفون العرب المحيط الأطل�سي ليكون‬ ‫لهم ح�ضور م�شرق في الأمريكيتين‪ .‬مع‬ ‫ذلك ظلت باري�س الوجهة المف�ضلة لأغلب‬ ‫المثقفين العرب الذين �سيلعبون دوراً مهم ًا‬ ‫في تطوير الثقافة على جميع الم�ستويات‪،‬‬ ‫نا�شرين �أفكار التحديث والإ�صالح‪ ،‬وداعين‬ ‫ل�صحوة فكرية وثقافية تنهي ع�صور‬ ‫الركود واالنحطاط‪ .‬وجل ه�ؤالء المثقفين‬ ‫انطلقوا �إل��ى الغرب �ضمن بعثات درا�سية‬ ‫كان الهدف منها االنفتاح على الح�ضارة‬ ‫الجديدة التي كانت قد ب�سطت نفوذها على‬ ‫العالم ب�أ�سره‪� ،‬أو دفعتهم ظروف العي�ش �إلى‬ ‫ترك بلدانهم بحث ًا عن حياة �أف�ضل مثلما‬

‫نافذة‬ ‫ك��ان ح��ال مثقفي المهجر في الأمريكيتين‪.‬‬ ‫لكن انطالق ًا من منت�صف ال�سبعينيات من‬ ‫القرن الما�ضي‪� ،‬أخذت هجرة المثقفين العرب‬ ‫تت�سم بموا�صفات وخ�صائ�ص تختلف عن‬ ‫الهجرات ال�سابقة؛ ففي هذه المرة �أ�صبحت‬ ‫الهجرة �إج��ب��اري��ة ب�سبب ال��ح��روب‪ ،‬وتعاظم‬ ‫نفوذ الحركات الأ�صولية‪ ،‬وتدهور الأو�ضاع‬ ‫االقت�صادية واالجتماعية‪ ،‬وغير ذلك‪ ..‬ومقارنة‬ ‫بالهجرات الأول��ى التي ول��دت حركات �أدبية‬ ‫وفنية مهمة‪ ،‬وفجرت �أف��ك��اراً ج��دي��دة‪ ،‬تبدو‬ ‫الهجرة الراهنة بائ�سة‪ ،‬ومو�سومة ب�سلبيات‬ ‫كثيرة ومختلفة‪ .‬و�أن��ا الذي �أم�ضيت �أزي��د من‬ ‫رب��ع ق��رن في �أوروب ��ا‪ ،‬وف��ي �ألمانيا تحديداً‪،‬‬ ‫عاينت م��ن خ�لال تجربتي ال�شخ�صية‪� ،‬أن‬ ‫كثيرين من المثقفين العرب الذين يعي�شون في‬ ‫المهاجر يعانون ُعقداً‪ ،‬و�أمرا�ض ًا نف�سية خطيرة‪.‬‬ ‫وقد وج��دت بين ه ��ؤالء من يت�صرفون وك�أن‬ ‫الهجرة ال تعني بالن�سبة �إليهم �سوى الح�صول‬ ‫على جن�سية البلد ال��ذي ا�ست�ضافهم‪ ،‬وعلى‬ ‫جواز �سفرها‪ ،‬مظهرين ال مباالة تجاه الم�آ�سي‬ ‫والأزمات التي تتخبط فيها بلدانهم‪ ،‬واحتقاراً‬ ‫لهويتهم الوطنية‪ .‬بل قد يتنكرون لهذه الهوية‬ ‫تنكراً كام ًال �إذا ما اقت�ضت م�صالحهم الآنية‬ ‫ذلك‪ .‬لذلك؛ ال ينتج �أمثال ه�ؤالء �سوى �أعمال‬ ‫�سطحية مبتذلة‪� ،‬سواء كانت نثراً‪� ،‬أم �شعراً‪� ،‬أم فن ًا‬ ‫من الفنون الأخرى‪ .‬وهناك مثقفون م ْغتربون‬ ‫يعانون ت�ضخم الذات‪ ،‬متوهمين �أنهم الأف�ضل‬ ‫على جميع الم�ستويات‪ .‬لذلك ال يتحملون النقد‪،‬‬ ‫وال ي�سعون �إلى تطوير تجاربهم‪� ،‬أو اال�ستفادة‬ ‫من تجارب �أخرى‪ ،‬لت�صبح الهجرة لديهم زنزانة‬ ‫فردية فيها يعي�شون‪ ،‬ويختنقون بغاز ذواتهم‬ ‫المري�ضة‪ .‬وقد تعرفت �إلى مثقفين عرب يعانون‬ ‫االنف�صام‪ ،‬وال�شعور الدائم بالحيف والظلم‪،‬‬ ‫متيقنين �أنهم �أنتجوا وينتجون �أعما ًال مهمة ال‬ ‫يدرك معانيها العميقة �آخرون غيرهم‪ .‬بل قد‬ ‫يحاولون اختالق �أكاذيب لإثبات �أن هناك من‬ ‫يعمل في الخفاء لحرمانهم من المجد وال�شهرة‪.‬‬ ‫والحقيقة �أن �أعمال ه��ؤالء ال تعدو �أن تكون‬ ‫مجرد ركام من الحماقات والهذيانات‪ .‬وتنت�شر‬ ‫بين المهاجرين العرب �أمرا�ض �أخ��رى؛ مثل‬ ‫الح�سد والغيرة‪ ،‬وقد تدفع مثل هذه الأمرا�ض‬ ‫�أ�صحابها �إلى ارتكاب �أفعال غاية في الدناءة‬ ‫والخ�سا�سة تجاه �أقرب النا�س �إليهم‪ .‬وهناك‬ ‫مهاجرون ين�سبون �إلى �أنف�سهم بطوالت وهمية‪،‬‬ ‫مروجين‪ ،‬خ�صو�ص ًا لدى الغربيين‪� ،‬أنهم من‬ ‫�ضحايا القمع واال�ستبداد في بلدانهم‪ .‬لكن عند‬

‫التثبت في �سيرهم‪ ،‬نتبين �أن ما يروجونه ال‬ ‫�صلة له بالواقع‪...‬‬ ‫وب�سبب متاعب الهجرة وم�صاعبها‪ ،‬تكثر‬ ‫الخ�صومات بين المثقفين‪ ،‬فتندلع معارك‬ ‫حامية ال تكاد تختلف عن معارك القبائل‪،‬‬ ‫لتنتفي كل مظاهر الت�آزر والت�ضامن والثقة‪،‬‬ ‫ولتتحول الهجرة �إل��ى جحيم ال يطاق‪ .‬وقد‬ ‫ال يهتم المثقفون العرب بثقافة البلد الذي‬ ‫ا�ست�ضافهم‪ ،‬ومنحهم الجن�سية والإق��ام��ة‪،‬‬ ‫وال يتابعون ما يحدث فيه من �أن�شطة فنية‬ ‫و�أدب��ي��ة ون ��دوات فكرية‪ ،‬بل يتقوقعون على‬ ‫�أنف�سهم لت�صبح هجرتهم (غيتو) مرعب ًا يعطل‬ ‫طاقة الخيال والإبداع‪ .‬وقد تت�شكل في الهجرة‬ ‫(مافيات) ت�سهم في تعميق الخالفات بين‬ ‫المثقفين العرب في مهاجرهم‪ .‬وكل مجموعة‬ ‫م��ن ه ��ذه (ال��م��اف��ي��ات) ت�سعى ب��ك��ل ال��ط��رق‬ ‫والو�سائل �إلى الح�صول على ما تبتغيه حتى‬ ‫ولو دفعها ذلك �إلى الدو�س على �أب�سط المبادئ‬ ‫الأخالقية والإن�سانية‪.‬‬ ‫ومعنى ه��ذا‪� ،‬أن هجرة المثقفين العرب‬ ‫هجرة قا�صرة ومعطوبة ال ترتقي �إلى م�ستوى‬ ‫الهجرات الكبيرة الخالقة‪ ،‬لأنها ناتجة عن‬ ‫كوابي�س التاريخ وجراحه الم�ؤلمة‪ .‬وفي هجرة‬ ‫كهذه‪ ،‬ي�صبح الأدب والفن مجرد (�سفر ليلي‬ ‫�أعمى) بح�سب تعبير الأرمني �أرمين لوبين‪،‬‬ ‫ودخو ًال في �صحراء تكون فيها الكلمات �سابقة‬ ‫للأ�شياء‪ ،‬ومعمقة لالنبتات‪ ،‬ولالنف�صال عن‬ ‫الهوية‪ ،‬وعن الوطن‪ .‬ولعل كل هذا يف�سر غياب‬ ‫�أع��م��ال �أدب��ي��ة وفنية عالية القيمة ورفيعة‬ ‫الم�ستوى‪ ،‬مثل تلك التي �أنتجها المهاجرون‬ ‫العرب القدماء‪� ،‬أم��ث��ال‪ :‬طه ح�سين‪ ،‬وتوفيق‬ ‫الحكيم‪ ،‬وجبران خليل جبران‪ ،‬والطيب �صالح‪،‬‬ ‫وميخائيل نعيمة‪ ،‬وه�شام �شرابي‪ ،‬ويحيى‬ ‫حقي‪ ،‬وغيرهم‪...‬‬ ‫وخ�شية �أن (�أتعفن) في غربتي‪ ،‬تخيرت‬ ‫ال��ع��ودة �إل��ى وطني ع��ام (‪2004‬م)‪ .‬وبرغم‬ ‫ال�صعوبات التي واجهتها ومازلت �أواجهها‪،‬‬ ‫ف�إنني تمكنت م��ن �أن �أن��ج��ز �أع��م��ا ًال تعك�س‬ ‫�أو�ضاع وطني‪ ،‬ومجتمعي‪ .‬ولكي �أزداد توغ ًال‬ ‫في غربتي الداخلية‪ ،‬تركت مدينة الحمامات‬ ‫التي �أق��م��ت فيها بعد ع��ودت��ي م��ن �ألمانيا‪،‬‬ ‫لأ�ستقر نهائي ًا في م�سقط ر�أ�سي وال جيران‬ ‫لي غير الزيتون واللوز‪ ،‬وال رفيق لي �سوى‬ ‫قطين‪ ،‬وع�شر دجاجات وكتب كثيرة في جميع‬ ‫مجاالت المعرفة‪ .‬وفي هذه العزلة المختارة‪،‬‬ ‫�أ�شعر ب�أني �أولد من جديد كاتب ًا و�إن�سان ًا‪..‬‬

‫تعج المدن الغربية‬ ‫بقوافل المثقفين‬ ‫والمبدعين العرب‬ ‫وهم يكابدون مرارة‬ ‫الغربة‬

‫�سجلت حياتي‬ ‫واغترابي في‬ ‫رواياتي (هلو�سات‬ ‫تر�شي�ش‪ -‬والآخرون)‬

‫ات�سمت هجرات‬ ‫المثقفين العرب مع‬ ‫�سبعينيات القرن‬ ‫الفائت ب�أنها �إجبارية‬ ‫لأ�سباب متعددة‬

‫ظهرت �أمرا�ض عديدة‬ ‫لدى المثقفين العرب‬ ‫جعلت من �إبداعهم‬ ‫مجرد (�سفر ليلي �أعمى)‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪25‬‬

‫لكن‪ ،‬قبل ذل��ك‪� ،‬سيثير انتباهك ما‬ ‫تعاقب عليها الموريون والفينيقيون والرومان‬ ‫ي�شبه القلعة الكبرى‪ ،‬ب�أ�سوارها ال�ضخمة‬ ‫وبواباتها الفارهة‪ ،‬ال�ستيطانها جانب ًا من‬ ‫ربوة عالية‪ ،‬وهي ت�شرف على �أعظم �أنهار‬ ‫المغرب‪� .‬إنها ق�صبة �شالة؛ من هنا �أتى‬ ‫ا�سم مدينة �سال‪� ،‬ستدخل �إليها عبر بوابة‬ ‫ُبرجِ ية عاتية بتذكرة �أو من دون تذكرة‪،‬‬ ‫�أن��ت الآن ف��ي العا�صمة‪ ،‬ف��ي �صومعة (ح�����س��ان)‪� ،‬أو في‬ ‫لت�سلم نف�سك �إل��ى ِ�سحر التاريخ القديم‪،‬‬ ‫�ضريح محمد ال��خ��ام�����س‪ ،‬وت��ري��د ال��ع��ب��ور �إل���ى ال�ضفة‬ ‫ال ��ذي يرجعه ال��م ��ؤرخ��ون �إل ��ى الع�صور‬ ‫الأخ���رى‪� ،‬إل��ى �سال‪� ،‬إل��ى نهر �أب��ي رق���راق‪� ،‬سوف تجتاز‬ ‫الحجرية‪ ،‬هنا حيث تحكي الم�آثر والأطالل‬ ‫النهر �إل��ى ال�ضفة ال�شمالية‪ ،‬ع��ن طريق ق��ارب �صغير‬ ‫و�أع�شا�ش اللقالق ف��وق القمم عن وجود‬ ‫حياة زاخرة‪ ،‬ون�شاط �إن�ساني فعال �سبقنا‬ ‫بمجذافين‪� ،‬أنت ومجموعة من الزوار‪ ،‬م�ستمتع ًا من دون‬ ‫الطريبق‬ ‫إليا�س‬ ‫�‬ ‫بما يقرب (‪� )1500‬سنة قبل الميالد‪ .‬حيث‬ ‫ت�أكيد بن�سائم ال��غ��روب وه��ي ت ُه ُّب على �ضفاف النهر‪،‬‬ ‫كانت (�سال) مدينة �صغيرة تعاقب عليها‬ ‫وكذا بم�شهد النوار�س‪ ،‬وهي تخيط �شراك لحظات من الجمال ال تن�سى‪.‬‬ ‫الموريون والفينيقيون والرومان‪.‬‬

‫�سال‪ ..‬مدينة التاريخ والحا�ضر‬

‫‪26‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫�أماكن‬ ‫�ستخرج من (�شالة) التاريخ‪ ،‬لتدخل (�سال)‬ ‫الحا�ضر‪ ،‬وفور عبور النهر‪� ،‬ست�ستقبلك طالئع‬ ‫المدينة (العدوة ال�سالوية) في تقابل لطيف‬ ‫مع (العدوة الرباطية)‪ ،‬ن�سبة �إلى �سكان رباط‬ ‫الفتح‪� ،‬ستحار من �أي باب َت ِل ُج ف�ضاء المدينة‬ ‫العتيقة ل�سال؛ فها هو باب المر�سى‪ ،‬يغريك‬ ‫باقتحام عالم النهر والبحر‪ ،‬وها هو باب دار‬ ‫ال�صناعة يجثم عليك ب�شكله الهند�سي الجبروتي‬ ‫الفريد‪ ،‬وها هو باب �سبتة �أي�ض ًا‪ ،‬حيث كانت‬ ‫�سفن الجهاد تخرج باتجاه الأندل�س‪ ،‬فت�ضطر‬ ‫�أخيراً �إلى �أن ت�سلم نف�سك ل�سور المدينة البالغ‬ ‫ثالثة �أمتار ون�صف المتر‪ ،‬قبل �أن تيمم خطاك‬ ‫المثقلة بالهواء والريح نحو الجامع الأعظم‪،‬‬ ‫لت�أخذ فكرة عن فن العمارة والزخرفة المغربية‬ ‫الأ�صيلة في العهد المريني‪ ،‬وكذلك المدر�سة‬

‫المرينية التي �أمر ال�سلطان �أبو الح�سن علي‬ ‫بن �أب��ي �سعيد ببنائها في (‪ )1330‬هجرية‪.‬‬ ‫هنا �أ�ضمن لك �أن �ستقف م�شدوه ًا لدقائق‪ ،‬بل‬ ‫ل�ساعات قبل �أن تقرر الرحيل ممتلئ ًا ومفعم ًا‬ ‫ب��روح التراث والفن الجميل‪ ،‬لأن عالم ًا من‬ ‫الألوان والأ�شكال �سوف ي�أخذ بتالبيب نظراتك‬ ‫وحيرتك‪ ،‬نا�صح ًا �إي��اك �أال ت�صطحب جهاز‬ ‫كاميرا معك‪ ،‬لأن تخليد ال�صورة ها هنا لن‬ ‫ت�سعفه �إال عين باحثة عن مواطن الده�شة‬ ‫والجمال‪.‬‬ ‫ن�سيت �أن �أق���ول ل��ك‪� ،‬إن ظ��اه��رة �أخ��رى‬ ‫�سوف تلفت نظرك وت��وج��ه اهتمامك‪ ،‬وهي‬ ‫عد‬ ‫كثرة المزارات الدينية والأ�ضرحة‪ ،‬فلقد َّ‬ ‫العادون �أزيد من مئة �ضريح لولي‪ ،‬من الأولياء‬ ‫ال�صالحين‪ ،‬الذين مروا �أو ا�ستوطنوا المدينة‪،‬‬

‫�أبوابها و�أطاللها‬ ‫تحكي ق�صتها‬ ‫التاريخية قبل‬ ‫(‪� )١٥٠٠‬سنة‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪27‬‬

‫�أماكن‬ ‫و�ستجد �أن �أ�شهرهم على الإطالق �ضريح عبداهلل‬ ‫بن ح�سون‪ ،‬الذي ي�شهد موكب ال�شموع‪ ،‬و�أي�ض ًا‬ ‫�ضريح �سيدي �أحمد بن عا�شر‪.‬‬ ‫�سال حا�ضرة‪ ،‬ولي�ست مدينة فح�سب‪ ،‬ولو‬ ‫تحظ يوم ًا بلقب المدينة ال�سلطانية‪،‬‬ ‫�أنها لم َ‬ ‫كما هو الحال مع فا�س �أو مراك�ش‪� ،‬إال �أنك‬ ‫تكاد تطلق عليها هذا اال�سم لأ�سباب عدة؛ لقد‬ ‫ظلت نقطة و�صل بين ال�شمال والجنوب �أيام‬ ‫ال�سعديين‪ ،‬الذين ك��ان المغرب في عهدهم‬ ‫مملكتين؛ مملكة فا�س‪ ،‬ومملكة مراك�ش‪ ،‬وظلت‬ ‫�إلى جانب رباط الفتح الذي �أ�س�سه الموحدون‬ ‫نقطة جذب وموقع ًا �آمن ًا للأندل�سيين القادمين‬ ‫من ع��دوة الأندل�س‪ ،‬فا�ستقرت بها مجموعة‬ ‫مهمة من العائالت الأندل�سية و�أ�سهموا في‬ ‫�إثراء المدينة بح�ضارتهم وثقافتهم‪ ،‬كما ظلت‬ ‫تلعب �أدواراً مختلفة ح�سب كل حقبة من حقب‬ ‫تتوان يوم ًا في خدمة ربوع هذه‬ ‫التاريخ‪ ،‬ولم‬ ‫َ‬ ‫الأر����ض‪ ،‬من منطلق �سخائها ووقوفها في‬ ‫عوادي الزمن‪.‬‬ ‫�إن كنت مهتم ًا بتاريخ المغرب الأق�صى‪،‬‬ ‫�سوف �آخذ بيدك �إلى حيث بيت �أحد رجاالت‬ ‫العلم والثقافة‪ ،‬في القرن التا�سع ع�شر الميالدي‪،‬‬ ‫ال��م ��ؤرخ الكبير �أح��م��د ب��ن خالد النا�صري‪،‬‬ ‫�صاحب �أ�شهر مرجع في تاريخ المغرب‪ ،‬وهو‬ ‫(اال�ستق�صا في �أخبار دول المغرب الأق�صى)‪،‬‬ ‫والذي ال يمكن لأي م�ؤرخ مغربي �أو متخ�ص�ص‬ ‫في تاريخ المغرب‪ ،‬بعده �أال يعتمد عليه‪ .‬و�إن‬ ‫كنت مولع ًا بالكتب والمخطوطات‪� ،‬سوف تكون‬ ‫الخزانة العلمية ال�صبيحية وجهتنا من دون‬ ‫ا�ستئذان وعلى وجه ال�سرعة‪ .‬وقبل �أن تتعرف‬

‫مراد القادري‬

‫‪28‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫�إلى �شاعرها‪ ،‬رئي�س بيت ال�شعر في المغرب‬ ‫مراد القادري‪� ،‬سوف ت�سمح لنف�سك ب�أخذ فكرة‬ ‫عن المتحف البحري ل�سال‪ ،‬لت�أخذ في الح�سبان‬ ‫�أنك في بالد تمتلك تاريخ ًا عريق ًا ومجيداً في‬ ‫علم المالحة ال ي�ستهان به‪ ،‬لتتعرف �إلى ما‬ ‫كان ي�سمى قديم ًا بجمهورية (�أبي رقراق) التي‬ ‫�أ�س�سها القرا�صنة وتعر�ض نماذج من ال�سفن‪،‬‬ ‫ومدافع بحرية من البرونز الت��زال �شاخ�صة‬ ‫فوهاتها في وجه المحيط‪ ،‬تحكي زمن ًا طوي ًال‬ ‫من ال�صراع والمناف�سة وال�شد والجذب‪.‬‬ ‫وللقيام ب�إطاللة على �صور من �صور الفن‬ ‫والثقافة بالمدينة‪ ،‬هنالك متحف دار بلغازي‬ ‫ال�شهير؛ لتتعرف �إلى مو�سيقا المدينة وطربها‪،‬‬ ‫وكثير من فنونها و�صناعاتها وتراثها الغني‪،‬‬ ‫ذي اللم�سة المغربية الأندل�سية‪.‬‬ ‫هي ذي (�سال) مدينة ال ت�ستطيع العبور‬ ‫دونها‪ ،‬ت�ستوقفك �أنى كنت لتت�أملها‪ ،‬وتدخلها‪،‬‬ ‫مدينة لتجتازها ال تطلب منك التعريف بنف�سك‬ ‫�أو م��ا �شابه‪ ،‬مدينة تحتاج معها لأمتعة‬ ‫قليلة جداً‪ ،‬خطوتان ونعل من ماء‪ ،‬لت�ستطيع‬ ‫ال�سباحة ف��ي �أزق��ت��ه��ا المترفة بالزخارف‬ ‫والفنون‪ ،‬ودروبها المعتقة وحواريها الم�شتبكة‬ ‫و�أ�سواقها الفتانة‪.‬‬ ‫وبعد الخروج من �أحد �أبوابها‪ ،‬قبل الدخول‬ ‫في نهر (�أبي رقراق) مجدداً للعبور �إلى ال�ضفة‬ ‫الأخ����رى‪� ،‬ستجد نف�سك‪ ،‬وق��د نف�ضت غبار‬ ‫الأزمنة ال�سحيقة الموغلة في النعومة والقدم‪،‬‬ ‫قد ا�ستهوتك ذائقتك‪ ،‬وتاقت نف�سك المتعبة‪،‬‬ ‫وخطاك المترهلة من كثرة الم�شي‪ ،‬قادتك‬ ‫�إلى منتجع مارينا الجديد‪� ،‬سنجل�س مع ًا على‬ ‫طاولة ت�شارف على الماء‪ ،‬و�ستحط النوار�س عن‬ ‫قرب فوق �أكتاف الوقت‪ ،‬لتخيط ثوب الم�ساء‬ ‫و�أنغامه على �إيقاعات �سفر جديد‪.‬‬

‫نظرة بانورامية لحي بطانة بـ «�سال»‬

‫تعبق بروح التراث‬ ‫والحداثة ومواطن‬ ‫الده�شة والجمال‬

‫ظلت نقطة توا�صل‬ ‫بين ال�شمال والجنوب‬ ‫منذ �أيام ال�سعديين‬

‫تمتلك تاريخ ًا‬ ‫في علم المالحة‬ ‫توثقه نماذج ال�سفن‬ ‫و�أ�سلحتها‬

‫إبداعات‬ ‫من معامل بور�سعيد‬

‫�شعر ‪ -‬ق�صة ‪ -‬ترجمة‬

‫¯ �أدبيات‬ ‫¯ يحكى �أن‬ ‫¯ قا�ص وناقد‬ ‫¯ نخلة في الهواء ‪ -‬ق�صة ق�صيرة‬ ‫¯ فرادة الفراغ ‪ -‬ق�صة ق�صيرة‬ ‫¯ بيوليتا ‪ -‬ق�صة مترجمة‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪29‬‬

‫جمال ّيات ال ّلغة‬

‫بال�شي ِء ُ�صور ًة وهيئ ًة‪،‬‬ ‫ات على ُ�ض ٍ‬ ‫ال�شي ِء َّ‬ ‫روب ُم ْختل َف ٍة‪َ ،‬ف ِم ْن َها‪َ :‬ت ْ�شبي ُه َّ‬ ‫ِيه ُ‬ ‫ال َّت ْ�شب َ‬ ‫َك َق ْول ْامرِئ ال َق ْي�س‪:‬‬

‫ُ��وب ال��طَّ �� ْي��رِ َرطْ ��ب�� ًا َو َي��ابِ�����س�� ًا‬ ‫َك����� َّأن ُق��ل َ‬

‫�إعداد‪ :‬فواز ال�شعار‬

‫َ‬ ‫والح�ش ُف ال َبالي‬ ‫اب‬ ‫َ‬ ‫لد َى َوكْرِ َها ال ُع َّن ُ‬

‫والح�ش ُف‬ ‫الر ْط َبة‪،‬‬ ‫�شبه ب ِه‬ ‫َ‬ ‫ثمر �أَ ْح َمر ل�شجرة الع ّناب‪ ،‬وقد َّ‬ ‫ّ‬ ‫الم�شبه بهما‪ :‬ا ْل ُع َّن ُ‬ ‫َ‬ ‫القلوب َّ‬ ‫اب‪ :‬وهو ٌ‬ ‫وك ُّل خي ٍر فيه‪ ،‬وقد َ�ش َّبه به القلوب الياب�سة‪.‬‬ ‫هب ما�ؤه ُ‬ ‫ياب�س ال َت ْم ِر الذي َذ َ‬ ‫البالي‪ :‬وهو ُ‬ ‫الر َقاع‪:‬‬ ‫وقول َع ِد ِّي بن ِّ‬

‫������ن‪ ،‬ك َ‬ ‫������ر َة َر ْو ِق ِ‬ ‫�����ه‬ ‫ت ْ‬ ‫ُ���زجِ ���ي َ�أغَ َّ‬ ‫������أ َّن �إِ ْب َ‬

‫���دا َد َه���ا‬ ‫���ن‬ ‫ال�����د َوا ِة ِم َ‬ ‫���اب ِم َ‬ ‫َّ‬ ‫����ص َ‬ ‫َق��ل ٌَ��م �أَ َ‬

‫ولد الظبي ِة بالقلم‪.‬‬ ‫الر�شا‪ ،‬وهو ُ‬ ‫ّ‬ ‫�شب َه قرن ّ‬

‫وادي عبقر‬ ‫وقفتني على الأ�سى‬

‫�أبو فرا�س الحمداني (بحر الخفيف)‬

‫���ب‬ ‫َو َق���فَ��� ْت���ن���ي َع���ل���ى الأَ�����س����ى َوال��� َّن���ح���ي ِ‬ ‫ال���������س����لُ���� ُّو َرم����ان����ي‬ ‫كُ ����لَّ����م����ا ع������ا َدن������ي‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫�����ن�����ات‬ ‫���������رات َق���������وا ِت���������لٍ ف�����ا ِت‬ ‫ف���������ا ِت‬ ‫��������ن ُم���ع���ي���نٍ‬ ‫����ب ُم�����تَ����� َّي ٍ‬ ‫�����م ِم ْ‬ ‫���������ص ٍّ‬ ‫َه������ل ِل َ‬ ‫����ب َح���تّ���ى‬ ‫����م����ع����ا ِت ُ‬ ‫ال�����م�����ذْ ِن ُ‬ ‫�����ب ال ُ‬ ‫�أَ ُّي�����ه�����ا ُ‬ ‫����ج����رٍ‬ ‫كُ ْ‬ ‫�����ن كَ���م���ا � ِ���ش���ئْ���تَ ِم����ن وِ�����ص����الٍ َو َه ْ‬ ‫ل َ‬ ‫ْ����ر الأَق���اح���ي‬ ‫�������س ُ‬ ‫���م ال��� َه���وى َوثَ����غ ُ‬ ‫َ�����ك جِ ْ‬ ‫����ح����دتَ ال���� َه����وى َولَ���� ِك����ن �أَ َق�������� َّرتْ‬ ‫َق ْ‬ ‫�����د َج َ‬ ‫����ج����ري‬ ‫َ���ي وِ����ص���ال���ي َو َه ْ‬ ‫�أَن������ا ف���ي ح���الَ���ت ْ‬ ‫ِ���������ص ٍ‬ ‫����دود‬ ‫�����ن ُق‬ ‫���������رب ُم����نَ����غ ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫َب����� ْي َ‬ ‫َّ���������ص ب ُ‬ ‫َ����ي خَ ����لِّ����ي����ان����ي َو َد ْم������ع������ي‬ ‫ي�����ا خَ ����ل����ي����ل َّ‬ ‫م�����ا تَ�������ق�������والنِ ف�����ي جِ ������ه������ا ِد ُم ِ‬ ‫�����ب‬ ‫�����ح ٍّ‬ ‫�����ص���� ْب����ري لَ���� ّم����ا َت�������أَ َّم������لَ طَ ���رف���ي‬ ‫َ‬ ‫ب������ان َ‬ ‫‪30‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫َ‬ ‫����ب‬ ‫ُم���ق���لَ���ت���ا َذ ِل‬ ‫����������ك ال�������غَ�������زالِ ال���� َّرب����ي ِ‬ ‫����ن����ج �أَ‬ ‫ل�����ح�����اظ ِ‬ ‫ِ‬ ‫غَ‬ ‫�����ص��ي��ب‬ ‫���ه���م ُم‬ ‫ِ‬ ‫ِ�������س ٍ‬ ‫ُ‬ ‫�����ه ب َ‬ ‫�����ك�����ات ِ‬ ‫ٍ‬ ‫����وب‬ ‫ف�����ا ِت‬ ‫����س���ه���ا ُم���ه���ا ف�����ي ال����قُ����ل ِ‬ ‫���������ن طَ‬ ‫���ب���ي���ب‬ ‫ِ‬ ‫َو ِل���������������داءٍ ُم�����خ�����ا ِم�����رٍ ِم ْ‬ ‫ن������وب ك����انَ����ت ذُن���وب���ي‬ ‫ال������ذ‬ ‫ْ����ت َ�أ َّن‬ ‫ُّ‬ ‫ِخ����ل ُ‬ ‫َ‬ ‫�����ر َق���ل���ب���ي َع���� َل����ي َ‬ ‫َ��ئ��ي��ب‬ ‫�����ر ك‬ ‫ِ‬ ‫غَ ����� ْي َ‬ ‫����ك غَ ����� ْي ُ‬ ‫َ�������س���ي���م ِّ‬ ‫َ�����ض��ي��ب‬ ‫��������د ال��ق‬ ‫َون‬ ‫ِ‬ ‫ال�������ص���ب���ا َو َق ُّ‬ ‫ُ‬ ‫َ�����ح ُ‬ ‫���ب‬ ‫���م���ري ِ‬ ‫��ي��اء ال���� َه����وى َول ْ‬ ‫�����ظ ال ُ‬ ‫���س��ي�� ِم ُ‬ ‫���ب‬ ‫����ب ف���ي َع‬ ‫�������ذاب ُم���ذي ِ‬ ‫ٍ‬ ‫ِم ْ‬ ‫�����ن �أَذى ال ُ‬ ‫����ح ِّ‬ ‫ق�����ي�����ب‬ ‫ِ�����ر‬ ‫َووِ�����������ص����������الٍ ُم�����نَ�����غ ٍ‬ ‫ِ‬ ‫َّ�����������ص ب َ‬ ‫راح َ‬ ‫����روب‬ ‫�إ َِّن ف����ي‬ ‫َّ‬ ‫��������ة ال���� َم���� ْك ِ‬ ‫ال������د ْم������ ِع َ‬ ‫��ب‬ ‫َو َق َ‬ ‫��ح��ب��ي ِ‬ ‫ْ���ب ف���ي َ���س��ب��ي��لِ ال َ‬ ‫�������ف ال���قَ���ل َ‬ ‫ب���ي���ب‬ ‫����ي َر‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫����ص��� ْب���ري بِ���� َب���� ْي����نِ ظَ ���� ْب ٍ‬ ‫ب������ان َ‬

‫�أدبيات‬

‫ق�صائد مغنّاة‬ ‫يا ُغ ْ�ص َن َن َقا‬

‫مو�شحات ابن زهر الأندل�سي‪ .‬غ ّناها �صباح فخري وفيروز‪.‬‬ ‫من ّ‬ ‫(مقام الهزام)‬

‫����ن نَ����قَ����ا ُم����كَ����ل َ ً‬ ‫����ب‬ ‫َّ��ل�ا بِ����ال����ذَّ َه ِ‬ ‫���������ص َ‬ ‫ي����ا غُ ْ‬ ‫����م �أ َدب����ي‬ ‫�إ ِْن كُ ��� ْن ُ‬ ‫���ت َ�أ َ‬ ‫������س������أْتُ ِف���ي َه���� َواكُ ْ‬ ‫ي����ا َم������ا ِل َ‬ ‫ب����اهلل‬ ‫ّ������ق‬ ‫َ������رف ْ‬ ‫ْ‬ ‫������ك م��ه��ج��ت��ي ت َ‬ ‫����ت وم���ه���ج���ت���ي ف����ي ع���لّ���ةْ‬ ‫روح�������ي تَ����ل����ف ْ‬ ‫���دا‬ ‫���ن �إذا ر� َآك ُم��� ْق��� ِب���ل َ����س���ج َ‬ ‫ُ�������ص ُ‬ ‫الْ���غ ْ‬ ‫ِ����و�����ص����ا ِل ِ‬ ‫����ه ُي���������داوِي ال��ك��ب��دا‬ ‫ي����ا ْ‬ ‫م�����ن ب َ‬ ‫م���ن ���س���أل��ك َع����نِ الْ���� َه���� َوى كُ ���ن َع�����ا ِدلْ‬ ‫ي���ا ْ‬ ‫ا����س��� َم��� ْع َم���ث َ ً‬ ‫����ن ُم�� ْن��تَ�� ِب��ه َل غَ ���ا ِف���لْ‬ ‫َ�ل�ا َم ْ‬ ‫َو ْ‬

‫�أَف ِ‬ ‫َ������د َ‬ ‫�����ن ال�������� َّر َدى ِب�����أُم����ي َو�أَبِ�������ي‬ ‫ي������ك ِم َ‬ ‫َ�����ون �إال ِل���نَ��� ِب���ي‬ ‫�������ص��� َم���ةُ َل تَ�����ك ُ‬ ‫فَ���الْ��� ِع ْ‬ ‫َل‬ ‫�������ن َزلَّ�������ةْ‬ ‫ّ‬ ‫ب������د ِل�����كُ�����لِّ َع�����ا� ِ�����ش�����قٍ ِم ْ‬ ‫هلل‬ ‫َل َح����������� ْولَ َو َل ُق����������� َّو َة �إال ب�����ا ْ‬ ‫���ن �إذا َر�أَت َ‬ ‫ْ��������ك َت��خْ ��� َ��ش��ى ال��رم��دا‬ ‫َوالْ��� َع��� ْي ُ‬ ‫�����دا‬ ‫َم�����ا تَ��� ْف��� َع ُ‬ ‫���ل���ه الْ������ َي������ ْو َم تَ����لْ����قَ����ا ُه غَ َ‬ ‫ع��ق��ل��ك َع ِ‬ ‫َ‬ ‫ِا ْح���������ذَ ْر ت��� ْب��� َل���ى َوخَ �������لِّ‬ ‫���اق���لْ‬ ‫���م َق���ا ِت���لْ‬ ‫ال ُ‬ ‫����ب �أذى َوالْ���� ِع����� ْ����ش����قَ ُ����س ٌّ‬ ‫ْ����ح ُّ‬

‫فقه لغة‬

‫الج ِّيدِ مِ ْن � ْأ�ش َي َاء ُم ْخ َتل َِفةٍ‬ ‫في َ‬

‫نقول‪َ :‬م َط ٌر َج ْو ٌد‪َ .‬ف َر ٌ�س َج َو ٌاد‪ِ .‬د ْر َه ٌم َج ِّي ٌد‪َ .‬ث ْو ٌب َف ِ‬ ‫ي�س‪ُ .‬غ َال ٌم َفار ٌِه‪�َ .‬س ْي ٌف ُج َرا ٌز‪ِ .‬د ْر ٌع‬ ‫اخ ٌر‪َ .‬م َت ٌ‬ ‫اع َن ِف ٌ‬ ‫الم ْن ِ‬ ‫بت بعيد ًة عن الأَ ْح َ�سا ِء وال ُّن ُزوزِ)‪َ .‬نا َق ٌة‬ ‫َح ْ�ص َد ُاء‪� .‬أَ ْر ٌ‬ ‫�ض َع َذا ٌة (�إذا َكا َن ْت َط ِّي َب َة التربة كريم َة َ‬ ‫َع ْي َط ٌل (�إذا كا َن ْت َطوِي َل ًة في ُح ْ�سنِ َم ْن َظ ٍر ِ‬ ‫و�س َمنٍ )‪.‬‬ ‫الط ْيرِ‪َ .‬ل َه ِ‬ ‫ات ال َّن ِ‬ ‫يم‬ ‫اق َّ‬ ‫الخ ْيلِ ‪ِ .‬ع َت ُ‬ ‫اد َ‬ ‫ا�س‪ُ .‬ح ْم ُر ال َّن َع ِم‪ .‬جِ َي ُ‬ ‫وفي ِخ َيا ِر ال ْأ�ش َيا ِء نقول‪�َ :‬س َر َو ُ‬ ‫ام ُ‬ ‫الرجال‪َ .‬ح َما ِئ ُم الإبِلِ ِ‬ ‫�ص ِم ْن‬ ‫ار‪َ :‬‬ ‫ميمة)‪ْ � .‬أح َر ُار ُ‬ ‫الخا ِل ُ‬ ‫َ‬ ‫الب ُقولِ ‪َ .‬ع ِقي َل ُة َ‬ ‫(واح ُدها‪َ :‬ح َ‬ ‫المالِ ‪ .‬ال ُّن َ�ض ُ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫يق‪:‬‬ ‫الرح ُ‬ ‫ال�س َي َر ُاء‪َ :‬‬ ‫باب‪َ :‬‬ ‫َج َواه ِر ال ِّت ْب ِر َ‬ ‫�ص من ُ‬ ‫الخال ُ‬ ‫الخال ُ‬ ‫والخ َ�ش ِب‪ .‬ال ُّل ُ‬ ‫الب ُرود‪َ .‬‬ ‫�ص من ُك ِّل َ�ش ْي ٍء‪ِّ .‬‬ ‫ال�سمن‪.‬‬ ‫ال�ش َر ِ‬ ‫الخا ِل�ص ِم َن َّ‬ ‫َ‬ ‫اب‪ .‬الأثر‪ :‬الخال�ص من ّ‬

‫�أخطاء‬

‫الم ِ�س ّنة‪ ،‬بالمعنى ال�سلبي‪ ،‬وك�أ ّنها �شتيمة‪،‬‬ ‫بع�ضهم‬ ‫و�صف «العجوز َّ‬ ‫َ‬ ‫ي�ستخدم ُ‬ ‫ال�ش ْمطاء» للمر�أ ِة ُ‬ ‫ِ‬ ‫�سواد‬ ‫مطاء‪ ،‬هي التي‬ ‫اختالط‬ ‫ال�ش َم ُط في اللغة‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫بال�سوا ِد‪َّ ،‬‬ ‫وهي خط�أ؛ ّ‬ ‫اختلط ُ‬ ‫وال�ش ُ‬ ‫البيا�ض َّ‬ ‫ِ‬ ‫�شي ُب‬ ‫ببيا�ض ِه‪ ،‬وقد ال‬ ‫�شعرِها‬ ‫تكون ُم�س ّنة‪َّ .‬‬ ‫َ‬ ‫وال�ش َم ُط في الرجلِ ‪�َ :‬ش ْي ُب ال ّل ْحي ِة‪ ،‬وفي المر�أ ِة ْ‬ ‫باء‪ ،‬ويقال للرجل‪� :‬أَ ْ�ش َيب‪ .‬وكل لونين اختلطا‪ ،‬فهما‬ ‫الر� ِأ�س‪ ،‬ال يقال للمر�أ ِة َ�ش ْي ُ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ببيا�ض ال ّنهار‪.‬‬ ‫الختالط �سوا ِد الليل‬ ‫ال�شميط‪،‬‬ ‫َ�ش ِم ٌ‬ ‫يط‪ .‬و� ُ‬ ‫�سمى‪َّ :‬‬ ‫أول ال�صبح ُي ّ‬ ‫القائل فيها‪:‬‬ ‫ال�ص ّم ِة‪ ،‬وهو‬ ‫ُ‬ ‫وال�شم ُ‬ ‫ْ‬ ‫ر�س ُدري ٍد بنِ ّ‬ ‫طاء‪َ :‬ف ُ‬

‫بان �صاحبـي‬ ‫َعللت‬ ‫ت ُ‬ ‫بال�شمطاءِ �إ ْذ َ‬ ‫ْ‬

‫بان �صاح ُبه‬ ‫بان �أو َ‬ ‫وكلّ امرئٍ قد َ‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪31‬‬

‫�أدبيات‬

‫ينابي ُع ال ُّل َغ ِة‬ ‫طه ح�سين‬

‫�صري‪ُ ،‬ي َع ُّد َع َلم ًا من �أعالم‬ ‫أديب ومف ِّك ٌر ِم ٌّ‬ ‫طه ح�سين‪ٌ � ..‬‬ ‫التنوير والحركة الأدبية الحديثة‪ ،‬امت َل َك َب ِ�صير ًة نافذ ًة و� ْإن‬ ‫لقب‬ ‫فكري ًا �شام ًال‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫ُحرِم الب�صر‪ ،‬وقاد م�شروع ًا ّ‬ ‫ا�ستحق به َ‬ ‫وتحم َل في �سبيله �أ�شكا ًال من النقد‬ ‫(عميد الأدب العربي)‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫�صادرة‪.‬‬ ‫والم َ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ُولد طه ح�سين علي �سالمة‪ ،‬في نوفمبر (‪١٨٨٩‬م)‪،‬‬ ‫ب�صره في الرابعة‬ ‫بقرية (الكيلو) بمحافظة المنيا‪َ .‬ف َق َد‬ ‫َ‬ ‫لكن ذلك َل ْم َي ْثنِ وا ِل َده عن‬ ‫بالر َمد‪َّ ،‬‬ ‫من عمره � َ‬ ‫إثر �إ�صابته ّ‬ ‫فاج�أَ‬ ‫�شيخه محمد‬ ‫ال�صغير َ‬ ‫�إلحاقه ب ُك َّتاب القرية؛ حيث َ‬ ‫ُ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫حافظة وذكا ٍء متو ِّقد‪ ،‬م َّك َناه من تع ُّلم‬ ‫بذاكرة‬ ‫جادالرب‪،‬‬ ‫اللغة والح�ساب والقر�آن الكريم في فترة وجيزة‪.‬‬ ‫وتابع م�سيرته الدرا�سية بخطوات وا�سعة؛ حيث‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫المنت�سبين �إلى‬ ‫التحق بالتعليم الأزهري‪ ،‬ثم كان �أول‬ ‫الجامعة الم�صرية عام (‪١٩٠٨‬م)‪ ،‬وح�صل على الدكتوراه‬ ‫عام (‪١٩١٤‬م)‪ ،‬لتبد�أ �أولى معاركه مع الفكر التقليدي؛‬ ‫َ‬ ‫أثار ْت �أطروح ُته (ذكرى �أبي العالء) َموج ًة عالية‬ ‫حيث � َ‬ ‫أوفد ْته الجامعة الم�صرية �إلى فرن�سا‪،‬‬ ‫من االنتقاد‪ .‬ثم � َ‬ ‫وهناك �أَ َع َّد �أُطروح َة الدكتوراه الثانية (فل�سفة ابن خلدون‬ ‫االجتماعية)‪ .‬واجتاز دبلوم الدرا�سات العليا في القانون‬ ‫الروماني‪ .‬وكان لزواجه بال�سيدة الفرن�سية �سوزان بري�سو‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫عظيم الأثر في م�سيرته العلمية والأدبية؛ حيث قامت له‬ ‫دعم ْته‬ ‫بدور القارئ‪ ،‬كما كانت الرفيقة المخ ِل�صة التي َ‬ ‫ثابرة‪ ،‬وقد ُر ِز َقا اثنين من‬ ‫والم َ‬ ‫و�شج َع ْته على العطاء ُ‬ ‫َّ‬ ‫الأبناء‪� :‬أمينة وم�ؤن�س‪.‬‬ ‫وبعد عودته من فرن�سا‪ ،‬خا�ض ِغمار الحياة‬ ‫العملية والعامة بقوة واقتدار؛ حيث عمل �أ�ستاذاً‬ ‫للتاريخ اليوناني والروماني بالجامعة الم�صرية‪ ،‬ثم‬

‫‪32‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫�أ�ستاذاً لتاريخ الأدب العربي بكلية الآداب‪ ،‬ثم عميداً للكلية‪.‬‬ ‫وفي (‪١٩٤٢‬م)‪ُ ،‬ع ِّين م�ست�شاراً لوزير المعارف‪ ،‬ثم‬ ‫مديراً لجامعة الإ�سكندرية‪ .‬وفي (‪١٩٥٠‬م)‪� ،‬أ�صبح وزيراً‬ ‫للمعارف‪ ،‬وقاد الدعوة لمجانية التعليم و�إلزاميته‪ ،‬وكان‬ ‫له الف�ضل في ت�أ�سي�س ٍ‬ ‫عدد من الجامعات الم�صرية‪ .‬وفي‬ ‫متفرغ)‪،‬‬ ‫(‪١٩٥٩‬م)‪ ،‬عاد �إلى الجامعة ب�صفة (�أ�ستاذ غير‬ ‫ِّ‬ ‫وت�س َّل َم رئا�سة تحرير جريدة (الجمهورية)‪.‬‬ ‫�أثرى المكتب َة العربية بكثير من الم�ؤ َّلفات والترجمات‪،‬‬ ‫للتحرر واالنفتاح الثقافي‪ ،‬مع‬ ‫يكر�س �أعما َله‬ ‫وكان ِّ‬ ‫ُّ‬ ‫القيمة؛ عربي ًة وم�صري ًة‪.‬‬ ‫االعتزاز بالموروثات الح�ضارية ِّ‬ ‫وبطبيعة الحال‪ ،‬ا�صطدمت تجديدي ُة �أطروحاته وحداثي ُتها‬ ‫ِ‬ ‫الن�صيب‬ ‫ببع�ض الأفكار ال�سائدة‪ ،‬فح�صدت كبرى ُم�ؤ َّلفاته‬ ‫َ‬ ‫حد رفع الدعاوى‬ ‫الأكبر من الهجوم الذي و�صل �إلى ِّ‬ ‫الق�ضائية عليه‪.‬‬ ‫من م�ؤ ّلفاته‪( :‬على هام�ش ال�سيرة‪ .‬م�ستقبل الثقافة‬ ‫في م�صر‪ .‬مر�آة الإ�سالم‪ .‬فل�سفة ابن خلدون االجتماعية‪.‬‬ ‫حديث الم�ساء‪ .‬في ال�شعر الجاهلي‪ .‬في الأدب الجاهلي‪.‬‬ ‫حديث الأربعاء‪ .‬حافظ و�شوقي‪ ،‬مع �أبي العالء في �سجنه)‬ ‫وغيرها الكثير‪..‬‬ ‫رحل طه ح�سين عن ُدنيانا في �أكتوبر (‪١٩٧٣‬م) عن‬ ‫ناه َز (‪ )٨٤‬عام ًا‪ ،‬ق�ضاها معلِّم ًا وم�ؤ ِّلف ًا و�صانع ًا من‬ ‫عم ٍر َ‬ ‫�ص َّناع النور‪.‬‬

‫يحكى �أن‪..‬‬

‫النبل يغلب نداء الث�أر‬

‫عبدالرزاق �إ�سماعيل‬

‫ع��رف العرب عبر تاريخهم الموغل‬ ‫في القدم بف�ضائل قلما اجتمعت ل�شعب‬ ‫�آخر‪ ،‬تتربع في �صدارتها ف�ضيلة المروءة‪.‬‬ ‫وتتجلى م��روءة العربي في �صور عدة‬ ‫�أنبلها �إغ��اث��ة الملهوف‪ ،‬وح��م��اي��ة من‬ ‫ي�ستجير به‪ ،‬ولو كلفه ذلك حياته‪.‬‬ ‫�إن مروءة العربي مكون �أ�سا�سي من‬ ‫مكونات �شخ�صيته‪ ،‬وبالتالي ف�إن ق�ص�ص‬ ‫ه��ذه ال��م��روءة ت�ستع�صي على �أي تعداد‬

‫يح�صرها في رقم محدد‪ ،‬كما �أنها �أكبر‬ ‫من �أن نن�سبها �إلى ع�صر معين‪ ،‬ومنها هذه‬ ‫الق�صة بالغة الداللة‪.‬‬ ‫بعد �أن �آلت الخالفة �إلى بني العبا�س‪،‬‬ ‫كان �أن تو�سط �أحد المقربين لأبي العبا�س‬ ‫لل�شفاعة في �إبراهيم بن �سليمان‪ ،‬فقبل‬ ‫�أب��و العبا�س و�ساطته و�أع��ط��ى الأم��ان‬ ‫لإبراهيم‪ ،‬و�أكرمه وجعله �أحد جل�سائه‪،‬‬ ‫وذات يوم قال له �أبوالعبا�س‪ :‬حدثني يا‬ ‫�إبراهيم عن �أغرب ما مر بك �أيام اختفائك‪،‬‬ ‫فقال‪ :‬كنت متخفي ًا في الحيرة بمنزل‬ ‫م�شرف على ال�صحراء‪ ،‬فبينما كنت يوم ًا‬ ‫على ظهر ذل��ك البيت‪� ،‬أب�صرت �أع�لام� ًا‬ ‫�سوداً قد خرجت من الكوفة تريد الحيرة‪،‬‬ ‫ف�أوج�ست منها خيفة �إذ ح�سبتها تق�صدني‪،‬‬

‫فخرجت م�سرع ًا من ال��دار متنكراً حتى‬ ‫�أتيت الكوفة‪ ،‬و�أن��ا ال �أع��رف من �أختفي‬ ‫عنده‪ ،‬فبقيت متحيراً في �أم��ري‪ ،‬فنظرت‬ ‫ف��إذا �أنا بباب كبير فدخلته‪ ،‬فر�أيت في‬ ‫الرحبة رج ًال و�سيم ًا لطيف الهيئة نظيف‬ ‫الب َّزة‪ ،‬فقال لي‪ :‬من �أنت وما حاجتك؟ قلت‪:‬‬ ‫رجل خائف على حياته‪ ،‬وجاء ي�ستجير‬ ‫بك‪ ،‬ف�أدخلني منزله‪ ،‬و�آوان��ي في حجرة‬ ‫تلي حجرة حرمه‪ ،‬ف�أقمت عنده ولي كل‬ ‫ما �أحب من طعام و�شراب ولبا�س وهو ال‬ ‫ي�س�ألني عن �شيء من حالي‪� ،‬إال �أنه كان‬ ‫يركب في كل يوم من الفجر وال يرجع �إال‬ ‫قبيل الظهر‪.‬‬ ‫فقلت له يوم ًا‪� :‬أراك تدمن الركوب‪ ،‬ففيم‬ ‫ذلك‪ ،‬قال لي‪� :‬إن �إبراهيم بن �سليمان بن‬ ‫ٍ‬ ‫مختف‬ ‫عبدالملك قتل �أبي‪ ،‬وقد بلغني �أنه‬ ‫في الحيرة‪ ،‬ف�أنا �أطلبه لعلي �أجده و�أدرك‬ ‫منه ث�أري‪.‬‬ ‫لما �سمعت ذلك يا �أمير الم�ؤمنين عظم‬ ‫خوفي‪ ،‬و�ضاقت الدنيا في عيني‪ ،‬وقلت‬ ‫�إني قد �سقت نف�سي �إلى حتفي‪.‬‬ ‫ثم �س�ألت الرجل عن ا�سمه وا�سم �أبيه‪،‬‬ ‫ف�أخبرني عن ذلك‪ ،‬فعلمت �أن كالمه حق‪،‬‬ ‫فقلت له‪ :‬يا هذا‪� ،‬إنه قد وجب علي حقك‪،‬‬ ‫وج��زاء لمعروفك لي �أري��د �أن �أدل��ك على‬ ‫�ضالتك‪ ،‬فقال‪ :‬و�أين هو؟ قلت‪� :‬أنا بغيتك‬ ‫�إبراهيم بن �سليمان بن عبدالملك فخذ‬ ‫بث�أرك‪ ،‬فتب�سم وقال‪ :‬هل �أ�ضجرك االختفاء‬ ‫والبعد عن دارك و�أهلك ف�أحببت الموت؟‬ ‫قلت‪ :‬ال واهلل‪ ،‬ولكني �أقول لك الحق‪ ،‬و�إني‬ ‫قتلت �أباك في يوم كذا من �أجل كذا وكذا‪.‬‬ ‫لما �سمع ال��رج��ل كالمي ه��ذا وعلم‬ ‫�صدقي تغير لونه‪ ،‬واحمرت عيناه‪ ،‬ثم فكر‬ ‫طوي ًال‪ ،‬والتفت �إلي وقال‪� :‬أما �أنت ف�سوف‬ ‫تلقى �أبي عند حاكم عادل في�أخذ بث�أره‬ ‫منك‪ ،‬و�أما �أنا فال �أخفر ذمتي (ال �أنق�ص‬ ‫عهدي)‪ ،‬ولكني �أرغب في �أن تبتعد عني‪،‬‬ ‫ف�إني ل�ست ب�آمن عليك من نف�سي‪ ،‬ثم قدم‬ ‫لي �ألف دينار‪ ،‬ف�أبيت �أخذها‪ ،‬وان�صرفت‬ ‫عنه‪ .‬فهذه الحادثة هي �أغرب ما مر بي‪،‬‬ ‫وه��ذا الرجل هو �أنبل من ر�أي��ت و�سمعت‬ ‫بعدك‪ ،‬يا �أمير الم�ؤمنين‪.‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪33‬‬

‫ق�صة‬

‫عندما غاب البدرعن ليلتها‬ ‫�ضو �سليم‬

‫غ��اب البدر عن �سماه ليلتها‪ ،‬الدنيا‬ ‫مظلمة وال�شوارع مقفرة وال�سكون مطبق‬ ‫على الأرج���اء‪ ،‬كفرا�شة ربيعية‪� ،‬أ�سرعت‬ ‫ت��غ��ادر مكتبها ف��ي خفة معهودة فيها‪،‬‬ ‫تقفز درج��ات ال�س ّلم‪ ،‬تطفئ �ضوء الممر‪،‬‬ ‫ت��وارب الباب وتحكم �إغالقه‪ ،‬ت�ضع بقايا‬ ‫الطعام ال��ذي تركه الموظفون على قطعة‬ ‫من الكرتون بمحاذاة حاوية الف�ضالت‪،‬‬ ‫فتهرول نحوها القطط التي �ألفتها منذ‬ ‫ٍ‬ ‫مدة‪ .‬ت�سير بين �شوارع و�أنهج ومنعطفات‬ ‫مظلمة تكاد تخلو من المارة‪ ..‬اعتادت �أن‬ ‫تقطعها كل م�سا ٍء على متن دراجتها‬ ‫الهوائية في وق��ت �أبكر من ه��ذا‪..‬‬ ‫ك��ان��ت تهم ب��م��غ��ادرة مكتبها‬ ‫عندما تلقت ذاك االت�صال من‬ ‫�إح ��دى �ضحايا العنف ال��زوج��ي‪،‬‬ ‫و�صلها �صوتها متقطع ًا باكي ًا‬ ‫ناحب ًا تطلب العون‪ ،‬مكثت في‬ ‫لتقدم لها‬ ‫مكتبها تنتظرها َّ‬ ‫الم�ساعدة والإح��اط��ة‬ ‫الالزمتين‪ ،‬اللتين‬ ‫اع��ت��ادت الجمعية‬ ‫ت��ق��دي��م��ه��م��ا لكل‬ ‫�ضحايا العنف‪،‬‬ ‫�أذن��ت لزمالئها في‬ ‫ال��م��ك��ت��ب ب��ال��م��غ��ادرة‪،‬‬ ‫وطلبت م��ن �أح��ده��م �أن‬ ‫ي�أخذ دراجتها بعد �أن‬ ‫تعطلت �سيارته‪ ،‬فبيتها‬ ‫ق��ري��ب‪ ،‬وظ��ف��ره ب�سيارة‬ ‫تاك�سي ف��ي مثل ه��ذا الوقت‬ ‫�أمر �صعب‪ ...‬كفرا�شة ربيعية انطلقت خفيفة‬ ‫‪34‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫مرتاحة البال بعد �أن قي�ض لها م�ساعدة كل‬ ‫من طرق بابها؛ زميلها في المكتب‪ ،‬عاملة‬ ‫التنظيف التي ترغب في �سلفة عن المرتب‪،‬‬ ‫المر�أة التي عنفها زوجها‪ ،‬حتى القطط‪،‬‬ ‫كانت ت�شملها بعطفها وحنوها‪...‬‬ ‫ك��ان��ت ال��رائ��ح��ة ق��وي��ة‪ ..‬عطنة‪ ،‬تكتم‬ ‫الأنفا�س‪ ،‬روائح كريهة ت�شبه العفن‪ ،‬كلما‬ ‫وقربت‬ ‫تقدمت ازدادت حدتها‪ ،‬لم تبالِ بها ّ‬ ‫ك��م معطفها م��ن �أن��ف��ه��ا‪� ..‬أث���ارت ريبتها‬ ‫�أ���ص��وات محمومة ت�شبه فحيح الأف��اع��ي‬ ‫تقطع ال�صمت المطبق على‬

‫المكان‪� ،‬ساورتها الهواج�س والظنون‪ ..‬زاد‬ ‫من خوفها ت�سارع وقع �أقدام قريب منها‪،‬‬ ‫اختلط وقعها مع دقات قلبها‪ ..‬قررت �أن‬ ‫تخرج لل�شارع الرئي�سي‪ ،‬فبع�ض المحالت‬ ‫فيه مازالت مفتوحة الأب��واب‪ ،‬وال�سير فيه‬ ‫�أ�سلم من هذه الأنهج المهجورة‪ ،‬انعطفت‬ ‫ي�سرة عند �إح��دى الممرات الفرعية‪ ،‬من‬ ‫�أح��د �أب��واب العمارات القديمة المتهالكة‬ ‫خرج عليها ب�سواده المعتم‪ ،‬يقطع طريقها‪،‬‬ ‫التفتت خلفها ترغب في تغيير طريقها‪،‬‬ ‫فيفاجئها �ضبع ثانٍ قاتم ال�سواد‪� ،‬سدد لها‬ ‫لكمة �أطاحت بها �أر�ض ًا و�أ�سالت الدم من‬ ‫�أنفها‪ ،‬وانهال عليها الثاني رك ًال ي�سدده في‬ ‫�أماكن متفرقة من ج�سدها بمقدمة‬ ‫غريب‬ ‫ت�شف‬ ‫حذائه ال�صلد في‬ ‫ٍ‬ ‫ٍّ‬ ‫حتى �صدر منها �صوت ي�شبه‬ ‫نزيب ظبية �سقطت فري�سة‬ ‫بين �أي��دي ال�سباع‪ ...‬ب�صق‬ ‫عليها الأول وال��ت��ف��ت �إل��ى‬ ‫مرافقه قائ ًال‪ :‬دعها ملقا ًة‬ ‫هكذا كي تكون عبر ًة لكل من‬ ‫ت�سول له نف�سه التطاول‬ ‫على النظام‪.‬‬ ‫ج��ث��ة م��ل��ق��اة ه��ام��دة‬ ‫ت��رك��ت ت��ن��زف دم���� ًا على‬ ‫الأ�سفلت ال��ب��ارد‪ ،‬ال ذنب‬ ‫لها �إال لأنها كانت كفرا�شة‬ ‫ربيعية الحياة في عينيها‬ ‫ربيع مت�صل ت�أمل في عالم‬ ‫�أف�����ض��ل‪ ،‬ولأن ال��دن��ي��ا مظلمة‬ ‫وال�سماء مقفرة‪ ،‬لأن البدر غاب عن �سماه‬ ‫ليلتها‪.‬‬

‫قا�ص وناقد‬ ‫نقد‬

‫«عندما غاب البدر عن ليلتها»‬ ‫د‪� .‬سمر روحي الفي�صل‬

‫ق�صة �ضو �سليم (عندما غاب البدر عن‬ ‫�سماه ليلتها) تجذب المتلقي �إليها بب�ساطتها‬ ‫التي ال تجافي العمق‪ .‬فهي تتحدث عن امر�أة‬ ‫ال ت�سميها‪ ،‬مكتفية ب�صفاتها الإيجابية‪،‬‬ ‫و�أبرزها عملها في جمعية ت�ساعد الن�ساء‬ ‫اللواتي يتعر�ضن للعنف من �أزواج��ه��ن‪.‬‬ ‫والوا�ضح �أن �سارد الق�صة رغب في تر�سيخ‬ ‫�إيجابية هذه المر�أة‪ ،‬فجعلها تراعي زمالءها‬ ‫في الجمعية‪ ،‬فتتركهم ين�صرفون في موعد‬ ‫االن�صراف‪ ،‬وتبقى وحدها لمعالجة ات�صال‬ ‫مـت�أخر ورد �إلى الجمعية من زوجة باكية‬ ‫تطلب الم�ساعدة‪ .‬كما �أنها �أع��ارت زمي ًال‬ ‫لها دراجتها؛ لأن �سيارته تعطلت‪ ،‬وبيتها‬ ‫قريب يمكن �أن تذهب �إليه �سيراً على الأقدام‪.‬‬ ‫وو�ضعت بقايا طعام الموظفين على قطعة‬ ‫كرتون قرب حاوية النفايات‪ ،‬كعادتها التي‬ ‫�ألفتها القطط‪ .‬رغبت الق�صة‪ ،‬باخت�صار‪ ،‬في‬ ‫القول �إن هذه المر�أة ودود‪ ،‬مخل�صة في‬ ‫عملها المفيد اجتماعي ًا‪ ،‬ذات ح�س �إن�ساني‪.‬‬ ‫راح �سارد الق�صة بعد تقديمة ال�صورة‬ ‫الإيجابية للمر�أة يطرح الحدث ال��ذي يعد‬ ‫نقي�ض ًا لل�صورة الإيجابية‪ ،‬فقد ت�أخرت‬ ‫م�ساء لتعالج ق�ضية‬ ‫ال��م��ر�أة ف��ي عملها‬ ‫ً‬ ‫زوجة طلبت العون من الجمعية‪ ،‬وعندما‬ ‫انتهت من المعالجة غادرت الجمعية وقد‬ ‫حل الظالم لغياب البدر‪� .‬سارت في طريق‬ ‫فرعية‪ ،‬فلحق بها رجل‪ ،‬واعتر�ض �سيرها‬ ‫رجل �آخر‪ ،‬و�أوحى ال�سياق �أن الرجلين كانا‬ ‫ينتظران قدومها‪ .‬لكمها الأول فوقعت �أر�ض ًا‬ ‫و�سال الدم من �أنفها‪ ،‬وراح الثاني يركلها‬ ‫بت�شف غريب) في‬ ‫(بمقدمة حذائه ال�صلد‬ ‫ٍّ‬ ‫�أماكن مختلفة من ج�سدها‪ ،‬وهي ت�صرخ‬ ‫مـت�ألمة‪ .‬ثم طلب �أحدهما من رفيقه �أن‬

‫والن�سيج ال�شفاف‬

‫يتركها على هذه الحال (كي تكون عبر ًة لكل‬ ‫من ت�سول له نف�سه التطاول على النظام)‪.‬‬ ‫ق�صة ���ض��و �سليم‪ ،‬ك��م��ا ه��و وا���ض��ح‪،‬‬ ‫ق�سمان؛ قدم ال�سياق في الق�سم الأول �صورة‬ ‫�إيجابية للمر�أة‪ ،‬يطمح المجتمع في �أن‬ ‫تملك ن�سا�ؤه �صفاتها كلها �أو بع�ضها‪ ،‬فهي‬ ‫تعمل في جمعية تعين الن�ساء الم�ضطهدات‬ ‫ال��ل��وات��ي ت��ع��ر�ْ��ض��ن للعنف ف��ي بيوتهن‪،‬‬ ‫وت�ساعد زم�لاءه��ا ف��ي ال��ع��م��ل‪ ،‬فتراعي‬ ‫�أحوالهم فال تطلب منهم �أن يت�أخروا عن‬ ‫موعد ان�صرافهم‪ ،‬وتعير �أحدهم دراجتها‬ ‫حين تعطلت �سيارته‪ ،‬وتملك ح�س ًا �إن�ساني ًا‪،‬‬ ‫فتطعم القطط بقايا طعام الموظفين بد ًال‬ ‫من �أن ترميها في حاوية القمامة‪ .‬يقول‬ ‫الق�سم الأول باخت�صار‪ :‬هذه المر�أة نموذج‬ ‫اجتماعي �إيجابي ي�ستحق التقدير‪ .‬ثم ي�أتي‬ ‫الق�سم الثاني ليكون نقي�ض الأول على �سبيل‬ ‫المفارقة‪ ،‬فعمل هذه المر�أة في جمعية تقدم‬ ‫العون للن�ساء الم�ضطهدات يخالف نظام‬ ‫المجتمع القديم القائم على حرية الرجل‬ ‫في معاملة المر�أة؛ لذلك تراه يدافع عن هذا‬ ‫النظام‪ ،‬فيناه�ض الجمعية التي تدافع عن‬ ‫المر�أة‪ ،‬وت�سعى �إلى �إلغاء �سيطرته عليها في‬ ‫�صورة العنف ال��ذي يوجهه لها‪ ،‬ويعاقب‬ ‫ال��م��ر�أة التي �أوح��ت الق�صة ب�أنها مديرة‬ ‫الجمعية كي تكون عبرة لمن ي�سعى �إلى‬ ‫تقوي�ض النظام القديم الذي جعله م�سيطراً‪.‬‬ ‫وم��ن ث��م �أ�صبحت المفارقة ف��ي الق�صة‬ ‫وا�ضحة بين الإخ�لا���ص والعقوبة‪ .‬فقد‬ ‫نذرت المر�أة نف�سها لم�ساعدة بنات جن�سها‪،‬‬ ‫ولكن الرجلين اللذين جعلهما �سياق الق�صة‬ ‫فعلهما غير ال�سليم‪ ،‬لم‬ ‫�أ�سودين للداللة على ْ‬ ‫يرغبا في التنازل عن �سيطرة الرجل‪ ،‬فندبا‬

‫نف�سيهما للقيام بمعاقبة المر�أة ب��د ًال من‬ ‫الرجال جميع ًا‪ .‬هذا هو المجتمع‪ ،‬وهذه هي‬ ‫مفارقة من مفارقاته‪.‬‬ ‫حكاية هذه الق�صة ذات ن�سيج �شفاف‪،‬‬ ‫فهي غير غام�ضة وال مبا�شرة‪ ،‬ب��ل بين‬ ‫بين‪ .‬قدمت حكاية لي�س فيها ت�سميات‬ ‫لل�شخ�صيات؛ لتمنح ال�سياق وال��ح��دث‬ ‫ق��دراً من التعميم‪ ،‬وجعلت المر�أة �إيجابية‬ ‫والرجلين �أ�سودين؛ لتوحي بالتناق�ض بين‬ ‫الخير وال�شر‪� ،‬أو بين قوى التغيير والقوى‬ ‫المناه�ضة لها �إن جاز التعبير‪ .‬والظن �أن‬ ‫�ضو �سليم لج�أ �إل��ى ن�سيج حكائي �شفاف‬ ‫ليجعل ق�صته م��ق��روءة؛ وك��ي يعلن هدفه‬ ‫وهو االنت�صار لحركة الدفاع عن المر�أة‪ .‬وال‬ ‫يقلل من قيمته الإن�سانية �أن نقول �إنه قدم‬ ‫ق�صة ن�سوية‪ ،‬تر�ضى عنها المر�أة‪ ،‬وتهلل‬ ‫لها الحركات الن�سوية التي تناه�ض العنف‪،‬‬ ‫وتحارب القائمين به‪ .‬والم�شكلة في هذه‬ ‫الق�صة كامنة في التعميم‪ ،‬فعدم ت�سمية‬ ‫ال��م��ر�أة ي�سمح بتعميم الحدث على جن�س‬ ‫الن�ساء‪ ،‬وو�صف المر�أة بالإيجابية يعزى‬ ‫في هذه الحال �إلى جن�س الن�ساء دون تمييز‬ ‫�أو تخ�صي�ص‪ .‬وفي مقابل ذلك جعل ال�سياق‬ ‫الرجلين �أ�سودين‪ ،‬ولم يمنحهما ت�سميتين‪.‬‬ ‫وهذا التعميم على جن�س الرجال يعني �أن‬ ‫الرجال كلهم يعنفون المر�أة‪ ،‬ويناه�ضون‬ ‫�أية محاولة للدفاع عنها‪ .‬هل هذا �صحيح؟ ال‬ ‫�أعتقد �أن �ضو �سليم تعمد التعميم لي�صل �إلى‬ ‫هذه النتيجة‪ ،‬ولكن ذلك ال يعفيه من النتيجة‬ ‫الفنية ال�سلبية لهذا التعميم‪ .‬لعل الن�سيج‬ ‫الحكائي ال�شفاف‪ ،‬والترميز ال��ذي ير�سخ‬ ‫داللة (غياب البدر) على ال�شرخ في المجتمع‪،‬‬ ‫ي�شفعان له‪ ،‬ويعفيانه من جريرة التعميم‪.‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪35‬‬

‫ق�صة ق�صيرة‬

‫نخلة في الهواء‬ ‫مراد ناجح عزيز‬

‫وجبة ع�شاء فاخرة ال تخلو من لحم‪ ،‬و�صحبة تتجاذب �أطراف الحديث في‬ ‫كل �شيء‪ ،‬ال �صوت يعلو فوق �صوت مزاحنا‪ ،‬نفت�ش في كل �أوكار القلب‪ ،‬عن �أية‬ ‫ابت�سامة تحيل وجه الحياة العبو�س �إلى �شجرة ي�ستظل تحتها عا�شقان‪� ..‬شلة‬ ‫من الأ�صدقاء بد�أنا في ا�ستح�ضار قدراتنا والبحث لها عن وظيفة �أخرى‪� ،‬أ�شار‬ ‫�أحدنا بلعبة التحدي‪ ،‬فمن منا ي�ستطيع �أن يعبر النهر مث ًال �أو ي�صعد �إلى �أعلى‬ ‫النخلة المجاورة وي�سقط لنا بلحاً‪.‬‬ ‫ولأني كنت من هواة التحدي‪ ،‬وافقت على ت�سلق �أعلى النخلة‪ ،‬ربطت حب ًال‬ ‫بيني وبين جذع النخلة كما يفعل مت�سلقو النخل‪ ،‬بد�أت في الت�سلق خطوة تلو‬ ‫الأخرى‪ ،‬وبحذر �شديد كان الأ�صدقاء ما بين م�شجع وقلق‪ ،‬و�أنا �أتابع‬ ‫ت�سلقي بخطوات ثابتة‪� ،‬أنظر من حين لآخر �إلى �أعلى لأجدني‬ ‫لم �أزل بعيداً عن مبتغاي‪ ،‬ولكني كنت �أ�سبح في هذا‬ ‫الف�ضاء كغيمة تحلق في ال�سماء ال تعلم على �أي‬ ‫وطن ت�ستقر‪ ،‬وال تعلم �أنها ب�شير خير �أو تعب‪،‬‬ ‫�إذا ما ت�صدعت من �شدة الرياح و�أ�سقطت‬ ‫م��ط��راً‪ ،‬و�إذا م��ا حجبت �ضوء ال�شم�س‬ ‫و�أرخ��ت �ستائر ليل في غير موعده‪،‬‬ ‫ولكني مازلت ق ��ادراً على التحدي‬ ‫وال�صعود �إل��ى �أبعد من ذل��ك‪� ،‬أع��اود‬ ‫الت�سلق حتى �أ�صبحت بالفعل قريب ًا‬ ‫من هدفي‪ ،‬مددت يدي لأقطف بع�ض‬ ‫البلح و�أعلن انت�صاري‪ ،‬تعثرت قدمي‬ ‫وانزلقت‪� ،‬صرخ الأ�صدقاء‪ ،‬ا�ستيقظت‬ ‫فوجدتني نائم ًا تحت ج��ذع نخلة‬ ‫�أمام البيت‪ ،‬و�إذا بها زوجتي تكاد تموت‬ ‫�ضحك ًا بالقرب مني‪ ،‬وقد �أح�ضرت لي طعام‬ ‫الجبن القديم ور�أ�س من الب�صل‬ ‫الغداء (قطعة من ُ‬ ‫الأخ�ضر)‪.‬‬

‫‪36‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫ق�صة ق�صيرة‬

‫فرادة الفراغ‬ ‫ثريا عبدالبديع‬

‫�أح�ضر النادل قطعة (الجاتوه)‪ ،‬و�ضعها‬ ‫فوق الطاولة برفق‪ ،‬وابتعد‪� ،‬شاب مهذب‪،‬‬ ‫اعتاد �أن ي�ستقبلني بترحيب و�أدب �شديدين‬ ‫‪ ،‬منذ دخ��ول��ي م��ن ب��واب��ة الكافيه‪ ،‬حتى‬ ‫يجل�سني في مكاني على طاولتي المحببة‬ ‫بجوار النافذة ‪ ،‬منظر مده�ش‪ ،‬والخ�ضرة‬ ‫على امتداد الب�صر ‪�..‬أ�سرح‪� ..‬أرطب خيالي‬ ‫بطق�س ينا�سب بهجتي واحتفالي بلم�ساتي‬ ‫الأخ��ي��رة ل��رواي��ت��ي (ف��ي مديح ال��وح��دة)‪..‬‬ ‫الرواية التي �أخذت من روحي‪.‬‬ ‫فتحت ال�شا�شة الزرقاء كطق�س يومي‪..‬‬ ‫فيديوهات لطبيب ومر�شد نف�سي �أو مدربة‬ ‫ف��ي التنمية ال��ذات��ي��ة‪ ..‬ن�صائح وعناوين‬ ‫الفتة‪ ..‬كيف تجعلينه يندم على فراقك‪..‬‬ ‫و�أ�شياء �أخ ��رى! ال �أري��د �أن يعكر مزاجي‬ ‫�شيء‪ ،‬وال �أحب �أن �أعي و�أفتح عقلي لكل هذا‬ ‫ال�صراخ‪� ،‬إذ �أ�ؤمن ب�أن الألم الحقيقي مكانه‬ ‫القلب‪ ،‬وهل �أ�سمح لكل ذاك �أن يعكر �صفو‬ ‫اجتماعي بال�شوكوالتة‪ ،‬وطق�سي االحتفالي‪،‬‬ ‫ينا�سب حفل تتويج!؟‬ ‫التقطت �صوراً لجل�ستي‪ ،‬لأ�ضعها على‬ ‫الفي�سبوك‪ ،‬ورب��م��ا اخ��ت��رت منها غالف ًا‬ ‫لروايتى‪�..‬صوراً لل�شوكوالتة‪ ،‬وكانت �أمامي‬ ‫غارقة في نف�سها‪ ،‬وال�سائل منها‪ ،‬يدعو‬ ‫�إلى الراحة‪ ،‬بقربها كوب وحيد من ال�شاي‬ ‫الأحمر‪ ،‬وكر�سي خال‪ ،‬يزينه �شالي الأ�صفر‬ ‫الذهبي‪ .‬كتبت عبارة على (�صفحتي) يمكنك‬ ‫�أن تتمتعي بالوحدة‪ ،‬وتجدي لها طعم ًا‬ ‫غني ًا‪ ،‬كتلك (ال�شوكوالتة)‪ ..‬ت�أملت اللوحة‪،‬‬ ‫الكر�سي الفارغ‪ ..‬يزين بهاءه فرادة الفراغ‪،‬‬ ‫و�شالي الذهبي‪.‬‬ ‫انتبهت ل�ضجيج يملأ المكان‪ ..‬قفزات‬ ‫�صغار‪ ،‬عائلة �صغيرة‪ ،‬رب �أ�سرة جل�س وقد‬ ‫�أعطاني ظهره‪ ،‬و�إل��ى ج��واره جل�ست �سيدة‬

‫كبيرة‪ .‬كان ال�صغار على الطرف الآخر من‬ ‫الطاولة؛ في مواجهتي‪ ،‬تجاورهم ام��ر�أة‬ ‫�صغيرة‪ ..‬ثالثينية‪� ..‬شقراء‪ .‬لم �أرفع عيني عن‬ ‫�أوراقي‪ ،‬لكني �أح�س�ست بنظراتها تخترقني‪..‬‬ ‫غبت لحظة نحو الما�ضي‪ ،‬متذكرة طفولة‬ ‫�أبنائي الذين كبروا‪� ،‬شقوا طريقهم بعيد ًا‬ ‫عني‪ ،‬وهاجروا �إلى �أوروب��ا‪ ،‬واليوم ت�أكل‬ ‫ر�أ���س��ي الحيات قلق ًا عليهم‪ ،‬بينما هم‬ ‫يتنزهون بين ميادين فرن�سا‪ ،‬ومتاحف‬ ‫�إيطاليا!‪ ..‬كيف �أخبر تلك المر�أة �أني ال �أرى‬ ‫�أحداً‪ .‬ابت�سمت‪ ،‬هل علي �أن �أطمئنها؟! �أغير‬ ‫من جل�ستي‪ ،‬ف�أوليهم ظهري مث ًال؟!‪ ،‬لكنني‬ ‫لم �أكترث عدت �ألتقط �أفكاري‪� ..‬صوته يغزو‬ ‫الأجواء‪ ،‬وراح يطلق النكات‪ ..‬رفعت ال�سيدة‬ ‫الكبيرة يدها رافعة نظارة‪ ..‬راحت تنادي‬ ‫على ال��ن��ادل‪ ،‬قالت له �إنهم وج��دوا هذه‬ ‫النظارة على الأر�ض‪ .‬انتبهت! لأن نظارتي‬ ‫عيني! �أ�شرت لها‪،‬‬ ‫لي�ست على‬ ‫َّ‬ ‫ب��أن��ه��ا ل��ي‪ ،‬ول��م��ا كان‬ ‫الرجل هو الأق��رب لي؛‬ ‫كان من المفتر�ض‪� ،‬أن يناولني‬ ‫�إياها‪..‬‬ ‫ف��ي ه��ذه اللحظة‪ ،‬هبت‬ ‫المر�أة الثالثينية من جل�ستها‪،‬‬ ‫وطارت بخفة‪ ،‬ملتقطة النظارة‪،‬‬ ‫لتقدمها لي بحركة خفيفة‪،‬‬ ‫تح�سد عليها‪ ..‬ابت�سمت في‬ ‫نف�سي لمنظرها‪ ،‬وهي تقفز‬ ‫كالنمر تخطف فري�سة‪ ،‬وتطير‬ ‫كن�سر‪� ..‬ضحكت وارتفع �صوت‬ ‫�ضحكتي للمنظر‪ ..‬جل�ست �أق ّلب‬ ‫�أوراق���ي ���ش��اردة ال��ذه��ن‪ ،‬فقد‬ ‫خطفوا تركيزي‪ ،‬وتال�شت‬ ‫تفا�صيل روايتي‪ ،‬لتت�ضح‬ ‫تفا�صيل �أخرى‪ ،‬وانتبهت‬ ‫�أن ال ��رج ��ل‪ ،‬ال ي��ق��ر له‬ ‫ق����رار‪ ..‬ي��ق��وم وي��ق��ع��د‪..‬‬ ‫ي�سارع لي�أتي بطلبات‬ ‫الأ�سرة بنف�سه‪ ،‬كم�ساعد‬ ‫للنادل‪ ..‬في النهاية‪ ،‬ا�ستبدل‬

‫مكانه م��ع ابنه ليجل�س ف��ي مواجهتي!!‬ ‫تذكرت �أي��ام ال�شباب؟! ال��م��ر�أة لم تخطئ‬ ‫فى ريبتها‪ ،‬البهجة التي ي�شيعها وجوده‬ ‫الطفولي‪ ،‬والفرحة التي ينثرها على من‬ ‫حوله‪ .‬كم هي محظوظة ب��ه‪ ..‬عدت �أعبث‬ ‫بالموبايل‪ ،‬محاولة ا�ستعادة جل�ستي‬ ‫الأول ��ى‪� ..‬أفتح ال�شا�شة ال��زرق��اء‪� ،‬أ�شارك‪،‬‬ ‫و�أتعاطف مع ال�صارخات‪ ،‬بكثير من الحب‪،‬‬ ‫واالهتمام‪ ،‬فهن يبحثن ب�صراخهن عمن‬ ‫ي�شاركهن الأل��م ‪..‬ع��دت لخيوط روايتي‪،‬‬ ‫محاولة �أن �أخط نهاية‪ ،‬كنت قد �أعددتها‬ ‫لها‪ ،‬لتقفز �أمامي �صوري التي التقطتها في‬ ‫�أول النهار‪ ،‬لل�شوكوالتة‪ ،‬والمقعد الفارغ‪،‬‬ ‫و�شالي الأ�صفر فوق المقعد‪ ،‬لكن‪ ،‬كيف لم‬ ‫�أنتبه للونه الباهت؟!‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪37‬‬

‫ق�صة مترجمة‬

‫بيوليتا‬

‫ترجمة‪ :‬رفعت عطفة‬ ‫ق�صة‪� :‬ألمو ِدنا غراند�س*‬

‫�أح��ي��ان� ًا‪ ،‬تكون الحياة ع��ادل��ة‪ ،‬لكن ال‬ ‫يحدث هذا مراراً‪.‬‬ ‫التقت المر�أتان منذ وق� ٍ�ت طويل �أثناء‬ ‫تعاونهما في م�شروع م�شترك‪ .‬العالقة التي‬ ‫ن�ش�أت بينهما لم تكن بال�ضبط زمالة عمل‪،‬‬ ‫لأنهما ال تعي�شان في المكان نف�سه‪ ،‬وال‬ ‫تلتقيان �إال حين ت�سافر �إحداهما �إلى مدينة‬ ‫الأخرى‪ ،‬غير � ّأن لحظ ًة بعينها حافظت على‬ ‫ودية بينهما‪.‬‬ ‫عالقة ّ‬ ‫منذ �أربعة ع�شر عام ًا‪ ،‬التقتا في ظروف‬ ‫خا�صة لكلتيهما‪ ،‬وفي ذلك الم�ساء‪ ،‬كانت‬ ‫للتو �أنها حامل‪،‬‬ ‫المر�أة‬ ‫ّ‬ ‫المدريدية قد علمت ّ‬ ‫ودفعتها حالة الفرح �إل��ى �إخ��ب��ار الجميع‬ ‫البر�شلونية الخبر بحزن‬ ‫بالأمر‪ .‬تلقت المر�أة‬ ‫ّ‬ ‫�شديد �أف�ضى بها �إلى �أن تخبر رفيقتها بق�صة‬ ‫مختلفة تمام ًا‪.‬‬ ‫كانت ق��د ق��ررت الحمل �أخ��ي��راً‪ ،‬وظنت‬ ‫�أنها نجحت من �أول مرة‪ ،‬ولأنها في الرابعة‬ ‫والثالثين من عمرها‪ ،‬لم ت�ستطع ت�صور � ّأي‬ ‫�شيء �آخر‪� .‬أجرت اختبار حمل وكانت النتيجة‬ ‫�سلبية‪ ،‬ك��ررت االختبار‪ ،‬ودون ج��دوى‪ ،‬ثم‬ ‫�أجرت تحلي ًال تقليدي ًا‪ ،‬ولم يكن هناك حمل‪.‬‬ ‫وعندما �أو�ضح لها الطبيب �أن حالتها نادرة‪،‬‬ ‫لم ت�صدق الأمر وكذلك زميلتها المدريدية‪.‬‬ ‫يمر يوم تقريب ًا‬ ‫انق�ضى الوقت دون �أن ّ‬ ‫ال تتذكر فيه ال��م��ر�أة المدريدية رفيقتها‬ ‫البر�شلونية‪� ،‬إلى �أن �أنجبت طفلة �صغيرة �سليمة‬ ‫ومتوردة‪ ،‬بعد فترة وجيزة‪ ،‬جاء خبر �سار‪:‬‬ ‫في بر�شلونة كان هناك زوجان على قائمة‬ ‫انتظار تبني طفلة بلغارية‪ ،‬لم تكن طفلة‬ ‫مدريد قد م�شت بعد‪ ،‬حين و�صلت ال�صغيرة‬ ‫ِ‬ ‫غراند�س‪ ،‬روائية �إ�سبانية (‪-1960‬‬ ‫* �ألمو ِدنا‬ ‫‪2021‬م) من الم�ؤيدات للق�ضايا العربية وبخا�صة‬ ‫للق�ضية الفل�سطينية‬

‫‪38‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫البلغارية �إلى ق�شتالة‪ ،‬لك ّل من المر�أ َتين ابنة؛‬ ‫كلتاهما تبكيان‪ ،‬وتق�ضيان ليالي وت�ستلطفان‬ ‫وتنعمان بمحبة �أميهما‪ ،‬لكن يبدو �أن هذه‬ ‫الق�صة قد و�صلت �إل��ى نهايتها‪ ،‬فاهلل حين‬ ‫ي�شاء‪ ،‬ال راد لم�شيئته؛ ففي ( ‪٢٠٠٢‬م)‪ ،‬عندما‬ ‫كانت طفلة مدريد بلغت من العمر خم�س‬ ‫�سنوات‪ ،‬علمت والد ُتها من �صديقة م�شتركة‬ ‫ٍ‬ ‫بفاجعة اعت�صرت قلبها �ألم ًا‪ ،‬ماتت طفلة‬ ‫بر�شلونة نتيجة �إ�صابتها المفاجِ ئة بحمى‬ ‫�شديدة لم يكن لها �سبب مفهوم‪ .‬حالة نادرة‬ ‫وتذوقت‬ ‫ثانية رهيبة تدعى التهاب ال�سحايا‪ّ .‬‬ ‫الأم البر�شلونية مرارة �أن ترى ابنتها تموت‬ ‫بين ذراعيها على باب‬ ‫الم�ست�شفى‪.‬‬ ‫ي�����ص��ع��ب و���ص��ف‬ ‫الأ�سى الذي �سببته هذه‬ ‫المدريدية‪.‬‬ ‫الفاجعة للأم‬ ‫ّ‬ ‫ولم تقدر �أن تتخيل حجم‬ ‫ألم‬ ‫الم�أ�ساة والظلم الذي � ّ‬ ‫بتلك الطفلة التي كانت‬ ‫ت�ستحق ق����دراً وح� ّ�ظ � ًا‬ ‫�أف�����ض��ل‪ .‬وح��ي��ن ع��ادت‬ ‫�شق‬ ‫لتلتقي بزميلتها‪َّ ،‬‬ ‫عليها �أكثر �أن تخبرها‬ ‫ب��م��دى �أل��م��ه��ا وقربها‬ ‫منها برغم البعد‪ ،‬غير‬ ‫�أن ��ه ال ح�� ّل م��ع الموت‬ ‫الذي هو دوم ًا قاهر‪.‬‬ ‫م���ر ال����زم����ن‪ ...‬في‬ ‫ّ‬ ‫م��دري��د‪� ،‬شاهدت ام��ر�أة‬ ‫اب��ن��ت��ه��ا ت��ك��ب��ر بينما‬ ‫كانت ت�سافر بين الفينة‬ ‫والأخرى �إلى بر�شلونة‪،‬‬ ‫ك��ي تلتقي ب��ام��ر�أة لم‬ ‫تعد �أب��داً تتبادل معها‬ ‫الحديث ع��ن الأم��ه��ات‪،‬‬ ‫وال ع��ن ال��ح��ظ �أو �سوء‬ ‫الحظ‪� ،‬إلى �أن التقتا ذات‬ ‫م���رة‪ ،‬حيث ب ��د�أ ف�صل‬ ‫ّ‬ ‫جديد في هذه الق�صة‪...‬‬ ‫ال �أدري ما �إذا علمت‬ ‫� ّأن ل��دي اب��ن��ة ثانية‪...‬‬

‫�أخبرتها المر�أة البر�شلونية بابت�سامة عري�ضة‪.‬‬ ‫�سمعت الأم المدريدية الخبر بفرح عارم‬ ‫وطاهر‪� .‬إذ ق ّلما تكون الحياة عادل ًة‪ ،‬لكنها‬ ‫بد من �أن نبحث‬ ‫تكون كذلك �أحيان ًا‪ ،‬ولذا ال ّ‬ ‫عن الحظ بالجر�أة وال�شجاعة والعزيمة التي‬ ‫ملأت بها المر�أة البر�شلونية �أوراق معاملة‬ ‫جديدة انتهت في كازاخ�ستان‪ ،‬حيث تبنت‬ ‫ر�ضيعة و�صلت �إلى بر�شلونة وعمرها ع�شرة‬ ‫�أ�شهر‪ ،‬كبرت �إلى �أن �صارت الآن في ال�ساد�سة‬ ‫من عمرها‪.‬‬ ‫البهية ُتدعى بيوليتا‪ ،‬وكما هو‬ ‫الطفل ُة‬ ‫ّ‬ ‫حال الأمور‪ ،‬ف�إنها ت�شبه �أمها كثيراً‪.‬‬

‫أدب وأدباء‬ ‫جانب من مدينة بور�سعيد‬

‫¯ عدنان مردم بك‪ ..‬من رواد ال�شعر العربي‬ ‫¯ د‪ .‬بومدين بلكبير‪� :‬أن تكتب ف�أنت تبحث عن �إن�سانيتك‬ ‫¯ رواية «الغمي�ضة» م�سرحة ال�سرد لمقا�صد طموحة‬ ‫¯ رواية «في انتظار القطار» ملحمة من العبث والإن�سانية‬ ‫¯ محمود غنيم‪� ..‬شب على حب العربية وبالغتها‬ ‫¯ فاروق جويدة‪ :‬الطبيعة �أول معلم في الفن‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪39‬‬

‫من كبار كتاب الأدب الفرن�سي‬

‫الطاهر بن جلون‪:‬‬

‫�أعبر عن هويتي العربية بلغة �أجنبية‬ ‫يعد ال�شاعر والروائي والقا�ص وال�صحافي المغربي الطاهر بن‬ ‫جلون واح��د ًا من كبار كتاب الأدب الفرن�سي من غير الأ�صول‬ ‫الفرن�سية‪ .‬وقد تنوعت كتاباته وتوزعت‪ ،‬ما بين مجاالت ال�شعر‬ ‫والق�صة والرواية والمقالة‪ ،‬ولكنه كان �أكثر �إخال�ص ًا للرواية‪،‬‬ ‫فقد �صدر له في هذا المجال عدة روايات منها‪( :‬حرودة‪ ،‬وموحا‬ ‫ثراء هاني‬ ‫المجنون‪ -‬وموحا الحكيم‪ ،‬وطفل الرمال‪ ،‬والليلة المقد�سة‪،‬‬ ‫�أو ليلة القدر‪ ،‬و�صالة الغائب‪ ،‬والكاتب العمومي‪ ،‬وعينان منك�سرتان)‪ ،‬وغيرها‪.‬‬

‫‪40‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫توزعت كتاباته ما‬ ‫بين ال�شعر والق�صة‬ ‫والرواية والمقال‬

‫رواد‬

‫كذلك ل��ه ع��دة مجموعات �شعرية منها‪:‬‬ ‫(�شجرات اللوز ماتت من جروحها)‪ ،‬وديوان‬ ‫(رج��ال تحت كفن ال�صمت) ودي ��وان (ن��دوب‬ ‫ال�شم�س)‪ ،‬وغيرها‪ ،‬وم�ؤلفات �أخرى‪ .‬وترجمت‬ ‫�أعماله �إلى ثالث و�أربعين لغة �أجنبية‪ .‬ن�شر له‬ ‫�أول كتاب عن العمال المهاجرين‪ ،‬وذلك عام‬ ‫(‪1976‬م) تحت عنوان (�أق�صى درجات العزلة)‪،‬‬ ‫فا�ستطاع بعد ذلك �أن ينتزع له مكان ًا بين‬ ‫�أ�شهر �أدباء العالم في العقود الثالثة من القرن‬ ‫الع�شرين‪.‬‬ ‫يعد الطاهر ب��ن جلون �أك��ث��ر الروائيين‬ ‫المغاربة �إنتاج ًا باللغة الفرن�سية‪ ،‬وحقق في‬ ‫�سنوات نجاح ًا كبيراً داخ��ل فرن�سا نف�سها‪،‬‬ ‫حيث ح�صل على جائزة (كونكور) ال�شهيرة عن‬ ‫رائعته الروائية (ليلة القدر �أو الليلة المقد�سة)‪.‬‬ ‫وهذه الجائزة توفر ل�صاحبها ذيوع ال�صيت‬ ‫لدى الجمهور الفرن�سي‪ .‬وكان �سابع �أديب غير‬ ‫فرن�سي‪ ،‬يح�صل على تلك الجائزة الأدبية‪،‬‬ ‫وهذه الجائزة الرفيعة‪ ،‬تعتبر �أعلى تقدير �أدبي‬ ‫يح�صل عليه الأدباء في فرن�سا‪.‬‬ ‫�إن ال�صورة الرا�سخة لدى القارئين الغربي‬ ‫والعربي‪ ،‬على حد �سواء‪ ،‬عن الكاتب والأديب‬ ‫المغربي الطاهر بن جلون هي كونه روائي ًا‪،‬‬ ‫وذل��ك على الرغم من تنوع تجربة الكتابة‬ ‫لديه‪ .‬وقد �أ�سهم في تركيز هذا الو�صف تراكمه‬

‫الإبداعي في جن�س الرواية‪ ،‬الذي ح�صل بف�ضله‬ ‫على جوائز �أدبية مهمة على ر�أ�سها جائزة‬ ‫(ك��ون��ك��ور)‪ ،‬كما زك��ت ه��ذه ال�صورة مختلف‬ ‫الأبحاث والدرا�سات النقدية التي تم �إنجازها‪،‬‬ ‫�إم��ا ح��ول �أعماله خا�صة‪ ،‬و�إم��ا ح��ول الأدب‬ ‫المغربي المكتوب باللغة الفرن�سية عموم ًا‪،‬‬ ‫والتي غالب ًا ما ركزت على �إنجازاته الروائية‪.‬‬ ‫لكن الرا�صد لـلطاهر بن جلون �سرعان ما‬ ‫يكت�شف �أن ه��ذا الرجل قد �أنجز �إل��ى جانب‬ ‫�أعماله الروائية المعروفة �أبحاث ًا علمية‪،‬‬ ‫و�أ�صدر دواوين �شعرية‪ ،‬وكتب �أنطولوجيا عن‬ ‫ال�شعر الحديث بالمغرب‪ ،‬عالوة على �إ�سهامه‬ ‫في مجال الكتابة الم�سرحية ب�إ�صداره عام‬ ‫(‪1984‬م) ن�ص ًا بعنوان (عرو�س الماء)‪.‬‬ ‫وف��ي ع��ام (‪1974‬م) ج��ذب االنتباه من‬ ‫خالل تقرير مف�صل ن�شر على ال�صفحة الأولى‬ ‫من جريدة (لوموند) الفرن�سية‪ ،‬الذائعة ال�صيت‬ ‫عن رحلة الحج التي قام بها �إل��ى الأرا�ضي‬ ‫المقد�سة‪ ،‬ثم تزايد االنتباه �إليه بعد ن�شره عدة‬ ‫م��ق��االت‪ ،‬ت�ضمنت �آراءه في ق�ضايا ال�شرق‬ ‫الأو�سط‪ ،‬و�أظهر ت�ضامنه مع ال�شعب الفل�سطيني‪.‬‬ ‫ول��د الطاهر ب��ن جلون ف��ي مدينة فا�س‬ ‫المغربية عام (‪1944‬م)‪ ،‬وانتقل مع �أ�سرته‬ ‫�إلى مدينة طنجة عام (‪1955‬م)‪ ،‬وقد كان لها‬ ‫�أبلغ الت�أثير فيه‪ ،‬فالطبيعة والبيئة والظروف‬

‫من �أعماله‬

‫حقق العديد من‬ ‫النجاحات في فرن�سا‬ ‫توجت بح�صوله على‬ ‫جائزة (كونكور)‬

‫يرى �أن الكتاب‬ ‫المغاربة يكتبون‬ ‫الفرن�سية بذاكرة‬ ‫عربية‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪41‬‬

‫رواد‬ ‫ال�سيا�سية‪ ،‬التي مرت بها هذه المنطقة‪ ،‬جعلته‬ ‫يتجه �إلى درا�سة الفل�سفة ‪� ،‬سواء في المغرب �أو‬ ‫في باري�س بعد ذلك‪ ،‬حيث التحق في طنجة‬ ‫بمدر�سة فرن�سية‪ ،‬ودر���س الفل�سفة في مدينة‬ ‫ال��رب��اط حتى ع��ام (‪1971‬م)‪ ،‬ولما �أعلنت‬ ‫الحكومة المغربية عزمها على تعريب تعليم‬ ‫الفل�سفة‪ ،‬هاجر في مطلع ال�سبعينيات من‬ ‫القرن الما�ضي �إلى فرن�سا‪ ،‬وهو يحمل طموح ًا‬ ‫كبيراً ‪ ،‬فح�صل من هناك على �شهادة الدكتوراه‬ ‫في علم النف�س‪ .‬وبد�أ م�سيرته في الكتابة بعد‬ ‫فترة من و�صوله �إلى باري�س‪ ،‬فاتجه �إلى كتابة‬ ‫ال�شعر‪ ،‬وعمل كاتب ًا في �صحيفة (لوموند)‪ ،‬وبد�أ‬ ‫ين�شر �أعماله من ال�شعر والرواية‪.‬‬ ‫لقد تعلم الطاهر بن جلون اللغة الفرن�سية‬ ‫في الوقت الذي تعلم فيه العربية‪ ،‬ومع مرور‬ ‫الوقت �صار تحدي ًا‪ ،‬ف�شعر ب�أنه ا�ستولى على‬ ‫لغة الأجنبي الم�ستعمر‪ ،‬ال��ذي ك��ان ي�ستعمر‬ ‫بالده‪ ،‬قائ ًال‪�( :‬إن الفرن�سية التي نكتب بها نحن‬ ‫المغاربة‪ ،‬فرن�سية تختلف قطع ًا عن فرن�سية‬ ‫مي�شال تورنييه‪ ،‬ولي كلوزيو‪ ،‬لغتنا الفرن�سية‬ ‫(م�سكونة) بذاكرة عربية‪ ،‬وبا�ستحياء عربي‪،‬‬ ‫لغة �أدخلناها في متاهة دواخلنا‪ ،‬وفي ثنايا‬ ‫ال وعينا‪ ،‬بمعنى من المعاني بتنا نحن الذين‬ ‫ن�ست�ضيف هذه اللغة‪ ،‬ال هي التي ت�ست�ضيفنا‪،‬‬ ‫وذل��ك لأننا ندخلها في عالم وفي خيال لم‬ ‫يكن بو�سعها �أبداً �أن ت�صل �إليهما من دوننا‪،‬‬ ‫نحن نعبر بها‪ ،‬وهي تتبدل‪ ،‬وتتطور‪ ،‬بل وربما‬ ‫ت�ستعيد لنا �شبابها)‪ .‬ويقول �أي�ض ًا‪( :‬الكتاب‬ ‫الذين لي�سوا بفرن�سيين ويكتبون بالفرن�سية‬ ‫يدخلون ب�شيء جديد من ثقافتهم‪ ،‬وي�ضيفونه‬ ‫�إلى التجربة التي هم ب�صددها‪ ،‬وهذا هو الذي‬ ‫خلق خ�صو�صية للأدب العربي بالفرن�سية)‪.‬‬ ‫ينتمي ال��ط��اه��ر ب��ن ج��ل��ون �إل���ى الجيل‬ ‫الثاني من الكتاب المغاربة‪ ،‬الذين يكتبون‬ ‫بالفرن�سية‪ ،‬فالجيل الأول‪ ،‬جيل ال��رواد‪ ،‬الذي‬

‫�أحمد ال�صفريوي‬

‫‪42‬‬

‫كاتب يا�سين‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫م�شهد من مدينة فا�س‬

‫يمثله �أحمد ال�صفريوي‪ ،‬وكاتب‬ ‫يا�سين‪ ،‬وعمرو�ش وغيرهم‪ ،‬وذلك‬ ‫ا�ستجابة لرغبتهم ف��ي التعبير‬ ‫عن ذوات��ه��م داخ��ل مجال ثقافة‬ ‫الم�ستعمر‪ ،‬وتقديم ���ص��ورة عن‬ ‫مجتمعهم‪ .‬وي�صف الطاهر بن‬ ‫جلون الم�سكون بوجع الحا�ضر‪،‬‬ ‫وال��م��م��ت��ل��ئ ح��ت��ى ال��خ��ا���ص��رة‬ ‫بمخزون الما�ضي‪ ،‬جيله قائ ًال‪:‬‬ ‫(كانت قناعتنا تطلع من �ضميرنا‬ ‫المعذب‪� ،‬إنما كنا نعبر عن ذواتنا بلغة‪ ،‬ال يمكن‬ ‫لل�شعب قراءتها �أو �سماعها‪� ،‬أم��ا الهوة التي‬ ‫راحت تف�صل بين المثقف وال�شعب‪ ،‬فلم تكف‬ ‫عن االت�ساع‪ .‬لقد كنا كتاب ًا مزيفين مقتلعين‪ ،‬ال‬ ‫نملك‪ ،‬للتعبير عن �أحالمنا و�شكوكنا وغ�ضبنا‪،‬‬ ‫�سوى لغة اال�ستعمار‪ .‬كانت الديماغوجية‬ ‫تهزنا‪ ،‬وكنا نريد لأنف�سنا �أن نكون حديثين‬ ‫ومخل�صين وملتزمين‪� ،‬أي �أن نكون �شهوداً على‬ ‫ع�صرنا‪ ،‬قريبين‪ ،‬خا�صة‪ ،‬من هموم �شعبنا‪،‬‬ ‫لذلك لكي نبرز �أنف�سنا‪ ،‬رحنا نن�صب خيمتنا‬ ‫في المقابر‪ ،‬التي كان علينا �أن نتوجه �إليها‬ ‫ب�شعرنا وكتاباتنا‪� ..‬أنا لم �أ�شك‬ ‫لحظة ف��ي حياتي ف��ي �صدق‬ ‫ه��وي��ت��ي ال��ع��رب��ي��ة‪ ،‬ح��ت��ى ول��و‬ ‫كنت �أعبر عن هذه الهوية بلغة‬ ‫�أجنبية)‪ .‬وفي مجمل الخطاب‬ ‫الروائي‪ ،‬يعمل الطاهر بن جلون‬ ‫في النظام ال�سردي‪ ،‬على محورة‬ ‫�أحداث الرواية في نقطة واحدة‬ ‫(نقطة مركزية) ت�شكل حبكة‬ ‫الرواية بمفهومها الكال�سيكي‪.‬‬

‫الطاهر بن جلون‬

‫يعتبر من الجيل‬ ‫الثاني من الك ّتاب‬ ‫المغاربة الذين‬ ‫يكتبون بالفرن�سية‬

‫مقاالت‬ ‫في العمق‬

‫المثقف العربي والهوية‬ ‫كلمة ثقافة تثير كثيراً من الت�سا�ؤالت!‬ ‫والكلمة تتردد كثيراً وك�أنها بال ثمن‪ ..‬مثلما‬ ‫الواقع مع كلمة مثقف‪ ..‬والبع�ض ينظر للمثقف‬ ‫على �أنه �إن�سان متعلم‪ ..‬يقر�أ ويكتب‪ ..‬ويمتلك‬ ‫�شهادة‪ ..‬ولكن الكلمة لم ت��أت من ف��راغ‪ ..‬لأن‬ ‫المثقفين هم الطبقة الواعية الم�صقولة بكثير من‬ ‫معارف الحياة اطالع ًا وقراءة وبحث ًا ومجال�سة‪..‬‬ ‫واكت�سبت من هذه المعارف ما يفيدها لتوظيفه‪..‬‬ ‫مثل حال ال�شجرة‪ ،‬التي �أخذت الماء وال�سماد‪..‬‬ ‫فاكت�سبت كل �شيء‪ ،‬لتمتد جذورها �ضاربة في‬ ‫الأر�ض و�أغ�صانها حاملة �أ�شهى الثمار‪.‬‬ ‫والثقافة كمفهوم‪ ،‬تمثل مجمل الأفكار‬ ‫والقيم والمثل العليا والمعتقدات التي يعبر‬ ‫عنها في الآداب والفنون على مختلف �أ�شكالها‬ ‫و�أنواعها‪ ..‬وفي العادات والتقاليد والأمثال‬ ‫والحكم ال�شعبية وال��ن��وادر‪ ..‬والثقافة حياة‬ ‫متحركة متفاعلة تدفع المثقف لي�س لالطمئنان‬ ‫�إلى الواقع وح�سب‪ ..‬بل �إلى ما يجب �أن تكون‬ ‫عليه حركة المجتمع وعالمه‪ ..‬وهنا تكون‬ ‫الثقافة المعتقد الذي ي�شمل المعرفة واالعتقاد‬ ‫والفن والقانون والأخالق والعرف و�أية قدرات‬ ‫وع��ادات يكت�سبها الإن�سان بو�صفه ف��رداً في‬ ‫المجتمع‪ ..‬وق��ري��ب� ًا م��ن االت��ج��اه��ات والقيم‬ ‫ال�سائدة في المجتمع‪ ..‬كما تعبر عنها الرموز‬ ‫اللغوية والأ�ساطير والطقو�س و�أ�ساليب الحياة‬ ‫وم�ؤ�س�سات المجتمع‪.‬‬ ‫والثقافة بمعناها الإن�ساني الرفيع �صقل‬ ‫للذهن والذوق وال�سلوك‪ ،‬وتنقيته وتهذيبه‪� ،‬أو‬ ‫ما ينتجه العقل �أو الخيال الب�شري لتحقيق هذا‬ ‫الهدف‪ ..‬لأن الثقافة بجانبها اللغوي تحمل‬ ‫معنى التهذيب وال�صقل والإعداد‪ ..‬وبذلك يمكننا‬ ‫القول �إن الثقافة ك�سب و�إك�ساب وعطاء وتفاعل‪..‬‬ ‫ومع تحديد مفهوم المثقف؛ ف�إننا نرى لقب‬ ‫المثقف �أو و�سام الثقافة ال يقال بتلك ال�سهولة‪..‬‬ ‫لأن المثقف رج��ل االخ��ت��ب��ار ور���س��م البدائل‬ ‫لمجتمعه و�أمته‪ ..‬والثقافة تعتمد على التوارث‬ ‫واالكت�ساب‪ ..‬ومن ثم التفاعل وال�سعي الدائم‪،‬‬ ‫وهذا الأمر المهم ال يدركه �إال المثقف الواعي‬

‫المثقف �إن�سان مبدع لديه‬ ‫اال�ستعداد لن�شر مفاهيمه‬ ‫وطرح �آرائه وقدرته على‬ ‫الإبداع‬

‫الملم بجوانب الحياة ومقت�ضيات الع�صر‪.‬‬ ‫والثقافة تذوب وتن�سجم ب�شخ�صية المثقف‬ ‫وت�صب في حركة المجتمع‪ ....‬وتدفعه للتعيير‬ ‫المنا�سب‪ ..‬هنا نجد المثقف ب�أنه العين المتفتحة‬ ‫والعقل اليقظ بين �صفوف المجتمع‪ ..‬لأن��ه‬ ‫ي�ستخدم ملكاته العقلية مع خياله وقدرته على‬ ‫الإبداع‪..‬‬ ‫والمثقف �إن�سان مبدع لديه اال�ستعداد‬ ‫لن�شر �إبداعه وطرح �آرائه وقدرته على الإبداع‪،‬‬ ‫وم��ن مهام المثقف العربي تميزه بالقدرة‬ ‫المعرفية العلمية والمحاكاة العقلية والقدرة‬ ‫على و�صل الما�ضي بالحا�ضر و�إمكانية الت�صور‬ ‫الم�ستقبلي‪ ..‬وهذا ما يحمله مهام ج�سيمة‪ ..‬وهي‬ ‫بمثابة الأم��ان��ة وواج��ب عليه الحفاظ عليها‬ ‫ب�إخال�ص و�صبر‪ ..‬والمثقف العربي تقع عليه‬ ‫مهام كبيرة‪ ..‬وكلما ا�شتدت الأزمات المجتمعية‪..‬‬ ‫يقع عليه عبء الحفاظ على الهوية‪ ..‬ومد الج�سور‬ ‫بين الما�ضي والحا�ضر‪ ..‬لأن الثقافة وعاء يحمل‬ ‫االنتماء للهوية‪ ..‬والهوية العربية م�ستهدفة منذ‬ ‫القديم والت ��زال‪ ..‬وه��دف الأخ��ر طم�س الهوية‬ ‫العربية بمحاوالت االختراق‪ ..‬و�إ�ضعاف ثقافة‬ ‫العرب لقلب المفاهيم والت�شكيك في قدرتها‬ ‫وفعاليتها‪ ..‬وقطع ال�صلة بين القديم والحا�ضر‪..‬‬ ‫وت�شجيع الثقافات الإقليمية‪ ..‬وتزييف الطابع‬ ‫القومي للثقافة العربية‪ ..‬وهناك محاوالت جادة‬ ‫ومدرو�سة لت�شويه الثقافة العربية و�إ�ضعافها‬ ‫لأنهم يدركون �أهمية الثقافة ودورها‪..‬‬ ‫وتلك الممار�سات تتطلب من المثقف العربي‬ ‫�أن يكون واعي ًا و�أمين ًا على مثله ومبادئه التي‬ ‫اكت�سبها وحملها وورثها عن �أجداده‪ ..‬ومن مهام‬ ‫المثقف الوقوف بقوة و�صالبة �أمام كل ما يم�س‬ ‫�إ�ضعاف الهوية‪ ..‬والوقوف في وجه تيارات‬ ‫التغريب التي تدعو ال�ستبدال الثقافة العربية‬ ‫بالنمط الفكري الغربي‪ ..‬ونحن ندرك التمييز‬ ‫بين الح�ضارة والثقافة‪ ..‬فالح�ضارة بناء مادي‬ ‫وعمراني‪� ..‬أما الثقافة فتعامل روحي نف�سي‪..‬‬ ‫والح�ضارة ف��رع م��ن الثقافة‪ ..‬ول��ذل��ك وهج‬ ‫الح�ضارة الغربية يجب �أال يبعدنا عن انتمائنا‬ ‫ويلغي معالم �شخ�صيتنا‪.‬‬ ‫والمثقفون وق ��ود ال�شعب‪ ..‬ه��ذا ال��وق��ود‬ ‫عليه �أن يتحمل نف�سه‪ ..‬لأن �شبابنا العربي‬ ‫يعاني الفجوات الكثيرة التي تباعد بينه وبين‬ ‫نف�سه‪ ،‬وبينه وبين المجتمع‪ ..‬ويعاني �أمرا�ض ًا‬ ‫اجتماعية م��وروث��ة‪ ..‬ويتعر�ض لل�ضياع‪ ..‬وال‬ ‫يعرف الطريق �إلى الحقيقة‪ ..‬وال�شباب العربي‬

‫يحيى ال�سيد النجار‬ ‫يطلق �صرخة غ�ضب للكبار‪ ..‬و�إنهم عاجزون‬ ‫عن فهمه وال�شباب حيوية وم�ستقبل‪ ..‬وال�شيوخ‬ ‫حكمة وح�صانة‪ ..‬والحياة ما�ض وحا�ضر‬ ‫وم�ستقبل‪� ..‬إذاً المعادلة �صعبة والمهمة �أ�صعب‪،‬‬ ‫وتدعو ب�إلحاح ل�سد الفجوة بين حركة الأجيال‬ ‫والتي يخ�شى ات�ساعها‪ ..‬وهذا ي�شكل �إ�ضعاف ًا‬ ‫للهوية‪ ..‬وت�شتت ًا لثقافة المجتمع‪ ..‬ونحن‬ ‫�أمام محاور الأ�صالة والمعا�صرة‪ ..‬والتحديث‬ ‫والتغريب‪ ..‬والتراث له ر�ؤي��ة وال يف�صل بين‬ ‫الحا�ضر والما�ضي‪..‬‬ ‫والمثقف العربي مطالب بر�سم الطريق‪،‬‬ ‫واالبتعاد عن المفاهيم الخط�أ‪ ،‬وتر�سيخ الفكر‬ ‫الإيجابي‪ ،‬وحركة الحياة لها لغة تطور‪ ،‬وبحاجة‬ ‫�إلى جهود مدرو�سة وواعية‪ ،‬وجهده يحمل �إيقاظ‬ ‫الوعي‪ ،‬لأن الثقافة بال خ�صو�صية ال قيمة لها‪..‬‬ ‫والمجتمع العربي بحاجة �إل��ى تعبئة ثقافية‬ ‫للحفاظ على وح��دت��ه وت��اري��خ��ه‪ ..‬والمجتمع‬ ‫هنا يمتلك ر�ؤى الو�ضوح وفيه من م�ستجدات‬ ‫علمية‪ ..‬والثقافة نهر الحياة المتجدد دائم ًا‪..‬‬ ‫ونراها حركة م�ستمرة ودائبة‪ ..‬ودور المثقف‬ ‫�أنه يمح�ص ويت�أمل‪ ..‬وي�أخذ ما يفيد المجتمع‬ ‫ويحقق تقدمه‪ ..‬والقطار ال ي�ستطيع ال�سير بال‬ ‫ق�ضبان‪ ..‬والمثقف ير�سم معالم طريق م�ستقبلية‬ ‫لأنه يعي طبيعة ع�صره فيفهمه من كل جوانبه‪..‬‬ ‫ويوظف ما اكت�سبه من معارف وعلوم وتجربة‬ ‫في حياته‪ ،‬لت�أ�سي�س وعي مجتمعي‪.‬‬ ‫الثقافة معركة ح�ضارية بين ما هو كائن‪،‬‬ ‫وما هو موجود وما �سوف يكون‪� .‬أي معركة بين‬ ‫عدة تيارات ومعتقدات ومثل وقيم‪ ،‬وهذا �أمر‬ ‫طبيعي في حركة �أي مجتمع‪ ،‬ومن �أبرز �أزمات‬ ‫الثقافة العربية المعا�صرة‪ ،‬فقدان العقل المثقف‬ ‫هويته الخا�صة التي هي روحه الح�ضارية‪ ،‬التي‬ ‫تبرز �شخ�صيته وتكوينه‪ ،‬وتتج�سد في ا�ستعداده‬ ‫لممار�سة دوره التنويري وقابليته للدفاع عن‬ ‫ق�ضايا مجتمعه‪.‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪43‬‬

‫ولد في كنف �أ�سرة عريقة في العلم والأدب‬

‫عدنان مردم بك‬ ‫من رواد ال�شعر العربي‬

‫�إن ال��ول��وج �إل���ى ع��ال��م ال�����ش��اع��ر (ع��دن��ان م���ردم ب��ك)‪،‬‬ ‫واكت�شاف المجاهيل التي يزخر بها ب�ستان هذا ال�شاعر‬ ‫المبدع في مجال الم�سرح ال�شعري‪ ،‬وال��ذي يعد ثالث‬ ‫ثالثة من العمالقة ممن كتبوا الم�سرحية ال�شعرية في‬ ‫الوطن العربي‪ ،‬وه��م‪�( :‬أحمد �شوقي‪ ،‬وعزيز �أباظة)‬ ‫اللذان ي�شكالن مع ال�شاعر عدنان م��ردم ب��ك‪ ،‬الأ�ضالع‬ ‫الثالثة في مثلث الم�سرح ال�شعري الكال�سيكي العربي‪.‬‬

‫‪44‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫�أميرة الخ�ضري‬ ‫المليجي‬

‫ولد ال�شاعر عدنان م��ردم بك في حي‬ ‫�سوق الحميدية بدم�شق ع��ام (‪1917‬م)‬ ‫في كنف �أ�سرة عريقة بالعلم والأدب‪ ،‬فهو‬ ‫�سليل مدر�سة و�أ���س��رة �شاعرة‪ ،‬عريقة في‬ ‫الفن‪ ،‬مغرقة في �أ�صالتها‪� .‬إذاً فهو ينحدر‬ ‫م��ن �شجرة عريقة ال��ج��ذور ف��ي الإب���داع‪،‬‬ ‫فوالده ال�شاعر الكبير (خليل م��ردم بك)‪،‬‬ ‫�شاعر ال�شام و�صاحب مدر�سة الو�صف في‬ ‫ال�شعر المعا�صر‪ ،‬ووزير المعارف‪ ،‬ورئي�س‬ ‫المجمع العلمي العربي بدم�شق‪ ،‬ورئي�س �أول‬ ‫رابطة �أدبية في �سوريا‪ ،‬والتي �ضمت في‬ ‫ع�ضويتها نخبة من مبدعي �سوريا‪ ،‬منهم‪:‬‬ ‫�سليم الجندي‪ ،‬ونجيب الري�س‪ ،‬وخيرالدين‬ ‫الزركلي‪ ،‬وعبداهلل النجار‪ ،‬وحليم دمو�س‪،‬‬ ‫وغيرهم‪ ..‬حيث كانوا يتحلقون حول ال�شاعر‬ ‫خليل م��ردم بك في مجل�سه‪ ،‬ويتبادلون‬ ‫�أحاديث الأدب والفن‪ ،‬وال�شاعر (عدنان)‪،‬‬ ‫الذي كان اليزال �صغيراً‪ ،‬ي�ستمع �إلى تلك‬ ‫الأحاديث‪ ،‬ويت�شوق �إلى تلك االجتماعات‪،‬‬ ‫ثم يجد مكتبة �ضخمة‪ ،‬جمعها والده كتاب ًا‬ ‫�إث��ر كتاب ط��وع يديه‪ ،‬فيتناول منها ما‬ ‫تتلهف نف�سه �إلى قراءته في مرحلة الطفولة‪،‬‬ ‫ويقر�أ منها ما ي�شاء برغبة ونهم �شديدين‪،‬‬ ‫فقر�أ وهو �صغير‪� :‬شعر المعلقات‪ ،‬وديوان‬ ‫المتنبي‪ ،‬والطائي والبحتري‪ ،‬ويقول‪�( :‬إن‬ ‫هذا الر�صيد من التراث ال�شعري العربي‪،‬‬ ‫كان خير زاد وعون له)‪.‬‬ ‫في ه��ذا الجو العلمي الأدب ��ي؛ ترعرع‬ ‫ون�ش�أ ال�شاعر عدنان مردم بك‪ ،‬ولما كبر‬ ‫قلي ًال‪ ،‬التحق بمدر�سة الملك الظاهر‪ ،‬لينهي‬ ‫المرحلة االبتدائية‪ ،‬ثم انتقل �إلى التجهيز‬ ‫الر�سمية‪ ،‬ثم الكلية العلمية الوطنية‪ ،‬التي‬ ‫كان والده فيها مديراً للدرا�سات العربية‪،‬‬ ‫وبعد ح�صوله على ال�شهادة الثانوية‪ ،‬التحق‬ ‫بكلية الحقوق في جامعة دم�شق وتخرج‬ ‫فيها ع��ام (‪1940‬م)‪ ،‬ومار�س المحاماة‬ ‫لفترة من الزمن‪ ،‬ثم عمل بالق�ضاء‪ ،‬حتى‬ ‫�شغل من�صب م�ست�شار محكمة النق�ض‪.‬‬

‫مبدعون‬

‫خير الدين الزركلي‬

‫خليل مطران‬

‫عزيز �أباظة‬

‫نجيب الري�س‬

‫�أحمد �شوقي‬

‫�أبو فرا�س الحمداني‬

‫را�سين‬

‫د‪ .‬محمد عبدالمنعم خفاجي‬

‫البحتري‬

‫عبدالرحمن الداخل‬

‫ا�شتهر ال�شاعر عدنان مردم بك بم�سرحياته‬ ‫ال�شعرية‪ ،‬ونال على م�سرحيته (رابعة العدوية)‬ ‫الجائزة العالمية الثالثة في مهرجان (الكتاب‬ ‫ال�صوفي العالمي) ال��ذي �أقيم في (بوين�س‬ ‫�أير�س) عام (‪1972‬م)‪ ،‬ومنح على �إثر ذلك لقب‬ ‫بروفي�سور من اليون�سكو ولجنة الكتاب ال�صوفي‬ ‫العالمي‪ .‬وتم �إدراج ا�سمه في مو�سوعة الأعالم‬ ‫البريطانية عام (‪1981‬م) بين عداد ال�شعراء‬ ‫الم�سرحيين المرموقين في العالم‪.‬‬ ‫يقول ال�شاعر عدنان م��ردم بك ‪( :‬تعود‬ ‫تجربتي في معالجة نظم الم�سرحية ال�شعرية‪،‬‬ ‫�إلى بداية عام (‪1933‬م)‪ ،‬حينما كنت تلميذاً‬ ‫في الكلية العلمية الوطنية بدم�شق‪ ،‬في ال�صف‬ ‫الثالث الإع��دادي‪ ،‬و�أنا في ال�سابعة ع�شرة من‬ ‫عمري‪ ،‬ومما �أذكر �أن مدر�س الأدب الفرن�سي �إذ‬ ‫ذاك لوي�س �سيكارا‪ ،‬كان يقوم ب�شرح ن�ص �أدبي‬ ‫لل�شاعر الم�سرحي الكبير «را�سين»‪ ،‬وذلك من‬ ‫م�سرحية �أندروماك‪ ،‬نظر �إلي وقال‪ :‬هذا نوع‬ ‫من الأدب تفتقرون �إليه �أنتم معا�شر العرب‪،‬‬ ‫وهو جليل و�صعب‪ .‬وك��ان يعلم �أن��ي �أتعاطى‬ ‫نظم ال�شعر‪ ،‬و�أني من ال�شعراء ال�شباب النابهين‪،‬‬ ‫وك�أنه كان يحر�ضني على االلتفات لهذا النوع‬ ‫م��ن ال�شعر‪ .‬و���ص��ادف �أن وقعت عيناي في‬ ‫مكتبة المرحوم وال��دي خليل مردم بك‪ ،‬على‬ ‫م�سرحيتين �شعريتين لل�شاعر خالد الذكر �أحمد‬ ‫�شوقي‪ ،‬وهما «م�صرع كليوباترا»‪ ،‬وم�سرحية‬

‫«مجنون ليلى»‪ ،‬فانكببت على مطالعتهما‪،‬‬ ‫ول�شدة ما فتنت بهما‪ ،‬طر�أ خاطر على فكري‪:‬‬ ‫لم ال �أجرب نظم الم�سرحية ال�شعرية‪� ،‬ش�أن حال‬ ‫ال�شعراء الفرن�سيين‪ ،‬وهذا ال�شاعر �أحمد �شوقي‪،‬‬ ‫حاول ونجح في تجربته؟ فر�أيت �أن �أتوكل على‬ ‫اهلل‪ ،‬و�أدلي بدلوي في هذا الخ�ضم الوا�سع‪ ،‬و�أن‬ ‫�أختار مو�ضوع ًا من ن�ص التاريخ العربي‪ ،‬فكان‬ ‫�أن وق��ع اختياري على واقعة عمورية التي‬ ‫�شنها الخليفة العبا�سي المعت�صم‪ ،‬وفتح على‬ ‫�إثرها البلدة‪ .‬وكان �أن نظمت الواقعة المظفرة‬ ‫في �سبعمئة بيت من ال�شعر‪ ،‬ون�شرت ق�سم ًا من‬ ‫هذه الم�سرحية في مجلة ال�شام‪ ..‬وظللت مثابراً‬ ‫على نظم الم�سرحية ال�شعرية بهمة ال تعرف‬ ‫الكلل‪ ،‬وكنت �أطالع المزيد من الم�سرحيات‬ ‫الفرن�سية من خالل الن�ص الفرن�سي‪ ،‬و�أحيان ًا‬ ‫�أط��ال��ع م�سرحيات �شك�سبير المترجمة بقلم‬ ‫الأ�ستاذ خليل مطران‪ ،‬و�أعود حين ًا �إلى قراءة‬ ‫الم�سرحيات اليونانية ترجمة الدكتور طه‬ ‫ح�سين‪ .‬وك��ان �أن نظمت في ع��ام (‪1934‬م)‬ ‫م�سرحية عبدالرحمن الداخل‪ ،‬ون�شرت منها‬ ‫ف�صلين في مجلة العرفان‪ ،‬وقد القت م�سرحيتي‬ ‫ه��ذه القبول والر�ضا من ال��ق��راء‪ ،‬وتناقلتها‬ ‫بع�ض المجالت وال�صحف‪ ،‬ومنها جريدة الأيام‬ ‫الدم�شقية‪ ...‬ثم مازالت م�سرحياتي تترى كل‬ ‫عام حتى كان عام (‪1981‬م)‪� ،‬إذ ظهرت لي‬ ‫م�سرحية �أبي بكر ال�شبلي‪ ،‬وهي ق�صة �إن�سانية‬

‫انحدر من �شجرة‬ ‫عريقة الجذور في‬ ‫الإبداع فوالده خليل‬ ‫مردم بك �شاعر ال�شام‬

‫قر�أ وهو �صغير �شعر‬ ‫المعلقات وديوان‬ ‫المتنبي والطائي‬ ‫والبحتري‪ ..‬فكان‬ ‫ذلك له خير زاد‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪45‬‬

‫مبدعون‬ ‫لأمير من الجيو�ش في الع�صر العبا�سي‪ ،‬قام‬ ‫بمحاربة الزنج‪ ،‬والفتك في جموعهم‪ ،‬الأمر‬ ‫ال��ذي دع��ا ه��ذا الأم��ي��ر‪� ،‬أب��ا بكر‪� ،‬إل��ى التفكير‬ ‫م��ع نف�سه‪ ،‬م��اذا ح�صل م��ن ه��ذه المجازر؟‬ ‫ولح�ساب من تزهق الأرواح البريئة‪ ،‬فكان �أن‬ ‫زهدت نف�سه في الإمارة‪ ،‬و�أخذ يرتاد م�ساكن‬ ‫المت�صوفة للراحة النف�سية‪ ،‬ما دعاه �إلى اعتزال‬ ‫الإمارة‪ ،‬وعتق جواريه و�إمائه وتفريق �أمواله‬ ‫بين المحتاجين‪ .‬وهذا ما دعا لجنة ال�سالم في‬ ‫الكونجر�س النتخابي م�ست�شاراً لرئي�س لجنة‬ ‫ال�سالم في مجل�س الكونجر�س عام (‪1983‬م)‬ ‫في الكتاب الموجه �إل��ي‪ ،‬مكبرين م�شاعري‬ ‫الإن�سانية‪ .‬و�أن جامعة وار�سو كلفت الطالبة‬ ‫في كلية الآداب (�إيفا لورن�س) لإع��داد درا�سة‬ ‫عن م�سرحياتي ال�شعرية لنيل الدكتوراه‪ .‬وقد‬ ‫قابلتني �أكثر من مرة لال�ستي�ضاح والتف�سير‬ ‫عما �أغلق عليها)‪ .‬وقد و�صفه الدكتور ن�سيب‬ ‫ن�شاوي في كتابه (المدار�س الأدبية في البلدان‬ ‫العربية)‪ ،‬ب�أنه رائ��د الم�سرحية ال�شعرية في‬ ‫البلدان العربية‪.‬‬ ‫وعد النقاد �شعر عدنان مردم بك نموذج ًا‬ ‫لل�شعر ال�صافي‪ ،‬المتحرر م��ن �أ���س��ر التكلف‬ ‫والت�صنع‪ ،‬فيه هذه العبارات المبا�شرة التي‬ ‫وفي للأر�ض‬ ‫ت�أتي عفو الخاطر‪ ،‬وهو في �شعره ٌّ‬ ‫التي يعي�ش عليها‪ ،‬و�صورة �صادقة للبيئة‬ ‫الدم�شقية التي خطر بين �أفيائها‪ ..‬عر�ض‬ ‫فيه �صاحبه �صوراً للطبيعة والفن والإن�سان‬ ‫والكثير من الت�أمالت‪ ،‬والبوح النف�سي المت�صل‬ ‫بالقلب والت�أثر بالحوادث التاريخية القديمة‬ ‫والمعا�صرة‪ ..‬وله �أربعة دواوي��ن �شعرية هي‪:‬‬ ‫(نجوى‪ ،‬و�صفحة ذك��رى‪ ،‬وعبير من دم�شق‪،‬‬

‫ونفحات �شامية)‪ .‬وفى �شعر عدنان مردم بك‬ ‫الكثير من الت�أمالت في �ش�ؤون الكون والإن�سان‬ ‫والحياة‪ ،‬والعودة �إلى التاريخ العربي ال�شعري‪،‬‬ ‫�إل��ى الموروث ال�شعري‪ ..‬ا�ستلهام ًا و�إ�سقاط ًا‬ ‫وا�ستنباط ِعبر‪.‬‬ ‫�أما في ميدان الم�سرح ال�شعري‪ ،‬فقد �أجمع‬ ‫النقاد الذين در�سوا م�سرحياته على �أنه �أحد‬ ‫رواد ال�شعر الم�سرحي في الوطن العربي‪ ،‬و�أنه‬ ‫تجاوز المرحلة التجريبية‪ ،‬التي بد�أها ال�شاعر‬ ‫�أحمد �شوقي وغيره‪� ،‬إلى مرحلة الن�ضج‪ .‬وقد‬ ‫و�صفه الدكتور محمد عبدالمنعم خفاجي ب�أنه‬ ‫(رائد الم�سرح ال�شعري الحديث)‪.‬‬ ‫ومن �أعماله الم�سرحية‪ ،‬م�سرحيات‪:‬‬ ‫(فتح عمورية) و(عبدالرحمن الداخل)‬ ‫و(م�صرع الح�سين) و(جميل بثينة)‬ ‫و(غ��ادة �أفاميا) و(العبا�سة) و(الملكة‬ ‫زنوبيا) و(الحالج) و(رابعة العدوية)‬ ‫و(م�صرع غرناطة) و(فل�سطين الثائرة)‬ ‫و(فاجعة مايرلينج) و(ديوجين الحكيم)‬ ‫و(دي��ر يا�سين) و(الأتلنيد) و(�أبوبكر‬ ‫ال�شبلى) و(يو�سف وزليخة)‪ .‬و�سد بذلك‬ ‫ف��راغ� ًا في الأدب الم�سرحي ال�شعري‬ ‫الذي �أحجم عن ولوجه الكثيرون‪ ،‬ولعله‬ ‫ال�شاعر الوحيد الذي ُعرف بممار�سة هذا‬ ‫الفن في �سوريا‪.‬‬

‫غالف «الأعمال الكاملة للم�سرحيات ال�شعرية» لـ خليل مردم بك‬

‫‪46‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫جانب من �أغلفة دواوينه‬

‫منح لقب بروفي�سور‬ ‫من اليون�سكو و�أدرج‬ ‫ا�سمه في مو�سوعة‬ ‫الأعالم البريطانية‬

‫له �أربعة دواوين‬ ‫�شعرية هي‪« :‬نجوى»‬ ‫و«�صفحة ذكرى»‬ ‫و«عبير من دم�شق»‬ ‫و«نفحات �شامية»‬

‫مقاالت‬ ‫متون‬

‫مع‪� ..‬شوقي بغدادي‬ ‫ال�شعراء‬ ‫�شوقي بغدادي‪ ..‬هو �أح��د �أه� ّ�م ّ‬ ‫ال�سوريين الكبار �شعراً‪ ،‬و�أح�سب �أ ّن��ه الآن‬ ‫�أكبرهم عمراً‪ ،‬فقد ولد في (‪ 26‬يوليو‪ /‬تموز‬ ‫ع��ام ‪1926‬م)‪ ،‬وكانت والدت��ه في مدينة‬ ‫بانيا�س ال�ساحل‪ ،‬حيث ك��ان وال��ده يعمل‬ ‫موظف ًا �أيام االنتداب الفرن�سي على �سوريا‪..‬‬ ‫ّ‬ ‫وقد مال منذ يفاعته �إلى الريا�ضة‪ ،‬ثم �إلى‬ ‫كتابة الق�صة الق�صيرة والمقالة والم�سرحية‬ ‫مدر�س ًا‬ ‫وال�شعر‪ ،‬وحين‬ ‫ا�ستقر في دم�شق ّ‬ ‫ّ‬ ‫�شاب ًا‪� ،‬شارك في ت�أ�سي�س رابطة الك ّتاب‬ ‫ّ‬ ‫العرب في دم�شق عام (‪1954‬م)‪ ،‬ثم �أ�صبح‬ ‫رئي�س ًا لها بعد ذلك‪.‬‬ ‫�ضمتها دواوينه‪،‬‬ ‫التي‬ ‫ق�صائده‬ ‫وقد كانت‬ ‫ّ‬ ‫تتميز‬ ‫والتي قاربت الع�شرين الآن �أو �أق ّل قلي ًال‪ّ ،‬‬ ‫ال�سال�سة والعمق‪ ،‬وبالعذوبة التي‬ ‫بالكثير من ّ‬ ‫ق ّل مثيلها عند �سواه‪ ..‬وقد �أر�سل لي �أحد ع�شر‬ ‫كتاب ًا من كتبه هدي ًة قبل نحو ثالثة �أعوام‪..‬‬ ‫مر ٍة حتى‬ ‫ف�أده�شني ما قر�أته منها �أكثر من ّ‬ ‫الآن‪ ،‬برغم � ّأن بع�ضها كنت قد قر�أته قب ًال‪،‬‬ ‫�إ ّنما لي�س بالقدر الموازي من ال ّتركيز الراهن‪.‬‬ ‫يحق لي �أن �أن�ساه هو �أ ّنني كنت‬ ‫ومما ال ّ‬ ‫ّ‬ ‫الظهيرة‪� ،‬أو بعدها‬ ‫قد رافقته يوم ًا وق��ت ّ‬ ‫كلية الآداب بجامعة دم�شق‪ ،‬حيث‬ ‫بقليلٍ ‪� ،‬إلى ّ‬ ‫الكلية قد دعاه �إلى‬ ‫كان (ا ّتحاد الطلبة) في‬ ‫ّ‬ ‫لكن �أحدهم وقف‬ ‫معه‪..‬‬ ‫للطلبة‬ ‫لقا ٍء‬ ‫مفتوح ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫غ�ص بهم المكان‬ ‫واقترح على زمالئه الذين ّ‬ ‫يحب هو‬ ‫ما‬ ‫ب�سماع‬ ‫على ا ّت�ساعه‪� ،‬أن يكتفوا‬ ‫ّ‬ ‫�أن ي�سمعوه من �آخر ما كتبه من �شعر‪ ..‬فوافقوا‬ ‫جميع ًا بال ا�ستثناء‪ ..‬فابت�سمت له ظا ّن ًا �أ ّنهم‬ ‫ربما قد �أحرجوه بذلك االقتراح‪ ،‬لك ّنه ابت�سم‬ ‫ّ‬ ‫لي بدوره ثم قال لهم‪� :‬سيكون لكم ما تريدون‪.‬‬ ‫وقد �سعد الطلبة جميع ًا بما �ألقاه على‬ ‫قلب)‬ ‫مدى ما يقارب ال�ساعة؛ حين ًا عن (ظهر ٍ‬ ‫كما يقال‪ ،‬وحين ًا من �أوراقٍ كان يحملها في‬ ‫جيبه‪ ..‬وقد طالبه بع�ضهم بالمزيد لك ّنه اعتذر‬ ‫لهم بلطف‪ّ � .‬أما �أنا؛ فكنت مبهوراً بما ر�أيت‬ ‫وبما �سمعت‪.‬‬ ‫وح��ي��ن ���ص��رن��ا خ���ارج ح ��رم الجامعة‬ ‫أقدر � ّأن ه�ؤالء‬ ‫قال‪ :‬ال تف ّكر كثيراً‪� ..‬أنا كنت � ّ‬

‫يعد من �أهم ال�شعراء‬ ‫ال�سوريين المعا�صرين‬ ‫و�أكثرهم تميزاً‬

‫الطلبة �سيكونون منهكين من يبا�س �أ�سلوب‬ ‫ّ‬ ‫فهي�أت نف�سي �سلف ًا لإلقاء ما‬ ‫المحا�ضرات‪ّ ،‬‬ ‫�ألقيت بالطريقة التي �سمعتها و�أنع�شتهم‪.‬‬ ‫ثم تو ّقف وتابع مكم ًال‪ :‬هل عرفت الآن‬ ‫ّ‬ ‫حيويين و�سعداء؟‬ ‫لماذا كان ه�ؤالء الطالب‬ ‫ّ‬ ‫أحب �أن �أ�سمع التف�صيل في الإجابة‬ ‫قلت‪ّ � :‬‬ ‫منك‪..‬‬ ‫ٍ‬ ‫ق�صيدة‪،‬‬ ‫يوم �ستقر�أ الإجابة في‬ ‫قال‪ :‬ذات ٍ‬ ‫وربما في ديوان‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫جداً‪� ،‬أجدها في‬ ‫والآن‪ ،‬وبعد �سنين‬ ‫طويلة ّ‬ ‫(دي��وان الفرح) من �صفحته ال�سابعة‪ ،‬حيث‬ ‫المقدمة‪ /‬لماذا الفرح؟) �إلى‬ ‫كتب له (ماي�شبه‬ ‫ّ‬ ‫ختام ق�صائده من الديوان‪ ،‬وهو من القطع‬ ‫حي ٍز من نحو‬ ‫الو�سط‪ .‬ولم �أر � ّأن في �إمكاني‪ ،‬في ّ‬ ‫�ألف ٍ‬ ‫أقدم عر�ض ًا وافي ًا لما جاء في‬ ‫كلمة‪� ،‬أن � ّ‬ ‫عرية لما‬ ‫المقدمة التي هي �أنموذج عالي ّ‬ ‫ّ‬ ‫ال�ش ّ‬ ‫الديوان من عمقٍ في المبنى والمعنى‬ ‫يحويه‬ ‫ّ‬ ‫الم ّت�صل بوح�شة الإن�سان وبانت�صاره عليها‬ ‫يعدلها بتقريبها من االنتماء �إلى‬ ‫في ٍ‬ ‫حلم ّ‬ ‫الوجود في كينونة الكون الك ّلية التي هي‬ ‫بالحدود‪.‬‬ ‫نموذج واح ٍد �أو في‬ ‫و�أعتقد هنا � ّأن ما في‬ ‫ٍ‬ ‫�شعري) في ق�صيدتين‬ ‫(حلم‬ ‫نموذجين منه من ٍ‬ ‫ٍّ‬ ‫متخي ٍلة يكاد يفي بما يرمي �إليه‬ ‫عن �أنثى‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫مفرح‬ ‫�اد‬ ‫�‬ ‫�ح‬ ‫�‬ ‫ت‬ ‫ا‬ ‫من‬ ‫ه‬ ‫ل‬ ‫ك‬ ‫�وان‬ ‫�‬ ‫�دي‬ ‫�‬ ‫ال‬ ‫في‬ ‫ال�شاعر‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫الكوني فال يفنى‪..‬‬ ‫متخيلٍ بالمطلق‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫في النموذج ال ّأول يقول ال�شاعر‪:‬‬ ‫(خذي بيدي‪� ،‬أغلقي الباب �إن �شئت‪..‬‬ ‫�أرخي ال�ستائر‪ ،‬ر ّدي عليك الحجاب وال‬ ‫تظهري‪،‬‬ ‫�سوف يكفي نداك‪ ..‬ورائحة ال تخ ّيب ظنّي‬ ‫وبع�ض الكالم الخفيف‪ ،‬وبع�ض النّعا�س‪،‬‬ ‫ال�سرير)‪.‬‬ ‫ون�صف ّ‬ ‫وه��ذا المقطع من ه��ذه الق�صيدة ي�شير‬ ‫بو�ضوح �إل��ى حاجته ال�ستح�ضار الأنثى‬ ‫ٍ‬ ‫المتخيلة كي يكون فرحه ناجزاً‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ق�صيدة �أخرى تحمل عنوان (ال ّذكرى‬ ‫وفي‬ ‫ترمم الأطالل)‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫ال�سقف بدبكة جيرانٍ �سكنوا فوقي‬ ‫(ذكّرت ّ‬ ‫كف في كفّي‬ ‫فنه�ضت بال ٍّ‬ ‫�أدبك دبكتهم‬ ‫و�أر ّد على الق�صف الهابط من �أعلى‬ ‫بالطّ بل وبالزّ مر)‪..‬‬ ‫تخيله ي�ستح�ضر حبيب ًة كانت‪..‬‬ ‫يروح مع ّ‬

‫�أحمد يو�سف داوود‬ ‫يتخيل ك�أ ّنما انت�شلها من العدم‪..‬‬ ‫في�سعد بما‬ ‫ّ‬ ‫فتم الفرح‪..‬‬ ‫ّ‬ ‫ب��ع��د ه��ذي��ن ال � ّن��م��وذج��ي��ن وم ��ا فيهما‬ ‫بت �أعتقد‬ ‫و�أمثالهما من �شع ٍر � ّأخ ٍاذ غير قليل‪ّ ،‬‬ ‫الآن �أ ّنه من الم�ؤلم � ّأل يكون �شعر هذا ال�شاعر‬ ‫قدي بع�ض ًا‬ ‫المتميز قد لقي من االهتمام ال ّن ّ‬ ‫ّ‬ ‫مما ي�ستح ّقه‪ ،‬كما لم يلق‪ ،‬هو ال�شاعر‪ ،‬من‬ ‫ّ‬ ‫�سوي ًة‬ ‫ممن هم �أدنى ّ‬ ‫ال ّتكريم ما لقيه بع�ض ّ‬ ‫منه بكثي ٍر في الإبداع‪ ..‬فهو مث ًال لم ينل ح ّتى‬ ‫حد ما �أعلم‪ ،‬ما ي�ستح ّقه �شعره من‬ ‫الآن‪ ،‬على ّ‬ ‫نقدي‪ ،‬كما لم يلق من ال ّتكريم مالقيه‬ ‫ٍ‬ ‫اهتمام ٍّ‬ ‫�سواه‪ :‬ال في ال�شعر وال في بقية ما كتب‪..‬‬ ‫أ�سباب ل�سنا هنا في مجال البحث‬ ‫وذل��ك ل ٍ‬ ‫ممن ُي��ع� ّ�دون‪،‬‬ ‫�رى‬ ‫�‬ ‫ن‬ ‫بينما‬ ‫وتفنيدها‪.‬‬ ‫فيها‬ ‫ّ‬ ‫ال�سوريين في مجاالت‬ ‫ر�سمي ًا‪ ،‬من المبدعين‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الآداب والفنون‪ ،‬يحظون بالتقدير وال ّتكريم‬ ‫اللذين قد ي�ستح ّقهما بع�ضهم وال ي�ستح ّقهما‬ ‫وربما لم ينل �شاعرنا �شوقي‬ ‫فعلي ًا �آخرون‪ّ ...‬‬ ‫ما هو ح ّقه‪ ،‬لأ ّن��ه ال يجامل وال يحابي وال‬ ‫يتردد في �أن يقول ما يراه‬ ‫يتز ّلف‪ ..‬كما ال ّ‬ ‫ٍ‬ ‫جائزة‬ ‫وربما � ّأن �أعلى‬ ‫(ح ّق ًا) ولو على نف�سه‪ّ ...‬‬ ‫نالها في مجال الآداب كانت جائزة اتحاد‬ ‫الك ّتاب العرب بدم�شق عام (‪1981‬م) لأف�ضل‬ ‫ٍ‬ ‫�شعرية‪..‬‬ ‫مجموعة‬ ‫ّ‬ ‫معمم بالقوة‪،‬‬ ‫ثمة موقف ّ‬ ‫عام �إذاً‪� ،‬أو �أ ّنه ّ‬ ‫ّ‬ ‫تردد‬ ‫ه‬ ‫ن‬ ‫�‬ ‫أ‬ ‫أظن‬ ‫�‬ ‫ال‬ ‫الذي‬ ‫الكبير‬ ‫من هذا ال�شاعر‬ ‫ّ ّ‬ ‫ّ‬ ‫يوم ًا في �أمر قولٍ ر�أى � ّأن من واجبه قوله في‬ ‫ٍ‬ ‫ظاهرة �أو في �أح ٍد حاد عن االلتزام بما يرى‬ ‫ال�صحيح‪.‬‬ ‫ال�صواب �أو ّ‬ ‫�أ ّنه هو ّ‬ ‫ول��ك� ّ�ن الأ���س��ت��اذ ال�شاعر الكبير �شوقي‬ ‫بغدادي‪ ،‬لي�س مع�صوم ًا ب��دوره عن الخط�أ‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫ب�سرعة �إلى‬ ‫لكن �إحدى ف�ضائله هي �أ ّنه يبادر‬ ‫ّ‬ ‫ت�صحيح خطئه‪ ،‬في حين � ّأن �أغلبية النا�س ال‬ ‫يفعلون‪ .‬وهذه م�أثرة من م�آثره ال‬ ‫ي�صح �أبداً‬ ‫ّ‬ ‫�أن تن�سى‪..‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪47‬‬

‫تحتمي بعطر الحبر والكتابة‬

‫فتحية النمر‪ :‬الكتابة لحظة �سالم نف�سي‬ ‫ بالطبع الق�صة الق�صيرة �أ�صعب من‬‫الرواية في �أمرين‪ ،‬الأول هو التزامك التكثيف‬ ‫والتقطير بالدرجة الأول��ى‪ ،‬ففيها ال مجال‬ ‫للإ�سهاب‪ ،‬بل عليك �أن تقول كل ما تريده في‬ ‫�أقل قدر من الكلمات‪ ..‬هذا ال يعني �أن الرواية‬ ‫مجال لقول كل �شيء دونما �ضوابط وحدود‪،‬‬ ‫ب��ل حتى ف��ي ال��رواي��ة التكثيف مطلوب‪،‬‬ ‫لكن فيها الم�ساحة الزمانية والف�ضاءات‬ ‫المكانية وعدد ال�شخ�صيات وتطور الأحداث‬ ‫قد يروي ظم�أ الكاتب للقول والبوح الكبير‬ ‫ول�شهوة الكالم‪.‬‬

‫الكتابة والإب���داع لحظات مغامرة �شاقة‪ ..‬عذبة في‬ ‫الآن‪ ..‬فرح وط��رب روح وخال�ص وم�س�ؤولية في الآن‪..‬‬ ‫وكل حالة �إبداعية تجربة مريرة مع �شخو�ص و�أبطال‪،‬‬ ‫ال و�سيلة للتخل�ص من م�ضايقاتهم و�إزعاجاتهم الدائمة‬ ‫�إ ّال بالكتابة‪ ..‬والكتابة عند الأدي��ب��ة فتحية النمر‬ ‫لحظة تحرر وتطهير‪ ..‬وعالج ونزهة وفكر وحلم معاً!‬ ‫ٍ‬ ‫بيقظة � ٍ‬ ‫آ�سرة‬ ‫المتلو‬ ‫غذا�ؤها القراءة‪ ،‬الحلم‬ ‫ّ‬ ‫�أو ًال‪ ..‬وتحتمي بعطر الحبر لحظة الإيحاء‬ ‫والكتابة ثاني ًا‪ ..‬وكمبدعة ال �شيء تخافه على‬ ‫الإطالق!‬

‫عذاب الركابي‬

‫الأول����ى‪ ،‬ال��ت��ي �صعدت عليها نحو عوالم‬ ‫الأدب والإب��داع‪ ،‬ثم ت�أتي الق�صة الق�صيرة‪،‬‬ ‫التي �أحببتها كثيراً وق��ررت تجربتها‪ ،‬لكن‬ ‫ق�ص�صي الق�صيرة لي�ست من النوع الق�صير‪،‬‬ ‫بل هي غالب ًا ما تكون �أقرب للرواية الق�صيرة‬ ‫(النوفيال)‪.‬‬

‫الق�صة الق�صيرة (كال�سهم في الهدف)‪،‬‬ ‫¯ من‬ ‫ّ‬ ‫�إلى الرواية (�أ�شبه بو�ضع قوالب الطوب في‬ ‫البناية)‪ ،‬ح�سب تعريف ماركيز لهذين الفنين‪،‬‬ ‫الق�صة‬ ‫ن‬ ‫�‬ ‫أ‬ ‫والمبدعين‪،‬‬ ‫اب‬ ‫ت‬ ‫الك‬ ‫بع�ض‬ ‫يرى‬ ‫¯‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫َمن الأقرب �إليك؟ �أعني َمن يجيب �أكثر عن الق�صيرة هي الأ�صعب‪ ،‬لماذا؟ هل لأنها ق�صة‬ ‫�أ�سئلتك؟‬ ‫اللقطة الزمنية ال�سريعة‪ ،‬واللغة المقت�صدة؟‬ ‫‪ -‬ال��رواي��ة ه��ي الأق���رب وه��ي ال�س ّلمة �أم ماذا؟‬

‫‪48‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫¯ �أكثر من ع�شر رواي��ات‪ ،‬و�أربع مجموعات‬ ‫ق�ص�صية‪ ،‬والواقع االجتماعي بطلك الأمثل!‬ ‫ّ‬ ‫كيف هي العالقة مع �شخ�صياتك الورقية؟‬ ‫هل هم بورتريهات متقنة ل�شخ�صيات في‬ ‫الواقع‪� ،‬سبق و�أن التقيت بهم وتعرفينهم؟ �أم‬ ‫�أ ّن للخيال دوراً في تج�سيد �شخ�صياتك؟‬ ‫ في الروايات الثالث الأولى (ال�سقوط‬‫�إل ��ى �أع��ل��ى) و(للقمر ج��ان��ب �آخ ��ر) و(ط��ائ��ر‬ ‫الجمال)‪ ،‬كانت ال�شخ�صيات الرئي�سة هي‬ ‫بورتريهات �شخ�صية لب�شر �أعرفهم وعا�شرتهم‬ ‫يق�ضون م�ضجعي‪ ،‬كانوا‬ ‫وكرهتهم‪ ،‬كانوا‬ ‫ّ‬ ‫يلتهمون �سالمي النف�سي‪ ،‬وك��ان��وا دائمي‬ ‫ال�ضجيج في �أعماقي‪ ،‬لدرجة �أنني فكرت �أن‬ ‫أحررهم من داخلي حتى يرتاحوا‬ ‫�أبد�أ بهم و� ّ‬ ‫و�أرتاح �أنا‪ ،‬وبالفعل عندما ر�سمتهم و�سكبتهم‬ ‫على الورق ارتحت منهم ب�شكل غريب‪ ،‬حتى‬ ‫الكراهية التي كنت �أحملها لهم في داخلي‬ ‫تال�شت‪ ،‬و�صاروا �شخ�صيات عادية عندي‪،‬‬ ‫بل �إنهم كانوا في بع�ض الأحيان ي�ستدرون‬ ‫تعاطفي معهم‪.‬‬ ‫�أما ال�شخ�صيات الأخرى؛ ف�إن كان فيهم‬ ‫�شيء م ّني وم��ن �آخرين �أعرفهم‪ ،‬لكن �أغلب‬ ‫جوانبهم هي من ابتكار خيالي �أنا‪ ،‬مث ًال في‬ ‫(ك��والج) هناك �شخ�صيات كثيرة ال �أعرفها‪،‬‬ ‫هي مح�ض اختالق‪ .‬وفي (النافذة والحجاب)‬ ‫ال�شخ�صيتان الرئي�ستان (م��زن��ة) و(غ��ان��م)‬ ‫�أعرفهما‪ ،‬لكن الإ�ضافات التي جاءا بها هي‬ ‫من ابتكاري �أنا‪ ،‬كذلك في (�سيف) ال�شخ�صية‬ ‫الرئي�سة �أعرف �شيئ ًا عنها‪ ،‬والباقي كله اختالق‪.‬‬

‫مداد‬ ‫¯ ح�صلت على جوائز �إبداعية عديدة‪ ،‬وهو الكاتب خائن ًا لأنا�سه‪ ،‬من ناحية �أن��ه يف�شي‬ ‫ا�ستحقاق بال �شك‪ ..‬كيف ترين الجائزة؟ �أهي �أ�سرارهم‪ ،‬لكن بالطبع لن يكون الإف�شاء حرفي ًا‪،‬‬ ‫م�س�ؤولية مرعبة وخوف من الآتي؟ �أم �أنها الحافز ولكن نحن ن�ستغل الأ�سرار ونغلفها ونقدمها‬ ‫على المزيد من الإبداع الجاد والمثير والهادف؟ ك�أنها �أ�سرارنا‪.‬‬ ‫ الجائزة هي االثنان مع ًا‪ ،‬هي حافز ودافع‬‫مم‬ ‫ومن�شط للمزيد من الإب��داع‪ ،‬وال�شك �أنها ت�سعد ¯ الخوف لحظة تطهير‪ ،‬و�أنت �أعلم بذلك‪ّ ..‬‬ ‫المبدع وت�شعره ب�أن جهده مقدر ومقروء‪ ،‬وهي تخاف الكاتبة فتحية النمر؟ من الكتابة؟ من‬ ‫مخيفة‬ ‫وتحمل المبدع م�س�ؤولية‪� ،‬أن يقدم �أعما ًال الموت؟ ما الذي يخيفك في الحياة ومن قوانين‬ ‫ّ‬ ‫في م�ستواها �أو �أح�سن منها‪ ،‬و�أال ينحدر بجديده الوجود كمبدعة و�أ�ستاذة فل�سفة؟‬ ‫والقادم من �أعماله نحو الأقل قيمة‪.‬‬ ‫ �أنا بطبيعتي وبحكم تكويني ال�شخ�صي‬‫أعرف نف�سي‬ ‫�‬ ‫ما‬ ‫ا‬ ‫وكثير‬ ‫و�صادمة‪،‬‬ ‫قوية‬ ‫أة‬ ‫�‬ ‫امر‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫¯ بماذا ت�شعرين لحظة الإيحاء والكتابة؟ �أي بالعنقاء‪ ،‬فكثيراً ما خرجت من رم��ادي مثل‬ ‫ٍ‬ ‫�أعمالك ال�سردية خلق حالة من الطرب الروحي العنقاء‪ٍ ،‬‬ ‫علي وح�سبتني فيها‬ ‫مرات‬ ‫ومرات ّ‬ ‫مرت ّ‬ ‫انتهيت‪ ،‬لكن بعد زمن �أتعذب فيه �أخ��رج من‬ ‫لديك؟‬ ‫ ت��ق��ول �آن �إن ��راي ��ت‪( :‬ه��ن��اك ج��ان��ب من جديد واحدة �أقوى‪ ،‬ولكنني �أي�ض ًا �أكثر ه�شا�شة‬‫المرح �أ�شعر به عندما �أق��ول تلك الكلمات)‪ ،‬من ال�ضعف �أحيان ًا‪ .‬و�أكثر �شيء يخيفني هو‬ ‫وعندي كتاب تحت الطبع بعنوان (حكايات المر�ض‪ ،‬لكن لي�س �أي مر�ض‪� ،‬إنما هو �سيئ‬ ‫حي النباعة)‪ ،‬وهو ا�سم الحي الذي ن�ش�أت فيه الأ�سقام ذلك المر�ض‪ ،‬الذي لم يتم �إلى اليوم‬ ‫و�أن��ا �صغيرة بين ال�سابعة والرابعة ع�شرة‪� ،‬إيجاد عالج �شاف له‪ ،‬برغم �أنه ح�صد الكثير‬ ‫غيرنا �أكثر من حي‪ ،‬الكثير من الأرواح‪ ،‬ومنها روح �أغلى الب�شر‬ ‫وبرغم �أننا في ال�شارقة ّ‬ ‫روحي �أبي و�أمي‪.‬‬ ‫لكن لهذا الحي �أهمية و�سحر ال ي�ضاهى‪ ،‬لقد عندي‪َ ،‬‬ ‫مم�ض و�شوقٍ‬ ‫�شعرت في الآونة الأخيرة بحنينٍ‬ ‫ٍّ‬ ‫عارم لتفا�صيل ذلك المكان‪ ،‬لتفا�صيل الرفاق‬ ‫ٍ‬ ‫الأول‪ ،‬وكنت في ليالٍ كثيرة �أتخبط في �أحالمي‬ ‫في ذلك الف�ضاء وحزن عميق ينفجر في قلبي‬ ‫لفراقه برغم �أنني فارقته منذ زمن بعيد‪ ،‬وحتى‬ ‫الحب والهوى ه��ذا �أزي��ل عن بكرة �أبيه‪،‬‬ ‫بيت‬ ‫ّ‬ ‫فلماذا كل هذا ال�شوق؟‬ ‫هنا �أح�س�ست ب ��أن ك��ل الما�ضي الجميل‬ ‫معر�ض لل�ضياع‪ ،‬ففكرت حينها ال بد و�أن �أخلد‬ ‫البيت القديم‪ ،‬و�أن �أ�ستعيد معالم البيت‪ ،‬وكل‬ ‫ما ك��ان له عالقة به من ب�شر و�شجر وحجر‪،‬‬ ‫وه��ذا ما ك��ان‪ ..‬الكتابة عالج ودواء والتقاط‬ ‫وعي وتوعية الكتابة �سحر و�شغف يتمكن منك‬ ‫هم‪.‬‬ ‫ك�أجمل ّ‬ ‫�آن �إنرايت‬ ‫ي�سميه �أرن�ست همنجواي (الم�س�ؤولية‬ ‫¯ َ‬ ‫هناك ما ّ‬ ‫ي�سميه �صموئيل بيكيت‬ ‫وما‬ ‫للكتابة)‪..‬‬ ‫المرعبة‬ ‫ّ‬ ‫(الهو�س ال�سيكلوجي للكتابة) ما تعليقك على‬ ‫ومن منهما الأقرب �إلى ر�ؤاك ككاتبة‬ ‫العبارتين؟ َ‬ ‫لها ح�ضورها في الف�ضاء الثقافي والإبداعي‬ ‫العربي؟‬ ‫ ال��ك��ت��اب��ة م�����س��ؤول��ي��ة وال��ك��ت��اب��ة هو�س‬‫والكتابة �شغف والكتابة دواء‪ ،‬وعلى فكرة فكل‬ ‫من تجل�س معه ويخطر في بالك‪ ،‬ي�صبح م�شروع‬ ‫كتابة عندك‪ ،‬حتى �إنني �أوافق على من يعتبر‬

‫�أعتبر الكتابة‬ ‫م�س�ؤولية و�شغف ًا مع ًا‬ ‫وال �شيء يخيفني‬ ‫لأنني امر�أة قوية‬

‫بع�ض �أبطال رواياتي‬ ‫�أ�شخا�ص عرفتهم‬ ‫وبع�ضهم من وحي‬ ‫خيالي‬

‫�أرن�ست همنجواي‬

‫من �أعمالها الق�ص�صية و الروائية‬ ‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪49‬‬

‫مقاالت‬

‫تتـ�شـابــك ال�سـيـرة الـذاتـيـة‬

‫نبيل �سليمان‬

‫للكتابة ال�سيرية �أل���وان و�أف��ن��ان‪ ،‬منها‬ ‫المذكرات والرحالت‪ ،‬وفي �صدارتها ال�سيرة‬ ‫الذاتية‪ ،‬التي قد ت�شتبك ب��ال��رواي��ة‪ ،‬فيجري‬ ‫الحديث عن ال�سيرة الروائية وع��ن الرواية‬ ‫ال�سيرية‪ .‬وقد ت�شتبك ال�سيرة الذاتية بالفكرية‪،‬‬ ‫فيجري الحديث عن ال�سيرة الذاتية الفكرية‪،‬‬ ‫�ض اال�شتباك‪ ،‬جرى الحديث عن‬ ‫حتى �إذا ُف َّ‬ ‫ال�سيرة الفكرية‪ .‬و�إذا م��ا ا�شتبكت الفكرية‬ ‫بالرواية‪ ،‬ي�أتي الحديث عن الرواية الفل�سفية‬ ‫مث ًال‪ .‬ومن ال�شهير ما قد تت�أذى به الرواية‪،‬‬ ‫التي يكتبها المفكر من ج��راء �ضغط الفكري‬ ‫على الفني‪ ،‬وفي بع�ض روايات عبداهلل العروي‪،‬‬ ‫وعبدالإله بلقزيز مثال على ذلك‪.‬‬ ‫ف��ي ه��ذا ال�سياق التمهيدي �أ���ش��ي��ر �إل��ى‬ ‫(�سيرة الكتابة)‪ ،‬ومن �أمثلتها النادرة البديعة‬ ‫كتاب �إبراهيم عبدالمجيد (ما وراء الكتابة‪..‬‬ ‫تجربتي مع الإبداع)‪ ،‬وفيه ر�سم الكاتب المناخ‬ ‫واالجتماعي والروحي‪ ،‬الذي اكتنف كتابته‬ ‫الروائية‪ .‬ولي�س الأمر وقف ًا على الرواية‪ ،‬بل قد‬ ‫يكون �أي�ض ًا للنقد‪ ،‬كما في كتاب �صالح ف�ضل‬ ‫(عين النقد وع�شق التميز‪2019 -‬م)‪ ،‬الذي‬ ‫تحدث عما �ش ّكل ذائقة �صاحبه النقدية‪ ،‬وعن‬ ‫والدة �أفكار كتبه النقدية‪.‬‬ ‫ينبه و���ص��ف ال�سيرة بالفكرية �إل ��ى �أن‬ ‫�صاحبها �سوف يجعل وكده على ما له عالقة‬ ‫بعمله الفكري‪ ،‬ولي�س على حياته الخا�صة‪،‬‬ ‫كما �أ�شار بول ريكور‪ .‬ولن تغيب �إذاً الذاتية عن‬

‫‪50‬‬

‫‪- ٢٠٢١‬‬ ‫‪- ٢٠٢٢‬‬ ‫أغ�سط�س‬ ‫فبراير‬ ‫والخم�سون ‪� -‬‬ ‫الثامن وال�ستون ‪-‬‬ ‫العدد الرابع‬

‫والفكرية للكاتب العربي‬

‫ال�سيرة الفكرية تمام ًا �إال ن��ادراً‪ .‬وقد ازدانت‬ ‫المدونة ال�سيرية العربية بالكثير الذي كتبه‬ ‫المفكرون‪.‬‬ ‫فمن الأعمال الرائدة �أذكر (تربية �سالمة‬ ‫مو�سى)‪ ،‬التي �أ�صدرها عام (‪1947‬م) �سالمة‬ ‫مو�سى (‪1958 -1887‬م)‪ ،‬وكذلك (�سبعون)‬ ‫لميخائيل نعيمة (‪1988 -1889‬م)‪ .‬و�أقرب‬ ‫�إل��ى زمننا تبرز �سيرة زك��ي نجيب محمود‬ ‫(‪1993 -1902‬م) التي ج��اءت ف��ي ثالثة‬ ‫�أج ��زاء‪ ،‬يتعلق �أول��ه��ا (ق�صة نف�س) بالذاتي‪،‬‬ ‫وثانيها (ق�صة عقل) بالفكري‪ ،‬وفيه تحدث‬ ‫الكاتب عن تكوينه الفكري في �أوروبا وتبنيه‬ ‫فل�سفة الو�ضعية المنطقية‪ ،‬وتجربته في‬ ‫مجلة (الفكر المعا�صر)‪ ،‬وانتقاله من (القبلة)‬ ‫الثقافية الغربية �إلى التفاعل مع التراث العربي‬ ‫الإ�سالمي‪ .‬ولم يفته غياب (الفكرية) عن الجزء‬ ‫الأول من �سيرته‪ ،‬لذلك كتب الجزء الثاني‪ ،‬وهو‬ ‫من و�صفه عبا�س محمود العقاد بفيل�سوف‬ ‫الأدباء و�أديب الفال�سفة‪.‬‬ ‫وتت�ألق بخا�صة �سيرة عبدالوهاب الم�سيري‬ ‫(‪2008 -1938‬م) وع��ن��وان��ه��ا‪( :‬رحلتي‬ ‫الفكرية‪ -‬في البذور والجذور والثمار) وتتمة‬ ‫العنوان هي‪�( :‬سيرة غير ذاتية وغير مو�ضوعية)‪،‬‬ ‫بين‪ ،‬فيها من ال�سيرة‬ ‫فقد �أرادها �صاحبها َ‬ ‫بين ْ‬ ‫الذاتية في الجزء الأول (التكوين)‪ ،‬ومن ال�سيرة‬ ‫الفكرية في الجزء الثاني (عالم الفكر)‪ .‬و�إذا‬ ‫ك��ان الم�سيري يتحدث �أي�ض ًا ع��ن تحوالته‬

‫تبرز �سيرة زكي‬ ‫نجيب محمود حيث‬ ‫تحدث عن تكوينه‬ ‫الفكري في �أوروبا‬ ‫وتجربته في مجلة‬ ‫(الفكر المعا�صر)‬

‫�شظايا‬

‫الفكرية وعن كتاباته الأول��ى‪ ،‬فهو يورد في‬ ‫�سيرته اقتبا�سات مما كتب‪ ،‬كما يتحدث عن‬ ‫ن�سيج مميز و�ضخم من الحياة‬ ‫الأدب والفن في‬ ‫ٍ‬ ‫ال�شخ�صية والحياة الفكرية‪ .‬ومن م�صر هي ذي‬ ‫�أي�ض ًا �سيرة جالل �أمين (‪2018 -1935‬م)‬ ‫التي �سردت في (ماذا علمتني الحياة) تحوالته‬ ‫الفكرية �إلى التفاعل الإيجابي مع الدين بعامة‪،‬‬ ‫ومع الإ�سالم بخا�صة‪.‬‬ ‫من ال�سير الفكرية العربية الحديثة ما‬ ‫كتب حازم �صاغية تحت عنوان (هذه لي�ست‬ ‫�سيرة)‪ ،‬وهي التي كتب �أمجد نا�صر �أنها لي�ست‬ ‫�سيرة حياة‪ ،‬بل �سيرة �أفكار‪ .‬ومن الطريف �أن‬ ‫�صاغية تحدث عن جدته مثلما فعل �إدوارد‬ ‫�سعيد‪ ،‬فت�ساءل �أمجد نا�صر( �شو ق�صتكم مع‬ ‫جداتكم؟)‪ .‬وكان �سمير �أمين �صاحب م�صطلح‬ ‫�سباق ًا‬ ‫المركزية الأوروبية (‪2018 -1931‬م) ّ‬ ‫�إل��ى هذا اللون من ال�سيرة‪ ،‬فقدم هذا القادم‬ ‫من االقت�صاد‪ ،‬كما �سيلي مع ج�لال �أمين‪،‬‬ ‫فق�ص‬ ‫كتابه (�سيرة ذاتية فكرية‪1993 -‬م)‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ق�صة تطور �أطروحاته‪ .‬وكما راجع �أفكاره في‬ ‫هذه ال�سيرة‪� ،‬سيراجع �إدوارد �سعيد (‪-1935‬‬ ‫‪2003‬م) �أفكاره في كتابه ال�سيري (خارج‬ ‫المكان‪1999 -‬م)‪� .‬أم��ا ال��رائ��د لهذا اللون‬ ‫ال�سيري فهو �إليا�س مرق�ص (‪1991 -1927‬م)‬ ‫في كتابه ال�ضخم (ال�سيرة الفكرية)‪ .‬لكن ن�شر‬ ‫هذا الكتاب ت�أخر حتى �سنة (‪2012‬م)‪ ،‬وهو‬ ‫ح�صيلة ‪� 64‬شريط ًا �سجلها �أ�صدقا�ؤه �أثناء‬ ‫�إ�صابته ب�سرطان الكبد‪ ،‬بذاكرة عجيبة وذهن‬ ‫و ّقاد‪ .‬وقد غلب الفكري على الذاتي‪ ،‬وتجلى ذلك‬ ‫بخا�صة في ال�سجالية والنقدية اللتين و�سمتا‬ ‫�إنتاج مرق�ص الفكري كله‪.‬‬ ‫�أم����ا م��ا ه��و الأح������دث‪ ،‬ورب��م��ا الأم��ت��ع‬ ‫والأ�صدق والأعمق‪ ،‬فلعله كتاب (وتحملني‬ ‫حيرتي وظنوني‪� :‬سيرة التكوين‪2021 -‬م)‬ ‫ل�شيخ ال�سيميائيين العرب �سعيد بنكراد‪ ،‬الذي‬ ‫�أث��رى المكتبة العربية بت�سعة ع�شر م�ؤلف ًا‪،‬‬ ‫وترجم خم�سة ع�شر كتاب ًا‪ ،‬تركز �أغلبها في‬ ‫ال�سيميائيات‪ .‬و�إذا كان الأكاديمي والناقد‬ ‫والمفكر اال�ستثنائي قد �أف�سح للذاتي ق��دراً‬ ‫من �سيرته‪ ،‬فقد ت��رك للفكري ح�صة كبرى‪،‬‬

‫وبخا�صة في �سنوات التكون الباري�سية وفي‬ ‫ال�سنوات المهنية الأكاديمية‪ .‬ومن الكثير من‬ ‫(فكريته)‪ ،‬مما يتكثف في محارق‪ /‬ب�ؤر حياتنا‬ ‫المعا�صرة‪ ،‬ما يتعلق بالمثقفين �أ�سرى وهم‬ ‫ال�شهرة‪ ،‬الذين لم يعودوا مالكين للغة الأمة‪ ،‬فلم‬ ‫تعد الثقافة على �أيديهم رديف ًا لالنعتاق‪ .‬كذلك‬ ‫هو الراهن المتعنون بالرقمنة‪ ،‬حيث انفجرت‬ ‫النرج�سية‪ ،‬وت�ضخمت الأنا‪ ،‬و�سقطت م�شاريع‬ ‫الفكر والفل�سفة‪ ،‬كما علمتنا الرقمية الجديدة‬ ‫كيف نبيع �أنف�سنا‪( :‬لقد �ضاعت الإن�سانية فينا‪.‬‬ ‫فقدنا الذاكرة‪ ،‬فكل �شيء مخ ّزن في الخادوم)‪.‬‬ ‫ومن هذه (الكابو�سية) �أننا فقدنا الأحالم‪ ،‬ولم‬ ‫تعد اللغة �سبيلنا المف�ضل �إلى الآخر‪ ،‬بل حلت‬ ‫ال�صورة محل اللغة‪ ،‬و�صارت �أهم من الج�سد‪،‬‬ ‫ولم تعد الحداثة ر�ؤية كونية‪ ،‬كما �أنها جاءتنا‬ ‫من فوق‪ ،‬ولم ن�ستطع ا�ستنباتها في تفا�صيل‬ ‫الحياة اليومية‪ .‬وباللغة ال�سيرية‪ ،‬يكتب �سعيد‬ ‫بنكراد �أن��ه لم ي�ستطع التكيف مع الموجة‬ ‫الجديدة من �أ�شكال الت�أ�صيل‪ ،‬وال يمكن له‬ ‫�أن يرتاح في �شبكة مظلمة يبحث فيها عن‬ ‫�شبيهه‪( ،‬لذلك ال �أ�صدقاء لي خ��ارج الحياة‬ ‫الواقعية)‪ ،‬و(الواقعي ناق�ص وتلك طبيعته‪،‬‬ ‫والإن�سان ناق�ص وتلك عظمته‪ ،‬والنق�صان في‬ ‫ويعد بنكراد‬ ‫الحالتين ال يعو�ض باالفترا�ض)‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫عمله في الترجمة محاولة ال�ستنبات معرفة‬ ‫حديثة �ضمن ممكنات اللغة العربية وطريقتها‬ ‫في بناء الفكر و�إ�شاعته‪ ،‬وه��و‪ ،‬كما يكتب‪،‬‬ ‫من انخرط بحما�سة في معركة الدفاع عن‬ ‫اللغة العربية في المغرب‪ ،‬في مواجهة دعاة‬ ‫اللهجات (التلهيج)‪.‬‬ ‫أن��داد من المفكرين‬ ‫�‬ ‫تقدموا‬ ‫بالطبع‪ ،‬لمن‬ ‫ٌ‬ ‫العرب الذين �أبدعوا في �سيرهم الفكرية‪ ،‬مثل‬ ‫ه�شام �شرابي‪ ،‬وعلي ح��رب‪ ،‬و�سالم حمي�ش‪،‬‬ ‫المدونة‬ ‫وح�سن حنفي و‪ ..‬ويظهر ف��ي ه��ذه‬ ‫ّ‬ ‫المتنامية �أهمية المراجعة‪ ،‬ومواجهة الذات‬ ‫ووعيها فردي ًا ومجتمعي ًا‪ ،‬كما تظهر التحوالت‬ ‫الفكرية والثقافية‪ ،‬وهذا كله قد يندغم في ال�سيرة‬ ‫الذاتية‪ ،‬لكنه يظل متمايزاً عنها وعن الذكريات‬ ‫والمذكرات‪ ،‬كما ير�سم العالقة المعقدة والوثيقة‬ ‫بين المفكر والفكر والمجتمع والتاريخ‪.‬‬

‫تحدث عبدالوهاب‬ ‫الم�سيري عن‬ ‫تحوالته الفكرية‬ ‫و�أورد في �سيرته‬ ‫الذاتية اقتبا�سات‬ ‫مما كتب‬

‫جالل �أمين �سرد‬ ‫في (ماذا علمتني‬ ‫الحياة) تفاعله‬ ‫وتحوالته الفكرية‬

‫كتب حازم �صاغية‬ ‫�سيرة �أفكاره وتحدث‬ ‫عن جدته مثلما فعل‬ ‫�إدوارد �سعيد‬

‫‪- ٢٠٢٢‬‬ ‫فبراير ‪٢٠٢١‬‬ ‫أغ�سط�س‬ ‫وال�ستون� ‪-‬‬ ‫والخم�سون ‪-‬‬ ‫الرابع‬ ‫الثامن‬ ‫العددالعدد‬

‫‪51‬‬

‫ال�شخ�صيات التاريخية في الرواية‬

‫ما بين التخـ ُّيـل والـواقـع‬ ‫�إن ظاهرة ا�ستخدام الرواية التاريخية في الأدب والرواية‬ ‫خ�صو�صاً‪ ،‬لي�ست جديدة‪ ،‬بل هي حالة �أدبية‪ ،‬ين ّوع فيها‬ ‫الكاتب طرق بنائه للرواية‪ ،‬ويغير اتجاه الأح��داث نحو‬ ‫الخلف‪ ،‬بغر�ض �إعطاء وجهة نظر مختلفة‪ ،‬عن ال�شخ�صيات‬ ‫�أو �إ�سقاط �أحداث الرواية على الواقع المعا�صر‪� ،‬أو ت�سليط‬ ‫ال�ضوء �أك��ث��ر على الأح���داث التاريخية ب�شكل �أو���ض��ح‪.‬‬ ‫وهنا يندرج هذا المو�ضوع‪ ،‬تحت عنوان‬ ‫الرواية التاريخية ب�شكل عام‪ ،‬ولكن يجب‪،‬‬ ‫�أن نميز هنا بين ا�ستخدام التاريخ كخلفية‬ ‫وبيئة للأحداث فقط‪ ،‬ومن ثم يقوم الكاتب‬ ‫بتخييل ال�شخ�صيات والأح��داث �ضمن هذه‬ ‫البيئة التاريخية‪ ،‬كما فعل (فلوبير) في‬ ‫(�سالمبو)‪ ،‬و�ألك�سندر دوما في معظم رواياته‬ ‫من (الفر�سان الثالثة)‪ ،‬و(الملكة مارغو)‪،‬‬ ‫�إل��ى (ق�لادة الملكة)‪ ،‬و(خم�سة و�أربعون)‪،‬‬ ‫وحتى فيكتور هوغو في (�أحدب نوتردام)‪،‬‬ ‫وف��ي رواي��ة (البيت الأندل�سي) لوا�سيني‬ ‫‪52‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫د‪ .‬محمد �صبيح‬

‫الأع���رج‪ ،‬وبين ال��رواي��ة التي تقوم ب�سرد‬ ‫الأح ��داث التاريخية وحياة ال�شخ�صيات‬ ‫التاريخية الحقيقية‪ ،‬ب�أ�سلوب ت�شويقي ي�شد‬ ‫القارئ‪ ،‬ولكن قد يت�ضمن ذلك تغييرات في‬ ‫ال�شخ�صية‪� ،‬سواء على م�ستوى الت�صرف‪� ،‬أو‬ ‫على م�ستوى ما قالته‪ ،‬فيقوم الكاتب بذلك‬ ‫بت�شويه الحقائق التاريخية‪.‬‬ ‫�إن �أ���س��ل��وب ا���س��ت��خ��دام ال�شخ�صيات‬ ‫التاريخية للمقارنة مع الواقع المعا�صر‪،‬‬ ‫ال يمكن �أن يكون �صائب ًا من ناحية اثبات‬ ‫ج��دي��ة ال��ق��دي��م و���س��وء الت�صرف بالواقع‬

‫الجديد‪ ،‬ب�سبب �أن البيئة التاريخية التي‬ ‫عا�شت فيه ال�شخ�صية التاريخية‪ ،‬تختلف‬ ‫عن الواقع المعا�صر‪ ،‬بتكوين منظوماته‬ ‫ال�سيا�سية واالقت�صادية والمجتمعية وما‬ ‫يتبع ذل��ك م��ن منظومة �أخ�لاق��ي��ة‪ ،‬فهذا‬ ‫الواقع هو نتيجة تطبيق �سيا�سات ل�سلطة‬ ‫ما‪ ،‬لم ت�ستطع تحقيق متطلبات التطور �أو‬ ‫االزده��ار المن�شود‪ ،‬فالبنية االقت�صادية‬ ‫المتردية ينتج عنها مجتمع يلهث للعي�ش‪،‬‬ ‫وفي ظل هكذا ظروف‪� ،‬ستوجد مجموعات‬ ‫تنحو باتجاه ا�ستخدام �أ�ساليب ملتوية وغير‬ ‫قانونية بهدف الإثراء غير الم�شروع‪ ،‬وهذا‬ ‫الو�ضع االقت�صادي المتردي ينتج عن واقع‬ ‫�سيا�سي فا�سد‪ ،‬تكون له م�صلحة مع الأفراد‬ ‫المتنفذين‪ ،‬لذلك ف�إن �إقحام �أي �شخ�صية‬ ‫تاريخية في عالقة تفاعلية مع الواقع‬ ‫الحالي‪ ،‬ال يمكن �أن يعطي الدقة المطلوبة‬ ‫ال تاريخي ًا‪ ،‬وال مجتمعي ًا‪ ،‬وبالتالي �سيكون‬ ‫الأمر �أدبي ًا غير ناجح‪ ،‬فبد ًال من �أن يخلق‬ ‫الكاتب �شخ�صية معا�صرة ليبين من خاللها‬

‫مداخلة‬ ‫�آراءه‪ ،‬يهرب نحو التاريخ ب�شكل غير مبرر‬ ‫�أحيان ًا‪ ،‬وثاني ًا قد تكون رغبة الكاتب �إبراز‬ ‫الجانب الإيجابي في هذه ال�شخ�صيات وت�سليط‬ ‫ال�ضوء عليها‪ ،‬وه��ذه �أي�ض ًا لها محاذيرها‪،‬‬ ‫فظروف ال�شخ�صيات التاريخية مختلف كلي ًا‬ ‫عن الواقع الحالي‪ ،‬بكل حموالته (المجتمعية‬ ‫فلوبير‬ ‫والتر �سكوت‬ ‫وال�سيا�سية واالقت�صادية وحتى الدينية)‪ ،‬لأن‬ ‫الواقع القديم غالب ًا ما قد يخ�ضع ل�سلطة �أمر‬ ‫واقع‪ ،‬وهذه ال�سلطة �إما ان تكون بجزء منها‬ ‫فاع ًال على تطوير المجتمع �أو غير فاعل‪ ،‬وهنا‬ ‫ال �أحد قادر على �أن يفعل معها �شيئ ًا‪ ،‬وهنا‬ ‫خلقت �شخ�صيات تاريخية كانت م�ساهمة في‬ ‫لوكا�ش‬ ‫محمد ح�سن علوان‬ ‫هذه ال�سلطة‪� ،‬أو كانت ب�شكل ما جزءاً منها‪.‬‬ ‫لذلك فقد ذهب جورج لوكات�ش في كتابه لها‪ ،‬ولكن في حالة ال�شخ�صية التاريخية‪،‬‬ ‫(الرواية التاريخية)؛ �إلى اعتبار التاريخ بنية ف�إن الم�س�ألة تتحول �إلى نقل �صفات و�أفكار‬ ‫يكيفه‪ ،‬ويجعله ال�شخ�صية التاريخية‪ ،‬وهنا ينتفي التخيل‬ ‫تحتية لهذا الجن�س‪ ،‬فهو الذي ّ‬ ‫في عالقة م�ضاعفة مع الواقع التاريخي‪� ،‬إذا تمام ًا كفعل �أدبي �أ�سا�سي للرواية وي�صبح‬ ‫مدون بمو�ضوعية‪ ،‬فهو دور الكاتب ت�أريخي ًا ووثائقي ًا فقط‪.‬‬ ‫افتر�ضنا ب�أن التاريخ ّ‬ ‫من ناحية ينقل جزءاً منه‪ ،‬ومن ناحية �أخرى •�إذا ح ��اول ال��ك��ات��ب تغيير م��ج��رى �أح ��داث‬ ‫يبتكر �شخ�صياته ويربطها بالواقع المعا�صر ال�شخ�صية‪� ،‬أو نقل عنها �أفكاراً لم يقلها‪ ،‬فهذا‬ ‫بق�صد �إ�سقاط الكثير من العبر‪ ،‬وهنا ي�ستطيع �سيعتبر تحويراً وتناق�ض ًا‪ ،‬قد يكون لأ�سباب‬ ‫الكاتب ابتكار الأح��داث وال�شخ�صيات �ضمن �أيديولوجية مث ًال‪ ،‬وه��ذا �سيناق�ض الواقع‬ ‫هذه البيئة التاريخية المفتر�ضة‪.‬‬ ‫التاريخي‪ ،‬و�سيقزم العمل الروائي‪.‬‬ ‫فالرواية التاريخية والتي �أ�س�سها والتر •ق��د يكون ال��ه��دف تب�سيط التاريخ وجعله‬ ‫�سكوت برواية (ويفرلي) عام (‪ 1814‬م) والتي مفهوم ًا �أكثر من قبل القراء‪ ،‬كما حاولت‬ ‫ت�ستند �إلى التاريخ كبيئة حا�ضنة للأحداث‪� ،‬أن تفعله �إليف �شافاق في (قواعد الع�شق‬ ‫تم ّكن الكاتب من �أن يخلق �شخ�صياته تخيلي ًا‪ ،‬الأرب��ع��ون)‪ ،‬حيث وقعت الكاتبة �أي�ض ًا في‬ ‫و�أن يبتكر �أفكاره �ضمن هذا الإطار‪� ،‬أما مع�ضلة مطب النقل الوثائقي وفي مطب التخييل الذي‬ ‫ا�ستخدام �شخ�صيات تاريخية محددة وم�شهورة �سيكون مقت�صراً على بع�ض التفا�صيل التي‬ ‫في الرواية‪ ،‬ف�ستخلق �إ�شكاليات عدة من �أهمها‪ :‬ال تغني الرواية‪ ،‬برغم بع�ض المحاوالت في‬ ‫•�أن كاتب ال��رواي��ة التاريخية يقوم بتخيل تخييل بع�ض الأحداث‪ ،‬ف�إنها بقيت محاوالت‬ ‫الأح���داث وال�شخ�صيات‪ ،‬وابتكار الأفكار م��ح��دودة‪� ،‬أم��ام الكم الكبير من المقوالت‬ ‫وال��ح��وارات التي �سوف يقومون بالإيحاء والأح����داث التاريخية‪ ،‬التي ا�ستخدمتها‬

‫فيكتور هوجو‬

‫ح�سن �أوريد‬

‫�ألك�سندر توما�س‬

‫وا�سيني الأعرج‬

‫�أ�شهر من وظف‬ ‫الرواية التاريخية‬ ‫عالمي ًا فلوبير‬ ‫و�ألك�سندر توما�س‬ ‫وفيكتور هوجو‬

‫قاموا با�ستخدام‬ ‫التاريخ كخلفية‬ ‫وبيئة حا�ضنة‬ ‫وتخيلوا ال�شخ�صيات‬ ‫والأحداث‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪53‬‬

‫واتكلت عليها لتحقيق جماهيرية‪ ،‬وبالتالي‬ ‫ن��رى �أن مخاطر هكذا مغامرة‪ ،‬ق��د تكون‬ ‫االتكال على هذه ال�شخ�صيات التاريخية‪،‬‬ ‫ل�صنع جماهيرية مفتعلة على ح�ساب العمل‬ ‫الأدبي‪.‬‬ ‫وهنا ي�شترط (وال��ت��ر �سكوت) �أال تكون‬ ‫ال�شخ�صية التاريخية هي ال�شخ�صية المحورية‪،‬‬ ‫ب��ل ي�سند ذل��ك ال ��دور �إل��ى �شخ�صية متخيلة‬ ‫محايدة‪ ،‬ت�سمح بو�ضع الم�صير الفردي والم�صير‬ ‫الجماعي في و�ضع مواجهة‪ ،‬وي�ستح�سن �أال‬ ‫يكون البطل طرف ًا في نزاعات ال�شخ�صيات‬ ‫التاريخية‪ ،‬بل يمكن �أن يكون فرداً عادي ًا من‬ ‫العامة‪ ،‬وقد يكون ذلك ح ًال توافقي ًا لعدم �إقحام‬ ‫هذه ال�شخ�صيات‪ ،‬في الجمود الروائي‪ ،‬ولكنه‬ ‫يبقى عام ًال مقيداً للروائي في عملية تخيله‬ ‫الإبداعي‪ ،‬وفي ابتكار �أفكار جديدة‪.‬‬ ‫فرواية (رباط المتنبي) لح�سن �أوريد‪ ،‬والتي‬ ‫و�صلت �إل��ى القائمة الق�صيرة للبوكر‪ ،‬تعتبر‬ ‫نموذج ًا للرواية التي �سيطرت فيها ال�شخ�صية‬ ‫التاريخية على ال��ح��دث م��ن خ�لال ربطها‬ ‫بالواقع المعا�صر‪ ،‬وبالتالي لم تقدم تخي ًال‬ ‫�إبداعي ًا لل�شخ�صية‪� ،‬سوى بمحاولة محاورتها‪،‬‬ ‫و�إ�سقاط بع�ض مقوالتها على الواقع الذي بينا‬ ‫�أنه ال ي�صلح للمقارنة مع البيئة التاريخية‪،‬‬ ‫لذلك نعتبر الرواية �سقطت في مطب ال�شخ�صية‬

‫‪54‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫التاريخية الكبيرة ل�شاعر كبير مثل المتنبي‪،‬‬ ‫برغم �أن الكاتب‪� ،‬أراد �أن ي�أخذ من مقوالته‬ ‫ليقارنها مع الواقع المتردي حالي ًا‪ ،‬ليبين‬ ‫كيف و�صلت حال المجتمعات‪ ،‬كان الأجدى‬ ‫�أن يعر�ض ذلك من �شخ�صيات معا�صرة تعاني‪،‬‬ ‫بدل ا�ستخدام مقوالت و�شخ�صيات معروفة‪،‬‬ ‫تبعد الت�شويق والتخيل‪ ،‬ربما يكون الكاتب‬ ‫نجح جماهيري ًا في ت�سليط ال�ضوء على المتنبي‬ ‫�شاغل النا�س‪ ،‬ولكنه لم ينجح كعمل �أدب��ي‬ ‫روائ��ي تخيلي في تقديم �أي��ة فكرة مبتكرة‪،‬‬ ‫نظراً �إلى �صعوبة تحركه �ضمن هذه ال�شخ�صية‬ ‫المعروفة �سلف ًا ب�شعرها و�أفكارها �أو ًال‪ ،‬ولعدم‬ ‫�صوابية المقارنة بكليتها ثاني ًا‪ .‬فلقد ا�ستخدم‬ ‫الكاتب ال�شاعر ليعبر عن طبيعة الواقع العربي‬ ‫الحالي‪ ،‬ولكن هذه الفكرة كان من الأف�ضل‬ ‫التعبير عنها‪ ،‬من خالل �شخ�صيات معا�صرة‬ ‫وح��ي��ة‪ ،‬ولي�س با�ستخدام �أ���س��ل��وب مقاربة‬ ‫ل�ل�أح��داث التاريخية مع المعا�صرة بطريقة‬ ‫ت�شبه التحقيقات ال�صحافية‪.‬‬ ‫�أما رواية محمد ح�سن علوان (موت �صغير)‬ ‫وال��ف��ائ��زة بجائزة البوكر العربية‪ ،‬فقدمت‬ ‫�شخ�صية (اب��ن ع��رب��ي) وت��اري��خ حياته منذ‬ ‫والدت��ه حتى وفاته‪ ،‬وهنا نجد �أنف�سنا �أمام‬ ‫منجز روائ��ي يحتمل �إ�شكاليتين‪ ،‬الأول��ى هي‬ ‫التقيد بالأحداث التاريخية المعروفة للكاتب‪،‬‬

‫الكثير من الروائيين‬ ‫يقعون في مطب‬ ‫تغيير مجرى‬ ‫الأحداث و�أبعاد‬ ‫ال�شخ�صية التاريخية‬ ‫الحقيقية‬

‫مداخلة‬ ‫�سي�ضيق عملية التخيل‬ ‫وه ��ذا‬ ‫ّ‬ ‫الروائي للكاتب‪ ،‬والثانية �إ�ضفاء‬ ‫الكثير من الأحداث المتخيلة عن‬ ‫�سيرة (ابن عربي) الذاتية‪ ،‬وهذه‬ ‫�أي�ض ًا �ستخلق م�شاكل التوافق‬ ‫مع الوقائع‪� ،‬أو �إ�ضافة �أح��داث‬ ‫بق�صد �إب��راز جوانب ما لأ�سباب‬ ‫�أيديولوجية �أو فكرية‪ ،‬علم ًا �أن‬ ‫الكاتب لم يتطرق كثيراً �إلى �أفكار‬ ‫(ابن عربي) ال�صوفية‪ .‬وبذل جهداً‬ ‫بحثي ًا كبيرة ل�سبر الأحداث‪ .‬وفي‬ ‫الحالتين لدينا �إ�شكالية موجودة‪،‬‬ ‫وهي التقليل من المتخيل الروائي‬ ‫لل�شخ�صية‪ .‬وهذا ما نق�صده‪ ،‬ب�إ�شكالية ا�ستخدام‬ ‫ال�شخ�صيات التاريخية في الرواية‪.‬‬ ‫وفي نف�س ال�سياق ت�أتي رواي��ة وا�سيني‬ ‫الأعرج (كتاب الأمير)‪ ،‬فهي ت�سلط ال�ضوء على‬ ‫�سيرة حياة (الأمير عبدالقادر الجزائري)‪ ،‬وهنا‬ ‫ندخل في نف�س المطب‪ ،‬فرغم الجهد الكبير‬ ‫المقدم لجمع الأحداث والوقائع‪ ،‬و�إن كنا نعتبر‬ ‫ذلك من عمل الم�ؤرخين‪ ،‬ف�إن الرواية لم تخرج‬ ‫عن نطاق �سيرة ومقوالت الأمير‪ ،‬رغم جمالية‬ ‫ال�سرد والت�شكيل الروائي‪ ،‬وهذا ما ي�شكل توقف ًا‬ ‫للمتخيل ال�سردي الروائي‪ ،‬على ح�ساب الوقائع‬ ‫التاريخية المعروفة‪ ،‬و�إن كان الكاتب قد قدم‬ ‫في بع�ضها وجهات نظر �صحح من خاللها‬ ‫الكثير من المواقف حول الأمير‪ ،‬ح�سب ر�أي‬ ‫الكاتب‪.‬‬ ‫يمكننا القول �إننا في رواي��ة ال�شخ�صية‬ ‫التاريخية‪ ،‬نحن �أم��ام مع�ضلة كبيرة‪ ،‬تتمثل‬ ‫في ت�ضييق هام�ش التخييل الإبداعي الروائي‪،‬‬ ‫مقابل التو�سع في مجال التوثيق والوقائع‬ ‫التاريخية‪ ،‬فال�شخ�صية التاريخية‪ ،‬تكون‬ ‫جاهزة ومعروفة لدى القراء والمثقفين على حد‬ ‫�سواء‪ ،‬وه�ؤالء �سي�شكلون عنا�صر رقابية على‬ ‫ما يكتبه الروائي وي�ضيفه لهذه ال�شخ�صيات‬

‫الجاهزة‪ .‬ول��ن يكون للتخيل هنا �إال القليل‬ ‫فقط‪ .‬وهنا تتبادر لدينا عدة �أ�سئلة مهمة‪ ،‬هل‬ ‫قام الكاتب باالتكال على هذه ال�شخ�صيات‬ ‫لتحقيق جماهيرية ون��ج��اح م��ا؟ ول��م��اذا ال‬ ‫ي�ستخدم الكاتب �شخ�صيات معا�صرة من واقع‬ ‫المجتمعات الحالية‪ ،‬فهل ه��ذا ه��روب نحو‬ ‫التاريخ؟ نرى �أن هذه الأ�سئلة محقة وتكمن‬ ‫الإجابة عنها في عمق الروايات التي ت�ستخدم‬ ‫ال�شخ�صيات التاريخية‪ ،‬فالكثير م��ن هذه‬ ‫الروايات‪ ،‬لم تقدم منجزاً تخيلي ًا �إبداعي ًا‪ ،‬بقدر‬ ‫ما قدمت �سيرة معروفة و�أقوال معروفة‪ ،‬و�إن‬ ‫قدم الكاتب �أية �أحداث متخيلة‪ ،‬فقد ي�صطدم‬ ‫بالتعار�ض مع الوقائع التاريخية‪ ،‬لذلك ال نرى‬ ‫�أن ا�ستخدام ال�شخ�صيات التاريخية في الرواية‬ ‫عمل فيه الكثير من ال�صواب‪� ،‬إنما هو مجال‬ ‫يعر�ض العمل الأدبي للترهل‬ ‫حذر و�شائك‪ ،‬وقد ّ‬ ‫والجمود‪.‬‬ ‫تعتمد الرواية �إذاً‪ ،‬على التاريخ كخلفية‬ ‫وبيئة البتكار ال�شخ�صيات والأحداث‪ ،‬ولتقديم‬ ‫فكرة وح��دث يخدم مق�صد الكاتب نف�سه‪� ،‬إذ‬ ‫يمكن للروائي �سرد ما ال نهاية من الق�ص�ص‬ ‫والأح��داث‪ ،‬العاطفية واالجتماعية المتخيلة‬ ‫في الرواية‪ ،‬دون �أن يقترب من تغيير مجرى‬ ‫الأحداث التاريخية‪� ،‬أو يقع في مطب ال�شخ�صية‬ ‫التاريخية الجاهزة والمعروفة‪ ،‬بعك�س الرواية‬ ‫التي تعتمد على �شخ�صيات تاريخية معروفة‪،‬‬ ‫كحامل �سردي وحكائي لها‪ ،‬فقد تقع في عدة‬ ‫مطبات‪ ،‬تقلل من قيمتها الأدبية كمنجز تخيلي‬ ‫�أو ًال‪ ،‬وكمحاذير من تغيير الوقائع المعروفة‬ ‫ثاني ًا‪ ،‬ولكن يمكن �أن يكون لها �إيجابية مهمة‬ ‫و�أ�سا�سية‪ ،‬وهي �أنها ت�سهم بتب�سيط التاريخ‬ ‫وتقريبه من العامة‪.‬‬

‫من م�سل�سل «�أبوالطيب المتنبي»‬

‫في رواية ال�شخ�صية‬ ‫التاريخية ي�ضيق‬ ‫هام�ش التخيل‬ ‫الإبداعي‬

‫اختالف البيئة‬ ‫التاريخية لل�شخ�صية‬ ‫عن الواقع المعا�صر‬ ‫�أوقع بع�ض الروائيين‬ ‫في �إ�شكالية‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪55‬‬

‫مقاالت‬

‫د‪ .‬عثمان المودن‬

‫عالقة الرواية بالتاريخ هو ال�س�ؤال الذي‬ ‫حاول الأديب التون�سي محمد القا�ضي الإجابة‬ ‫عنه م��ن خ�لال كتابه (ال��رواي��ة وال��ت��اري��خ‪:‬‬ ‫درا�سات في تخييل المرجعي)‪ ،‬منطلق ًا من‬ ‫كون الرواية‪ ،‬وخا�صة التاريخية‪ ،‬جن�س ًا �أدبي ًا‬ ‫ينقل الما�ضي �إل��ى الحا�ضر ويك�سبه طاقة‬ ‫على الحركة والتجدد‪ ،‬كما تعمل على �إعادة‬ ‫كتابة هذا الما�ضي وملء فراغاته والو�صول‬ ‫به �إلى تخوم لم يكن قادراً على ارتيادها‪� .‬إذاً‬ ‫كيف تف�صح الرواية بما هي خطاب تخييلي‪،‬‬ ‫عن �صلتها بهذا الخطاب المرجعي؟ وما هي‬ ‫الآليات التي تتو�سل بها لتعيد �صياغة هذا‬ ‫الخطاب وتزحزحه عن موقعه‪� ،‬أو قل لترده �إلى‬ ‫�أ�صله اللغوي‪ ،‬وتعبث به كما يحلو لها‪ ،‬وتو ّلد‬ ‫من �أجزائه عالم ًا ال ي�شذ عن المرجع وال يمتثل‬ ‫له؟‬ ‫والتاريخ‪ ،‬كما �أ�شار الكاتب في بداية عمله‪،‬‬ ‫�ش�أنه �ش�أن ال��رواي��ة؛ خطاب �سردي‪ ،‬ومهما‬ ‫بالغنا في �إ�سباغ البعد المرجعي عليه ف�إنه‬ ‫يظل خطاب ًا منجزاً في مقام محدد تتحكم فيه‬ ‫اعتبارات �شتى توجهه وت�ضيء م�سالك قراءته‪.‬‬ ‫وكذا ال�ش�أن بالن�سبة �إلى الرواية؛ فهي و�إن بدت‬ ‫لنا خطاب ًا تخييلي ًا‪ ،‬ال تنقطع �صلتها بالمرجع‬ ‫انقطاع ًا تام ًا‪ ،‬وبالتالي يمكننا �أن نقول ب�أن‬ ‫التاريخ ي�شترك مع الرواية في كون كل واحد‬ ‫منهما خطاب ًا‪ ،‬وه��ذا الخطاب في الحالتين‬ ‫مرتبط بالما�ضي‪ ،‬يعلن فيه الم�ؤرخ �أنه مجرد‬ ‫ناقل مو�ضوعي لما وقع‪ ،‬ويعلن الروائي �أنه‬ ‫راوٍ لأحداث جرت و�إن �أهملها الم�ؤرخون‪.‬‬ ‫و�إذا كان الأمر كما ذكرنا �سلف ًا‪ ،‬علينا �أن‬ ‫‪56‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫العالقة بين‬ ‫الرواية والتاريخ‬ ‫نقر �أو ًال ب�أن الرواية والتاريخ و�إن اختلفا في‬ ‫عالقة كل منهما بالمرجع؛ �إذ الرواية تخييلية‬ ‫�أ�سا�س ًا والتاريخ مرجعي �أو ًال‪ ،‬يجمع بينهما‬ ‫لا منهما خطاب‪ ،‬وخطاب �سردي على‬ ‫�أن ك� ً‬ ‫وجه الخ�صو�ص‪ .‬ومن ثم ف�إن �أو�سع الأبواب‬ ‫التي يمكن �أن تقود �إلى فهم ال�صلة بينهما هي‬ ‫التنا�ص‪ ،‬باعتبار التاريخ ن�ص ًا �سابق ًا والرواية‬ ‫ّ‬ ‫ن�ص ًا الحق ًا‪ .‬ومن هنا فال منا�ص للرواية �إذا‬ ‫اختارت الف�ضاء التاريخي المرجعي مجا ًال‬ ‫لها‪ ،‬من �أن تقول التاريخ‪ ،‬ولكنها تقوله على‬ ‫تحينه‪ ،‬ولعل‬ ‫طريقتها‪� ،‬أي �أنها ال تكرره و�إنما ّ‬ ‫هذا ما يعنيه وا�سيني الأعرج في (كتاب الأمير)‬ ‫حين يذكر‪�( :‬أن ال��رواي��ة ت�ستند �إل��ى المادة‬ ‫التاريخية وتدفع بها �إلى قول ما ال ي�ستطيع‬ ‫التاريخ قوله)‪.‬‬ ‫ولتحديد ال�صلة بين الرواية والتاريخ‪ ،‬عمد‬ ‫الكاتب �إلى درا�سة عدد من الروايات العربية لكل‬ ‫من‪( :‬جمال الغيطاني‪ ،‬ر�ضوى عا�شور‪ ،‬الب�شير‬ ‫خريف‪ ،‬عبدالواحد براهم‪ ،‬ووا�سيني الأعرج)‪.‬‬ ‫وه��ي رواي���ات ���ص��درت �أو كتبت ف��ي فترات‬ ‫متباعدة‪ ،‬تكاد ت�شمل ن�صف قرن من الزمان؛‬ ‫ف��أق��دم ه��ذه ال��رواي��ات (ب�ل�ارة)‪ ،‬ك��ان الب�شير‬ ‫خريف فرغ من كتابتها �سنة (‪1959‬م) و�إن‬ ‫قدر لها �أن تن�شر محققة �إال �سنة (‪1992‬م)‪،‬‬ ‫لم ُي ّ‬ ‫وتليها زمني ًا رواية جمال الغيطاني (الزيني‬ ‫بركات) ال�صادرة �سنة (‪1989‬م)‪ ،‬ثم ثالثية‬ ‫ر�ضوى عا�شور (غرناطة‪ -‬مريم‪ -‬الرحيل)‪،‬‬ ‫وكان ظهورها بين �سنتي (‪ 1994‬و ‪1995‬م)‪،‬‬ ‫و�صو ًال �إلى (كتاب الأمير‪ :‬م�سالك �أبواب الحديد)‬ ‫لوا�سيني الأعرج‪ ،‬وقد �صدرت �سنة (‪2005‬م)‪،‬‬

‫حوار الرواية مع‬ ‫التاريخ لم يفتر‬ ‫ولم يتكل�س بل‬ ‫بقي مجا ً‬ ‫ال خ�صب ًا‬ ‫للتجريب لإثبات‬ ‫مرونته‬

‫م�سارات‬

‫وانتهاء بـ(تغريبة �أحمد الحجري) لعبدالواحد‬ ‫براهم التي ن�شرت �سنة (‪2006‬م)‪.‬‬ ‫وبعد درا�سة هذه الأعمال‪� ،‬أ�شار الم�ؤلف‬ ‫�إل��ى �أن كاتب ال��رواي��ة التاريخية‪ ،‬و�إن غ ّلب‬ ‫الجانب المتخيل على الجانب المرجعي‪،‬‬ ‫مطالب ب�أن ينزل ال�شخ�صيات والأح��داث في‬ ‫�إطارها الزماني والمكاني‪ ،‬حتى يتيح للقارئ‬ ‫�إدراك �أ�سباب ما وقع ما�ضي ًا‪ ،‬وما ترتب عليه‬ ‫من نتائج‪ ،‬وبذلك يتجاذب الرواية التاريخية‬ ‫هاج�سان؛ �أحدهما الأمانة التاريخية التي‬ ‫تفر�ض عليها عدم تجافي ما توا�ضعت عليه‬ ‫الم�صادر التاريخية‪ ،‬من قيام الدول و�سقوطها‬ ‫واندالع الحروب والوقائع الم�أثورة وغيرها‪،‬‬ ‫والآخر مقت�ضيات الفن الروائي من قبيل نمط‬ ‫الق�ص المف�ضي �إل��ى االنفراج‪ ،‬والتبئير على‬ ‫�شخ�صية �أو �أكثر‪ ،‬و�إدراج العنا�صر في منظور‬ ‫واح ��د‪ ،‬م��ا يحقق ل��ل��رواي��ة التاريخية �شرط‬ ‫االن�سجام الداخلي‪.‬‬ ‫�إن ال��رواي��ة التاريخية العربية‪ ،‬ب�سبب‬ ‫عودتها �إلى ما�ضينا‪ ،‬بخيباته وانت�صاراته‪،‬‬ ‫ومختلف �أحداثه‪ ،‬ونهلها منه‪ ،‬تغرينا بمراجعة‬ ‫عالقاتنا مع الآخ��ر والبحث فيها عن جذور‬ ‫هزائمنا‪ ،‬و�إرها�صات انت�صاراتنا؛ فمع (الزيني‬ ‫بركات) للغيطاني؛ نجد مواجهة بين م�صر‬ ‫المملوكية والدولة العثمانية‪ ،‬ومع (غرناطة)‬ ‫لر�ضوى عا�شور؛ نجد قراءة للتاريخ الدامي بين‬ ‫الموري�سكيين والإ�سبان‪ ،‬ومع الب�شير خريف‪،‬‬ ‫نتقدم في ال��زم��ان في رواي��ت��ي (ب��رق الليل)‬ ‫و(بالرة)‪ ،‬فنجد �صورة من �صور ال�صراع على‬ ‫تون�س بين الإ�سبان والعثمانيين‪ ،‬ومع وا�سيني‬ ‫الأعرج‪ ،‬في (كتاب الأمير)‪ ،‬ندخل في تفا�صيل‬ ‫عالقة متعددة الأوج��ه بين الجزائر وفرن�سا‬ ‫خالل القرن التا�سع ع�شر‪ .‬فالرواية التاريخية‬ ‫�إذاً ت�سعى �إل��ى مراجعة عالقاتنا مع الآخ��ر‪،‬‬ ‫غربي ًا كان �أو �شرقي ًا‪ ،‬لإ�صالح ما ف�سد وتقويم‬ ‫اعوج‪.‬‬ ‫ما ّ‬ ‫وفي الإط��ار نف�سه �أي�ض ًا يرى الكاتب �أن‬ ‫ارت��داء الروائي العربي قناع التاريخ‪ ،‬هدفه‬ ‫�إ���ص�لاح ال��واق��ع المعا�صر وم�ساءلته‪ ،‬لكن‬ ‫بطريقة ت�ضمن نجاته‪� -‬أي ال��روائ��ي‪ -‬من‬ ‫البط�ش‪� ،‬إ�ضافة �إل��ى امتالء وغنى التاريخ‬ ‫العربي والإ�سالمي بنماذج كثيرة متقاربة‬

‫مع الواقع في الع�صر الحديث‪ ،‬وبالتالي لم‬ ‫تكن عودة الرواية �إلى التاريخ بغر�ض التاريخ‬ ‫ذاته‪ ،‬و�إنما اتخذت منه �ستاراً وقناع ًا لمعالجة‬ ‫ق�ضايا الواقع المعا�صر‪.‬‬ ‫وعليه تكون الرواية التاريخية قد دخلت‬ ‫مرحل ًة جديد ًة تخطت فيها عر�ض التاريخ‪،‬‬ ‫بغر�ض التعليم �أو الت�سلية والترفيه‪ ،‬مرحل ًة‬ ‫عملت فيها على توظيف هذا التراث ال�ضخم‬ ‫لدرا�سة الواقع‪ ،‬حيث تناولت الق�ضايا الحياتية‬ ‫ومتغيراتها االجتماعية والثقافية‪ ،‬وبينت‬ ‫ال�صراع الإن�ساني في جوهره الحقيقي‪ ،‬في‬ ‫محاولة منها للبحث عن الأ�سباب والدوافع‬ ‫الحقيقية لل�سلوك الإن�ساني من منطلق تاريخي‬ ‫ي�شبه الواقع ويحاكيه‪ ،‬وبهذا تكون الرواية‬ ‫التاريخية قد تجاوزت تلك النظرة الب�سيطة‬ ‫عبر عنها رواده��ا الأوائ��ل في التزامهم‬ ‫التي َّ‬ ‫بالتاريخ‪ ،‬بحيث راحت تعمق �صلتها بالحا�ضر‬ ‫وال��واق��ع المعي�ش‪ ،‬ول��م تعد تبدي االهتمام‬ ‫بالحادثة التاريخية‪ ،‬بقدر اهتمامها بما‬ ‫تمنحه هذه الحادثة للوقت الراهن‪ ،‬وبالتالي‬ ‫يمكن �أن نقول ب�أن الرواية التاريخية‪� ،‬أ�ضحت‬ ‫ن�ص ًا ي�ستلهم التاريخ ويوظفه وفق بنية فنية‬ ‫خا�صة‪ ،‬تمزج بين ما ك��ان وم��ا هو كائن‪،‬‬ ‫لتعبر عن ر�ؤية الكاتب التي تتعر�ض لمعاناة‬ ‫الإن�سان‪ ،‬في عالمه المعا�صر والحديث‪.‬‬ ‫يمكن �أن نقول �إن محمد القا�ضي‪� ،‬أراد‬ ‫من خالل درا�سته هذه‪� ،‬أن يثبت �أمرين اثنين‪:‬‬ ‫�أولهما �أن هاج�س التاريخ م�ستبد بالرواية‬ ‫طورها الأول ومتمكن منها‪ ،‬ولعل‬ ‫العربية منذ ْ‬ ‫هذا التوا�شج بين التاريخي والروائي يتجاوز‬ ‫الرواية العربية ليكون �سمة مالزمة للخطاب‬ ‫الروائي ب�إجمال‪ .‬وال غرابة �أن نجد عدداً من‬ ‫الدار�سين يعدون الرواية العربية �سليلة التاريخ‬ ‫ووريثته‪ .‬وثاني الأمرين؛ �أن الرواية العربية‬ ‫�شهدت تطوراً متنوع الجوانب والمظاهر‪� ،‬شمل‬ ‫خ�صائ�صها الجمالية وعالقتها بالأنظمة‬ ‫الرمزية‪ ،‬ومع ذلك ف�إن حوارها مع الخطاب‬ ‫التاريخي لم يفتر ولم يتكل�س‪ ،‬بل كان على‬ ‫عك�س ذلك مجا ًال خ�صب ًا للتجريب‪ ،‬ومدخ ًال من‬ ‫�أهم المداخل التي يتو�سل بها الجن�س الروائي‬ ‫لإثبات مرونته وقدرته الفائقة على المجاوزة‬ ‫والتجدد‪.‬‬

‫الرواية ت�ستند �إلى‬ ‫المادة التاريخية‬ ‫وتدفع بها �إلى قول ما‬ ‫ال ي�ستطيع التاريخ‬ ‫قوله‬

‫ارتداء الروائي‬ ‫العربي قناع التاريخ‬ ‫هدفه �إ�صالح الواقع‬ ‫المعا�صر‬

‫كاتب الرواية‬ ‫التاريخية مطالب‬ ‫ب�أن ينزل ال�شخ�صيات‬ ‫والأحداث في �إطارها‬ ‫الزماني والمكاني‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪57‬‬

‫د‪ .‬بومدين بلكبير‪:‬‬

‫�أن تكتب ف�أنت تبحث عن �إن�سانيتك‬ ‫ب��وم��دي��ن بلكبير �أ���س��ت��اذ ج��ام��ع��ي‪ ،‬وب���اح���ث‪ ،‬وروائ�����ي م��ن ال��ج��زائ��ر‪ ،‬ح�����ص��ل ع��ل��ى ���ش��ه��ادة‬ ‫ال��دك��ت��وراه ع��ام (‪2013‬م)‪ ،‬ل��ه العديد م��ن الكتب المن�شورة م��ن �أه��م��ه��ا‪� :‬إدارة التغيير‬ ‫والأداء المتميز ف��ي المنظمات العربية‪ ،‬ع�صر اقت�صاد المعرفة‪ ،‬الثقافة التنظيمية‬ ‫ف��ي منظمات الأع���م���ال‪ ،‬ق�ضايا معا�صرة ف��ي �إ�شكالية ت��ق��دم المجتمع ال��ع��رب��ي‪ ،‬الربيع‬ ‫ال��ع��رب��ي ال��م���ؤج��ل‪ ،‬ال��ط��ري��ق �إل���ى االب��ت��ك��ار وال��ري��ادي��ة‪ .‬ك��م��ا ���ص��درت ل��ه رواي���ة ب��ع��ن��وان‪:‬‬ ‫ممدوح عبدال�ستار‬ ‫خ��راف��ة ال��رج��ل ال��ق��وي‪ .‬وك��ت��اب ال��ع��رب و�أ�سئلة النهو�ض‪ .‬ورواي���ة زُوج ْب��غَ��ال‪ ،‬وال��رواي��ة‬ ‫التي �صدرت هذا العام بعنوان (زنقة الطليان)‪ ،‬ومجموعة ق�ص�صية بعنوان (الن�ص الأخير قبل ال�صمت)‪.‬‬

‫‪58‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫محاورة‬

‫يعترف بومدين بلكبير ب�أهمية الكتابة‪،‬‬ ‫ودورها الفاعل في المجتمع‪ ،‬فيقول‪( :‬الكتابة‬ ‫هي �أن تتخفف من ثقل ه��ذا العالم الجاثم‬ ‫على �إن�سانيتنا‪� ،‬أن ت�ست�شعر وجودك في عالم‬ ‫يقد�س كل فنون الموت‪� ،‬أن تبقى حي ًا و�سط‬ ‫تفا�صيل الخراب و�صور الموتى التي تمطرنا‬ ‫بها ف�ضائيات‪ ،‬تتناف�س كل واحدة منها على‬ ‫تجريم طرف على ح�ساب طرف �آخر‪� ،‬أن تكتب‬ ‫يعني �أن تبحث عن �إن�سانيتك بين ركام �ضياع‬ ‫الإن�سان العربي‪� ،‬أن تكتب يعني �أن تقوم ب�أفعال‬ ‫متنوعة قد تبدو متناق�ضة في الوقت ذاته‪� ،‬أن‬ ‫تكتب يعني‪ :‬تحاول �أن تتخفف‪ .‬تهرب من ب�ؤ�س‬ ‫يكاد يطبق عليك من كل الجهات‪ .‬تكون �شاهداً‬ ‫على ع�صرك‪ .‬وعندما ت�صل �إل��ى نقطة تدرك‬ ‫فيها �أن ال جدوى من الكتابة‪ ،‬فاعرف �أن هذا‬ ‫العالم الأعمى هزمك)‪ .‬التقت مجلة (ال�شارقة‬ ‫الثقافية) به‪ ،‬وكان لنا معه هذا الحوار‪:‬‬ ‫¯ �صدرت لك حديث ًا رواية جديدة بعنوان (زنقة‬ ‫الطليان)‪ ،‬هذه الرواية تذكرني ببع�ض روايات‬ ‫نجيب محفوظ‪ ،‬ومنها (زق��اق المدق‪ ،‬وخان‬ ‫الخليلي‪ ،‬وال�سكرية‪ ،‬وبين الق�صرين)‪ ،‬ما هو‬ ‫المختلف في (زنقة الطليان) لكتابته؟ وهل هي‬ ‫رواية توثيق للمكان قبل اندثاره؟‬ ‫‪ -‬عنوان رواية (زنقة الطليان) ن�سبة لأعتق‬

‫و�أ�شهر االحياء بو�سط مدينة عنابة‪ ،‬وبال�ضبط‬ ‫زنقة الطليان بالمدينة القديمة‪ ،‬والمعروفة‬ ‫ب�شارع جوزفين‪ ،‬وال�صورة على غالف الكتاب‬ ‫هي مدخل هذا الحي‪ ،‬عنابة فيها حي زنقة‬ ‫الطليان كما �سكيكدة فيها حومة الطليان‪،‬‬ ‫وك��ذا درب الطليان بكازابالنكا بالمغرب‪..‬‬ ‫وغيرها‪ .‬مع العلم �أن الجاليات الأوروب��ي��ة‬ ‫�أثناء اال�ستعمار الفرن�سي ا�ستوطنت العديد‬ ‫المدن‪ ،‬وخا�صة ال�ساحلية؛ منها الإيطاليون‬ ‫والإ�سبان والبلجيكيون والمالطيون وغيرهم‪.‬‬ ‫تنتمي رواية (زنقة الطليان) �إلى �أدب الحارة‬ ‫�أو الحومة �أو الزنقة �أو الحي‪� ،‬إذ هذا ال�صنف‬ ‫من الكتابة له لونه الخا�ص‪ ،‬الم�صطبغ عادة‬ ‫ب�أ�سرار الحارة وتفا�صيل يومياتها‪ .‬من يقر�أ‬ ‫رواية (زنقة الطليان) �سيلحظ دون �شك الفروق‬ ‫الجوهرية بينها وبين �أعمالي ال�سابقة‪ ،‬فعنابة‬ ‫كمدينة وثقافة وت��اري��خ ومعمار ومجتمع‬ ‫حا�ضرة في رواياتي ال�سابقة‪ ،‬لكن مع مدن‬ ‫�أخ��رى كبروك�سل وباري�س وتطوان وتلم�سان‬ ‫وق�سنطينة‪ ،‬في حين روايتي الأخيرة انت�صرت‬ ‫لجمال عنابة‪ ،‬وعريت تناق�ضاتها‪ ،‬ومنحت‬ ‫فر�صة لإ�سماع �صوت المهم�شين بالمدينة على‬ ‫مدار كامل �أجزاء وف�صول الرواية‪ ،‬ففي �أ�شهر‬ ‫و�أعتق حي بالمدينة العتيقة بعنابة‪ ،‬حاولت من‬ ‫خالل رواية (زنقة الطليان) تعرية التناق�ضات‬

‫من م�ؤلفاته‬

‫في روايتي الأخيرة‬ ‫(زنقة الطليان)‬ ‫انت�صرت لجمال‬ ‫مدينة عنابة‬

‫�أ�شتغل على المكان‬ ‫في كل رواياتي‬ ‫وخ�صو�ص ًا المكان‬ ‫الذي �أعي�ش فيه‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪59‬‬

‫القابعة في النفو�س‪ ،‬و�صفت الرواية دواخل‬ ‫ال�شخ�صيات وم�شاعرها‪ ،‬وح ��االت الخوف‬ ‫والذعر من الهواج�س التي تنتابها‪ ،‬ومن يقر�أ‬ ‫ال��رواي��ة �سيرى ال�شوارع والبيوت والأمكنة‬ ‫والطرقات‪ ،‬وفق منحى ب�صري خا�ص‪ .‬هناك‬ ‫ف ��روق �أخ���رى كثيرة بينها وب��ي��ن �أعمالي‬ ‫ال�سابقة‪ ،‬لن �أف�سد على القارئ متعة اكت�شافها‬ ‫بعد قراءة الرواية‪ ،‬فرواية (زنقة الطليان) هي‬ ‫تجربة مختلفة‪ ،‬لكنها في ذات الوقت بمثابة‬ ‫ا�ستمرار لم�ساري ال�سردي‪.‬‬ ‫¯ عطف ًا على ال�س�ؤال ال�سابق‪ ...‬ح ّدثنا عن‬ ‫�أه��م مبررات وم�سوغات اهتمامك بالمكان‬ ‫داخل المتن ال�سردي‪� ،‬أو في عتبات �أعمالك‬ ‫الروائية؛ فرواية (زوج بغال) تحمل ا�سم منطقة‬ ‫حدودية بين الجزائر والمغرب‪� ،‬أما رواية (زنقة‬ ‫الطليان) فهي تحمل ا�سم �أ�شهر و�أعتق �أحياء‬ ‫مدينة عنابة‪.‬‬ ‫ اال���ش��ت��غ��ال ال��ظ��اه��ر على ال��م��ك��ان في‬‫رواي��ات��ي ل��ه م��ب��ررات��ه‪� ،‬إذ هناك العديد من‬ ‫الأ�سباب المو�ضوعية والذاتية على حد �سواء‪،‬‬ ‫�أولها �إنني مهتم ب�أدب الرحلة‪ ،‬و�أكتب بانتظام‬ ‫ا�ستطالعات حول المدن (بمختلف الدول) ن�شرت‬ ‫�أغلبها بـ (مجلة العربي) الكويتية‪ ،‬وبع�ضها‬ ‫بمجلة (ر�ؤى ثقافية)‪ ،‬وغيرهما من المجالت‬ ‫والدوريات العربية الأخرى‪ .‬وثاني ًا لأن الرواية‬ ‫الجزائرية في عمومها �أغفلت المكان (عن ق�صد‬ ‫�أو غير ق�صد)‪ ،‬عدا بع�ض اال�ستثناءات؛ فنجد‬ ‫�أغلب الروايات المعا�صرة ال تولي �أهمية كافية‬ ‫للمكان‪� ،‬إذ ب�إمكان المتلقي �أو المتتبع تغيير‬ ‫الأمكنة وا�ستبدالها ب�أمكنة �أخرى‪ ،‬من دون �أن‬ ‫يحدث �أدنى اختالل‪� ،‬أو فجوات في م�سار ال�سرد‬ ‫وفي نف�سيات ال�شخ�صيات‪ .‬فذلك الحيز ال�ضيق‬ ‫الذي يخ�ص�صه الروائي للمكان‪ ،‬وعدم اكتمال‬ ‫ت�أثيث المكان في تلك الأع��م��ال الإبداعية‪،‬‬ ‫جعالها تخرج م�شوهة فني ًا‪ ،‬وغير مكتملة‬ ‫�سردي ًا‪ .‬ال �أغامر و�أكتب عن جهل بالأمكنة‪ ،‬فكل‬ ‫الدول والمدن والأحياء والأمكنة التي وردت‬ ‫ب��رواي��ات��ي‪ ،‬وال��ت��ي كانت كف�ضاءات خ�صبة‬ ‫لتطور ال�سرد من جهة‪ ،‬وللت�أثير في نف�سيات‬ ‫ال�شخ�صيات وتمثالتها ال�سلوكية من جهة‬ ‫�أخرى‪ ،‬اجتهدت لل�سفر �إليها وزيارتها والوقوف‬ ‫على �أه ��م معالمها و�أع�لام��ه��ا و�سكناتها‬ ‫وحركاتها‪ ،‬وهذه مهمتي في الكتابة‪ .‬فالمقيم‬ ‫بمدينة بروك�سل‪� ،‬أو باري�س‪� ،‬أو ق�سنطينة‪،‬‬ ‫‪60‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫�أو عنابة‪� ،‬أو مراك�ش‪� ،‬أو تطوان‪� ،‬أو طنجة‪� ،‬أو‬ ‫كونية‪ ..‬عندما يقر�أ �أي رواية من رواياتي‪ ،‬التي‬ ‫كانت مدينته ف�ضاء لها‪ ،‬يدرك جيداً �أن الرواية‬ ‫لم تخن �أدق تفا�صيل النا�س‪ ،‬وخ�صو�صية‬ ‫الأحياء وال�شوارع بمدينته! والأمر ذاته ينطبق‬ ‫على �أعمالي وم�ؤلفاتي الأخ���رى‪ .‬ال بد من‬ ‫احترام المتلقي وعدم اال�ستهانة بذكائه‪� ،‬إذ‬ ‫يتجه عدد كبير من الروائيين (للأ�سف ال�شديد)‬ ‫�إلى ا�ستغفال القارئ والتالعب ب�إدراكه‪ ،‬الأمر‬ ‫الذي يقل�ص من دورة حياة منتجهم الإبداعي‪،‬‬ ‫وي�ضعف من حظوظه في اال�ستمرار والبقاء‪،‬‬ ‫فيطويه الن�سيان وك�أنه لم يكن‪.‬‬ ‫¯ لديك كتاب بعنوان (ق�ضايا معا�صرة في‬ ‫�إ�شكالية تقدم المجتمع العربي)‪ ،‬وهذا اعتراف‬ ‫كبير‪ ،‬ولديك كتاب �آخر بعنوان (العرب و�أ�سئلة‬ ‫النهو�ض)‪ .‬ما هي �إذاً تلك الق�ضايا التي تعوقنا‬ ‫لمواكبة الع�صر؟ وما هي �أ�سئلة النهو�ض من‬ ‫كبوتنا؟‬ ‫ في ظل ع�صر التغيير‪ ،‬وما ينتج عنه‬‫من تطورات متالحقة ومت�سارعة‪ ،‬عبر �صعد‬ ‫مختلفة‪ ،‬لم يخرج الإن�سان العربي من لحظة‬ ‫الده�شة واالنبهار‪ ،‬التي تقف حجر عثرة �أمام‬ ‫تجاوزه عملية الجري خلف �سراب منجزات‬ ‫ع�صره‪ ،‬من دون �أن يلتفت �إلى عمق التغيير‬ ‫وج��وه��ر ه��ذه ال��ت��ط��ورات الم�ستمرة‪ .‬هناك‬ ‫�سعي حثيث في الإم�ساك بخيط الع�صر‪ ،‬عبر‬ ‫رغبة جامحة في ا�ستهالك منجزات غيره من‬ ‫ال�شعوب المتقدمة؛ هذا الخيط الرفيع المتال�شي‬ ‫في زمن �ضياع الإن�سان العربي‪ ،‬ال�ضياع الذي‬ ‫يحول دون االنتقال من لحظة اللهفة �إلى لحظة‬

‫د‪� .‬أحمد زويل‬

‫علينا �أن نخرج‬ ‫من حالة الده�شة‬ ‫واالنبهار �إلى‬ ‫الإم�ساك بخيط‬ ‫الع�صر ومنجزاته‬

‫بومدين بلكبير‬

‫محاورة‬ ‫الوعي‪ ،‬لحظة الكينونة‪ ،‬ولحظة ال�س�ؤال الواعي‪،‬‬ ‫لحظة تتطلب منه التريث واالنتباه والتوقف عن‬ ‫اللهاث خلف �سراب الع�صر ومظاهره الزائفة‪،‬‬ ‫من �أجل طرح �أ�سئلة النهو�ض الحقيقية‪� ،‬أ�سئلة‬ ‫تحرره من �ضيق كهف التخلف المظلم‪ ،‬وتدفع‬ ‫به �إلى اكت�شاف نور العالم‪.‬‬ ‫ه��ل الإن�����س��ان ال��ع��رب��ي ال يتقدم �إ َّال في‬ ‫ال�سن؟ لماذا نحن العرب ال نتقدم؟ هل �سبب‬ ‫ِّ‬ ‫ذلك �أننا في الوطن العربي نحارب الناجح‬ ‫حتى يف�شل‪ ،‬بينما في الغرب يدعمون الفا�شل‬ ‫حتى ينجح؟ �إن جاز لنا اال�ستعارة من العا ِلم‬ ‫العربي �أحمد زويل‪ .‬الإن�سان عامل فاعل في‬ ‫معادلة الح�ضارة‪ ،‬فمثلث الإن�سان والتراب‬ ‫والوقت يعطينا ح�ضارة‪ ،‬كما قد ينتج عن جمع‬ ‫هذه الأ�ضالع الثالثة خراب ًا‪ .‬يمكن الحديث‬ ‫في ه��ذا ال�صدد عن مجموعة من الق�ضايا‪،‬‬ ‫كهجرة الكفاءات وا�ستنزاف العقول‪ ،‬العن�صر‬ ‫الب�شري على اعتباره الثروة الوحيدة‪ ،‬عالوة‬ ‫عن اال�ستثمار في بناء جيل الم�ستقبل‪ ،‬مع‬ ‫�أهمية خلق المناخ الإداري المحفز‪� ،‬أي�ض ًا‬ ‫�آفاق التنمية االقت�صادية والإ�صالح ال�سيا�سي‬ ‫والم�ؤ�س�سي‪ ،‬ثورة اقت�صاد المعرفة‪ ،‬والتحول‬ ‫نحو الم�ؤ�س�سات االفترا�ضية‪ ،‬والتوجه نحو‬ ‫كانت ناجحة �أو فا�شلة‪ ،‬والم�شاركة في اتخاذ‬ ‫الحكومة الإلكترونية‪.‬‬ ‫ال��ق��رارات‪ ،‬بين مختلف الم�ستويات المعنية‪،‬‬ ‫¯ لديك كتاب بعنوان (الطريق �إلى االبتكار �إ�ضافة �إلى التح�سين الم�ستمر‪ ،‬لأن هناك خيط ًا‬ ‫وال��ري��ادة)‪ ،‬كيف تكون لنا ال��ري��ادة‪ ،‬ونحن رفيع ًا جداً بين النجاح والف�شل‪.‬‬ ‫نتم�سك �أكثر بالما�ضي؟‬ ‫ من الأهمية �أن ن��درك‪ ،‬ب�أنه ال يوجد ¯ تتحدث عن منطقة حدودية بين المغرب‬‫بالفعل برنامج �أو ن�شاط‪ ،‬يعمل بكفاءة �إلى والجزائر با�سم (زوج بغال)‪ ،‬ما هي �أ�سئلة‬ ‫وقت طويل‪ ،‬من دون تعديله �أو �إعادة ت�شكيله‪ ،‬رواي��ة (زوج بغال)‪ ،‬وما هي �أج��واء وعوالم‬ ‫فمن الجنون تكرار الأ�ساليب نف�سها‪ ،‬والقيام الرواية؟ وهل �أنت مهتم ب�إلغاء الحدود بين‬ ‫بالأ�شياء نف�سها طوال الوقت‪ ،‬مع انتظار نتائج الدول؟‬ ‫ تتطرق رواي��ة (زوج بغال) بجر�أة �إلى‬‫مختلفة في كل مرة‪ ،‬لأن التغيير �سمة �أ�سا�سية‬ ‫في ع�صرنا الحالي‪ ،‬ومن هنا تبرز الأهمية مو�ضوع لم ي�سبق تناوله في ال�سرد المغاربي‬ ‫لح�سا�سية‬ ‫المتزايدة لإدارة الإبداع واالبتكار‪ .‬ولفهم ذلك وال��ع��رب��ي‪ ،‬م��ن ح��ي��ث تغطيتها‬ ‫ّ‬ ‫�أكثر هناك العديد من النتائج‪ ،‬التي من الممكن بلدين يتداخل فيهما الإن�ساني بالتاريخي‪،‬‬ ‫�أن نخرج بها‪ ،‬لأن هناك العديد من الأ�سباب‪ ،‬والجغرافي بالثقافي؛ �إذ حر�صت ب�شكل وا�ضح‬ ‫التي تقف وراء تميز الأداء والأع��م��ال فيها‪ ،‬على تناول التوتر الحا�صل بعيداً عن المعالجة‬ ‫الفجة‪ ،‬بحيادية تقترب من الجوهر‬ ‫كت�أثير القيادة في �إثارة الموظفين‪ ،‬والرفع من‬ ‫ّ‬ ‫ال�سيا�سية ّ‬ ‫تحم�سهم لتحقيق النتائج العظيمة‪ ،‬ودور تبني الإن�ساني الذي يجمع البلدين‪ ،‬اللذين مازال‬ ‫فل�سفة التجديد واالبتكار في �ضمان نجاح يف�صل بينهما معبر بارد ا�سمه‪( :‬زوج بغال)‪،‬‬ ‫التغييرات‪ ،‬التي تقوم بها ه��ذه المنظمات‪ ،‬هذا اال�سم الإ�شكالي ال�صادم الذي اخترته لأن‬ ‫كذلك دور القيم والمعتقدات القوية التي ت�ؤمن يكون مفتاح ًا لت�سا�ؤلي ال�سردي والإن�ساني‬ ‫بها‪ ،‬مع ت�أكيد �أهمية التعلم من التجارب‪� ،‬سواء الكبير حول م�ستقبل العالقة العربية العربية‪.‬‬

‫مدينة عنابة‬

‫بومدين في المعر�ض‬

‫من الجنون تكرار‬ ‫نف�س الأ�ساليب‬ ‫مع انتظار نتائج‬ ‫مختلفة في كل مرة‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪61‬‬

‫مقاالت‬

‫ميخائيل نعيمة‬

‫د‪ .‬عايدي علي جمعة‬

‫يعد ميخائيل نعيمة (‪1988 /1889‬م) من‬ ‫�أهم القمم ال�شامخة في �أدبنا العربي الحديث‪،‬‬ ‫وذلك ب�إبداعه المتنوع الذي ظهرت فيه �أنواع‬ ‫�أدبية مختلفة‪ ،‬والقيمة الفنية والفكرية لذلك‬ ‫الإبداع‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من �شهرته العري�ضة ب�سبب‬ ‫كتابه (الغربال)‪ ،‬وب�سبب ان�ضمامه �إلى �شعراء‬ ‫المهجر ال�شمالي‪ ،‬ف�إن �إبداعه في مجال الكتابة‬ ‫ال�سردية يعد �إ�ضافة حقيقية لر�صيده ككاتب‪،‬‬ ‫وتعد روايته (اليوم الأخير) التي كتبها عام‬ ‫(‪1963‬م) ذات �أهمية خا�صة في هذا ال�سياق‪.‬‬ ‫ي�ستيقظ بطل ال��رواي��ة مو�سى الع�سكري‪،‬‬ ‫�أ�ستاذ الفل�سفة ذو ال�سبعة والخم�سين عام ًا‪ ،‬في‬ ‫منت�صف الليل تمام ًا‪ ،‬على �صوت هاتف يقول‬ ‫له‪( :‬قم ودع اليوم الأخير)‪ ،‬فيقع في خاطره �أنه‬ ‫ميت ال محالة بعد �أربع وع�شرين �ساعة‪ ،‬ويبد�أ‬ ‫في التفاعل مع حياته في �ضوء هذا الطارئ‬ ‫الجديد‪.‬‬ ‫تقع الرواية في �أربعة وع�شرين ف�ص ًال‪ ،‬تمثل‬ ‫عدد ال�ساعات المتبقية لل�شخ�صية المحورية‪،‬‬ ‫وهذه الف�صول ي�سلم بع�ضها �إلى بع�ض‪ ،‬ويظل‬ ‫القارئ عبر ف�صول الرواية‪ ،‬في حالة ترقب‬ ‫دائم لم�صير ال�شخ�صية المحورية‪ ،‬الذي يظنه‬ ‫واق��ع � ًا ال محالة‪ ،‬ولكنه يفاج�أ ف��ي نهاية‬ ‫الرواية‪ ،‬بك�سر �أفق توقعه‪� ،‬إذ تتحقق النبوءة‬ ‫فع ًال ويودع اليوم الأخير في حياته ال�سابقة‪،‬‬ ‫لكي ي�ستقبل نمط ًا مختلف ًا تمام ًا من الحياة‪،‬‬ ‫يقوم على الر�ضى التام وال�صفاء الكامل وفهم‬ ‫�أعمق لحياته التي يعي�شها‪.‬‬ ‫واختيار �أ�ستاذ فل�سفة ليكون بط ًال‪ ،‬له‬ ‫مغزى‪ ،‬فالفل�سفة هي رم��ز العقل ال�صارم‪،‬‬ ‫‪62‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫بين ال�سياق االجتماعي والواقع‬ ‫فــي روايــة «اليوم الأخير»‬ ‫وال�شك في النبوءات‪ ،‬ولكن ال�شخ�صية المحورية‬ ‫ه��ن��ا‪ ،‬تتخلى ت��م��ام� ًا ع��ن معمارها العقلي‬ ‫ال�صارم‪ ،‬لتندمج في ف�ضاء �آخ��ر هو ف�ضاء‬ ‫القلب والحد�س‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من ال�شخ�صيات المتنوعة‬ ‫في هذه الرواية‪ ،‬ف�إن هناك ثالث �شخ�صيات‬ ‫محورية‪ ،‬لها ن�صيب وافر من الكتل ال�سردية‬ ‫فيها‪ ،‬وهي �شخ�صية مو�سى الع�سكري‪ ،‬وابنه‬ ‫ه�شام و�شخ�صية الال م�سمى‪ .‬ومو�سى الع�سكري‬ ‫يعي�ش مع ابنه ه�شام وخادمته �أم زيدان‪ ،‬بعد‬ ‫�أن هجرته زوجته ر�ؤيا الكوكبية‪� ،‬إلى �سوي�سرا‬ ‫لتعي�ش هناك‪ ،‬وال تخفى داللة ذلك‪ ،‬فالزوجة‬ ‫ترمز �إلى متع الدنيا التي غادرته‪.‬‬ ‫ولكنها تر�سل �إليه برقية بعودتها لبيتها‬ ‫مرة ثانية‪ ،‬فيذهب للقائها في المطار‪ ،‬متنا�سي ًا‬ ‫ما كان منها‪ ،‬ويعلم �أن الطائرة تتحطم بمن‬ ‫فيها‪ ،‬ولكن المفاج�أة �أن ر�ؤيا الكوكبية تر�سل‬ ‫�إليه برقية �أخرى‪ ،‬ب�أنها قد �أجلت عودتها‪.‬‬ ‫وابنه ه�شام ك�سيح �أبكم‪ ،‬وله من العمر‬ ‫ثمانية وع�شرون ع��ام� ًا‪ ،‬وق��د �أ�صبح �سليم ًا‬ ‫معافى فج�أة بعد حادث‪ ،‬ثم �أخذه الال م�سمى‬ ‫معه �إلى بعيد‪ .‬ومن هنا ف�إن هذه الرواية دعوة‬ ‫�إلى ترك الظاهر وعدم االنخداع به والتم�سك‬ ‫بجوهر الأ�شياء‪ ،‬فاالبن المقعد الذي ال ينطق‬ ‫كلمة واح��دة منذ �سنوات نفاج�أ به ب�أنه هو‬ ‫المعلم ل��وال��ده‪ ،‬وه��و ال��ذي ي�أخذ بيديه على‬ ‫الطريق ال�سليم‪.‬‬ ‫�أم��ا ال�لا م�سمى فقد ق��ام ب��دور المحرك‬ ‫الأ�سا�سي ل��ل��رواي��ة‪ ،‬وب��دت �شخ�صيته وهي‬ ‫محاطة بكثير من الغمو�ض‪ ،‬مما يتواءم مع‬ ‫(الال م�سمى)‪.‬‬

‫�شخ�صياته الروائية‬ ‫ثرية بالدالالت‬ ‫والرموز والتفاعل‬ ‫النف�سي واالجتماعي‬

‫حالة‬ ‫تنتهي ال��رواي��ة ب�صورة رمزية ال تخفى‬ ‫داللتها‪ ،‬حيث يمخر زورق عباب نهر متدفق‬ ‫عك�س التيار‪ ،‬وهذا الزورق يحمل الال م�سمى‪،‬‬ ‫وه�شام ومو�سى الع�سكري‪ ،‬بعد �أن ودع يومه‬ ‫الأخير‪ ،‬و�أ�صبح �إن�سان ًا �آخر‪.‬‬ ‫ومن هنا تبدو الرواية وهي تحمل تثويراً‬ ‫للواقع‪ ،‬حيث تظهر دعوتها للتخل�ص التام‬ ‫من ال�ضروريات القاهرة‪ ،‬التي تجعل الإن�سان‬ ‫يعي�ش في غفلة عن الحياة الحقيقية المت�صلة‬ ‫بقلب الوجود الناب�ض‪ ،‬وب��ذا يظهر وا�ضح ًا‬ ‫االخ��ت�لاف ال��ت��ام ف��ي التفاعل م��ع الحياة‬ ‫والوجود‪.‬‬ ‫وه��ي تبث في القلب التخلي عن كل ما‬ ‫يم�سك ب�أجنحة الإن�سان �إلى التراب‪ ،‬وتدعوه‬ ‫�إلى التحلي بالنور المبثوث في هذا الكون‪.‬‬ ‫كما �أن الرواية حافلة بجمل تحمل كنوزاً‬ ‫الفتة من الحكمة‪ ،‬على نحو ما نجد من قول!!‬ ‫(ف��أن��ت متى وج��دت نف�سك‪ ،‬وج��دت فيها كل‬ ‫�شيء‪ ،‬وكل �إن�سان)‪.‬‬ ‫وتعد جملة (قم ودع اليوم الأخير)‪ ،‬هي‬ ‫الجملة المحورية في هذه الرواية‪ ،‬وظلت فاعلة‬ ‫ومحركة للأحداث من البداية حتى النهاية‪،‬‬ ‫ولربما ا�ستغرقت ال�شخ�صية المحورية في‬ ‫�ساعة من �ساعات هذا اليوم‪ ،‬في حدث ما‪ ،‬لكن‬ ‫تظل هذه الجملة تلقي بظلها القوي على كل‬ ‫كتلة �سردية في هذه الرواية‪.‬‬ ‫وف��ي ه��ذه ال��رواي��ة نجد �سمات التجربة‬ ‫ال�صوفية بو�ضوح‪ ،‬فهي تنت�صر لقوى المحبة‬ ‫والت�سامح‪ ،‬حتى �ضد م��ن �آلمنا وتنفر من‬ ‫الكراهية والتع�صب‪ ،‬كما �أنها تتبنى فكرة‬ ‫التخل�ص من كل ما يعوق هذه الوحدة حتى‬ ‫و�إن �سبحت �ضد التيار‪ ،‬وهي تنت�صر للمعرفة‬ ‫الباطنية في مقابل المعرفة الظاهرية‪.‬‬ ‫وه��ذه ال��رواي��ة تنه�ض بعملية كبرى في‬ ‫الإزاحة المعرفية‪ ،‬حيث تزيح المعرفة الخا�صة‬ ‫بالحوا�س والمعرفة الخا�صة بالعقل و�صرامته‪،‬‬ ‫من المركز �إلى الهام�ش لتمنح المجال كام ًال‬ ‫من �أجل تلقي معرفة يقينية‪ ،‬وهي في دعوتها‬ ‫تلك‪ ،‬تترا�سل مع المت�صوفة الكبار‪ ،‬خ�صو�ص ًا‬ ‫�أبو حامد الغزالي‪.‬‬ ‫ومن هنا ف ��إن العملية الرمزية في هذه‬ ‫الرواية فاعلة بقوة‪ ،‬حيث تتحرك ال�شخ�صيات‬ ‫برغم �إطارها الواقعي �إلى رموز �إيمانية كبرى‪،‬‬ ‫فه�شام م��ن الممكن ق��راءت��ه باعتباره رمز‬

‫الهداية القلبية‪ ،‬والالم�سمى من الممكن قراءته‬ ‫باعتباره رمز المطلق‪ ،‬ور�ؤي��ا الكوكبية من‬ ‫الممكن قراءتها باعتبارها رمز الدنيا‪ ،‬ويظهر‬ ‫في ه��ذه ال��رواي��ة التفاعل الكبير مع البيئة‪،‬‬ ‫حيث تنقل لنا �صورة حية من البيئة اللبنانية‪،‬‬ ‫وجبالها ونباتاتها وحيواناتها‪.‬‬ ‫وتثار في هذه الرواية �أ�سئلة في منتهى‬ ‫العمق عن الحياة والموت والم�صير‪ ،‬وعلى‬ ‫الرغم من �أن الفترة الزمنية التي تتناولها‬ ‫الرواية ق�صيرة جداً (‪� )24‬ساعة فقط‪ ،‬ف�إننا‬ ‫نجد االت�ساع ال�سردي فيها ال يكاد ين�ضب‪.‬‬ ‫فقد وقعت �أحداث الرواية في يوم ال�سبت‬ ‫(‪ )21‬يونيو‪ ،‬وهي فترة زمنية ب�سيطة‪ ،‬لكن‬ ‫كثافة ال�سرد فيها وامتداده م�س�ألة ظاهرة‪،‬‬ ‫وق��د نه�ضت االرت����دادات الزمنية والتحليل‬ ‫اال�ستق�صائي الفل�سفي للق�ضايا الكبرى في‬ ‫الحياة بدور فاعل في ذلك‪.‬‬ ‫تدور �أحداث الرواية في لبنان‪ ،‬خ�صو�ص ًا‬ ‫منزل ال�شخ�صية المحورية وال�ضيعة والمطار‬ ‫ث��م ي��ع��ود م��رة �أخ���رى �إل ��ى بيته‪ ،‬وق��د ذهب‬ ‫المنزل وحده بثماني ع�شرة �ساعة‪� ،‬سبع ع�شرة‬ ‫�ساعة منها مثلت الكتلة الأولى من ال�سرد‪ ،‬ثم‬ ‫غ��ادر المنزل ليعود �إليه في ال�ساعة الرابعة‬ ‫والع�شرين‪ ،‬وهذا يدل على �أثر النبوءة المحوري‬ ‫في ال�شخ�صية‪ ،‬حيث جعلته منعز ًال عن العالم‬ ‫الخارجي في انتظار نهايته الو�شيكة‪ ،‬ويبدو‬ ‫التعمق داخل النف�س الب�شرية‪ ،‬وهي تدرك قرب‬ ‫نهايتها بو�ضوح �شديد‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من �أن المحرك الأ�سا�سي هاتف‬ ‫ينتمي لما فوق الطبيعة‪ ،‬ف�إن �سير الرواية تميز‬ ‫بالواقعية ال�شديدة ولم يغرق في الخيال‪ ،‬و�إن‬ ‫ظهرت �شخ�صية الال م�سمى وك�أنها �شخ�صية‬ ‫تنتمي �إلى ما فوق الطبيعة‪.‬‬ ‫تبدو الوحدة الع�ضوية بو�ضوح �شديد في‬ ‫هذه الرواية‪ ،‬وهذه الرواية تك�شف عن تفاعل‬ ‫مع ال�سياق االجتماعي‪ ،‬وت�ستدعي �إح�سا�سات‬ ‫عا�شها نعيمة نف�سه‪ ،‬حينما ا�شترك �ضمن‬ ‫�صفوف الجي�ش الأمريكي في الحرب العالمية‬ ‫الأول��ى‪ ،‬وعا�ش تجربة الوقوف على الحافة‬ ‫ما بين الموت والحياة‪ ،‬كما يظهر في الرواية‬ ‫بو�ضوح الفكر المنفتح المتقبل للآخر وعدم‬ ‫التع�صب‪ ،‬وكذلك تحفيز قوى الحد�س في تلقي‬ ‫العالم في مقابل العقلية ال�ضيقة‪ ،‬فالعالم‬ ‫مليء بالروح الناب�ضة في كل ذرة من ذراته‪.‬‬

‫الرواية حافلة بجمل‬ ‫تحمل كنوزاً الفتة‬ ‫من الحكمة وتنت�صر‬ ‫لقوى المحبة‬ ‫والت�سامح‬

‫�إبداعه ال�سردي‬ ‫يتميز بالقيمة‬ ‫الفنية والفكرية‬

‫الوحدة الع�ضوية‬ ‫في العمل‪ ..‬تك�شف‬ ‫عن تفاعل �سياق‬ ‫اجتماعي وت�ستدعي‬ ‫�إح�سا�سات الكاتب‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪63‬‬

‫تميز ب�أ�سلوبه الفني‬

‫عبدالوهاب الأ�سواني‬ ‫عالمة م�ضيئة في عالم ال�سرد‬

‫كان الأديب والروائي عبدالوهاب محمد ح�سن عو�ض اهلل‬ ‫ال�شهير بـ(عبد الوهاب الأ�سواني)‪ ،‬و�سط حركة الإبداع‪،‬‬ ‫واح��د ًا من كتابها الذين ي�ست�شرفون الجديد في الر�ؤى‬ ‫والفكر‪ ..‬وقد تميز ب�سمات معينة‪ ،‬تحدد مالمح �أدبه كله‪،‬‬ ‫فقد كانت البيئة التي ارت�ضاها الأ�سواني مادة لفنه‪ ،‬تحمل‬ ‫هبة محمد‬ ‫م�ضمون ًا فكري ًا ي�شغل الكاتب في كل �أعماله‪� ،‬إ�ضافة �إلى‬ ‫�أ�سلوبه الفني المتميز‪ .‬وهو واحد من �أهم كتاب الرواية من جيل ال�ستينيات‪،‬‬ ‫في القرن الما�ضي‪ ،‬وع�ضو في اتحاد كتاب م�صر‪ ،‬وع�ضو في اتحاد �أدباء م�صر‪،‬‬ ‫وع�ضو المجل�س الأعلى للثقافة بم�صر‪ ،‬وع�ضو نادي الق�صة في القاهرة‪.‬‬ ‫ول ��د الأدي�����ب وال���روائ���ي ع��ب��دال��وه��اب‬ ‫الأ�سواني في (‪ 17‬يناير ‪1934‬م) بجزيرة‬ ‫المن�صورية التي تتو�سط نهر النيل‪� ،‬أم��ام‬ ‫مدينة ك��وم �أم��ب��و بمحافظة �أ���س��وان‪ ،‬التي‬

‫‪64‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫يتكون تراثها من تراكمات فرعونية ونوبية‬ ‫وعربية و�إ���س�لام��ي��ة‪ ،‬فقد ق�ضى ج ��زءاً من‬ ‫طفولته المبكرة في قريته ب�أ�سوان‪ ،‬لكنه‬ ‫ن�ش�أ في الإ�سكندرية‪ ،‬وق�ضى معظم فترات‬

‫حياته فيها‪� ،‬إذ ك��ان وال��ده يعمل متعهداً‬ ‫لتوزيع م�صانع الثلج فيها‪ ،‬بجانب التجارة‪.‬‬ ‫ولكنه وعلى الرغم من رحيله عن �أ�سوان مع‬ ‫�أ�سرته‪ ،‬ف�إن �أ�سوان بقيت معينه ومخزونه‬ ‫الروحي والثقافي المتنوع‪ ،‬الذي جمع بين‬ ‫تراث مزيج من القبائل الإفريقية والعربية‬ ‫ومخزون الثقافة الفرعونية القديمة‪ .‬وقد ظل‬ ‫طوال حياته‪ ،‬وحتى رحيله مرتبط ًا بمجتمعه‬ ‫الأ���س��وان��ي حري�ص ًا على �أن يق�ضي بع�ض‬ ‫�أيامه هناك‪ ،‬و�سط �أهله في قريته‪ ،‬ي�شاركهم‬ ‫�أفراحهم و�أحزانهم‪ .‬وفي الإ�سكندرية �صادق‬ ‫عبدالوهاب الأ�سواني مجموعة من ال�شبان‬ ‫اليونانيين وال��م�����ص��ري��ي��ن‪ ،‬م��م��ن ي��ه��وون‬ ‫ال��ق��راءة والأف �ل�ام ال�سينمائية‪ ،‬وق��د طلب‬ ‫منه �أب��وه معاونته في تجارته‪ ،‬حيث كان‬ ‫يملك تجارة رابحة‪ ،‬فلم يتمكن من موا�صلة‬ ‫درا�سته الثانوية‪ ،‬بعد �أن قطع فيها عامين‪.‬‬ ‫وف��ي الإ�سكندرية اختلط بمجتمع الأدب��اء‬ ‫والمثقفين‪ ،‬ومن خالل اقترابه من الأجانب‬ ‫الذين كانوا يقطنون في حي الرمل‪ ،‬الذي‬ ‫كانت به تجارة وال��ده‪ ،‬تعلم �أهمية القراءة‬ ‫ومتابعة الفنون‪ ،‬فانكب على القراءة وهو في‬ ‫�سن �صغيرة و�أخذ يلتهم الكتب التي تتعلق‬ ‫بدرا�سة التاريخ والتراث العربي القديم‪ ،‬ال‬ ‫�سيما كتب الجاحظ والأ�صفهاني‪� ،‬إ�ضافة �إلى‬ ‫دواوين ال�شعر العربي القديم‪ ،‬غير �أن الرواية‬ ‫حظيت باهتمامه‪ ،‬و�أخل�ص لها �إلى جانب‬ ‫الق�صة‪� ،‬إل��ى �أن �صار واح��داً من المثقفين‬ ‫المو�سوعيين والمبدعين في مجال كتابة‬ ‫الق�صة والرواية‪ .‬وقد عده النقاد �أحد �أبناء‬ ‫المدر�سة العقادية (ن�سبة �إلى الأديب الكبير‬ ‫عبا�س محمود العقاد) في التثقيف الذاتي‪،‬‬ ‫�إذ �إنه وا�صل درا�سته للثانوية العامة‪ ،‬ولكنه‬ ‫لم يكمل تعليمه الجامعي‪ ،‬نظراً الن�شغاله‬ ‫ب��ت��ج��ارة ك��ب��ي��رة‪ ،‬ب��د�أه��ا وال���ده ف��ي مدينة‬ ‫الإ�سكندرية‪.‬‬ ‫ب��د�أ عبدالوهاب الأ�سواني الكتابة في‬ ‫�سن مبكرة‪ ،‬حيث يقول‪( :‬بد�أت الكتابة حينما‬ ‫�شاركت ف��ي «ن ��دوة ال�سبت»‪ ،‬وه��ي �أ�شبه‬ ‫ب�صالون ثقافي‪ ،‬كان يعقدها �أبناء التجار‬ ‫الذين يع�شقون الكتابة‪ ،‬وك��ان من �ضمن‬ ‫برامج «ندوة ال�سبت» تنظيم م�سابقة �شهرية‬ ‫عن الق�صة الق�صيرة‪ ،‬وا�شتركت فيها بق�صتين‪،‬‬ ‫وفازت االثنتان‪ ،‬وكان عمري حينئذ خم�سة‬ ‫ع�شر عام ًا‪ ،‬ثم �شاركت في م�سابقة �أخرى‬

‫�أدباء‬ ‫عقدتها القوات الم�سلحة الم�صرية‪ ،‬وكانت لجنة‬ ‫التحكيم في هذه الم�سابقة ت�ضم �أدب��اء كباراً؛‬ ‫(يحيى حقي‪ ،‬ونجيب محفوظ‪ ،‬ومحمد مندور‪،‬‬ ‫وعلي �أحمد باكثير)‪ ،‬ثم �شاركت في ندوة في‬ ‫�أواخ���ر الخم�سينيات كانت تعقد ف��ي القهوة‬ ‫التجارية بمدينة الإ�سكندرية‪ ،‬وكان لدي خالل‬ ‫هذه الفترة ولع �شديد بقراءة التاريخ العربي‬ ‫والإ�سالمي‪ ،‬ذلك �أن الموهبة الروائية في داخلي‬ ‫جعلتني �شغوف ًا بالتاريخ‪ ،‬لأن التاريخ في �أحد‬ ‫جوانبه ي�صور ال�صراع بين ال�شخ�صيات‪ ،‬والرواية‬ ‫كذلك‪ ،‬ولكن الفارق في بناء ال�شكل وطريقة‬ ‫الحكي‪ ،‬ولحبي للرواية المدفونة بداخلي‪ ،‬كنت‬ ‫حينما �أكتب مقا ًال �أن�سج وقائع تاريخية من‬ ‫خيالي‪ ،‬ولذلك بعدها بد�أت �أقر�أ بعناية �شديدة‪،‬‬ ‫و�أتردد �إلى المنتديات الأدبية‪ ،‬ال �سيما جماعة‬ ‫الأدب العربي‪ .‬وفي فترة الع�شرينيات من عمري‬ ‫ا�شتركت في م�سابقة للق�صة الق�صيرة والرواية‬ ‫نظمها ن��ادي الق�صة بالقاهرة والإ�سكندرية‬ ‫بالتعاون مع مجل�س الفنون والآداب‪ ،‬وفزت‬ ‫بالجائزة الأولى عن روايتي «�سلمى الأ�سوانية»‪،‬‬ ‫وكانت مفاج�أة بالن�سبة لي)‪ .‬ثم واظب الأ�سواني‬ ‫على ح�ضور الندوات الثقافية في الإ�سكندرية‬ ‫وال��ق��اه��رة‪ ،‬وب ��د�أ �صيته ينت�شر ف��ي الأو���س��اط‬ ‫الأدب��ي��ة‪ ،‬خا�صة بعد �إ���ش��ادة الدكتورة �سهير‬ ‫القلماوي بروايته (�سلمى الأ�سوانية)‪ ،‬وقررت‬ ‫ن�شرها �ضمن مطبوعات عن الهيئة الم�صرية‬ ‫العامة للكتاب‪ ،‬التي كانت تتر�أ�سها الدكتورة‬ ‫القلماوى حينئ ٍذ‪ .‬وبد�أ بعدها في ن�شر كتاباته‬ ‫الق�ص�صية في مجلة (المجلة)‪ ،‬التي كان ير�أ�س‬ ‫تحريرها يحيى حقي‪ ،‬و�أهله ذلك الفوز للعمل‬ ‫ال�صحافي بمجلة الإذاع��ة والتلفزيون‪ ،‬ثم عمل‬ ‫فترات طويلة في ال�صحافة الخليجية حتى عاد‬ ‫�إلى م�صر‪ ،‬من بين رواياته (وهبت العا�صفة)‪،‬‬ ‫و(ابت�سامة غير مفهومة)‪ ،‬و(الل�سان المر)‪،‬‬ ‫و(للقمر وجهان)‪ ،‬و(�أخبار الدراوي�ش)‪ ،‬و(النمل‬ ‫الأبي�ض) التي فازت بجائزة الدولة الت�شجيعية‬ ‫في الرواية عام (‪1997‬م)‪ ،‬و�آخر رواية �صدرت‬ ‫له بعنوان (�إمبراطورية حمدان)‪� .‬أما مجموعاته‬ ‫الق�ص�صية فمنها‪( :‬مملكة المطارحات العائلية)‪،‬‬ ‫و(وقائع درامية من التاريخ العربي)‪ ،‬و(�شال من‬ ‫القطيفة ال�صفراء)‪ ،‬و(كرم العنب)‪.‬‬ ‫تميزت معظم �أعمال عبدالوهاب الأ�سواني‬ ‫بمحاولته ت�شكيل عالم القبيلة العربية التي‬ ‫مازالت تعي�ش في م�صر وبالتحديد في محافظة‬ ‫�أ�سوان‪ ،‬وقد ظهر هذا جلي ًا في معظم رواياته‬

‫د‪ .‬محمد مندور‬

‫علي �أحمد باكثير‬

‫التي تميزت ببيئتها الأ�سوانية الغريبة عن قراء‬ ‫القاهرة‪ ،‬فهي‪ ،‬ك��الأدب النوبي‪ ،‬رافد جديد له‬ ‫�سماته الخا�صة‪ ،‬لهذا تلون �أ�سلوبه ب�ألفاظ تقدم‬ ‫للقارئ هذه البيئة‪ ،‬برغم التزامه الف�صحى‪ ،‬وهو‬ ‫�أ�سلوب م�شحون بالرمز يرتفع �إلى مرتبة ال�شعر‬ ‫من حين لآخر‪ ،‬كما يت�سم بالدعابة التي تعلو‬ ‫طبقتها �إلى حد ال�سخرية �أحيان ًا‪ .‬وتتناول �أعماله‬ ‫حياة طبقات المهم�شين بر�ؤية فل�سفية وبح�س‬ ‫�ساخر من الحياة‪ .‬وهو يعلي من قيمة الحرية في‬ ‫�أعماله‪ ،‬كما يجيد عر�ض العالقات االجتماعية‬ ‫والعاطفية بح�س نقدي قادر على التمييز بين‬ ‫العاطفة ال�صادقة والزائفة‪ ،‬وتنطق �أعماله بخبرة‬ ‫وا�سعة بالحياة والب�شر‪ .‬وقد �أجاد عبدالوهاب‬ ‫الأ�سواني التعبير عن غربة �أهل النوبة وال�صعيد‬ ‫حين ينتقلون للعي�ش في القاهرة والإ�سكندرية‪،‬‬ ‫كما تطرق �إلى غربة النوبي حين يعود �إلى �أهله‬ ‫في زيارات مو�سمية فيح�س بالغربة �أي�ض ًا‪ ،‬غربة‬ ‫العائد �إلى تقاليد �أهله الأ�صليين وخرافتهم‪.‬‬ ‫وعبر م�����ش��واره الإب��داع��ي ال��ح��اف��ل‪ ،‬ح�صد‬ ‫عبدالوهاب الأ�سواني العديد من الجوائز الأدبية‬ ‫والتكريمات‪ ،‬فقد ف��از ب��إح��دى ع�شرة جائزة‬ ‫محلية وعربية‪ ،‬في مجالي ال��رواي��ة والق�صة‬ ‫الق�صيرة‪ ،‬وبجائزة الدولة الت�شجيعية‪ ،‬وتوج‬ ‫م�سيرته مع الجوائز بح�صوله على جائزة الدولة‬ ‫التقديرية في الآداب عام (‪2011‬م)‪.‬‬

‫عبا�س العقاد‬

‫من �أغلفة كتب عبدالوهاب الأ�سواني‬

‫عده النقاد �أحد �أبناء‬ ‫المدر�سة (العقادية)‬ ‫في عملية التعليم‬ ‫الذاتي‬ ‫بقيت قريته‬ ‫في �أ�سوان معينه‬ ‫ومخزونه الروحي‬ ‫والثقافي المتنوع‬ ‫ح�صد الكثير من‬ ‫وتوج‬ ‫التكريمات َّ‬ ‫م�سيرته بجائزة‬ ‫الدولة التقديرية‬ ‫في الآداب‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪65‬‬

‫مقاالت‬

‫مفهوم‬

‫د‪� .‬صالح هويدي‬

‫الحديث عن المثقفين العرب حديث ذو‬ ‫�شجون كما يقول �أجدادنا‪ ،‬ولي�س هذا مو�ضوع‬ ‫تناول هذه ال�شجون‪ ،‬فقد راودني‪ ،‬من فرط ما‬ ‫كنت مهموم ًا بحمولة المثقف العربي وال �سيما‬ ‫على م�ستوى ال�سلوك الأ�شد تعبيراً عن حقيقة‬ ‫الثقافة‪ ،‬والأكثر وفاء في الحكم على �صدقية‬ ‫ح�ضورها واال�ستدالل عليها‪ ،‬هاج�س انتداب‬ ‫عدد من الباحثين الزمالء لدرا�سة مو�ضوعة‬ ‫ال��ث��ق��اف��ة وال��م��ث��ق��ف ال��ع��رب��ي‪ ،‬وف��ح�����ص ه��ذه‬ ‫المفاهيم وتحليلها في كتاب م�شترك �صدر منذ‬ ‫�سنوات‪.‬‬ ‫�أما ما �أريد تناوله هنا فهو الوقوف على‬ ‫ظاهرة من الظواهر التي ي�صدر عنها بع�ض‬ ‫المثقفين العرب ويعبرون عنها بين حين و�آخر‪،‬‬ ‫وين�شغلون في مناق�شتها من دون �أن يتنبهوا‬ ‫�إلى طابعها ال�شاذ �أو الخارج عن �سلوك المثقف‬ ‫ال��واع��ي وقيمه الحقة‪ ،‬ف��ي ح��دود م��ا �أعتقد‬ ‫�شخ�صي ًا في الأقل‪ ،‬من دون �أن � ّأدعي امتالك‬ ‫ال�صواب �أو �أ�صادر على الآخرين حقهم في �أن‬ ‫يكون لهم ر�أي �آخر‪ ،‬وهو �أحد بواعث كتابة هذا‬ ‫المقال‪.‬‬ ‫ي��ح��دث �أن ي��غ� ّ�ي��ب ال��م��وت �أح���د ال��رم��وز‬ ‫الثقافية‪ ،‬لتظهر في ال�ساحة الثقافية �ضروب‬ ‫عمن فارقونا‪ ،‬يمكننا �أن ن�ص ّنفها‬ ‫من الكتابات ّ‬ ‫�إل��ى نوعين من الكتابات‪ ،‬الأول‪ :‬يتناول ما‬ ‫قيم و�أثر في محيطه‬ ‫للأديب �أو المبدع من نتاج ّ‬ ‫المحلي �أو العربي و�شمائله في وقفة ت�أملية‪.‬‬

‫‪66‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫المثقف العربي‬

‫وهو في ذلك يج�سد موقف ًا مو�ضوعي ًا من�سجم ًا‬ ‫مع �سلوك المثقف ودوره الفاعل من جهة‪ ،‬و�أفق‬ ‫توقع قرائه من جهة �أخرى‪ ،‬ف�ض ًال عن ان�سجامه‬ ‫مع حديث (اذك��روا محا�سن موتاكم) الم�ستقر‬ ‫في ذاك��رة ثقافتنا الدينية‪� ،‬سواء �أ�صح هذا‬ ‫الحديث بن�صه �أو بمحموله‪� .‬أما النوع الثاني‬ ‫من تلك الكتابات التي نعنيها هنا في مقالتنا‬ ‫دون �سواها‪ ،‬فت�أخذ اتجاه ًا �أو اتجاهات �أُخر‬ ‫مختلفة؛ منها ما يدخل في الإ�شارة �إلى ما�ضي‬ ‫المبدع �أو جذور �أفكاره بالغمز �أو بالحديث‬ ‫ال�صريح‪ ،‬ومنها ما يك�شف عن وقائع يعرفها‬ ‫الكاتب �أو عاي�شها من قبل‪ ،‬كما يزعم‪ ،‬ليتحدث‬ ‫عن غرابتها‪ ،‬ومنها �أي�ض ًا تلك الكتابات التي‬ ‫ت�سعى �إل��ى الحديث عن العالقة في ما بين‬ ‫الكاتب والمبدع الراحل‪ ،‬والتركيز على نوع من‬ ‫البطوالت التي ين�سبها الكاتب لنف�سه‪ ،‬والف�ضل‬ ‫ال��ذي يعود �إل��ي��ه ف��ي تعديل م��واق��ف المبدع‬ ‫الراحل �أو ن�صحه‪ ،‬وبما يمنح الكاتب ميزة على‬ ‫الراحل �أو �أث��راً يريد تجليته‪ ،‬من خالل ك�شف‬ ‫تاريخ الخالف والجدل في ما بين االثنين؛‬ ‫لإبراز دوره في ت�صحيح المواقف غير ال�سوية‬ ‫�أو الناتئة دونما جدوى‪ ،‬ف�ض ًال عن تطرق تلك‬ ‫الكتابات �إلى �سرود ووقائع عن المبدع الراحل‬ ‫�أو تباينات في الر�أي ال يعرفها �سواهما‪ .‬وقد‬ ‫تتجاوز تلك الكتابات �أحيان ًا ه��ذه الحدود‬ ‫لتقلل من �ش�أن الرمز الإبداعي الكبير المعروف‬ ‫بت�أثيره في الواقع الثقافي العربي‪ ،‬للحديث‬

‫للمثقف الحرية في‬ ‫الكتابة عن الأحياء‬ ‫كيفما �شاء مادام‬ ‫المبدع موجوداً ليرد‬ ‫ويدافع عن نف�سه‬

‫�آراء‬

‫عن جوانب ال�ضعف الإبداعي‪ ،‬من خالل �إطالق‬ ‫�أحكام مقت�ضبة على جزئية ما‪ ،‬بل والذهاب‬ ‫�إل��ى القول ب�أنه كان موهبة �أخ��ذت �أكثر من‬ ‫حجمها‪ ،‬و�أنها �أقل من ذلك �ش�أن ًا‪.‬‬ ‫حدثت هذه الظاهرة مع ال�شاعر بدر �شاكر‬ ‫ال�سياب بعد رحيله ب�سنوات‪ ،‬كما حدثت مع‬ ‫ال�شاعرة نازك المالئكة‪ ،‬وعبدالوهاب البياتي‪،‬‬ ‫ون���زار قباني‪ ،‬ومحمود دروي�����ش‪ ،‬و�سعدي‬ ‫يو�سف‪ ،‬ولميعة عبا�س عمارة‪ ،‬مثلما حدثت مع‬ ‫�إح�سان عبدالقدو�س‪ ،‬ونجيب محفوظ و�سواهما‪.‬‬ ‫وهذا ما احتفظت به الذاكرة ال�شخ�صية‪ ،‬وال‬ ‫�أ�شك في �أن هناك رموزاً �إبداعية �أخرى لم تمر‬ ‫بي �أو تف ّلتت من محيط ذاكرتي‪ ،‬ويعرفها �أدباء‬ ‫ومثقفون غيري‪.‬‬ ‫ولعل الم�شهد ال�صارخ الذي �أح�سبه �أكثر‬ ‫نتوءاً من �سواه‪ ،‬وهو الأكثر تعبيراً عن هذه‬ ‫الظاهرة عندي‪ ،‬هو ما قر�أته يوم ًا من حوار‬ ‫جرى مع المحيطين بنجيب محفوظ وحلقته‬ ‫من المبدعين‪ ،‬وما �صرحوا به عقب وفاته‪ ،‬في‬ ‫حوار �صحافي عنه وعن قيمته الإبداعية و�أثره‪،‬‬ ‫لنكت�شف �أن بع�ضهم لم يكن من حوارييه �أو‬ ‫ممن كانوا ينظرون �إليه ب�إجالل‪ ،‬بل من الأنداد‬ ‫الذين كانت لهم ر�ؤي��ة مختلفة وت�صور حول‬ ‫منهجيته التي �شخ�صت بكونها كانت تعبيراً‬ ‫عن مرحلته‪ ،‬و�أن محفوظ ًا كتب يوم ًا ن�ص ًا كان‬ ‫مت�أثراً بما كتبه �أحد الروائيين الم�شاركين في‬ ‫الحوار‪.‬‬ ‫ما الذي �أري��د �أن �أ�صل �إليه هنا تحديداً؟‬ ‫هل �أريد �أن �أفر�ض حظراً على المثقف وعلى‬ ‫كتاباته عن رحيل ال��رم��وز الثقافية �أو عن‬ ‫زمالئه من الأدباء والمبدعين؟‬ ‫ال �شك في �أن ال��ذي �أه��دف �إليه هو �شيء‬ ‫�آخ����ر‪ ،‬فللمثقف ال��ح��ري��ة ف��ي ال��ك��ت��اب��ة عن‬ ‫الأحياء‪ ،‬كيفما �شاء‪ ،‬ما دام المبدع موجوداً‪،‬‬ ‫ي�ستطيع �أن يحاوره و�أن يرد عليه‪ ،‬ويك�شف‬ ‫عن حقيقة ما كتب عنه‪� ،‬إن ك��ان واق��ع� ًا �أم‬ ‫تخر�صات وادع ��اءات ومغالطات‪� ،‬أو �إ�ساءة‬ ‫�أو كتابة مقبولة تحتمل ال��رد‪ .‬لكن الحديث‬ ‫عن المبدعين والرموز الثقافية التي تغادر‬ ‫دنيانا‪ ،‬بما يك�شف عن وقائع غير معروفة‬

‫ت�سيء �إلى المتوفى �أو تنتق�ص منه غير جائزة‬ ‫�أدبي ًا و�أخالقي ًا‪ .‬كما �أن الك�شف عن خ�صومات‬ ‫مزعومة �أو رواي ��ات عن �أف��ع��ال و�أق ��وال غير‬ ‫معروفة �إال للإثنين‪ ،‬من �ش�أنها االنتقا�ص من‬ ‫�ش�أن المتوفى غير مقبولة ولي�ست من المروءة‬ ‫في �شيء‪ .‬ومثلها انتهاز فر�صة الوفاة لإعادة‬ ‫تقييم المبدع المتوفى؛ �شاعراً كان �أم روائي ًا‪،‬‬ ‫وتحديد حجم �شهرته التي حازها‪ْ � ،‬إن كانت‬ ‫من الدرجة الثانية �أو الثالثة‪ ،‬وكلها �أمور غير‬ ‫مقبولة في ظننا‪ ،‬ل�سبب ب�سيط هو �أن المتوفى‬ ‫لم يعد قادراً على المحاورة والرد على الأقوال‬ ‫والدعاوى والروايات‪ ،‬و�أن المثقف الذي ي�ستغل‬ ‫�صمت الراحلين ليقول �شيئ ًا ال �سبيل �إلى �إثباته‬ ‫م�سوغ هذا‬ ‫�أو ت�صديق مزاعم الكاتب فيه‪ ،‬فما ّ‬ ‫ال�سلوك؟ وه��ل لمثقف ح� ّ�ق �أن يجهل حقيقة‬ ‫بدهية كهذه؟ �إلى جانب ذلك ف�إن هذا اللون من‬ ‫الكتابات يبدو لنا ملفع ًا برائحة الريبة ومذاق‬ ‫النوايا غير المبر�أة‪ ،‬و�إال ف�أين كان �صاحب هذه‬ ‫الكتابات حين كان المبدع حا�ضراً حي ًا‪ ،‬يمكنه‬ ‫مناق�شته والرد عليه؟ ولم اختار �ساعة ال�صمت‬ ‫ولعبة المخاتلة؟‬ ‫و�أريد �أن �أذهب �إلى �أبعد من ذلك ف�أقول‪:‬‬ ‫يحق للمثقف الحق �أن يذكر عن المبدع‬ ‫�إنه ال ّ‬ ‫الراحل �سوءاً �أو ِخ ّلة �أو نقي�صة‪ ،‬ف�ض ًال عن الر�أي‬ ‫الإبداعي‪ ،‬حتى لو كان ثابت ًا وحقيقي ًا؛ لأن‬ ‫العبرة في مواقف المثقف الأخالقية �أن يتحدث‬ ‫عن هذه الأم��ور ويذكرها في حياة المبدع؛‬ ‫ولأن الأ�سا�س �أن مثل هذه الكتابات تهدف �إلى‬ ‫توجيه ر�سالتها �إلى الرمز الثقافي لي�سمعها �أو‬ ‫ويعدل من مواقفه �أو يحاور الكاتب في‬ ‫يقر�أها ّ‬ ‫حقيقة ادعائه‪� ،‬إن كان واقع ًا ويناق�شه فيه‪،‬‬ ‫ولي�ست العبرة تعرية عيوب المبدع الراحل‬ ‫للجمهور القارئ لحظة غيابه عن عالمنا‪.‬‬ ‫لعلي ال �أظلم المثقف العربي �إن قلت‪� :‬إن‬ ‫هذا ال�سلوك ظاهرة عربية مح�ضة‪ ،‬وهو غي�ض‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫�سلوكات مثقفنا العربي‪ ،‬و�إننا لو‬ ‫في�ض‬ ‫من‬ ‫ا�ستعنا ببع�ض الت�صورات وال�سلوكات الأخرى‬ ‫الموجودة لدى المثقف العربي‪ ،‬ف�إنه لن يتبقى‬ ‫لدينا ممن ينطبق عليهم مفهوم المثقف الحق‬ ‫�سوى نفر محدود‪.‬‬

‫ظاهرة الكتابة عن‬ ‫الرموز الثقافية بعد‬ ‫غيابها ورحيلها‬

‫كتابات مو�ضوعية‬ ‫تتناول دور و�أثر‬ ‫المبدع الراحل‬ ‫ومناقبه‬

‫هناك من يركز على‬ ‫العالقة بينه وبين‬ ‫المبدع الراحل‬ ‫ويركز على الخالف‬ ‫بينهما و�صحة موقفه‬

‫لي�س من الحكمة‬ ‫ب�شيء �أن يقيم‬ ‫الكاتب تجربة‬ ‫المبدع بعد رحيله‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪67‬‬

‫�شعراء عرب‬

‫ير�صدون �أحوال الق�صيدة‬ ‫وال�شعرية العربية‬

‫‪68‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫ا�ستطالع‬ ‫ال�شعر العربي‪ ..‬ه��ذا النهر ال��ذي حفر مجراه في ال�صخر‬ ‫منذ ال��ق��دم‪ ،‬ظلت مياه معانيه قوية متدفقة متجددة من‬ ‫زم��ن �إل��ى �آخ��ر‪ ،‬حيث كانت التحوالت في الق�صيدة العربية‬ ‫متناغمة مع مراحلها‪ ،‬من�سجمة مع بيئتها ومنفتحة على‬ ‫الآخ��ر والعالم وه��ذا من عنا�صر قوة وجدية حركة ال�شعر‬ ‫�شم�س الدين العوني‬ ‫العربي‪ ،‬التي توا�صل تطورها لن�شهد ه��ذا الح�ضور الأنيق‬ ‫والمميز لهذا ال�شعر ال��ع��رب��ي‪ ،‬م��ن خ�لال ت��ج��ارب ال�شعراء ونوعية الأ�سئلة‬ ‫والق�ضايا والإ�شكاليات المقترحة والمطروحة في مختلف المنابر والمنتديات‬ ‫وال��ل��ق��اءات الثقافية والأدب��ي��ة‪ ،‬المعنية بال�شعر ن��ق��د ًا ودرا���س��ة واهتماماً‪.‬‬ ‫في هذا ال�سياق‪ ،‬نر�صد هذه الآراء والمواقف‬ ‫لعدد من ال�شعراء‪ ،‬بخ�صو�ص ال�شعرية العربية‬ ‫و�أح��وال الق�صيدة العربية منذ ال��رواد وحتى‬ ‫اليوم‪.‬‬ ‫ال�شاعر يو�سف عبدالعزيز (الأردن)‬ ‫تعتبر ال�شعرية العربية واحدة من ال�شعريات‬ ‫المهمة في العالم‪ ،‬فهناك تراث �شعري عربي‬ ‫ومتعدد‪ ،‬يبد�أ بال�شعر الجاهلي ويمر‬ ‫غني‬ ‫ّ‬ ‫بالحقبتين الأموية والعبا�سية‪� ،‬إلى �أن ي�صل‬ ‫�إلى وقتنا الحا�ضر‪� ،‬إلى جانب التنظير ال ّنقدي‬ ‫ويقدمه للجمهور في‬ ‫الذي كان ي�صاحب ال�شعر ّ‬ ‫ك ّل مرحلة‪ .‬في الع�صر الحديث انفتحت ال�شعرية‬ ‫العربية على ال ّتراث ال�شعري العالمي‪ ،‬وذلك من‬ ‫�سمي بال�شعر المنثور‪ ،‬وتالي ًا‬ ‫خالل ظاهرة ما ّ‬ ‫�سمي �أي�ض ًا‬ ‫بق�صيدة ال ّنثر‪� ،‬أو من خالل ما ّ‬ ‫الحر في �أواخر الأربعينيات من‬ ‫بثورة ّ‬ ‫ال�شعر ّ‬ ‫القرن الع�شرين‪.‬‬ ‫طور الذي ح�صل‪،‬‬ ‫وعلى الرغم من هذا ال ّت ّ‬ ‫ف�� ّإن ال�شعراء العرب اليوم مطالبون بتطوير‬ ‫ال�شعر‪ ،‬والبحث عن ف�ضاءات �شعرية جديدة؛ ال‬ ‫حد لطغيان الغنائية في‬ ‫بد لهم مث ًال من و�ضع ّ‬ ‫ّ‬ ‫الن�صو�ص ال�شعرية‪ ،‬واالتجاه �إلى اال�ستفادة‬ ‫من التقنيات الجديدة في عالم ال�شعر‪ ،‬فهناك‬ ‫قدم ال�شعراء‬ ‫�شعر جديد ومختلف في العالم‪ّ ...‬‬ ‫ال��ع��رب ف��ي الع�صر الحديث �إن��ج��ازات مهمة‬ ‫من خ�لال ال�شعر الجديد ال��ذي كتبوه‪ .‬الآن‬ ‫وم��ع االنفجار المعرفي ال��ذي ح ّققته ثورة‬ ‫االت�صاالت والمعلومات‪ ،‬باتت لهم الظروف‬ ‫مهي�أة لالطالع على الثقافة الإن�سانية ومنها‬ ‫ّ‬ ‫ال�شعر في عدد هائل من بلدان العالم‪ ،‬ومثل‬ ‫هذه الحالة �سوف ت�سمح لهم بتطوير تجاربهم‬ ‫ال�شعرية‪ ،‬وفتحها على الجديد والمختلف‪� ،‬إال � ّأن‬

‫هناك م�شكلة كبيرة ال بد من ال ّتو ّقف عندها‪،‬‬ ‫وو�ضع حلول حقيقية لمعالجتها‪.‬‬ ‫الم�شكلة ه���ذه ت��ت��ع� ّل��ق ب��غ��ي��اب العمل‬ ‫وي�سوقه‪،‬‬ ‫يقدم ال�شعر العربي‬ ‫الم�ؤ�س�سي الذي ّ‬ ‫ّ‬ ‫�سواء على �صعيد البالد العربية �أو على �صعيد‬ ‫تقدمه ال�شعوب الأخرى‬ ‫العالم‪ .‬وذلك عك�س ما ّ‬ ‫ل�شعرائها ومثقفيها‪ .‬ال�شاعر العربي يعتمد‬ ‫على جهده الفردي في الن�شر‪ ،‬با�ستثناء (بيوت‬ ‫ال�شعر العربية)‪ ،‬التي ت�ستكمل وجودها في‬ ‫�أكثر من مدينة وعا�صمة عربية‪� ،‬إذ ال وجود‬ ‫لم�ؤ�س�سة تحمله وتقوم بن�شر نتاجه‪ .‬و�إذا ما‬ ‫جئنا �إلى حقل الترجمة وجدنا �أن ما يترجم‬ ‫لدينا من �شعر �إل��ى لغات العالم هو بمثابة‬ ‫فتات قليل وقليل جداً‪ ،‬الأمر الذي يخلق غياب ًا‬ ‫�شبه تام لل�شعر العربي على م�ستوى خريطة‬ ‫ال�شعر في العالم‪ ..‬انفتح ال�شعر العربي الحديث‬ ‫ال��ر ّواد‪ ،‬على التجديد واالبتكار‪،‬‬ ‫بعد تجارب ّ‬ ‫وا�ستطاع ال�شعراء الجدد منذ �أوا�سط �ستينيات‬ ‫ال��ق��رن الما�ضي حتى الآن‪ ،‬تحقيق قفزات‬ ‫نوعية على م�ستوى الن�صو�ص التي يكتبونها‪.‬‬ ‫ثمة �أجيال جديدة من ال�شعراء‪ ،‬ولدت و�أثبتت‬ ‫ّ‬ ‫ولكن الم�شكلة تكمن في الحا�ضنة‬ ‫كفاءتها‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الثقافية العربية‪ ،‬التي ال تقوم بواجبها تجاه‬ ‫هذه الأجيال‪ ،‬و�إذا ما عقدنا مقارنة ب�سيطة‬ ‫�رواد وزمننا المعا�صر‪ ،‬لوجدنا‬ ‫بين زم��ن ال � ّ‬ ‫فروق ًا كبيرة في التعاطي النقدي والت�سويقي‬ ‫بين تجاربهم والتجارب التالية‪ .‬ال�شعراء الرواد‬ ‫كان لهم ن ّقادهم‪ ،‬الذين قاموا بدرا�سة تجاربهم‬ ‫وقدموها �إلى الجمهور‪ ،‬من خالل كتب‬ ‫ال�شعرية‪ّ ،‬‬ ‫نقدية مطبوعة‪ ،‬و�أ�ستطيع القول � ّإن نقد ال�شعر‬ ‫تو ّقف عند ه�ؤالء الرواد‪ّ � .‬إن الأجيال ال�شعرية‬ ‫منذ ال�سبعينيات وحتى الآن‪ ،‬هي �أجيال خارج‬ ‫االهتمام النقدي‪ ،‬الم�س�ألة الأخ��رى هي � ّأن‬

‫ح�ضور �أنيق‬ ‫للق�صيدة العربية‬ ‫فني ًا وفكري ًا‬

‫يو�سف عبدالعزيز‪:‬‬ ‫على ال�شعراء البحث‬ ‫عن ف�ضاءات �شعرية‬ ‫جديدة‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫يو�سف عبدالعزيز‬

‫‪69‬‬

‫قدمتهم �إلى‬ ‫الرواد كانت لديهم منابرهم التي ّ‬ ‫الجمهور‪ ،‬وذلك عك�س الأجيال الجديدة‪ ،‬حيث‬ ‫اختفت معظم المجالت الثقافية‪ ،‬التي كان‬ ‫تقدم نتاج ال�شعراء الجدد �إلى‬ ‫يمكن لها �أن ّ‬ ‫الجمهور الجديد‪.‬‬ ‫ال�شاعر نورالدين �صمود (تون�س)‬ ‫الق�صيدة العربية وغير العربية رهينة‬ ‫كاتبيها؛ ففي كل ع�صر وفي كل م�صر يوجد‬ ‫�شعراء مجيدون تبقى �أ�شعارهم و�أ�سما�ؤهم‪،‬‬ ‫مدعون تنطفئ �أ�سما�ؤهم و�آث��اره��م‪،‬‬ ‫ويوجد ّ‬ ‫فالبقاء دائم ًا في كل �شيء للأ�صلح وال بقاء‬ ‫للرديء‪.‬‬ ‫ال�شاعر المن�صف المزغني (تون�س)‬ ‫ال�شعر العربي هو ملحمة �أدبية �سبق �أن‬ ‫كتبها وعا�شها ال�شاعر الجاهلي‪ ،‬ومايزال‬ ‫ال�شاعر المعا�صر‪ ،‬حيث الل�سان العربي ال يكف‬ ‫ع��ن االن��ط�لاق بما ف��ي الف�صحى م��ن جمال‬ ‫ا�ستثنائي ومو�سيقا‪ ،‬ليوا�صل الكتابة‪ ،‬وطالما‬ ‫�أن هناك لغة ف�صحى‪ .‬وال �أحب �أن �أعر�ض ر�أيي‬ ‫بهذه ال�سرعة‪ ،‬فهو مو�ضوع ندوات ت�أملية في‬ ‫حال ال�شعر الآن‪ ،‬و�أعتقد �أن و�سائل التوا�صل‬ ‫على جماهيريتها‪ ،‬قد �أغرقت ال�شعر في وديانها‬ ‫وروافدها‪ .‬ال�شعر لن ينتهي‪ ،‬وال �أحد يمكنه �أن‬ ‫يقفل باب الإبداع‪ ،‬طالما �أن الإن�سانية ال تكف‬ ‫عن الزواج منذ �آدم وحواء‪ ،‬لكن ما ال حظته هو‬ ‫�أن العقود الأخيرة تو�شك �أن تجعل الطوفان‬ ‫ال�شعري الآن مب�شراً بالجفاف ال�شعري‪ .‬يبدو‬ ‫�أن النجوم ال�شعرية ال تتكرر‪ ،‬ولكن ال�سماء في‬ ‫العربية الف�صحى تت�سع لكثير من النجوم‪ ،‬حتى‬ ‫ال�سماء التي نراها لي ًال‪ ،‬هي حبلى بماليين‬ ‫النجوم الال مرئية‪ ،‬وما �أدران��ا فلعل ال�شعراء‬ ‫العرب المهمين الآن م��ازال��وا يعي�شون زمن‬ ‫الخفاء‪ ،‬وقد يتج ّلون الحق ًا وقد ال يظهرون‬ ‫�إال في ع�صور الحقة‪ ،‬تمام ًا مثل بع�ض نجوم‬ ‫ال�سماء في مداراتها الفلكية‪� .‬إن الظرف الثقافي‬ ‫العربي الراهن مطمو�س بفعل هجمة ال�سيا�سة‪،‬‬ ‫والظروف ال�سيا�سية العربية الآن هي الليل‬ ‫الذي يخفي ال�شعر الجميل الآن‪.‬‬

‫�شربل داغر‬

‫المن�صف المزغني‬

‫ا�صطراع مجتمعات عربية عديدة بق�ضاياها‬ ‫الداخلية‪� ،‬أن �شعراء هذه التجارب العربية باتوا‬ ‫�أ�شد توا�ص ًال وتفاع ًال فيما بينهم‪ ،‬على ما �أعرف‬ ‫و�أ�شهد‪ ،‬وباتت معالم الترا�سالت والت�أثرات‬ ‫بادية بينهم �أي�ض ًا‪ .‬ويت�ضح من متابعة كثير‬ ‫من ال�شعر المت�أخر كيف �أنه يلتقي في �شواغل‬ ‫تعبيرية تكاد تكون واحدة‪ ،‬ويجمعها خ�صو�ص ًا‬ ‫ان�شغال ال�شاعر �أو تكفله بق�ضايا الإن�سان في‬ ‫وجوده العام كما في مجتمعه‪ .‬هذا ما يظهر‬ ‫في تعبيرات وتجليات عديدة نجد فيها ال�شاعر‬ ‫العربي متنبه ًا لعالم اليوم‪ ،‬ومتفاع ًال معه من‬ ‫حيث يقف‪ ،‬وح�سبما ينظر �إلى العالم‪ .‬فعي�ش‬ ‫اللحظة الآنية ال يعني االن�سجام �أو التوافق بين‬ ‫التجارب ال�شعرية‪ ،‬بل يعني التالقي ابتداء من‬ ‫اللحظة عينها؛ فما هو متاح وجميل فيها هو‬ ‫التنوع والتعدد‪ ،‬ال التطابق وال التوافق‪.‬‬ ‫ال�شعر العربي بخير‪ ،‬بعد ال��رواد ال خ�شية‬ ‫عليه‪� ،‬إذ �إن �شعراء و�شعراء تكفلوا بال�شعر‪،‬‬ ‫مناح جديدة ومفاجئة في‬ ‫وق ��ادوه �صوب‬ ‫ٍ‬ ‫ال�شاعر �شربل داغر (لبنان)‬ ‫التعبير ال�شعري‪ ،‬ما ال نجده �أب ��داً في �شعر‬ ‫ال�شعر العربي بات مو�صو ًال بغيره‪ ،‬عدا �أنه الرواد‪ ،‬وما كان �صعب ًا ت�صوره �أي�ض ًا‪.‬‬ ‫يعاي�ش العالم‪ ،‬فال تبلغه ق�ضاياه و�أحواله بعد‬ ‫علي �أن هناك كثيراً من ال�شعر‬ ‫وال يخفى َّ‬ ‫�سنوات �أو قرون‪ .‬فقد كان الفت ًا‪ ،‬على الرغم من ال��رديء يظهر وي�ستمر‪ ،‬وال �سيما مع ا�شتداد‬ ‫‪70‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫نورالدين �صمود‬

‫نور الدين �صمود‪:‬‬ ‫البقاء للأ�صلح وال‬ ‫بقاء للرديء‬

‫المن�صف المزغني‪:‬‬ ‫ال�شعر �سيبقى وال‬ ‫�أحد يمكنه �أن يغلق‬ ‫باب الإبداع‬

‫�شربل داغر‪:‬‬ ‫الم�شكلة الأكيدة‬ ‫في ال�شعر تكمن في‬ ‫در�سه النقدي‬

‫ا�ستطالع‬ ‫ظهور ال�شعر في (الفي�سبوك)‪� ،‬إال �أن هذا الأمر‬ ‫ال يزعجني‪ ،‬هو في ذاته دليل حياة واهتمام‬ ‫بال�شعر‪ ،‬و�إن كان بع�ض هذا ال�شعر ال يظهر‬ ‫�أ�سا�س ًا في هيئة لغوية منا�سبة‪ ،‬وه��و الحد‬ ‫الأدنى المطلوب من �أي ق�صيدة‪.‬‬ ‫الم�شكلة الأكيدة في ال�شعر‪ ،‬هي في در�سه‬ ‫الدر�س النقدي المنا�سب‪ ،‬وهو ما يندر كثيراً‬ ‫في الدر�س العربي‪ ،‬حيث �إن اتجاهات وميول‬ ‫الدار�سين‪ ،‬بمن فيهم الدار�سون الأكاديميون‪،‬‬ ‫ي�ست�سيغون وي�ست�سهلون مقاربة الرواية‪ :‬هذا‬ ‫يغري �أكثر في المجال الثقافي والإعالمي؛‬ ‫وهذا �أ�سهل �أي�ض ًا لجهة العدة المنهجية‪.‬‬ ‫الم�شكلة الأخرى‪ ،‬هي �أنه ال توجد عنايات‬ ‫ر�سمية وخا�صة‪ ،‬خ�صو�ص ًا عند دور الن�شر‪،‬‬ ‫تعنى بن�شر ال�شعر‪ ،‬وتحافظ على م�ستواه‪،‬‬ ‫وتعمل على ترويجه‪.‬‬ ‫ال�شاعر حميد �سعيد (العراق)‬ ‫و�إذ ا�ستمر �شعراء ال�ستينيات في ح�ضورهم‬ ‫الإبداعي‪ ،‬وانفتاحهم على الم�ستجدات‪ ،‬جمالي ًا‬ ‫وواقعي ًا‪ ،‬حيث مازال عدد منهم حا�ضراً ومت�ألق ًا‬ ‫وم�ضيف ًا لم يتوقف عند بداياته الأول��ى‪ ،‬ولم‬ ‫يتوقف عند نهايات تجربته الإبداعية �أي�ض ًا‪،‬‬ ‫ف�إن �أجيا ًال جديدة من ال�شعراء العرب‪ ،‬مازالت‬ ‫توا�صل مغامراتها الإبداعية ورحلة الإب��داع‪،‬‬ ‫التي لن تتوقف‪ ،‬غير �أن الإنجاز الإبداعي وفي‬ ‫مقدمته ال�شعر‪ ،‬ال يعبر عنه بالكم‪ ،‬بل بالنوع‬

‫المتوكل طه‬

‫د‪ .‬محمد علي �شم�س الدين‬

‫حميد �سعيد‬

‫في النوع �إن جاز هذا التعبير‪ ،‬وهذه حقيقة‬ ‫عرفتها جميع الثقافات في العالم‪ ،‬و�شهدتها‬ ‫جميع المراحل التاريخية‪.‬‬ ‫ال�شاعر محمد علي �شم�س الدين (لبنان)‬ ‫ال�شعر العربي في لحظته الراهنة يعاني‬ ‫مي ًال عربي ًا �إل��ى ثقوبه ال�سوداء‪ ..‬في العالم‬ ‫�أي�ض ًا تميل الفنون �إلى نفاياتها‪ ..‬لكن بر�أيي‬ ‫ونحن نتعر�ض لهذا الع�صف المتوح�ش من كل‬ ‫النواحي‪ ،‬مطالبون بالتم�سك بالجذور‪ ..‬الآن‬ ‫نعم الآن‪ ..‬ف�إن ال�شجرة �إذا ع�صفت بها العا�صفة‬ ‫تتم�سك بجذورها‪.‬‬ ‫لقد كانت تجارب الرواد ت�أ�سي�سية ومهمة‪،‬‬ ‫�إذ كانت مهمتها نقدية وتغييرية تجاه ثالثة‬ ‫�آالف ع��ام من ال�شعر �سابقة عليها‪ .‬تغيرت‬ ‫المو�سيقا‪ ،‬تغيرت ال�صورة‪ ،‬المعنى‪ ،‬العالقة‬ ‫الأداة‪ ..‬وتمت الوالدة ال�صعبة الأولى للق�صيدة‬ ‫العربية الحديثة على �أيدي؛ ال�سياب‪ ،‬والبياتي‪،‬‬ ‫وعبدال�صبور‪ ،‬و�أدوني�س‪ ،‬والماغوط‪ ،‬والحاج‪..‬‬ ‫طيران ًا بالزمن‪ ،‬نحن الآن في لحظة ما ت�شبه‬ ‫ا�ستنفاد الريادة الأولى لل�شعر باتجاه الريادة‬ ‫ال��ث��ان��ي��ة‪ ..‬ولعلنا مطالبون ب���أن ن�ستوعب‬ ‫ونتجاوز الآالف الثالثة من �سني الق�صيدة‬ ‫العربية‪ ،‬م�ضاف ًا �إليها قلق الحداثة والرواد‪ ..‬لأن‬ ‫ال�شعر بحقيقته هو ريادة مفتوحة وال تنتهي‪.‬‬ ‫ال�شاعر المتوكل طه (فل�سطين)‬ ‫لم يخرج م�سار ال�شعر العربي بعد �إلى‬ ‫م�ساحات جديدة‪� ،‬أو �إلى تجارب رجراجة‪ ،‬مع‬ ‫هذه المتغيرات الكونية ال�شعرية‪ .‬وعلى الرغم‬ ‫من �أن ال�شعر العربي‪ ،‬على اختالف ح�سا�سياته‬ ‫وتجريبه‪ ،‬ف�إنه مازال خجو ًال ومتردداً وم�شدوداً‬ ‫�إلى ما�ضيه �إلى حد كبير‪� .‬أعتقد �أن ال�شعر �أكبر‬ ‫من مدار�سه ونقاده ونظرياته‪ ،‬وعلينا �أن ننتظر‬ ‫قلي ًال لنتبين م�آالت ال�شعر العربي الحديث بعد‬ ‫تجارب رواده‪.‬‬

‫حميد �سعيد‪ :‬ال�شعر‬ ‫ال يعبر عنه بالكم‬ ‫بل بالنوع‬

‫محمد علي‬ ‫�شم�س الدين‪ :‬ال�شعر‬ ‫ريادة مفتوحة ال‬ ‫تنتهي‬

‫المتوكل طه‪ :‬علينا‬ ‫�أن نتبين م�آالت‬ ‫ال�شعر العربي‬ ‫الحديث بعد تجارب‬ ‫رواده‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪71‬‬

‫مقاالت‬

‫�أجيال ال�شعر‬

‫بين التو�صيف والإنجاز‬ ‫د‪ .‬حاتم ال�صكر‬ ‫تلق الت�صنيفات الجيلية‪ ،‬ف��ي ال�شعر‬ ‫ل��م َ‬ ‫خا�صة‪ ،‬قبو ًال منا�سب ًا من ال�شعراء وقرائهم‪ ،‬ولم‬ ‫ت�شهد الفنون الأدبية الأخرى ت�صنيف ًا م�شابه ًا‬ ‫با�ستثناء ال�سرد في ال�ستينيات وحقبة الرواد قبل‬ ‫�سد الت�صنيف الفني للق�ص‪ :‬واقعي ًا‬ ‫ذلك‪ .‬وربما َّ‬ ‫وتجريبي ًا‪ ،‬ثم م�سرودات الحرب الطويلة‪ ،‬مكان‬ ‫التراتب الجيلي الذي عرفه النقد ال�شعري‪.‬‬ ‫لقد ظهرت في النقد ال�سردي ت�صنيفات �أخرى؛‬ ‫مثل كتابة ال��م��ر�أة و�سيرتها‪ ،‬و�سرد الهوام�ش‬ ‫والمغتربين‪ ،‬لكن الجيل بالمعنى العمري والفني‬ ‫لم يعد مهيمن ًا في الخطاب النقدي ال�سردي‪.‬‬ ‫�إن الت�صنيفات ال تخلو من ا�ستراتيجيات‬ ‫مفاهيمية في العادة‪ .‬بذا �أعلل حما�ستي المبكرة‬ ‫في تب ّني و�صف (ال�شعراء ال�شباب) وم�صطلح‬ ‫(�أدب ال�شباب)‪ ..‬فقد كنت �أرى �أن الأج��ي��ال ال‬ ‫تحيل �إلى ال�شعراء باالحتكام �إلى �أعمارهم‪ ،‬بل‬ ‫تعني (�أجيال ال�شعر) ذاته ون�صو�صه‪ ،‬ال �أعمار‬ ‫ال�شعراء �أو انتماءاتهم العمرية ووجودهم في‬ ‫العقد المق�صود ت�صنيفهم داخله‪ ،‬ول��ي مقالة‬ ‫بهذا العنوان (�أجيال ال�شعر ال ال�شعراء)‪ ،‬تلخ�ص‬ ‫ما �أراه‪ ..‬فالقول ب�أجيال ال�شعر ي�سمح باختراق‬ ‫االن��ت��م��اءات الزمنية‪ ،‬فيكون �شاعر م��ن جيل‬ ‫عمري �أو عقد‪ ،‬منتمي ًا ب�شعره �إلى جيل �آخر‪ .‬ت�صح‬ ‫ٍّ‬ ‫هذه في حالة ال�شاعر محمود البريكان بوجه‬ ‫خا�ص‪ ،‬كمثال‪ ،‬وتنطبق على �شعراء �آخرين كان‬ ‫�شعرهم ي�ضعهم في �أجيال �شعرية‪ ،‬لما تتميز‬ ‫به ق�صائدهم‪ .‬ويمكن القول �إن ذلك تبلور حين‬ ‫تنوعت الكتابة ال�شعرية‪ ،‬فجرى ت�صنيف ال�شعراء‬ ‫بح�سب الأ�ساليب �أو الأ���ش��ك��ال التي يكتبون‬ ‫بها ن�صو�صهم‪ ،‬ال �سيما حين ظهرت بع�ض‬ ‫التجمعات‪ ،‬مثل‪ :‬جماعة كركوك‪ ،‬والموقعين على‬ ‫البيان ال�شعري‪ ،‬وغيرهما‪..‬‬

‫‪72‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫وهذا ال ينفي كوني م�ؤمن ًا بالجيل كتكتيك‬ ‫ُيي�سر الدرا�سة والت�صنيف‪ ،‬والقراءة �أي�ض ًا‪ ،‬ولكن‬ ‫بتو�سيع الم�صطلح‪ ،‬وانفتاح المفهوم بال�ضرورة؛‬ ‫لي�أخذا �أبعاداً فنية‪.‬‬ ‫ون�شير لتع�ضيد قناعتنا �إلى اال�صطفافات‬ ‫في ثقافات العالم وفق الأجيال‪ ،‬ول�سنا ا�ستثناء‬ ‫في ذلك‪ ،‬فثمة جيل (‪ )47‬في �ألمانيا‪ ،‬و(‪ )27‬في‬ ‫�إ�سبانيا‪ ،‬وهكذا‪ ..‬لكن الأقرب للت�صنيف الجيلي‬ ‫الفني ال الزمني هو الجيل ال�ضائع في الرواية‬ ‫الأمريكية‪ ،‬فهو ي�ضم ك ّتاب ًا لي�سوا من فترة عمرية‬ ‫واحدة‪ ،‬لكنهم خ�ضعوا لم�ؤثر م�شترك‪ .‬وبذا يمكن‬ ‫التوافق على �أن جيل ال��رواد هم المجددون في‬ ‫الق�صيدة العربية‪ ،‬وجيل الخم�سينيات هم من‬ ‫وا�صلوا ذلك بدرجة �أقل من المتوقع‪ ،‬وبوتائر‬ ‫�صح‪ ،‬يف�سر‬ ‫متباعدة ومتقطعة‪ .‬ولعل ه��ذا‪� ،‬إن ّ‬ ‫�ضياعهم بين جيلين نقدي ًا‪ ..‬بينما يكون جيل‬ ‫ال�ستينيات بداية المراجعة للتجديد والم�ضي به‬ ‫�صوب التحديث‪ ،‬ويكون لجيل ال�سبعينيات دور‬ ‫الم�ضي ب�شوط �أبعد وانفتاح �أكثر‪ ،‬لن�صل �إلى‬ ‫جيل الثمانينيات وما �سرقت الحرب وتداعياتها‬ ‫من �أعمارهم‪ .‬ويندرج في هذا �شعراء من خارج‬ ‫الجيل الزمني‪ ،‬كانت ن�صو�صهم في �سياقات‬ ‫الظرف المحيط بتلك ال�سنوات‪..‬‬ ‫ك��ان كتابي (مواجهات ال�صوت القادم)‬ ‫(‪1986‬م) من �أوائ ��ل الكتابات النقدية حول‬ ‫تجربة �شعراء ال�سبعينيات العراقيين الذين عرفوا‬ ‫�أي�ض ًا حينها بال�شعراء ال�شباب‪ ،‬وهو مختارات‬ ‫ودرا�سات في �شعرهم‪ .‬وقد وجدت �أن اال�صطفاف‬ ‫الجيلي في حالتهم �أكثر و�ضوح ًا‪ .‬ك��ان �شعر‬ ‫الت�سعينيات ولي�س ���ش��ع��راءه ه��و المتن في‬ ‫الدرا�سات‪ ،‬فتجاوزت الوجود الجيلي‪ -‬العمري‪،‬‬ ‫�إلى الق�صيدة‪ -‬الن�ص‪ ،‬فو�ضعت �ضمن الكتاب‪،‬‬

‫البع�ض يحتكم في‬ ‫الت�صنيف �إلى �أعمار‬ ‫ال�شعراء‬

‫كلمات‬

‫�شعراء من �أعمار مختلفة قلي ًال عن ال�سبعينيين‪.‬‬ ‫م�شتركات فنية‬ ‫لكنني وج��دت في ن�صو�صهم‬ ‫َ‬ ‫ومو�ضوعية (ن�سبة �إلى المو�ضوع ال�شعري) مع‬ ‫الق�صيدة ال�سبعينية‪ ،‬في اللغة والتقنيات الداخلية‬ ‫ميز الق�صيدة‬ ‫وال��ج��ر�أة المو�ضوعية‪ .‬وه��و ما ّ‬ ‫ال�سبعينية والأ�سماء التي كانت على الئحتها‪،‬‬ ‫فقد برز االهتمام بالن�صو�ص الطويلة واال�ستمداد‬ ‫من ال��م��وروث ال��رم��زي والمعتقدات والمالحم‬ ‫والطقو�س القديمة‪ ،‬ف�ض ًال عن مجاراة الحداثة‬ ‫ال�شعرية العربية التي تهب رياحها‪ ،‬لتوقف المد‬ ‫الإيقاعي ال�صاخب‪ ،‬وتجعل الخطاب ال�شعري‬ ‫�أكثر ه��دوءاً وعمق ًا‪ .‬مع ما الحظ ُته من ح�ضور‬ ‫ٍ‬ ‫أو�ضحتها‬ ‫الأن��ا ال�شعرية بتمرك ٍز‬ ‫ونرج�سية � َ‬ ‫متونهم ال�شعرية‪ ،‬وت�صريحاتهم وتفوهاتهم‬ ‫خارج تلك المتون‪.‬‬ ‫وحين تلت ذلك ق�صيد ُة ال�شعراء الثمانينيين‪،‬‬ ‫و�صفت ك ّتابها‪.‬‬ ‫تنبهنا �إلى ن�ش�أتها في الظل كما‬ ‫ُ‬ ‫فهم ب��دوا �أكثر ر�سوخ ًا في التناول‪ ،‬ال�ستقرار‬ ‫ق�صيدة النثر‪ ،‬وقبولها تلقي ًا‪ .‬فلم تعنهم كثيراً‬ ‫التلفظات وادعاء التغيير الجذري في الق�صيدة‪،‬‬ ‫وتجنبوا المعارك والمنازالت التي �شغلت الجيل‬ ‫ال�سابق‪ ،‬لكنهم م�ضموني ًا كانوا يت�سمون بحزن‬ ‫�اغ هو ترميز للحالة العراقية التي �سادتها‬ ‫ط� ٍ‬ ‫وما جرته من ويالت؛ تمثلت بالحروب المتوالية‬ ‫وع�سكرة المجتمع‪ ،‬وطغيان �أدب الحرب والتعبئة‬ ‫التي تتعار�ض مع �أهداف الجيل ال�شعرية‪ ،‬ومهمة‬ ‫التحديث التي يرونها من �أهم محاور تجربتهم‬ ‫ومكونات خطابهم‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫لقد كانوا �ضحايا محرقة الحرب الكارثية‬ ‫التي التهمت �أعمارهم في التجنيد الإجباري‬ ‫ال��ط��وي��ل‪ .‬ح��ت��ى ���س��ادت ف��ي ف�����ض��اء ق�صيدة‬ ‫الثمانينيات روائح احتراق اللحم العراقي وم�سيل‬ ‫دمه‪ .‬وفيها بكائيات مرمزة للخ�سائر وال�سنين‬ ‫ال�ضائعة من زاوي��ة نظر ذاتية غالب ًا‪ .‬وفني ًا‬ ‫نجد‪ ،‬بجانب هيمنة �أجواء الحرب وتداعياتها‪،‬‬ ‫ا�ستخدام ًا لق�صيدة النثر بمرجعيات جديدة‬ ‫وم�ؤثرات متغيرة عن �سابقيهم‪.‬‬ ‫وق ��د ا�ستن�سخت الت�سعينيات تجربة‬ ‫الثمانينيات بدراماتيكية �أ�شد‪ ،‬بمعنى �إ�ضافة‬ ‫عنا�صر مثيرة ترتبط بالح�صار الذي عرفه العراق‬ ‫وتداعياته وتفاعالته الثقافية والنف�سية‪ ،‬وهذا‬ ‫�سينعك�س في ن�صو�ص الت�سعينيات المن�شورة‬ ‫التي تعد �شاهداً على تفاعل الحالة العراقية‪.‬‬

‫يتبين لنا �أن التو�صيف ال يخلو من مناكدة‬ ‫جيلية‪ .‬فهو في الأ�سا�س ا�شتقاق ظرفي؛ �أي �أن‬ ‫مبتدعيه يقارنون بين جيلين �أو �أكثر‪ ،‬وهذا هو‬ ‫�سر تمو�ضع ال�شبابية في الو�صف‪ ،‬وهي �صفة‬ ‫ظرفية؛ لأن ه��ؤالء �سي�صبحون كباراً ينظرون‬ ‫للجيل الالحق بكونهم �شباب ًا‪.‬‬ ‫هنا ي�أخذ الو�صف هيمنة �أبوية في م�ستوى‬ ‫من الخطاب النقدي‪ ،‬حين تمتزج �أحكام القيمة‬ ‫بالتحليل وال��و���ص��ف‪ ..‬وف��ي بع�ض م�ستويات‬ ‫تحف بالم�صطلح ظالل �أبوية �شعرية‪.‬‬ ‫التلقي؛‬ ‫ُّ‬ ‫هذا يتم ا�ستنتاجه من م�ستخدمي الخطاب حين‬ ‫ي�ضعون �أنف�سهم في مقارنة �أو معادلة قيمية‪،‬‬ ‫والطريف �أنه ي�أتي بل�سان ال�شباب �أنف�سهم �إعالن ًا‬ ‫عن تميزهم وحيوية ق�صيدتهم‪ ،‬وافتراقها عن‬ ‫ق�صائد الآباء! برغم �أن الو�صف ي�ستفزهم �أحيان ًا‪،‬‬ ‫حين ي�أتي من جيل �شعري �آخر‪ ،‬وي�ؤكدون ر�سوخ‬ ‫التبا�س في فنيتها �أو‬ ‫تجاربهم �إب��ع��اداً لأي‬ ‫ٍ‬ ‫ن�ضجها‪.‬‬ ‫لكن ال��ق��ارئ ال يتخل�ص م��ن الموجهات‬ ‫الزمنية لقراءته‪ ،‬فالن�صو�ص قد ارتبطت في‬ ‫ذاك��رت��ه ب�سياقات تلك الفترة‪ ،‬وال تهمه هنا‬ ‫�شبابية الأعمار ال�شعرية‪ ،‬قدر منجزها وما ظل‬ ‫منه‪ .‬ودوم � ًا ترد في هذا ال�صدد �أمثولة رامبو‬ ‫وال�سياب؛ رامبو الذي عا�ش زمني ًا بعد توقفه‬ ‫�شاب ًة‬ ‫المبكر عن الكتابة‪� ،‬أو ذه��اب ق�صيدته َّ‬ ‫وال�سياب ال��ذي مات في الثامنة‬ ‫�إل��ى ال�صمت‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫والثالثين‪ ،‬وتوقفت ق�صيدته‪ .‬لكن ال�شاعرين ظال‬ ‫و(�شابين)‬ ‫في الذاكرة ال�شعرية والقراءة حيويين‬ ‫َّ‬ ‫بمعنى التجديد ال��ذي ات�سمت به ق�صائدهما‪،‬‬ ‫و ُقرئت واقترنت به‪ .‬وبمقيا�س الت�أثير‪ ،‬كان لهما‬ ‫ح�ضور وا�ضح في ما تالهما من ن�صو�ص‪ ،‬وما‬ ‫ا�ستجد من خطوات تحديثية في الكتابة ال�شعرية‪.‬‬ ‫وهنا �أي�ض ًا تم اختراق مفهوم التراتب الجيلي‪،‬‬ ‫فظلت لكل منهما �أفياء وارفة وظالل في الم�شهد‬ ‫ال�شعري‪ ،‬وا�ستمداد فني وجمالي في �إطار التجديد‬ ‫و�سياقاته‪ ،‬و�ضعهم خارج الت�صنيف الزمني‪.‬‬ ‫لم يعد اليوم من يعب�أ بالت�صنيف الجيلي‬ ‫�إال فئة الدار�سين لتاريخ ال�شعرية �أو المهتمين‬ ‫بمزايا �أ�سلوبية متحورة �أو متغيرة عبر الكتابة‪،‬‬ ‫و�صار المقيا�س الأكثر �شيوع ًا هو ت�شخي�ص‬ ‫عينة �أو �صنف الن�ص ذاته وما ينعك�س فيه من‬ ‫ّ‬ ‫�سمات‪ ،‬ربما يكون لها ا�ستمداد من مهيمنات‬ ‫جيلية �أو زمانية‪.‬‬

‫هناك من ال�شعراء من‬ ‫يخترق االنتماءات‬ ‫الزمنية‬

‫يوجد �شعراء من‬ ‫�أعمار مختلفة لديهم‬ ‫م�شتركات فنية‬ ‫ومو�ضوعية‬

‫�صار المقيا�س في‬ ‫ت�شخي�ص وت�صنيف‬ ‫الن�ص ذاته و�سماته‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪73‬‬

‫ا�ستلهم حكاياته من عالم الحلم‬

‫هان�س كري�ستيان �أندر�سن‬ ‫رائد �أدب الأطفال في العالم‬

‫ب��رغ��م ق�����س��وة ال��واق��ع ال���ذي ك���ان يعي�شه‪ ،‬و�صعوبة‬ ‫ال��ظ��روف ال��ت��ي �أح��اط��ت ب��ه منذ طفولته‪ ،‬لكنه كان‬ ‫يعي�ش عالم ًا م��ن الحلم‪ ،‬مليئ ًا بال�سحر والحكايات‬ ‫ال��خ��راف��ي��ة والأ���س��ط��وري��ة وال��ع��وال��م ال��غ��ري��ب��ة‪ ،‬التي‬ ‫ا�ستلهمها حين ًا م��ن حكايات �أم���ه‪ ،‬وحين ًا م��ن خياله‬ ‫يو�سف الرجب‬ ‫الخ�صب المحلق‪ ،‬وفي �أحيان من �إرثنا العربي المتمثل‬ ‫ب���أل��ف ليلة وليلة‪ ،‬التي م��ازال��ت رائ���دة بق�ص�صها وخيالها وف�ضاءاتها‬ ‫ال�سحرية الخالقة‪ ..‬وك�أنه ك��ان يعو�ض ذات��ه عن ذل��ك الواقع الم�ؤلم‬ ‫بعالم �آخر مختلف‪ ،‬يحلق به �إلى ف�ضاءات وا�سعة على �أجنحة الخيال‪.‬‬ ‫‪74‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫هان�س كري�ستيان �أن��در���س��ن؛ ال�شاعر‬ ‫وال��روائ��ي الدنماركي‪ ،‬ورائ��د �أدب الأطفال‬ ‫في العالم‪ ،‬ول��د ع��ام (‪ ،)1805‬لأب يعمل‬ ‫في �صناعة الأح��ذي��ة‪� ،‬إال �أن��ه لم ي��رث تلك‬ ‫المهنة‪ ،‬بل كان يتطلع لأن ي�صبح م�سرحي ًا‬ ‫ك�شك�سبير‪ ،‬و�أديب ًا م�شهوراً فكتب في الم�سرح‬ ‫وال�شعر والرواية‪ ،‬فجاءته ال�شهرة من خياله‬ ‫الطفولي‪ ،‬حيث �أبدع في �أدب الأطفال وفي‬ ‫كتابة الق�ص�ص الخيالية والخرافية التي‬ ‫�شكلت ج��زءاً من مخيلتنا ووعينا الطفولي‪،‬‬ ‫كق�صة حورية البحر ال�صغيرة‪� ،‬أو بائعة‬ ‫الكبريت‪ ،‬وعقلة الإ�صبع‪ ،‬والبطة القبيحة‪،‬‬

‫�أدب �أطفال‬ ‫وثياب الإمبراطور الجديدة‪ ،‬والقداحة العجيبة‪..‬‬ ‫وغيرها الكثير من الق�ص�ص‪ ،‬التي �أ�صبحت‬ ‫�أيقونات في �أدب الطفولة‪ ،‬و�إرث ًا �إبداعي ًا مازلنا‬ ‫ن�ستلهم منه القيم الإن�سانية حتى الآن‪ ،‬فكان‬ ‫جديراً بهذا المبدع �شاعر الدنمارك الوطني‪� ،‬أن‬ ‫ي�صبح يوم ميالده يوم ًا عالمي ًا لكتب الأطفال‪،‬‬ ‫لأن��ه من م�ؤ�س�سي ق�صة الأطفال بخ�صائ�صها‬ ‫الحديثة‪ ،‬التي تميزها عن ق�ص�ص الكبار‪ ،‬بن�ضج‬ ‫فكرتها و�أ�سلوبها الفني وعمق دالالتها ورموزها‬ ‫وحمولتها القيمية الأخالقية الإن�سانية‪ ،‬التي‬ ‫تقف خارج الحدود الجغرافية للعالم الإن�ساني‪،‬‬ ‫وخارج الم�سار التاريخي‪ ،‬لأنها تخاطب وجدان‬ ‫الإن�سان‪ ،‬وعقله وروحه‪ ،‬في كل مكان وزمان‪.‬‬ ‫فحياته ك��ان��ت معين ًا خ�صب ًا لق�ص�صه‪،‬‬ ‫وق�ص�صه كانت انعكا�س ًا لعالمه الذي يحلم به‪،‬‬ ‫وهذا ما نتبينه في قوله عن �سيرة حياته‪ ،‬حين‬ ‫�سئل مرة عن ذلك فقال‪( :‬اقر�ؤوا حكاية فرخ البط‬ ‫القبيح!) بالإ�شارة �إل��ى �أن النجاح في الحياة‬ ‫يحتاج �إلى ال�صبر والمثابرة والثقة بالنف�س‪ ،‬كما‬ ‫يلق اهتمام ًا‪ ،‬بل لم‬ ‫حدث مع فرخ البط الذي لم َ‬ ‫يلق اعتراف ًا من �شقيقاته البطات‪ ،‬فكان منبوذاً‬ ‫َ‬ ‫نظراً لقبحه و�ضخامة حجمه‪ ،‬فراح يتنقل من‬ ‫مكان �إلى �آخر‪ ،‬يبحث عمن يعترف به‪ ،‬ويمنحه‬ ‫االهتمام الالئق‪ ،‬كي يدفع عنه نظرات االزدراء‬ ‫التي يواجهها من البطات ومن جميع الحيوانات‬ ‫الأخرى‪ ،‬ليكت�شف فيما بعد‪ ،‬وبعد معاناة بحث‬ ‫طويلة‪� ،‬أنه بجعة جميلة بي�ضاء‪ ،‬وقد علق �أحد‬ ‫النقاد على هذه الق�صة وعالقتها بحياة المبدع‪،‬‬ ‫بقوله‪( :‬لكل مبدع ولكل �شاعر حكاية فرخ البط‬ ‫القبيح الخا�صة به‪ ،‬و�إن هذه الحكاية هي العمل‬ ‫الإبداعي الذي يك�شف فيه �أندر�سن عن معاناته‪،‬‬ ‫و�أحالمه‪ ،‬وعن نجاحاته الأولى المغم�سة بمرارة‬ ‫الإخفاقات‪ ،‬وعن مكنوناته‪.)...‬‬ ‫�أندر�سن‪ ،‬كان يكتب عن الطفل الذي ي�سكنه‪،‬‬ ‫كما يكتب عن الطفل الذي ي�سكن داخل كل �إن�سان‪،‬‬ ‫لذلك كانت كتاباته تخاطب الكبار وال�صغار‪،‬‬ ‫وق��د بين ذل��ك بحديثه ع��ن طبيعة ق�ص�صه‬ ‫وفحواها‪( :‬حكاياتي الخرافية هي للكبار كما‬ ‫هي لل�صغار في الوقت نف�سه‪ ،‬فالأطفال يفهمون‬ ‫ال�سطحي منها‪ ،‬بينما النا�ضجون يتعرفون �إلى‬ ‫مقا�صدها ويدركون فحواها‪ ،‬ولي�س هناك �إال‬ ‫مقدار من ال�سذاجة فيها‪� .‬أما المزاح والدعابة؛‬ ‫فلي�ست �إال ملح ًا لها)‪ ،‬مبين ًا خ�صو�صية ر�ؤيته في‬ ‫كتابة هذا ال�شكل الق�ص�صي‪ ،‬فيما يخ�ص الراوي‬ ‫واللغة والأ�سلوب‪( :‬الراوي يجب �أن ي�سمع �صوته‬

‫من خالل الأ�سلوب‪ ،‬واللغة يجب �أن تقترب من‬ ‫ال�شفاهة‪ .‬الق�ص هو للأطفال ولكن الكبار يجب‬ ‫�أن ي�صيبهم ن�صيب من المتعة �أي�ض ًا)‪.‬‬ ‫ا�ستطاع �أن��در���س��ن �أن يبني ذل��ك العالم‬ ‫المده�ش‪ ،‬بما �أوت��ي من طاقة على التخييل‪،‬‬ ‫وطاقة على التقاط العجيب والغريب‪ ،‬من الخرافة‬ ‫والموروث ال�شعبي‪ ،‬وق�ص�ص الجن والحوريات‪،‬‬ ‫�سواء من موروث بلده الدنمارك‪� ،‬أو من موروثنا‬ ‫العربي‪ ،‬كما بين في ق�صته (العنقاء) وت�أثره‬ ‫بق�ص�ص �ألف ليلة وليلة‪ ،‬بغ�شاوة وا�ضحة وجلية‪،‬‬ ‫بقوله‪( :‬وتحكي الأ�سطورة ب�أن العنقاء يعي�ش في‬ ‫بالد العرب)‪ ،‬ثم في مكان �آخر من ذات الق�صة‪:‬‬ ‫(يا طير الجنة‪ ،‬يا من تتجدد كل عام‪ ،‬تولد في‬ ‫اللهب وتموت في اللهب‪ ،‬ل�ست �سوى �أ�سطورة‬ ‫طائر العنقاء في بالد العرب)‪.‬‬ ‫وقد بينت الناقدة والأديبة الإنجليزية (فيا‬ ‫وي��ل��دون) خ�صو�صية ق�ص�ص �أندر�سن‪ ،‬مبينة‬ ‫ال�سبب الذي جعلها خالدة في ذاكرة الأجيال‪�( :‬إن‬ ‫حكايات هانز كري�ستيان �أندر�سن الخيالية‪ ،‬لي�ست‬ ‫خيالية على الإطالق‪ ..‬هي ممتعة للغاية لدرجة‬ ‫تمتزج معها بالألم‪ ،‬وهي تظل تقدم لنا العديد‬ ‫من ال�شخ�صيات القديمة الم�ألوفة‪ ،‬التي تغذي‬ ‫عقلنا الجماعي الغربي ال�لاواع��ي؛ فالحورية‬ ‫ال�صغيرة الت��زال تعاني‪ ،‬بينما يتزوج �أميرها‬ ‫المحبوب فتاة غير منا�سبة له‪ .‬والفتاة ال�صغيرة‬ ‫تجل�س في زوايا �شوارعنا‪ ،‬والبطة القبيحة �ستفرد‬ ‫جناحيها يوم ًا ما لتطير كالبجع)‪.‬‬ ‫لذلك ترجمت �أعمال �أندر�سن �إلى �أكثر من‬ ‫(‪ )150‬لغة‪ ،‬لأنها جديرة بالوجدان الإن�ساني‪،‬‬ ‫وق���ادرة على �أن تجعل كاتبها ف��ي م�صاف‬ ‫الخالدين من الكتاب العظام‪ ،‬الذين كان لهم‬ ‫دور في تغيير الوجدان الإن�ساني‪ ،‬وتر�سيخ القيم‬ ‫الأخالقية في ذات الكبار وال�صغار‪ ،‬لذلك يرى‬ ‫بع�ضهم �أن مقامه في بلده كمقام المتنبي لدى‬ ‫الأمة العربية‪.‬‬

‫�أ�صبح عيد ميالده‬ ‫يوم ًا عالمي ًا لك ّتاب‬ ‫�أدب الأطفال‬

‫م�ؤ�س�س ق�ص�ص‬ ‫الأطفال بخ�صائ�صها‬ ‫الحديثة وحموالتها‬ ‫الأخالقية‬ ‫والتربوية‬

‫بنى عالمه المده�ش‬ ‫بالتخييل واالطالع‬ ‫على الموروث‬ ‫ال�شعبي الإن�ساني‬

‫ت�أثر بحكايات‬ ‫والدته وقراءة كتاب‬ ‫(�ألف ليلة وليلة)‬

‫من م�ؤلفاته‬ ‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪75‬‬

‫مقاالت‬

‫�إرن�ست همنجواي‬

‫�سو�سن محمد كامل‬

‫�إرن�ست ميلر همنجواي (‪1961-1899‬م)‬ ‫من �أه� ّ�م روائ� ّ�ي��ي الأدب الكال�سيكي الأمريكي‬ ‫في القرن الع�شرين‪� ،‬صحافي‪ ،‬وروائ ��ي‪ ،‬كتب‬ ‫معظم �أعماله في الفترة ما بين الع�شرينيات‬ ‫والخم�سينيات من القرن الما�ضي‪ ،‬وفاز بجائزة‬ ‫نوبل للأدب عام (‪1954‬م) عن روايته ال�شهيرة‬ ‫(العجوز والبحر)‪.‬‬ ‫ولد �إرن�ست همنجواي في (�أوك ب��ارك) في‬ ‫الواليات المتحدة الأمريكية‪ ،‬ون�ش�أ مع والديه في‬ ‫ٍ‬ ‫�ضاحية من �ضواحي �شيكاغو‪ ،‬حيث علمه �أبوه‬ ‫�صيد الأ�سماك وحب الحياة في �أح�ضان الطبيعة‪.‬‬ ‫غلبت عليه في بداية حياته النظرة الت�شا�ؤمية‬ ‫للعالم‪ ،‬فكان ميا ًال للعزلة‪ ،‬وتعر�ض خاللها �إلى‬ ‫كثير من الأحداث والنك�سات والأمرا�ض النف�سية‬ ‫�إلى �أن قرر �أن ينهي حياته ببندقيته التي الزمته‬ ‫حتى �آخر لحظة في حياته (ابتعادنا عن الب�شر‬ ‫ال يعني كره ًا �أو تغيراً‪ ...‬العزلة وطن ل�ل�أرواح‬ ‫المتعبة)‪ ،‬وفي فترة الثالثينيات �أم�ضى وقته‬ ‫ف��ي البحث ع��ن المغامرات‪ ،‬حيث ق��ام ب�صيد‬ ‫الحيوانات في �إفريقيا‪ ،‬وم�صارعة الثيران في‬ ‫�إ�سبانيا‪ ،‬و�صيد الأ�سماك في فلوريدا‪ ،‬و�شارك‬ ‫في الحربين العالميتين الأولى والثانية كمرا�سل‬ ‫�صحافي‪ ،‬وفي هذه الفترة كتب رواياته (لمن‬ ‫ّ‬ ‫تقرع الأجرا�س) التي ُر ّ�شحت لنيل جائزة بوليتزر‪،‬‬ ‫وكذلك (�أن تملك و�أن ال تملك) عام (‪1937‬م)‪،‬‬ ‫وك��ت��اب (رج ��ال ف��ي ال��ح��رب) ع��ام (‪1942‬م)‪،‬‬ ‫ورواية (عبر النهر وبين الأ�شجار) التي حازت‬ ‫جائزة بوليتزر للخيال عام (‪1953‬م)‪.‬‬ ‫ا�شتملت �أع��م��ال همنجواي المبكرة على‬ ‫مجموعات من الق�ص�ص الق�صيرة‪ ،‬مثل (ثالث‬

‫‪76‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫الم�س في رواياته انك�سارات‬ ‫وانت�صارات الوجود الإن�ساني‬

‫ق�ص�ص وع�شر ق�صائد)‪ ،‬وه��ي حكايات تمثل‬ ‫مرحلة �شبابه‪ ،‬و ُت َع ّد رواية (ال�شم�س ت�شرق �أي�ض ًا)‬ ‫�سبب �شهرة همنجواي المبكرة‪ ،‬وه��ي ق�صة‬ ‫مجموعة من ال�شباب الأمريكيين والبريطانيين‬ ‫الذين يعي�شون في فرن�سا و�إ�سبانيا بال هدف‪،‬‬ ‫يمثلون جيل مرحلة ما بعد الحرب العالمية‬ ‫الأول��ى‪ ،‬حيث �أ�صبح همنجواي �أديب ًا مهم ًا في‬ ‫حياة هذا (الجيل ال�ضائع) ح�سب ت�سمية (غرترود)‬ ‫الأديبة الألمانية التي عرفته �إل��ى العديد من‬ ‫عظماء ك ّتاب وفناني الع�صر‪ ،‬مثل‪�( :‬سكوت‬ ‫فتزجرالد‪ ،‬و�إزرا باوند‪ ،‬وبابلو بيكا�سو‪ ،‬وجيم�س‬ ‫جوي�س)‪� .‬أما روايته المهمة الثانية فهي (وداع ًا‬ ‫�أيها ال�سالح) ‪)1929‬م)‪ ،‬وتتحدث عن حكاية‬ ‫حب في �إيطاليا بين �أمريكي يعمل في الخدمة‬ ‫الإ�سعافية الإيطالية وممر�ضة بريطانية‪ .‬كتب‬ ‫روايته (الفائز يخرج �صفر اليدين)‪ ،‬ثم توقف‬ ‫عن الن�شر حتى (‪1935‬م)‪ ،‬لتظهر رواية (روابي‬ ‫�إفريقيا الخ�ضراء)‪ ،‬وهي عبارة عن رحلة �إلى‬ ‫�إفريقيا ل�صيد الطرائد البرية‪ .‬كانت هذه ال�سنة‬ ‫عالمة فارقة في �أدب همنجواي‪ ،‬حيث ن�شر �أي�ض ًا‬ ‫رواية (لمن تقرع الأجرا�س) التي حققت نجاح ًا‬ ‫�ساحق ًا‪� ،‬إذ تجاوزت مبيعاتها المليون ن�سخة في‬ ‫ال�سنة الأولى لن�شرها‪.‬‬ ‫عك�س �أدب همنجواي تجاربه ال�شخ�صية في‬ ‫الحربين العالميتين الأول��ى والثانية‪ ،‬والحرب‬ ‫الأهلية الإ�سبانية‪ ،‬وت��رك ب�صمته على الأدب‬ ‫الأمريكي الكال�سيكي الذي �صار واحداً من �أهم‬ ‫�أعمدته‪ ،‬حيث بد�أ همنجواي الكتابة با�ستك�شاف‬ ‫مو�ضوعي الي�أ�س والهزيمة وعدم اال�ست�سالم‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ف�شخ�صياته دائ��م � ًا �أف� ��راد �أب��ط��ال يتحملون‬

‫يعد من �أهم روائيي‬ ‫الأدب الأمريكي في‬ ‫القرن الع�شرين‬

‫فكرة‬

‫الم�صاعب دونما �شكوى �أو �أل��م‪ ،‬وتعك�س هذه‬ ‫ال�شخ�صيات طبيعة همنجواي ال�شخ�صية‪� ،‬إال �أنه‬ ‫يعبر في �أواخر ثالثينيات القرن الع�شرين‬ ‫راح ّ‬ ‫عن وعي اجتماعي و�سيا�سي؛ ففي روايته (�أن‬ ‫تمتلك و�أن ال تمتلك)‪ ،‬وفي م�سرحيته (الطابور‬ ‫الخام�س)؛ يحتفي همنجواي بما �أظهره ال�شعب‬ ‫الإ�سباني في الحرب الأهلية من كرامة ونبل‪،‬‬ ‫ويدين بقوة �صنوف الظلم‪ ،‬وكان يرى �أن �ضياع‬ ‫الحرية في �أي مكان ينبغي �أن يكون جر�س �إنذار‬ ‫للعالم كله‪.‬‬ ‫يعد همنجواي من رواد الأ�سلوب الواقعي‬ ‫الب�سيط‪ ،‬فقد اعتمد الدقة في الو�صف‪ ،‬وتتابع‬ ‫الأح ��داث‪ ،‬وا�ستخدم تقنية (الفال�ش ب��اك) في‬ ‫ا�سترجاع تفا�صيل حياته‪� ،‬إ�ضافة �إلى توظيفه‬ ‫المونولوج الداخلي والخارجي في �سرد الأحداث‪،‬‬ ‫�أم��ا على م�ستوى اللغة ال�سردية‪ ،‬فقد انتقل‬ ‫باللغة الأدبية الإنجليزية من التراكيب المعقدة‬ ‫وال��م��ف��ردات ال�صعبة وال��ن��ادرة‪� ،‬إل��ى الأل��ف��اظ‬ ‫الب�سيطة والتعبيرات الوا�ضحة‪ ،‬كذلك تميز �أ�سلوب‬ ‫همنجواي بالعمق في الكتابة والإيجاز في اللغة؛‬ ‫ف�أ�سلوبه �سهل ُممتنع ‪ُ ،‬يعبر عن الفكرة بمفردات‬ ‫قليلة ولكنها محملة بمعانٍ غزيرة‪ ،‬وه��ذا ما‬ ‫ي�ؤكده بقوله‪( :‬على الك ّتاب �أن يكتبوا واقفين‪،‬‬ ‫وحينها �سيتقنون كتابة الجمل الق�صيرة)‪ ،‬ما‬ ‫جعل الناقد البريطاني �أنتوني برج�س (‪1917‬ــ‬ ‫‪1993‬م) يقول عن ق�صة ال�شيخ والبحر‪�( :‬إنه ن�ص‬ ‫ال ُي�ضاهى‪ ،‬كل كلمة فيه ذات داللة وال يوجد لفظ‬ ‫واحد زائد)‪.‬‬ ‫اكت�سب همنجواي هذا الأ�سلوب في ال�سرد من‬ ‫عمله ال�صحافي‪ ،‬الذي يتطلب �أن ينقل الحوادث‬ ‫بنوع من الحيادية في ال�سرد‪ ،‬وع��دم �إ�ضفاء‬ ‫�أي عاطفة على الخبر‪ ،‬بطريقة �شفافة مجردة‬ ‫من �أي��ة فكرة م�سبقة‪ ،‬واالبتعاد عن االلتزام‬ ‫ب�أي موقف اجتماعي �أو �أ�سطوري للغة‪ ،‬كذلك‬ ‫ا�ستخدم همنجواي تقنية ‪� Ice peak‬أي (قمة‬ ‫جبل الجليد) التي ابتكرها‪ ،‬فهو ال يك�شف من‬ ‫الحقائق والم�شاهد �إال جزءاً قلي ًال منها‪ ،‬ويترك‬ ‫الباقي للقارئ ُليعمل فيه خياله وت�أويله‪ ،‬وهو‬ ‫ما �أطلق عليه بع�ض النقاد (الإ�شارة ال العبارة‪،‬‬ ‫والتلميح ال الت�صريح)‪ ،‬ولي�ست اللغة الإ�شارية‬ ‫التي ي�ستخدمها همنجواي تقت�صر فقط على‬ ‫ال�شكل‪ ،‬بل امتدت كذلك �إلى الم�ضمون‪� ،‬أي �أنه‬ ‫كان ين�أى بنف�سه عن الأ�سلوب التقريري‪.‬‬

‫كتب هيمنجواي روايته (العجوز والبحر)‪،‬‬ ‫في كوبا في العام (‪1952‬م)‪ ،‬والتي ح�صل من‬ ‫خاللها على جائزة نوبل عام (‪1954‬م)‪ ،‬وتمثل‬ ‫الرواية �صراع الإن�سان مع الحياة و�أهمية ال�صبر‬ ‫والثبات‪ ،‬والتم�سك ب��الأم��ل والإرادة لتحقيق‬ ‫ما ي�صبو �إليه‪ ،‬من خ�لال �صياد عجوز يدعى‬ ‫�سانتياغو �سيئ الحظ‪ ،‬فهو لم ي�صطد �أي �سمكة‬ ‫منذ خم�سة وثمانين ي��وم� ًا‪ ،‬وبرغم �سوء حظ‬ ‫العجوز ظل متلهف ًا للخروج لل�صيد دائم ًا‪ .‬كان‬ ‫العجوز يخرج لل�صيد وحيداً بعد �أن تخلى عنه‬ ‫مرافقه ال�شاب‪� ،‬إل��ى �أن ا�صطاد �سمكة �ضخمة‬ ‫�سحبت قاربه لمدة يومين وليلتين‪ ،‬و�أخ��ي��راً‬ ‫قتلها بحربته‪ ،‬ثم ربطها على طول قاربه‪ ،‬وبد�أ‬ ‫في رحلة العودة الطويلة‪ ،‬حيث هاجمته �أ�سماك‬ ‫القر�ش ومزقت ال�سمكة‪ ،‬وهو يحاول �أن يقاتلها‬ ‫ويبعدها‪ ،‬فيته�شم مجذافاه وتنك�سر دفة القارب‪،‬‬ ‫وحين يعود لير�سو في المرف�أ‪ ،‬ال يكون قد بقي‬ ‫�شيء من ال�سمكة �سوى ر�أ�سها والهيكل العظمي‬ ‫والذيل‪ .‬ي�صل العجوز �إلى كوخه منهك القوى‪،‬‬ ‫وعندما ر�أى النا�س هيكل ال�سمكة انده�شوا من‬ ‫كبرها وعظمتها‪ ،‬وبقي ا�سم ال�صياد �سانتياغو‬ ‫مرفوع ًا ومفتخراً به حتى هذا اليوم‪.‬‬ ‫ت�صور الرواية ال�صراع بين الإن�سان وقوى‬ ‫الطبيعة‪ ،‬وتج�سده في بطلها العجوز (�سانتياجو)‬ ‫مع �أ�سماك القر�ش المتوح�شة وال�سمكة الكبيرة‬ ‫الجبارة ف��ي البحر‪ ،‬كما تظهر ق��وة الإن�سان‬ ‫وت�صميمه وعزمه على نيل �أهدافه والو�صول‬ ‫�إلى ما ي�صبو �إليه‪ ،‬و�إمكانية انت�صاره على قوى‬ ‫ال�شر والطبيعة‪ ،‬متمث ًال مقولته ال�شهيرة (الإن�سان‬ ‫يمكن هزيمته‪ ،‬لكن ال يمكن قهره)‪.‬‬ ‫ظهرت �شخ�صية همنجواي في ال�سينما في‬ ‫فيلم (منت�صف الليل في باري�س) (‪2011‬م)‪،‬‬ ‫و�أدى �شخ�صيته الممثل كوري �ستول‪ ،‬وفي فيلم‬ ‫(همنجواي وغيلهورن) و�أدى �شخ�صيته الممثل‬ ‫كاليف �أوين‪ ،‬كما حولت روايته (العجوز والبحر)‬ ‫�إلى فيلم �سينمائي عام (‪1958‬م) يحمل اال�سم‬ ‫نف�سه‪ ،‬والفيلم للمخرج الأمريكي جون �ستورج�س‪،‬‬ ‫و�شارك في بطولته الممثالن الأمريكيان �سبن�سر‬ ‫ترا�سي‪ ،‬وهاري بيالفر‪ .‬وفي العام (‪1990‬م)‪،‬‬ ‫قدمت الرواية في فيلم تلفزيوني بطولة الفنان‬ ‫العالمي �أنطوني كوين و�إخ ��راج ج��ود تايلور‪،‬‬ ‫و�شارك في بطولته الممثالن جاري كول‪ ،‬وجو‬ ‫�سانتو�س‪.‬‬

‫بد�أ م�شروعه الأدبي‬ ‫بكتابة الق�صة‬ ‫الق�صيرة‬

‫عك�س �أدبه تجاربه‬ ‫ال�شخ�صية بين‬ ‫الحربين العالميتين‬

‫ينتمى �إلى التيار‬ ‫الواقعي وب�أ�سلوب‬ ‫عميق الدالالت‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪77‬‬

‫ا�ستلهمت من التاريخ خطوطها العري�ضة‬

‫رواية «الأزبكية» للكاتب نا�صر عراق‬ ‫من الظواهر الالفتة في الآون��ة الأخ��ي��رة كثرة اتجاه‬ ‫ال���رواي���ات الحديثة �إل���ى ال��ت��اري��خ‪ ،‬ال���ذي ي��وف��ر هيكل‬ ‫ال���رواي���ة وم��ج��رى الأح������داث وال��خ��ل��ف��ي��ة ال��م��ك��ان��ي��ة‪،‬‬ ‫وال��ك��ث��ي��ر م��م��ا ت��ح��ت��اج �إل���ي���ه رواي�����ة ت����روم االك��ت��م��ال‬ ‫الفني‪ ،‬ك��ل خ��ام��ات العمل م��ت��واف��رة ف��ي ه��ذه الحالة‪،‬‬ ‫�أديب ح�سن‬ ‫ويقت�صر دور الروائي على حبك حكاية متخيلة لعدة‬ ‫�شخو�ص‪ ،‬يتحركون �ضمن �سياق التاريخ ل�شخو�ص و�أح��داث جرت بالفعل‪.‬‬

‫الأمر ال يعني اال�ست�سهال بالطبع‪ ،‬ففي‬ ‫هذه الحالة يجب على الروائي‪ ،‬قراءة الكثير‬ ‫من المراجع التاريخية والأدب��ي��ات‪ ،‬التي‬ ‫تر�صد الفترة التي اختار لروايته زمنها‪،‬‬ ‫وه��ي مغامرة محفوفة باحتماالت‬ ‫النجاح والف�شل‪ ،‬اختار الروائي الم�صري‬ ‫نا�صر ع��راق خو�ض غمارها في روايته‬ ‫(الأزب��ك��ي��ة) التي �أخ��ذت عنوانها من حي‬ ‫الأزبكية في القاهرة الذي كان مقر العديد‬ ‫من الحكام والجنراالت والبا�شاوات‪ ،‬الذين‬ ‫تعاقبوا على حكم م�صر‪ ،‬خالل فترة حرجة‬ ‫متقلبة من تاريخها‪.‬‬ ‫تمتد �أحداث الرواية على مدار �سنوات‬ ‫�سبع ما بين (‪ 1798‬و‪1805‬م)‪ ،‬بداية من‬ ‫الحملة الفرن�سية بقيادة نابليون بونابرت‪،‬‬ ‫وانتهاء بتولي محمد علي با�شا‪ ،‬مقاليد‬ ‫حكم م�صر‪.‬‬ ‫ال�شخ�صية المحورية في الرواية �شاب‬ ‫م�صري‪ ،‬هو �أي��وب ال�سبع‪ ،‬ال��ذي يعمل في‬ ‫مهنة ن�سخ الكتب التي تعطيه مقداراً من‬ ‫الوعي الب�سيط مغلف ًا بقوقعة ال منا�ص‬ ‫منها م��ن الأف��ك��ار التقليدية المتوارثة‪،‬‬ ‫ال �سيما الدينية منها‪ ،‬لكن وعيه ين�ضج‬ ‫تدريجي ًا عندما يتعرف �إلى (�شارل) الر�سام‬ ‫‪78‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫قراءة‬ ‫الفرن�سي العا�شق لم�صر والمت�شبع ب�أفكار‬ ‫الثورة الفرن�سية كونه �أحد الم�شاركين بها‪ ،‬يبد�أ‬ ‫�أيوب بت�شكيل ع�صبة من ال�شباب المقربين منه‬ ‫تهدف في البداية �إلى طرد المحتل الفرن�سي‬ ‫لمجرد كون الفرن�سيين من دين �آخر بينما ال‬ ‫يرون م�شكلة في حكم المماليك �أو العثمانيين‪،‬‬ ‫ومع تطور الأحداث يتحول غر�ض الع�صبة �إلى‬ ‫محاربة كل وجود �أجنبي طامع‪ ،‬وال�سعي �إلى‬ ‫المطالبة بتولي �شخ�صية م�صرية حكم البلد‪،‬‬ ‫بعد �أن انك�شفت نوايا العثمانيين و�أتباعهم‬ ‫الذين يحتمون ب�ستار الدين لتغطية المظالم‬ ‫والويالت التي جروها على ال�شعب الم�سكين‪.‬‬ ‫يلعب خيال الكاتب و�أ�سلوبه الر�شيق دوراً‬ ‫كبيراً في خلق العديد من ب�ؤر الأح��داث التي‬ ‫تن�سجم مع الفترة التاريخية تلك‪ ،‬من دون �أن‬ ‫تكون حوادث حقيقية؛ فالرواية غير الت�أريخ‬ ‫و�إن ا�ستلهمت منه الخطوط العري�ضة التي‬ ‫تطرح تحت ظلها مقوالتها التي يبدو الكاتب‬ ‫متحم�س ًا ب�شدة لبع�ضها من خالل الحوارات‬ ‫المنعقدة بين بع�ض ال�شخو�ص‪ ،‬ومنها فكرة‬ ‫(الدين هلل والوطن للجميع)‪ ،‬ويعبر من خاللها‬ ‫عن خطر الأفكار المتطرفة الهدامة التي يغذيها‬ ‫التجهيل الممنهج والأمية‪.‬‬ ‫ثمة ح�ضور الف��ت للمر�أة في كل ف�صول‬ ‫الرواية؛ المر�أة ال�شرقية الم�صرية �أو المملوكية‬ ‫المت�أرجحة بين �صورتين‪ :‬الم�سحوقة المجردة‬ ‫م��ن ك��ل الحقوق والخا�ضعة ل�سلطة الرجل‬ ‫المطلقة‪ ،‬والغنية المترفة الباحثة عن اللذات‬ ‫في كل حدب و�صوب‪ ،‬وال��م��ر�أة الغربية التي‬ ‫ال يخفي الكاتب �إعجابه ب�أفكارها المتنورة‬

‫وحبها للفن وللحياة‪ ،‬وثقتها الكبيرة بقدرتها‬ ‫على التميز في كل المجاالت‪.‬‬ ‫وال يغفل الكاتب في خلفية الرواية عن‬ ‫االهتمام بالمكان ور�صد نب�ضه وتفا�صيله‬ ‫وت�أثيره في النا�س‪ ،‬فالرواية تقدم لنا �صورة‬ ‫موحية للقاهرة في تلك الأيام‪ ،‬وهناك تناغم‬ ‫متقن وتوا�شج وثيق بين الأمكنة وال�شخو�ص‬ ‫والأحداث‪ ،‬بحيث يبدع الكاتب في حياكة لوحة‬ ‫فنية ناب�ضة متكاملة‪ ،‬تنقل لنا الم�شهد حي ًا‬ ‫ناب�ض ًا كما لو �أننا نر�صده بحوا�سنا‪ ،‬وهذا مما‬ ‫ي�سجل للروائي ابن المكان القاهري‪ ،‬والأمين‬ ‫على خ�صو�صيته وتفرده‪.‬‬ ‫رواية ترجع للتاريخ‪ ..‬ت�ستفيد منه وتتكئ‬ ‫عليه‪ ،‬لكنها بالمقابل تبدع حكاياتها وتطرح‬ ‫مقوالتها‪ ،‬ال��ت��ي ت�صلح بكل ت�أكيد للزمن‬ ‫المعا�صر‪ ،‬وتعيد ر�صد م�شاكل وعلل المجتمع‬ ‫كخطوة في طريق الإ�صالح الطويل‪.‬‬

‫نابليون‬

‫محمد علي با�شا‬

‫حديقة الأزبكية في القاهرة‬

‫رواية ترجع للتاريخ‬ ‫دون �أن يكون‬ ‫�أ�شخا�صها وحوادثها‬ ‫حقيقيين‬

‫نجح نا�صر عراق في‬ ‫حبك حكاية متخيلة‬ ‫لعدة �أ�شخا�ص �ضمن‬ ‫ال�سياق التاريخي‬ ‫(‪١٨٠٥-١٧٩٨‬م)‬

‫لم يغفل الكاتب عن‬ ‫االهتمام بالمكان‬ ‫وتفا�صيله فقدم‬ ‫�صورة حية لحي‬ ‫الأزبكية والقاهرة‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪79‬‬

‫مقاالت‬

‫الـحــداثـة ال�شـعـريــة‬

‫والوعي المعرفي‬

‫غ�سان كامل ونو�س‬ ‫ال ن�ضيف جديداً‪ ،‬وال نعطي المو�ضوع‬ ‫ح ّقه‪ ،‬حين نقول‪ّ � :‬إن الحداثة‪ ،‬تتط ّلب وعي ًا‬ ‫معرفي ًا‪ ،‬ال يتو ّقف على الثقافة وحدها؛ بل‬ ‫ّ‬ ‫إن�ساني؛‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫الن�شاط‬ ‫مجاالت‬ ‫بمختلف‬ ‫�صل‬ ‫ي ّت‬ ‫ّ‬ ‫نوعية الت�أ ّثر‬ ‫يت�أ ّثر بها‪ ،‬وي�ؤ ّثر فيها‪ ،‬وتختلف ّ‬ ‫والت�أثير‪ ،‬ون�سبة ك ّل منهما‪ ،‬ح�سب المكان‬ ‫والمتغيرات‬ ‫والزمان والعنا�صر والوقائع‬ ‫ّ‬ ‫واالخ��ت��راق��ات وال ��ظ ��روف وال��م��م��ار���س��ات؛‬ ‫يتبدى ذلك في‬ ‫�أ�شخا�ص ًا وو�سائل‪ ،‬و�أ�ساليب‪ّ ..‬‬ ‫النظر والمحاكمة والحركة والمنعك�س �إزاء ما‬ ‫كان‪ ،‬ويكون‪ ،‬ويمكن �أن يكون‪.‬‬ ‫العالميتان الأولى‬ ‫و�إذا ما كانت الحربان‬ ‫ّ‬ ‫أوروبا والعالم‪،‬‬ ‫والثانية‪ ،‬قد �أ ّثرا بفظائعهما في � ّ‬ ‫و�أ�سهما؛ ب�شكل �أو ب�آخر‪ ،‬في بروز بع�ض معالم‬ ‫الحداثة‪ ،‬وما بعد الحداثة‪ ،‬وم�ساراتها هناك‪،‬‬ ‫العربي المعا�صر‪ ،‬وللأ�سف‪ ،‬ما‬ ‫ف� ّإن في واقعنا‬ ‫ّ‬ ‫ال ي�ستهان به من �أحداث ج�سيمة‪ ،‬يفتر�ض �أن‬ ‫يكون لها ت�أثير ي�شابه‪� ،‬أو يختلف؛ بيد � ّأن الأمر‬ ‫هناك ت�أ ّثر �أي�ض ًا باالختراقات في مختلف‬ ‫واالقت�صادية‬ ‫العلمية‬ ‫�ش�ؤون الحياة والكون‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫والتقنية‪ ..‬وه��ذا‪،‬‬ ‫واالجتماعية‬ ‫والنف�سية‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫للأ�سف �أي�ض ًا‪ ،‬ما نفتقده لدينا الآن‪ ،‬وفي‬ ‫الما�ضي غير البعيد (وللأ�سف �أي�ض ًا و�أي�ض ًا؛‬ ‫ف� ّإن الموهوبين والمبدعين العرب‪ ،‬ينجزون‬ ‫بتميز في مجتمعات �أخرى!)؛ ما يترك مجا ًال‬ ‫ّ‬ ‫التردد والبطء واال�ضطراب في م�سار‬ ‫لتف�سير‬ ‫ّ‬ ‫المتنوعة‪،‬‬ ‫وتمظهراتها‬ ‫ة‬ ‫العربي‬ ‫الحداثة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وتل ّقيها؛ مع اختالف ن�سبة ذلك بين مجال‬ ‫وحيز و�آخر‪.‬‬ ‫و�آخر‪ّ ،‬‬ ‫�شك في � ّأن الأدب‪ ،‬والثقافة عموم ًا‪،‬‬ ‫وال ّ‬ ‫م��ي��دان م��ه� ّ�م لتخوي�ض مثل ه��ذا ال��ح��راك‪،‬‬ ‫وظهور �آثاره ومالمحه وتج ّلياته‪ ،‬وال�شعر من‬ ‫أدبية تفاع ًال مع المتل ّقين؛‬ ‫�أبرز الأجنا�س ال ّ‬ ‫الن�ص‬ ‫يحتاج‬ ‫أن‬ ‫�‬ ‫البدهي‬ ‫قديم ًا وحديث ًا‪ .‬ومن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫‪80‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫ن�ص �أدب� ّ�ي �آخ��ر‪� ،‬إل��ى حامل‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ال�شعري‪ ،‬و� ّأي ّ‬ ‫(مجلت �أو‬ ‫ة‬ ‫أدبي‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ات‬ ‫والدوري‬ ‫مثل الكتب‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الدوريات‬ ‫الثقافية في‬ ‫�صحف)‪ ،‬وال�صفحات‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫المتخ�ص�صة‪،‬‬ ‫أدبية‬ ‫المنوعة‪ ،‬والم�سابقات ال ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ومنبر الإل��ق��اء ف��ي مكان ع��ام �أو خا�ص‪،‬‬ ‫والبث الإذاعي والتلفزيوني‪،‬‬ ‫والمهرجانات‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ال��ذي دخ��ل ك� ّل بيت‪ ،‬وال�شبكة العنكبوتية‬ ‫إلكتروني)‪ ،‬التي باتت ت�شاغل ك ّل‬ ‫(الف�ضاء ال‬ ‫ّ‬ ‫�شخ�ص‪ ،‬وفي ك ّل حين‪ .‬وقد يرافق هذا �أو ذاك‬ ‫�أو يتبعه نقد‪� ،‬أو حوار مفتوح �أو مغلق‪ ،‬حول‬ ‫ما ُن�شر‪� ،‬أو ُب ّث‪� ،‬أو ُقرئ‪ ،‬وقد يفتقد مثل هذا‪،‬‬ ‫�سره‪،‬‬ ‫ويترك �أمر التل ّقي للمتل ّقي نف�سه‪ ،‬في ّ‬ ‫الخا�صة‪ ،‬وفي ردوده المكتوبة؛‬ ‫وفي لقاءاته‬ ‫ّ‬ ‫أحب التفاعل العلني‪.‬‬ ‫�إن � ّ‬ ‫وربما معاناة‬ ‫ويمكن القول بعد معاي�شة ّ‬ ‫مبا�شرة وغير مبا�شرة‪ ،‬م�س�ؤولة وم�ستق ّلة‪،‬‬ ‫ن�سجل‬ ‫فاعلة ومتفاعلة‪ ،‬منذ عقود‪ ،‬يمكن �أن ّ‬ ‫بع�ض المالحظات؛ التي ت��ب� ّ�دت‪ ،‬وتكاد ال‬ ‫المهتم بالأدب والثقافة‬ ‫تخفى‪ ،‬على المتابع‬ ‫ّ‬ ‫والحداثة والإن�سان والكون‪:‬‬ ‫ال�شعرية‬ ‫ة‬ ‫العربي‬ ‫الحداثية‬ ‫•� ّإن التجارب‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ال�شعرية لي�ست واحدة‪،‬‬ ‫العربية‪ ،‬وغير‬ ‫وغير‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وقد تتجاور‪ ،‬وتتوافق‪ ،‬وتختلف‪ ،‬وتتنافر‬ ‫�أكثر‪ ،‬لدينا؛ وهذا ما يتيح المجال رحب ًا‬ ‫لمن ينفتح على الحداثة‪ ،‬في �أن يم�ضي‬ ‫في خطاه؛ ولمن ينغلق عنها‪� ،‬أن تكون له‬ ‫م�سوغاته في االنف�ضا�ض عنها‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫•الي��زال (جمهور) متل ّقي ال�شعر الحديث‪،‬‬ ‫تردداته‬ ‫المعجبين به‪ ،‬ي�ش ّكلون ق ّلة‪ ،‬ولهذا ّ‬ ‫المب�شرة‪ ،‬وغير المريحة‪ ،‬في ما يتع ّلق‬ ‫غير‬ ‫ّ‬ ‫بالذائقة‪ ،‬والقبول‪ ،‬واال�ست�ساغة‪ ،‬والمنطق‬ ‫العام‪.‬‬ ‫•� ّإن للنماذج غير النا�ضجة م��ن ال�شعر‬ ‫الحديث ولن�سبتها المرتفعة في ما يقال‬ ‫�سلبي ًا في هذا ال�شعر‬ ‫وين�شر‬ ‫ويبث‪ ،‬ت�أثيراً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أدبية‬ ‫برمتها؛ ال ّ‬ ‫والموقف منه‪ ،‬وفي الحداثة ّ‬ ‫المع ِّكر‬ ‫أث��ر‬ ‫ل‬ ‫وغير الأدب� ّ�ي��ة؛ وهنا يبرز ا‬ ‫ُ‬ ‫�سيما للحداثة‪،‬‬ ‫للم�شهد‬ ‫برمته؛ وال ّ‬ ‫الثقافي ّ‬ ‫ّ‬

‫يدعيها كثيرون‪ِ ،‬لما ين�شر عبر ال�شبكة‬ ‫التي ّ‬ ‫العنكبوتية‪ ،‬ب��غ��زارة وا�ست�سهال و�سرعة‬ ‫بالعام ّية‪ ،‬موزون ًا‬ ‫وانفعال‪ ،‬بالف�صيحة �أو‬ ‫ّ‬ ‫�أو منثوراً �أو متر ّنح ًا بينهما‪ ،‬من دون‬ ‫مزين ًا ب�سيل الإعجابات‬ ‫� ّأي تقويم ج� ّ‬ ‫�اد‪َّ ،‬‬ ‫ومتوج ًا بالجوائز‬ ‫و�سال�سل عبارات المديح‪ّ ،‬‬ ‫وال�شهادات والألقاب‪ ،‬وتتفاقم هذه الظاهرة‬ ‫مع الأزمات المع ّقدة والم ّت�صلة؛ ومنها �أزمة‬ ‫وتتحول الكتب‬ ‫الورقي التي ت�ست�شري‪،‬‬ ‫الن�شر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫إلكتروني‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫الن�شر‬ ‫إلى‬ ‫�‬ ‫راد‬ ‫باط‬ ‫ات‬ ‫والدوري‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الم�س�ؤول وغير الم�س�ؤول‪.‬‬ ‫•ما �شهدته المنطقة في ال�سنوات الأخيرة‬ ‫فاعلية‬ ‫�سيما‬ ‫ّ‬ ‫من �أحداث وا�ضطرابات‪ ،‬وال ّ‬ ‫المتطرفة‪ ،‬وقدرتها على الت�أثير‬ ‫الأفكار‬ ‫ّ‬ ‫المبا�شر وغير المبا�شر في النا�س‪ ،‬ومنهم‬ ‫حقيقية‬ ‫مث ّقفون؛ ي�شير �إلى � ّأن هناك م�شكلة‬ ‫ّ‬ ‫المجتمعي‪،‬‬ ‫الجمعي‪ ،‬واالنتماء‬ ‫في الوعي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫والمواطنة؛ ما ينبغي التفكير في �أ�سباب‬ ‫داخلي ًا؛ من دون االقت�صار‬ ‫ما و�صلنا �إليه‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫على الأ���س��ب��اب ال��خ��ارج� ّ�ي��ة‪ ،‬واالع��ت��راف‬ ‫الثقافية في‬ ‫الثقافية وغير‬ ‫بم�س�ؤولياتنا‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫هذا‪.‬‬ ‫التطرف في ا ّتباع الحداثة‪� ،‬أو في الحفاظ‬ ‫•� ّإن‬ ‫ّ‬ ‫التقليدي‪ ،‬ال يختلفان؛ �أحدهما عن‬ ‫على‬ ‫ّ‬ ‫�سلبية وتنفيراً (للجمهور)‪ ،‬وي�شتركان‬ ‫الآخر‪ّ ،‬‬ ‫الحالي‪.‬‬ ‫الواقع‬ ‫عن‬ ‫ة‬ ‫ؤولي‬ ‫في الم�س� ّ‬ ‫ّ‬ ‫�شك في � ّأن للأ�سلوب‪ ،‬ال��ذي ُيعر�ض به‬ ‫•ال ّ‬ ‫مهم ًا في متابعته؛‬ ‫ّ‬ ‫الن�ص للمتل ّقي‪� ،‬أث��راً ّ‬ ‫�سواء �أكان هذا من قبل ال�شخ�ص نف�سه‪� ،‬أو‬ ‫يقدمه بالنيابة عنه‪ ،‬و� ّإن م�س�ألة ال�صوت‬ ‫من ّ‬ ‫والحيوية‪ ،‬والتعالي واالنبتات‬ ‫والنبرة‬ ‫ّ‬ ‫والنظرة اال ّتهامية‪ ..‬ك ّلها ت�ؤ ّثر في درجة‬ ‫التل ّقي‪ ،‬وال��ت��ق��ارب‪ ،‬وال��ت��وا���ص��ل م��ع هذا‬ ‫المهم من الوعي‪.‬‬ ‫المنحى‬ ‫ّ‬ ‫•الت��زال ثقافة الحوار والتعامل المحترم‬ ‫مع الر�أي الآخر المحترم‪ ،‬غائبة �أو عاجزة‬ ‫وفاعلية‪،‬‬ ‫وجد ّية‪،‬‬ ‫ؤولية‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫عن �أن ت�سود بم�س� ّ‬ ‫وانفتاح‪ ،‬وجدوى‪ ،‬واليزال التب ّني المنغلق‬

‫�أقالم‬

‫للأفكار هو الذي ي�سود؛ ما يدعو‪ ،‬في �أحيان‬ ‫توجه ذات� ّ�ي‪� ،‬إلى‬ ‫كثيرة‪ ،‬بتوجيه‬ ‫خارجي �أو ّ‬ ‫ّ‬ ‫الأ�سلم؛ وهو عدم �إف�ساح المجال ل ّأي حوار‬ ‫ممكن‪.‬‬ ‫مهم و�أ�سا�س ل�صاحب المنبر‪� ،‬أو‬ ‫•هناك دور ّ‬ ‫الثقافي فيه‪ ،‬في تعميم‬ ‫ؤول‬ ‫س�‬ ‫رئي�سه‪� ،‬أو الم�‬ ‫ّ‬ ‫المعرفة‪ ،‬وفتح الآف��اق‪ ،‬وتر�سيخ الحداثة‪� ،‬أو‬ ‫للتقليدية‪� ،‬أو �إتاحة التفاعل والتوا�صل‬ ‫الترويج‬ ‫ّ‬ ‫بين مختلف الأطراف والأفكار والأ�شكال؛ من‬ ‫التع�صب لأحد �أو فكرة‪ ،‬ويمكن له �أن يجعل‬ ‫دون‬ ‫ّ‬ ‫الحادة‪� ،‬أو‬ ‫للمواجهة‬ ‫ا‬ ‫م‬ ‫متقد‬ ‫ا‬ ‫خط‬ ‫منبره‬ ‫من‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يبتعد عن الم�شكالت والمخاطر‪ ،‬ويكون الموئل‬ ‫لديه هادئ ًا من�ساق ًا مع الأقوى والأكثر ح�ضوراً‬ ‫مهتم ًا بما ال يتيح ت�أوي ًال‪ ،‬وال يثير‬ ‫وهيمنة‪� ،‬أو‬ ‫ّ‬ ‫�أ�سئلة وت�سا�ؤالت‪ ،‬وال م�ساءلة‪ ،‬وال ي ّتخذ موقف ًا؛‬ ‫فيبدو الم�شهد لديه بال لون �أو طعم �أو رائحة!‬ ‫•من الم�ؤ�سي ح ّق ًا‪ ،‬وبعد عقود من التعامل في‬ ‫الثقافي‪ ،‬مع الحداثة والتقليد‪� ،‬أن تعود‬ ‫الو�سط‬ ‫ّ‬ ‫البدئي‪ ،‬في التعامل‬ ‫أو‬ ‫�‬ ‫‪،‬‬ ‫البدهي‬ ‫إلى‬ ‫�‬ ‫أ�سئلة‬ ‫بك ال‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الفكري‪،‬‬ ‫أدبية‪� ،‬أو مع منحاها‬ ‫ّ‬ ‫مع الأجنا�س ال ّ‬ ‫وم�شروعيتها‪ ،‬وجدواها؛ مثل‪ :‬لماذا الحداثة؟!‬ ‫ّ‬ ‫ولماذا ال�شعر الحديث؟! ومن �أنا�س لي�سوا من‬ ‫الثقافية؛ في‬ ‫العامة الجاهلة؛ بمعنى ال ّأم ّية‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الوقت ال��ذي تجاوز العالم ذل��ك نقداً وق��و ًال‬ ‫وفع ًال؛ و�صو ًال �إلى ما بعد الحداثة‪ ،‬وما بعد بعد‬ ‫منطقية هذا �أو ذاك‪� ،‬أو‬ ‫الحداثة؛ من دون اعتماد‬ ‫ّ‬ ‫الثقافي‬ ‫الم�شروع‬ ‫في‬ ‫الوهن‬ ‫نفيها! وهذا ي� ّؤكد‬ ‫ّ‬ ‫لدينا‪ ،‬والت�ش ّتت والحيرة وال�ضياع في الحا�ضر‬ ‫والفردي؛ ولهذا �أ�سبابه‪ ،‬التي‬ ‫الجمعي‬ ‫الثقافي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫االدعاء‬ ‫دون‬ ‫من‬ ‫بع�ضها؛‬ ‫على‬ ‫ج‪،‬‬ ‫ونعر‬ ‫ّ‬ ‫عرجنا‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫ب�أ ّننا نكاد نح�صرها‪.‬‬ ‫الحداثي القراءة م� ّ�رات‪ ،‬وهذا‬ ‫الن�ص‬ ‫•يتط ّلب‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ما يتيحه المن�شور من الن�صو�ص؛ � ّأما ما هو‬ ‫م�سموع‪ ،‬فمن الع�سير م�سايرته‪ ،‬واالنفعال‬ ‫الجاد في ف�ضائه‬ ‫معه‪ ،‬وقد يطوف الم�ستمع‬ ‫ّ‬ ‫لكن من المتع ّذر على نفر‬ ‫العام �أو‬ ‫الخا�ص؛ ّ‬ ‫ّ‬ ‫تقري التفا�صيل‪ ،‬والروابط والعالئق‬ ‫غير قليل ّ‬ ‫بين ال��م��ف��ردات وال�صياغات؛ وقليلون من‬ ‫يجيدون جذب المتل ّقي ب�أ�صواتهم ونبراتهم‪،‬‬ ‫وهذه موهبة الإلقاء‪ ،‬التي تع ّز على كثيرين؛‬ ‫ما ي�ستدعي اختياراً منا�سب ًا للن�صو�ص‪ ،‬التي‬ ‫�ستقدم قراءة من على منبر‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫الملقي والمتل ّقي‪،‬‬ ‫بين‬ ‫المبا�شر‬ ‫التوا�صل‬ ‫•� ّإن‬ ‫ُ‬

‫حيوي ًا‪ ،‬وي�سمح ل�ل� ّأول �أن يعاين‬ ‫الجو‬ ‫يجعل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ردود الأف��ع��ال المبا�شرة وغير المبا�شرة‪،‬‬ ‫وم�ستوى ال��ت��ج��اوب �أو ن�سبته‪ ،‬وق��د يت�أ ّثر‬ ‫ب�شخ�صيته‬ ‫ب��ه الم�ستمع المبا�شر‪ ،‬ويقتنع‬ ‫ّ‬ ‫المعرفي‬ ‫فتتي�سر �سبل التوا�صل‬ ‫ومنطقه‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫إن�ساني بينهما‪ ،‬وبينه‪ -‬الثاني‪ -‬وبين‬ ‫وال‬ ‫ّ‬ ‫المنحى والم�ستوى والعنا�صر؛ كما قد يت�أ ّثر‬ ‫ويتنبه لبع�ض‬ ‫�صاحب الن�صو�ص بالمتل ّقي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫مالحظاته‪ ،‬وقد يحدث العك�س �أي�ض ًا؛ ما يثير‬ ‫تنافراً واخت�صام ًا وافتراق ًا مع ال�شخ�ص وما‬ ‫يم ّثل‪ ،‬وما يدعو �إليه‪.‬‬ ‫الفعاليات‬ ‫الحظ غياب مقلق للجيل ال�شاب عن‬ ‫• ُي َ‬ ‫ّ‬ ‫الثقافية المبا�شرة‪ ،‬وتكاد تكون الن�سبة الغالبة‬ ‫ّ‬ ‫ال�سن المتقاعدين؛‬ ‫كبار‬ ‫من‬ ‫الحا�ضرين‬ ‫من‬ ‫ّ‬ ‫المهمة‬ ‫أهم ّية ان�شغال ه��ذه ال�شريحة‬ ‫ّ‬ ‫وم��ع � ّ‬ ‫بالثقافة؛ بد ًال من ت�سليات �أخرى؛ ف� ّإن الثقافة‬ ‫�روري��ة للجيل‪ ،‬ال��ذي يفتر�ض �أن يت�سلم‬ ‫���ض� ّ‬ ‫زمام �ش�ؤون الآت��ي؛ (�إن لم نحل بينهم وبين‬ ‫ذل��ك؛ بال�سنن والقواعد والقوانين والأع��راف‬ ‫والتقاليد والكرامات وتبجيل القديم ال�ساري!)‪،‬‬ ‫بد منها‪ ،‬ومن التعامل معها وبوا�سطتها‪،‬‬ ‫وال ّ‬ ‫مع مختلف المفا�صل والأع�ضاء‪ ،‬والمتوارث‬ ‫ؤوليات و�أعباء‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫مهمات وم�س� ّ‬ ‫والم�ستجد من ّ‬ ‫الحداثي يحتاج �إلى عقل‬ ‫الن�ص‬ ‫أن‬ ‫�‬ ‫في‬ ‫�شك‬ ‫•ال ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بد من و�سيط‬ ‫منفتح‪ّ ،‬‬ ‫وتلق واع؛ وال ب�أ�س؛ بل ال ّ‬ ‫فك الم�ستغلق‪ ،‬وتقريب الم�ستبعد‪،‬‬ ‫قادر على ّ‬ ‫يتطرف‬ ‫وال‬ ‫ينحاز‪،‬‬ ‫ال‬ ‫الذي‬ ‫النقد‪،‬‬ ‫مهمة‬ ‫وهذه ّ‬ ‫ّ‬ ‫تيار‪ ،‬والت��زال هذه الحلقة‬ ‫لأح��د �أو فكرة �أو ّ‬ ‫مما ُيفتر�ض؛ ومن الم�شكالت التي تواجه‬ ‫�أوهى ّ‬ ‫والمهتم‪� ،‬أن يجد لغة النقد من‬ ‫المتابع‬ ‫المتل ّقي‬ ‫ّ‬ ‫وربما �أ�صعب!‬ ‫الن�ص‪ّ ،‬‬ ‫لغة ّ‬ ‫الحظ‪ ،‬في الآونة الأخيرة‪ ،‬ظاهرة تحتاج �إلى‬ ‫• ُت َ‬ ‫متابعة ودرا�سة؛ وهي انت�شار ال�شعر المكتوب‬ ‫المحكية على مختلف منابر‬ ‫باللهجات‬ ‫ّ‬ ‫ردة فعل على‬ ‫هي‬ ‫فهل‬ ‫والقراءة؛‬ ‫والبث‬ ‫الن�شر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الواقع الم�ضطرب‪ ،‬والمحت�شد بالمتدافعين‬ ‫�إل��ى الو�صول �إل��ى الحاجات‪ ،‬العاجزين عن‬ ‫تف�سير ما يجري‪ ،‬و�ضياع القناعة واليقين بما‬ ‫عفوية‬ ‫كان‪ ،‬وما هو بديل؟! وهل هذه م�سايرة‬ ‫ّ‬ ‫العاطفية؛ بد ًال من �صرف‬ ‫الغرائزية‬ ‫لالنفعاالت‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الجهد والوقت والطاقة‪( ،‬التي تكاد تنفد ك ّلها!)‬ ‫حداثي‪،‬‬ ‫ن�ص‬ ‫التمعن المديد‬ ‫في‬ ‫ّ‬ ‫المتب�صر في ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫واللهاث خلف ظالله و�أطيافه؟!‬

‫الحداثة ال تتوقف‬ ‫على الثقافة وحدها‬ ‫بل تت�صل بمختلف‬ ‫مجاالت الن�شاط‬ ‫الإن�ساني‬

‫الحربان العالميتان‬ ‫الأولى والثانية‬ ‫�أ�سهمتا في بروز‬ ‫معالم الحداثة‬

‫لدى الحداثة‬ ‫العربية تمظهراتها‬ ‫المتنوعة برغم‬ ‫التردد والبطء في‬ ‫م�سارها‬

‫تبقى الثقافة والأدب‬ ‫من �أهم الميادين‬ ‫التي تتحرك فيهما‬ ‫الحداثة‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪81‬‬

‫فقد احتل محمد العيد مكانة مرموقة‬ ‫�شخ�صية متميزة في ال�شعر الجزائري‬ ‫بغزارة �إنتاجه وتنوعه و�صدقه في فنه‬ ‫وم�����ش��اع��ره‪ .‬وق��ل��م��ا ي��وج��د ���ش��اع��ر مثقف‬ ‫عا�ش هذه الفترة الزمنية الطويلة الحافلة‬ ‫ب��الأح��داث والمواقف‪ ،‬كتلك التي عا�شها‬ ‫�شاعر مثل محمد العيد‪ ،‬ال��ذي ملأ �صيته‬ ‫رب��وع ال��وط��ن ال��ع��رب��ي‪ ،‬ب�أ�سلوبه الراقي‬ ‫و�أحا�سي�سه المختلفة ومو�ضوعاته الجديدة‬ ‫الجزائر ك�سائر الأم��م العريقة في المجد والح�ضارة‪،‬‬ ‫الجريئة‪ .‬وظهر ال�شاعر محمد العيد مع‬ ‫كوكبة من ال�شعراء في الجزائر على �إثر‬ ‫لها ت���راث علمي وث��ق��اف��ي‪� ..‬صنع ه��ذا ال��ت��راث �أدب���اء‬ ‫ال��ح��رب العالمية الأول���ى‪ ،‬وارت��ب��ط ا�سمه‬ ‫وعلماء و���ش��ع��راء‪ ،‬بقوا خالدين ب�أعمالهم‪ .‬وم��ن بين‬ ‫بالنه�ضة الإ�صالحية والتجديدية‪ ،‬ممثلة‬ ‫ه�����ؤالء ال��ذي��ن ك���ان ل��ه��م ال����دور الكبير ف��ي ب��ن��اء ه��ذا‬ ‫في جمعية العلماء بقيادة عبدالحميد بن‬ ‫التراث وال�صرح الكبير في نظم ال�شعر‪ ،‬ال�شاعر محمد‬ ‫بادي�س‪ ،‬ولذلك برز ا�سمه وامتد �صيته‪.‬‬ ‫د‪ .‬هانئ محمد‬ ‫ال��ع��ي��د (م��ح��م��د ال��ع��ي��د ب��ن م��ح��م��د ع��ل��ي ب��ن خليفة)‪،‬‬ ‫ولد ال�شاعر محمد العيد في مدينة عين‬ ‫ال�����ذي ك���ان���ت ل���ه ال�����ش��خ�����ص��ي��ة ال��م��ت��م��ي��زة ف���ي ال�����ش��ع��ر ال���ج���زائ���ري‪ .‬البي�ضاء عام (‪1904‬م)‪ ،‬وفيها ن�ش�أ‪ ،‬وتلقى‬ ‫درو�سه االبتدائية بمدر�ستها‪ .‬وكان للأ�سرة‬ ‫التي ن�ش�أ فيها‪ ،‬ف�ضل كبير فيما حققه من‬ ‫�إب��داع �أدب��ي وثقافي وفكري‪ ،‬فكانت �أول‬ ‫منبع لثقافته‪ ،‬فقد �أخذ منها الكثير؛ كحب‬ ‫الوطن وحب العقيدة والقيام بتعاليمها‪،‬‬ ‫وك��ذا محبة الأخ�ل�اق ال�سامية والتحلي‬ ‫بها‪ ،‬فكان ابن بيته‪ ،‬وقد جمع في تكوينه‬ ‫الفكري ما بين مبادئ الإ�صالح والنزعات‬ ‫الدينية وال�صوفية‪ .‬وبعد ذل��ك انتقل مع‬ ‫�أ�سرته �إلى (ب�سكرة) على �أبواب ال�صحراء عام‬ ‫(‪1918‬م)‪ ،‬ودر�س فيها على بع�ض ال�شيوخ‬ ‫الكبار مثل‪ :‬الجنيد �أحمد مكي‪ ،‬وعلي بن‬ ‫�إبراهيم العقبي‪ .‬وفي عام (‪1921‬م) �سافر‬ ‫�إلى تون�س‪ ،‬حيث تتلمذ لمدة عامين بجامع‬ ‫الزيتونة‪ ،‬وو�صف جامعة الزيتونة بالأبوة‪.‬‬ ‫و�شارك في حركة االنبعاث الفكري بالتعليم‬ ‫والن�شر في ال�صحف والمجالت‪ ،‬مثل (�صدى‬ ‫البلد‪ -‬المنتقد‪ -‬ال�شهاب‪ -‬الإ���ص�لاح‪-‬‬ ‫والب�صائر)‪ .‬وفي عام (‪1927‬م) تمت دعوته‬ ‫للذهاب �إل��ى العا�صمة الجزائرية ليعمل‬ ‫مدر�س ًا بالمدار�س الوطنية‪ .‬وكان له دور‬ ‫مهم‪ ،‬و�إ�سهام كبير في النه�ضة الفكرية‬ ‫وال�صحافية في الجزائر‪ ،‬و�شارك في ت�أ�سي�س‬ ‫جمعية العلماء الم�سلمين الجزائريين‪.‬‬ ‫ويعد ال�شاعر محمد العيد م��ن رواد‬ ‫ال�شعر العربي الحديث‪ ،‬وق��د �أطلق عليه‬ ‫�أدب��اء الجزائر لقب �أمير �شعراء الجزائر‪،‬‬ ‫و�شاعر القرن الع�شرين‪ .‬كما لقبه الب�شير‬ ‫الإبراهيمي بـ(�شاعر ال�شباب‪� ،‬شاعر الجزائر‬

‫محمد العيد‬ ‫�شاعر النه�ضة‬

‫‪82‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫تنوير‬ ‫ال��ف��ت��اة‪� ،‬شاعر ال�شمال الإف��ري��ق��ي‪ ،‬و�شاعر‬ ‫�شعره‬ ‫النه�ضة) ويقول فيه‪( :‬من الذين رافق ُ‬ ‫النه�ض َة الجزائري َة في جميع مراحلها‪ ،‬وفى كل‬ ‫نواحيها‪ ،‬وفى كل طور من �أطوارها‪ ،‬وفى كل‬ ‫�أثر من �آثارها‪ .‬وكان ال�شاعر يدافع في �شعره‬ ‫عن الوطن والعروبة والإ���س�لام والإن�سانية‪،‬‬ ‫فكان �سج ًال �أمين ًا لأح ��داث الوطن ال�صغير‬ ‫والكبير على ال�سواء‪ ،‬ومعبراً عن �آم��ال الأمة‬ ‫و�آالمها)‪ .‬كما لقبه �شكيب �أر�سالن بـ(البهاء‬ ‫زهير)‪ ،‬ويقول فيه‪( :‬ي�صح �أن يمثل‬ ‫البهاء زهيراً‬ ‫َ‬ ‫في �سال�سة نظمه وخفة روحه ودقة �شعوره‬ ‫وجودة �سبكه‪.)..‬‬ ‫وكان ال�شاعر محمد العيد جديراً بكل ما‬ ‫نال من �ألقاب تدل على ر�سوخ القدم في ميدان‬ ‫ال�شعر‪ .‬وخير دليل على �صحة هذه الأو�صاف؛‬ ‫تلك الحياة ال�صاخبة التي عا�شها‪ ،‬وكانت‬ ‫ناب�ضة بال�شعر والجهاد الفكري‪ ،‬والتي ترجم‬ ‫معظمها تراثه ال�شعري المبثوث في ديوانه‬ ‫ال��ذي حوى مئتي ن�ص �شعري �أغلبه ق�صائد‬ ‫طوال‪ ،‬كان فيها محمد العيد من �أقوى ال�شعراء‬ ‫الجزائريين‪ ،‬تمثي ًال لل�شعر العربي ال�صميم في‬ ‫�صياغته ونظمه‪.‬‬ ‫وتميز ال�شاعر محمد العيد‪ ،‬ب�أنه كان من‬ ‫�أكثر ال�شعراء ا�ستح�ضاراً لما�ضي الأمة الزاهر‪،‬‬ ‫فقد فتح عينيه في ثالثينيات القرن الما�ضي‬ ‫على و�ضع بالده و�أمته‪ ،‬فوجد حا�ضرها م�ؤلم ًا‪:‬‬ ‫�أر�ض م�سلوبة‪� ،‬شعب م�ضطهد �إرادته م�شلولة‪..‬‬ ‫وحين نظر �إلى ما�ضي �أمته‪ ،‬وجد �أمة من �أقوى‬ ‫و�أع��رق الأم��م‪ ،‬ف�سعى �إل��ى توظيف �شعره في‬ ‫�سبيل خدمة وطنه و�شعبه‪ ،‬لأنه يرى �أن ال�شعر‬ ‫من �أدوات التغيير في مجتمعه‪ ،‬وعلى هذا يقف‬ ‫محمد العيد ك�شاعر ملتزم �إلى جانب مواطنيه‬ ‫وين�شد معهم �ألحان التحرر ويعلمهم �أغاني‬ ‫التفكر والتعلم‪ ،‬ويتلو لهم ن�شيد ال�سرور والوحدة‬ ‫الإن�سانية‪ .‬وينطلق محمد العيد في �شعره من‬ ‫�أرب��ع كليات هي‪ :‬الوطن والعروبة والإ�سالم‬ ‫والإن�سانية‪ ،‬فكان �سج ًال �أمين ًا لأحداث الوطن‪.‬‬

‫الب�شير الإبراهيمي‬

‫عبدالحميد بن بادي�س‬

‫جامع الزيتونة في تون�س‬

‫واالنتماء للعروبة لدى ال�شاعر محمد العيد جزء‬ ‫�أ�سا�سي من االنتماء الأ�شمل للأمة الإ�سالمية‪،‬‬ ‫كما يرى � ْأن ال عروبة بال �إ�سالم‪ ،‬وهو انتماء‬ ‫�أبدى طموح ًا في نف�س ال�شاعر �إلى وحدة ر�شيدة‬ ‫تكون م�صدر المنعة والقوة والغلبة في النهاية‪.‬‬ ‫ودعا �إلى الوحدة العربية التي تجمع العرب‬ ‫جنب ًا �إلى جنب‪.‬‬ ‫ومن الآث��ار الأدبية الباقية التي تركها‬ ‫ال�شاعر محمد العيد‪ ،‬كذخيرة للأجيال‪ ،‬ديوان‬ ‫ي�ضم بين دفتيه �أغرا�ض ًا �شعرية مختلفة‪ ،‬منها‪:‬‬ ‫(�أدب��ي��ات وفل�سفيات‪� ،‬إ�سالميات وقوميات‪،‬‬ ‫�أخالقيات وحكميات اللزوميات‪ ،‬ثوريات‪،‬‬ ‫المراثي‪ ،‬ذكريات‪ ،‬متفرقات‪ ،‬الألغاز‪ ،‬الأنا�شيد‪،‬‬ ‫اعتراف بجميل)‪ .‬وله �آث��ار في الم�سرح‪ ،‬مثل‬ ‫م�سرحية بالل بن رب��اح‪ .‬لكن هناك ق�صائد‬ ‫لل�شاعر محمد العيد‪ ،‬لم تن�شر بعد‪ ،‬قام بجمعها‬ ‫�أحد تالميذه (محمد بن �سمينة) من ال�صحف‬ ‫الوطنية القديمة‪ ،‬ومن الن�سخة المخطوطة من‬ ‫دي��وان ال�شاعر‪ ،‬ومن �أ�سرته ومعارفه‪ ،‬وهي‬ ‫بذلك تكملة وا�ستدراك للديوان‪ ،‬ون�شرها في‬ ‫كتاب و�سمه بـ(العيديات المجهولة)‪.‬‬ ‫وقد ات�سم �شعره ب�سمتين �أ�سا�سيتين؛ الأولى‪:‬‬ ‫المعاني الروحية الدينية‪ .‬والثانية‪ :‬العواطف‬ ‫ال��وج��دان��ي��ة وال��ذات��ي��ة‪ .‬تطلع ال�شاعر محمد‬ ‫العيد‪ ،‬منذ نفحته ال�شعرية �إل��ى العمل الذي‬ ‫يحرر ال�شعب الجزائري من قيود اال�ستعمار‬ ‫ويحفظ عليه لغته ودينه‪ ،‬وي��رد عنه عادية‬ ‫الظلم واال�ستبداد‪ .‬كما ارتبط �شعره بالأحداث‬ ‫التاريخية واالجتماعية في وطنه‪ ،‬وبالأعالم‬ ‫الذين تقدموا ال�صفوف‪ .‬وقد دافع عن التراث‬ ‫ال��ع��رب��ي الإ���س�لام��ي وال��ق��وم��ي ف��ي ال��ج��زائ��ر‪،‬‬ ‫وعار�ض فكرة االندماج والتب�شير‪ ،‬ومحاوالت‬ ‫تهمي�ش الثقافة العربية واللغة العربية‪ .‬وعرف‬ ‫بطول النف�س ووحدة المو�ضوع في الق�صيدة‪،‬‬ ‫ووحدة القافية‪.‬‬

‫من دواوينه‬

‫احتل مكانة مرموقة‬ ‫لغزارة �إنتاجه‬ ‫وتنوعه و�صدقه‬

‫ارتبط ا�سمه‬ ‫بالنه�ضة الإ�صالحية‬ ‫والتجديدية المت�صلة‬ ‫بجمعية العلماء‬

‫�أطلق عليه الأدباء‬ ‫لقب �أمير �شعراء‬ ‫الجزائر و�شاعر‬ ‫ال�شباب‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫محمد العيد‬

‫‪83‬‬

‫مقاالت‬

‫عالقة وطيدة مع الق�صيدة العربية‬

‫الق�صيدة الإفريقية‬

‫التـحــديــد والـتـقـــارب‬

‫د‪ .‬يحيى عمارة‬ ‫يلتقي ال��ق��ارئ العالمي ال��ي��وم ب ��الأدب‬ ‫الإفريقي كثيراً ويتحدث عنه من خالل فن‬ ‫ال��رواي��ة ‪ ،‬ون����ادراً م��ا يلتفت �إل ��ى الق�صيدة‬ ‫الإفريقية‪ ،‬غير منتبه �إل��ى عوالمها الباذخة‬ ‫التي توحي معرفي ًا وجمالي ًا �إلى الكون ال�شعري‬ ‫الإفريقي المعلن عن قيمة بنيات الن�ص الداللية‬ ‫والجمالية عبر الإ�شكاليات اال�صطالحية‪،‬‬ ‫واالنتماءات الأدبية‪ ،‬والمواقع الجغرافية التي‬ ‫تجعل القارئ يبحث لها عن تحديد م�صطلح‬ ‫نقدي‪ ،‬وانتماء �أدبي‪ ،‬وموقع جغرافي؛ لت�أخذ‬ ‫مكانتها بجوار �شقيقاتها الق�صيدة العربية‬ ‫والق�صيدة الأوروب��ي��ة وباقي ق�صائد العالم‪.‬‬ ‫بحيث تزخر هي الأخ��رى بق�ضايا �إن�سانية‬ ‫عميقة وبجماليات فنية عالية ُتو ِلجها العالمية‬ ‫دون هوادة �أو ت�شكيك‪.‬‬ ‫من هنا‪ ،‬ارت�أينا �أن نحدد م�صطلح الق�صيدة‬ ‫الإفريقية‪ ،‬ونترك كل الم�صطلحات النقدية‬ ‫المتداولة في الم�شهد النقدي المهتم بالأدب‬ ‫الإفريقي مثل ق�صيدة (الزنوجة)‪� ،‬أو (ق�صيدة‬ ‫ال�سود)‪� ،‬أو (ق�صيدة �إفريقيا ال�سوداء) �إلى غير‬ ‫ذل��ك من الم�صطلحات التي لم تعد تنا�سب‬ ‫النقد الجديد‪ ،‬ال��ذي ال يقف عند المحددات‬ ‫النظرية القديمة التي ر�سختها ثقافة الده�شة‬ ‫الأول��ى لدى �أدب��اء �إفريقيا �إزاء تعرفهم الأول‬ ‫�إل��ى الثقافات الأجنبية خا�صة ال�شعرية‪� ،‬أو‬ ‫ثقافة المقاومة الوطنية عرقي ًا لمواجهة كل‬ ‫�أ�شكال العن�صرية التي كان يعانيها الإن�سان‬ ‫الم ْ�س َت ْفرق‬ ‫الإفريقي منذ ع�صور َخ َلت‪� ،‬أو درا�سة ُ‬ ‫(المق�صود ب��ه الباحث الغربي ال��ذي يهتم‬ ‫بالثقافة الإفريقية)‪ ،‬والذي كان له دور معرفي‬ ‫غريب في ن�شر م�صطلحات و�أفكار مغلوطة ال‬ ‫تتالءم مع ثقافة االعتراف بالآخر على الرغم‬ ‫‪84‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫من االختالف معه‪ .‬وهذه نقطة جوهرية تتميز‬ ‫بها الثقافة العربية والإفريقية منذ القديم و�إلى‬ ‫الآن‪ ،‬بحيث كان الأدباء العرب القدامى يهتمون‬ ‫ب��الأدب الغربي ويت�أثرون به ويعترفون به‪،‬‬ ‫وي َع ُّد الع�صر العبا�سي �أوج الع�صور العربية‬ ‫ُ‬ ‫على ه��ذه الخا�صية؛ وكذلك �أدب ��اء �إفريقيا‬ ‫وبالأخ�ص ال�شعراء الرواد‪ ،‬وعلى ر�أ�سهم ال�شاعر‬ ‫ال�سنغالي ليوبولد �سيدار �سنغور الذي قال في‬ ‫تحديده (للزنوجة) م�ؤكدا فكرة االنفتاح على‬ ‫العالم دون مراعاة لأي �شيء �سوى الإب��داع‬ ‫الإن�����س��ان��ي‪ (:‬همنا الوحيد �أن ننه�ض بهذه‬ ‫(الزنوجة)‪ ،‬ونحن نحياها‪ ،‬و�أن نعمق معناها‪-‬‬ ‫بعد �أن نكون قد ع�شناها‪ -‬لتقديمها للعالم‪،‬‬ ‫كحجر الزاوية في بناء الح�ضارة الكونية‪ ،‬التي‬ ‫�ستكون عم ًال م�شترك ًا لكل الأجنا�س‪ ،‬ولكل‬ ‫الح�ضارات المختلفة‪� ،‬أو ال تكون‪ .‬كما ورد في‬ ‫كتاب (في ال�شعر الإفريقي المعا�صرـــ جيل‬ ‫الرود �أنموذج ًا)‪ ،‬تقديم وترجمة الدكتور ح�سن‬ ‫الغرفي‪.‬‬ ‫وهنا‪ ،‬ال بد من الإ�شارة �إلى �أننا لن نقف‬ ‫عند الآراء والت�صورات التي عالجت الق�صيدة‬ ‫الإفريقية من هذه الر�ؤية ال�ضيقة‪ ،‬التي تقوم‬ ‫على عنا�صر بائدة لم تعد ذات ج��دوى في‬ ‫قامو�س المعرفة الأدبية والفكرية المعا�صرة‬ ‫‪،‬التي �أ�صبحت تنطلق من �أدبيات نقدية تتحدد‬ ‫في الخ�صو�صيات‪ ،‬واال�ستثناءات‪ ،‬والتفاعالت‪،‬‬ ‫والت�أثيرات‪ ،‬والم�ؤثرات لي�س للتباهي بمقولة‬ ‫التمركز حول الذات �أو اال�ستحواذ المعرفي على‬ ‫باقي التجارب الإبداعية الإن�سانية الأخرى‪،‬‬ ‫بل لح�سن الإن�صات �إل��ى �آداب الح�ضارات‪،‬‬ ‫وال��ق��ارات‪ ،‬والثقافات عبر ج�سر الحوارية‬ ‫والتوا�صلية معرفي ًا وجمالي ًا و�إن�ساني ًا‪.‬‬

‫الق�صيدة الإفريقية‬ ‫لها عوالمها‬ ‫وخ�صائ�صها‬ ‫الإبداعية المعرفية‬

‫�سطور‬ ‫�إن للق�صيدة الإفريقية عوالمها وخ�صائ�صها‬ ‫التي تجعلنا نعزز ت�أييدنا لهذا الم�صطلح الذي‬ ‫نتوخى منه الإ�شارة �إلى ُب ْعدين‪ :‬الأول الحديث‬ ‫عن كينونة هذه الق�صيدة بو�صفها ن�ص ًا �إبداعي ًا‬ ‫له بنياته المعرفية‪ ،‬والجمالية‪ ،‬والح�ضارية‪،‬‬ ‫والإن�سانية التي تهيمن على مجمل الن�صو�ص‬ ‫ال�شعرية الإفريقية‪� ،‬سواء �أك��ان��ت قديمة �أم‬ ‫حديثة �أم معا�صرة‪.‬‬ ‫وقد تم اكت�شاف ذلك بعد اطالعنا على‬ ‫مجموعة من البنيات الرئي�سة التي تتميز بها‬ ‫هذه الق�صيدة‪ ،‬وذلك من خالل �أنطولوجيات‪/‬‬ ‫مختارات ال�شعر الإفريقي المترجم �إلى اللغة‬ ‫العربية يمكن �أن نذكر منها على �سبيل التمثيل‬ ‫ال الح�صر‪( :‬طام‪ .‬طام زنجي) ليوبولد �سيدار‬ ‫�سنغور ترجمة د‪� .‬شربل داغر‪ ،‬وكتاب (الموت‬ ‫في �أر�ض حرة‪ :‬مختارات من ال�شعر الإفرو‪-‬‬ ‫�أمريكي) ترجمة‪ :‬ريم غنايم‪ ،‬و(هم�س الأ�سالف‪:‬‬ ‫�أنطولوجيا ال�شعر الإفريقي المعا�صر) لنجيب‬ ‫مبارك‪ .‬ومن هذه البنيات الن�صية المتعددة‬ ‫التي تت�أ�س�س عليها الق�صيدة الإفريقية‪ :‬بنية‬ ‫الكتابة للحديث عن المعنى ال غير بلغة وا�ضحة‪،‬‬ ‫بنية االنتماء �إلى الف�ضاء الإفريقي عن قرب‬ ‫�أو بعد؛ وذلك باالحتفاء وبالتغني بالوجود‬ ‫الإفريقي لفظ ًا ومعنى‪ ،‬وبنية االعتماد على‬ ‫الذاكرة الإفريقية المليئة بالتاريخ الإفريقي‬ ‫القديم‪ ،‬وبنية ح�ضور ال�شفاهي المنطلق من‬ ‫التعبير باللغات المحلية الخا�صة‪ ،‬النابعة من‬ ‫ت��راث بلدانهم الأ�صلية‪ ،‬ومن بنية االغتراب‬ ‫والألم والإح�سا�س الذي َع َّبر عنه �أح�سن تعبير‬ ‫فرانز فانون بعنوان م�ؤلفه الم�شهور(معذبو‬ ‫الأر����ض) ال��ذي يبرز عن طريق لغة الرق�ص‬ ‫الإفريقي ذي الإيقاع الج�سدي المتفرد فني ًا‪،‬‬ ‫ثم بنية االنفتاح على كل لغات العالم تقريب ًا‬ ‫وبخا�صة اللغة العربية واللغة الإنجليزية‬ ‫والفرن�سية والبرتغالية‪ ،‬وه��ذا دليل على �أن‬ ‫ال�شاعر الإفريقي كان مت�شبث ًا بثقافة الت�سامح‬ ‫مع الآخر وذلك با�ستعمال لغته‪ ،‬واللغة ثقافة‬ ‫ومنحى معين في التفكير‪ ،‬ومن خاللها ينعك�س‬ ‫وعيه الفردي ر�ؤية للعالم‪.‬‬ ‫�أما البعد الثاني‪ ،‬فيتجلى في الحديث عن‬ ‫�أوا�صر اللقاء بين الق�صيدة العربية والق�صيدة‬ ‫الإفريقية في مجموعة من المكونات الثقافية‪،‬‬ ‫والروحية‪ ،‬والجمالية‪ ،‬والتي تتج�سد في ال�شعر‬ ‫الإفريقي المكتوب باللغة العربية‪ ،‬بحيث ي�ؤدي‬

‫ال�شعر ال�سوداني و�شعر �شمالي �إفريقيا �أهمية‬ ‫عظمى في ه��ذا البعد على توحيد الم�شاعر‬ ‫وائتالف النوازع‪ ،‬وذلك بكتابة الق�صيدة باللغة‬ ‫العربية التي تمثل �إرث ًا م�شترك ًا بين العالمين‬ ‫العربي والإف��ري��ق��ي‪ .‬فمن مظاهر الأث��ر بين‬ ‫الق�صيدتين‪ ،‬التقارب المعرفي والجمالي في‬ ‫مفهوم ال�شعر القديم المحدد بالعرو�ض الخليلي‬ ‫الموزون المقفى‪ ،‬وب�أغرا�ض المعلقات من فخر‬ ‫وو�صف ومدح وحما�سة‪ ،‬ونجد هذا في ال�شعر‬ ‫التقليدي لدى �شعراء الغرب الإفريقي من �أمثال‬ ‫ال�شاعر النيجيري عثمان بن محمد الفودي‬ ‫(‪1817 -1754‬م)‪ ،‬وال�شاعر ال�سنغالي الحاج‬ ‫عمر تال الفوتي (‪1797-1868‬م)‪� ،‬أما فيما‬ ‫يخ�ص مفهوم ال�شعر الجديد المحدد بالتفعيلة‬ ‫الحرة‪ ،‬وبالر�ؤية المغايرة للأغرا�ض المنفتحة‬ ‫على الخطابات والت�صورات والمرجعيات‬ ‫الحديثة والمعا�صرة المختلفة‪ ،‬ف�سيرفع �ش�أو‬ ‫التقارب العربي ‪ -‬الإفريقي �أدبي ًا �إلى م�صاف‬ ‫عدم التمييز بين ق�صيدة تنتمي �إلى �شاعر عربي‬ ‫و�أخرى يبدعها �شاعر �إفريقي عربي ‪ ،‬والمثال‬ ‫ال�ساطع على ما نقول نجد تجربة ال�شاعر‬ ‫ال�سوداني الراحل محمد الفيتوري (‪-1936‬‬ ‫‪2015‬م) ال ��ذي َتمكن م��ن تقديم �أن��م��وذج‬ ‫�إبداعي معا�صر يجمع بتوازن ر�ؤي��وي ُم َوفق‬ ‫بين النزعتين العربية والإفريقية‪( ،‬وهو الأمر‬ ‫الذي جعله الأ�شهر بين زمالئه في المحافل‬ ‫الأدبية العربية‪ ،‬بل يعد ثاني �شاعر �سوداني‪-‬‬ ‫بعد ال�شاعر الرومنتيكي التيجاني يو�سف‬ ‫ب�شير‪ -‬يحظى باهتمام القراء والنقاد على‬ ‫النطاق العربي)‪ ،‬على حد تعبير الناقد بنعي�سى‬ ‫بوحمالة‪ .‬وه��ن��ا‪ ،‬ال يمكن ن�سيان الدرا�سة‬ ‫العرو�ضية ال َق ِّيمة التي قام بها الناقد الح�صيف‬ ‫ع��ب��داهلل الطيب (‪2003 - 1921‬م) لل�شعر‬ ‫العربي قديم ًا وحديث ًا‪ ،‬والتي تحمل عنوان‬ ‫(المر�شد �إلى فهم �أ�شعار العرب و�صناعتها)‪،‬‬ ‫والذي قال عنه طه ح�سين في تقديمه للكتاب‬ ‫(هذا كتاب ممتع �إلى �أبعد غايات الإمتاع‪ ،‬ال‬ ‫�أعرف �أن مثله �أُتيح لنا في هذا الع�صر الحديث)‪.‬‬ ‫وا�ستخال�ص ًا لما �سبق‪ ،‬تبقى الق�صيدة‬ ‫الإفريقية في حاجة ما�سة �إل��ى الك�شف عند‬ ‫النقاد والدار�سين العرب المعا�صرين‪ ،‬لأنها من‬ ‫الق�صائد التي تتج�سد في كل ن�صو�ص العالم‪،‬‬ ‫ولها عالقة وط��ي��دة بال�شعر العربي قديم ًا‬ ‫وحديث ًا‪.‬‬

‫القارئ العالمي يلتقي‬ ‫�إفريقيا من خالل‬ ‫فن الرواية ونادراً ما‬ ‫يلتفت �إلى الق�صيدة‬

‫�سنغور حاول‬ ‫النهو�ض بثقافة‬ ‫المقاومة �ضد‬ ‫العن�صرية‬

‫اللغة ثقافة ومنحى‬ ‫معين في التفكير‬ ‫ومن خاللها ينعك�س‬ ‫الوعي الفردي لر�ؤية‬ ‫العالم‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪85‬‬

‫رواية «الغمي�ضة»‬

‫م�سرحة ال�سرد لمقا�صد طموحة‬ ‫رواية (الغمي�ضة) لوليد عالء الدين تثير مخيلة القارئ بعنوانها الالفت الذي يذكّر باللعب‬ ‫ال�صاخب للأطفال‪ ،‬بعتباتها المتعددة الدالالت والإهداء �إلى الروائي والم�سرحي الرائد توفيق‬ ‫الحكيم‪ ،‬ثم يختتم هذه العتبات بتحذير القارئ ب�أنه �سيقر�أ م�سرحية ولي�س رواية على �سبيل‬ ‫الإيهام والت�شويق‪� ،‬أو على �سبيل المجاز الذي ينطوي على داللة �أو مق�صد يتوخّ اه بالتركيز على‬ ‫اللعب والم�سرحة باعتبارهما فرجة ينخرط الكائن فيها ب�إرادته �أو بغير �إرادته‪ ،‬منذ لحظة‬ ‫عزت عمر‬ ‫توجب عليه االمتثال والطاعة لجملة ال�ضرورات‬ ‫�إدراكه الأول �أنه طالما وجد في هذه الحياة ّ‬ ‫المك ّبلة‪ ،‬بما يمكن و�صفها بالعنف الرمزي الذي �أجاد بيير بورديو درا�سته في كتابه الم�س ّمى باال�سم ذاته‪.‬‬ ‫الن�ص كرواية‪ ،‬فهذا‬ ‫نحن نقدي ًا �سنعاين‬ ‫ّ‬ ‫ما كتب على غالفيها الخارجي والداخلي‪،‬‬ ‫وذلك لأن ثمة فارق ًا �شا�سع ًا بين الجن�سين من‬ ‫يتوجب عليه ت�صنيفها‬ ‫حيث البناء‪ ،‬و�إ ّال كان‬ ‫ّ‬ ‫كم�سرحية ويبعد قارئه عن الحيرة‪.‬‬ ‫ن�ص ما بعد حداثي ينتهج‬ ‫(الغمي�ضة) �إذاً ّ‬ ‫التجريب‪ ،‬وذل��ك في الجمع ما بين الم�شهد‬ ‫الم�سرحي والم�شهد ال��روائ��ي‪ ،‬ومن هنا ف�إن‬ ‫تقييمنا ال ّأولي هذا نابع من تجاور الحكايات‬ ‫المهم�شة التي‬ ‫فيها �إل��ى جانب ال�شخ�صيات‬ ‫ّ‬ ‫مهمة‪ ،‬ف�ض ًال عن اللغة‬ ‫�أ�سندت �إليها �أدوار‬ ‫ّ‬ ‫الجامعة م��ا بين العامية الم�صرية خالل‬ ‫الحوارات الطويلة‪ ،‬والف�صحى ال�شاعرية النابعة‬ ‫من القلب �سرداَ‪.‬‬ ‫ولع ّل لعبة (الغمي�ضة) التي لعبها الطفالن‬ ‫في محل الألعاب والدمى في م�ستهل الرواية‪،‬‬ ‫والحوار بينهما وتوظيف الأقنعة دليل � ّأولي‬ ‫تم التمهيد‬ ‫على م�سرحة ال�سرد والأحداث التي ّ‬ ‫لها في العتبات‪ ،‬بينما على �صعيد الت�صنيف‬ ‫ملم ب ��إدارة �ش�ؤون‬ ‫كرواية‪ ،‬فثمة �سارد عليم ّ‬ ‫ال�شخ�صيات وح��ب��ك الأح����داث وال��دف��ع بها‬ ‫نحو المقا�صد المتوخاة عبر اللعب‪ ،‬فالطفل‬ ‫والطفلة في م�ستهل الرواية يم ّثالن البراءة‬ ‫الأولى ب�أ�سئلتهما الحائرة ولغتهما ال�ساذجة‪،‬‬ ‫مع �إحاالت مق�صودة لم�آالت الإن�سان الرا�شد‬ ‫وديمومة ارت��داء الأقنعة مختبئ ًا خلفها‪ ،‬فال‬ ‫طيب‬ ‫ُيعلم عن الوجه الحقيقي الكائن خلفها �أهو ّ‬ ‫يجلب الفرح للأطفال كالمهرج في ال�سيرك‪� ،‬أم‬ ‫‪86‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫�أفق‬ ‫�أنه �إرهابي ي�سعى للعنف ما �أمكنه‪ ،‬ومن هنا‬ ‫ف�إننا نرى �أن توظيف تقنية القناع �سيرتبط‬ ‫باللعب لتبيان ال��ف��ارق م��ا بين �شخ�صيات‬ ‫الرواية كب�شر طبيعيين �أم �أ�شرار يختبئون خلف‬ ‫�أقنعتهم التي و�ضعوها ب�أنف�سهم لجملة من‬ ‫الأ�سباب‪ ،‬وهذا التوظيف �أ�سا�سي في الآداب‬ ‫العالمية كافة‪ ،‬كنوع من العبث الوجودي‬ ‫م�شوه‬ ‫والتحوالت من �إن�سان طبيعي �إلى كائن ّ‬ ‫ّ‬ ‫وم�ستلب ك ّلي ًا كما في (م�سخ) كافكا نموذج ًا‪،‬‬ ‫كائنات �أ�شبه بالدمى التي يمكن تحريكها‬ ‫كما ي�شاء المخرج لها في م�سرح الدمى‪ ،‬فهي‬ ‫يتم التح ّكم بها من قبل‬ ‫م�شدودة �أبداً �إلى حبال ّ‬ ‫الم� ّؤدي غناء ورق�ص ًا �أو تمثي ّال‪ ،‬حزن ًا �أو فرح ًا‪،‬‬ ‫كما في م�سرحية (ت��ح� ّ�والت ح��االت الأحياء‬ ‫والأ�شياء) لم�سرح ال�شارقة الوطني من �إعداد‬ ‫و�إخ��راج محمد العامري‪ ،‬ال��ذي �أج��اد التعبير‬ ‫ب�صري ًا عن تلك الرغبة العارمة في التحرر من‬ ‫الحياة المملة والرتيبة لإحدى الدمى‪ ،‬وذلك‬ ‫بالتمرد والخروج من عالم الدمى �إلى عالم‬ ‫الب�شر‪ ،‬ولكنه عندما عاد نادم ًا لم ُتفتح له‬ ‫البوابة‪..‬‬ ‫وفي �أجواء هذه المغامرة ال�صعبة تعيدنا‬ ‫الر�ؤية الفكرية للروائي �إل��ى �أن حياة الب�شر‬ ‫لي�ست ب�أف�ضل من حياة الدمى‪ ،‬ولي�س ثمة �أمل‬ ‫�إذاً طالما نحن ن�ضع هذه الأقنعة (البليات�شو)‬ ‫�أو البرقع وح ّتى المكياج‪ ،‬والإن�سان منذ �أقدم‬ ‫الأزمنة محكوم عليه بالخ�ضوع لتلك القوى‬ ‫الغام�ضة التي ت�ستحكم حياته ب�شكل مطلق‪،‬‬ ‫ولي�س ثمة �أمل با�ستعادة حريته و�إن�سانيته‬ ‫الدوامة الجهنمية �آ�سر وم�أ�سور‪،‬‬ ‫فالكل في هذه ّ‬ ‫وعلينا �أن نعي�شها ح ّتى لو كان م�صدر عي�شنا‬ ‫هو قيودنا ذاتها‪.‬‬ ‫تلك هي حال الطفل والطفلة اللذين تخفيا‬ ‫بالأقنعة في متجر الدمى‪ ،‬ولعبا الغمي�ضة‬ ‫الم�سمى (خالوي�ص! ل�سه)‬ ‫في الف�صل ال ّأول‬ ‫ّ‬ ‫لي�ستنتجا �أن كل الأقنعة مخيفة‪.‬‬ ‫وف��ي �إط ��ار حكائي انفتح على الخوف‬ ‫وحكاياته الم�ؤلمة الذاهبة عميق ًا في التاريخ‬ ‫منذ زم��ان (�أل��ف ليلة وليلة) ونظام التفكير‬ ‫ال�سائد الذي التم�سناه في لعبة الف�صل الثاني‬ ‫الم�سماة (حلم في حكاية وحكاية في حلم)‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫حيث يحكي الطفل للطفلة (ح��دوت��ة) �أو بما‬ ‫ا�صطلح عليها بالحكاية الإطارية التي تتفرع‬ ‫عنها جملة من الحكايات وباجتماعها تت�ش ّكل‬

‫ال��رواي��ة‪ ،‬وحكاية الطفل تنطلق من المكان‬ ‫�أو الخ�شبة ال ف��رق‪ ،‬وه��ي عبارة عن �ساحة‬ ‫عامة كبيرة تفوق محطة انطالق الحافالت‬ ‫� ّإب��ان ازدحامها‪ ،‬تجتمع فيها �شخ�صيات من‬ ‫ك ّل الأزمنة وا�ضعة الأقنعة لت�ؤدي �أدواره��ا‬ ‫المطلوبة يعددها ال�سارد واح��دة واح��دة مع‬ ‫زمانها المختار‪( :‬ب�شر يرتدون �أقنعة‪ ...‬في‬ ‫�أزي��اء �أبطال كل �أ�ساطير وحكايات الكون‪،‬‬ ‫في مالب�س الفراعين والرومان واليونانيين‪،‬‬ ‫والمماليك‪ ،‬والعثمانيين والأحبا�ش والعرب‬ ‫والأفارقة والبدو‪ ،‬رجال في جالبيب فالحية‪،‬‬ ‫و�أخ ��رى �صعيدية‪ ،‬و�أخ ��رى من �أزي ��اء الوجه‬ ‫ال��ب��ح��ري‪ ،‬ورج���ال ف��ي بنطلونات �أوروب��ي��ة‬ ‫ومالب�س �صيادين وع�سكر ول�صو�ص )‪...‬‬ ‫يبدع ال�سارد في �إدارة اللعب والم�سرحة من‬ ‫�سميناه‬ ‫خالل حركة ال�شخو�ص في الحي ّز الذي ّ‬ ‫(الخ�شبة) افترا�ضي ًا كونها تت�سع للعالم ب�أكمله‪،‬‬ ‫ف�ض ًال عن الحوارات ال�شائقة التي تنطوي على‬ ‫رمزيات عديدة و�إ�سقاطات اجتماعية و�سيا�سية‬ ‫ت�أتي عفوية على الأل�سنة‪ ،‬بما يعني �أن الروائي‬ ‫يدرك مدى خطورة الخطابات الم�ؤدلجة على‬ ‫بد من‬ ‫الن�ص ال�سردي‪ ،‬وفي هذا ال�صدد ال ّ‬ ‫بنية ّ‬ ‫التنويه �إلى فاعلية التقنيات الموظفة بذكاء‬

‫وليد عالء الدين‬

‫«الغمي�ضة»‬ ‫ن�ص ما بعد‬ ‫الحداثة ينتهج‬ ‫التجريب جامع ًا‬ ‫بين الم�شهدين‬ ‫الم�سرحي‬ ‫والروائي‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪87‬‬

‫واللعب في منطقتي الواقع والخيال‪ ،‬من خالل‬ ‫متق�ص و� ّأخاذ كما في‬ ‫ما اجترحه من و�صف‬ ‫ّ‬ ‫ن�صية لأ�سماء‬ ‫ومتفاعالت‬ ‫م�ستهل ال��رواي��ة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫م�شهورة م��ن مثل ال��ق� ّ�راء‪ :‬عبدالبا�سط عبد‬ ‫ال�صمد‪ ،‬محمود الح�صري‪� ،‬أبو العينين �شعي�شع‪،‬‬ ‫وغيرهم‪ ،‬ومن ال�شخ�صيات الرمزية المجازية‪:‬‬ ‫المزدوج‪ ،‬المتعدد‪ ،‬ال�شيخ وائل وع ّزة وغيرهما‪،‬‬ ‫ف�ض ًال ع��ن بع�ض المقتب�سات م��ن الأغ��ان��ي‬ ‫ال�شائعة والأقوال الم�أثورة‪.‬‬ ‫ومن المهم في هذا ال�سياق الإ�شارة �إلى‬ ‫الن�ص عبر اللعب‬ ‫تقنية التكرار الم�شهدي في‬ ‫ّ‬ ‫وربما‬ ‫والأداء الحركي فهي مق�صودة بذاتها‪ّ ،‬‬ ‫�إمعان ًا في داللة الخواء العام للمحت�شدين في‬ ‫ال�ساحة‪ ،‬وتلك هي �سمة م�سرح العبث الأ�سا�سية‪،‬‬ ‫فلي�س ثمة حبكة تقليدية تت�صاعد �أحداثها‪ ،‬وال‬ ‫�أحداث مترابطة �سوى ما ي�سرده ال�سارد‪ ،‬وك� ّأن‬ ‫الح�شد رهن نف�سه ل�شيطان قلق االنتظار في‬ ‫حلقة مفرغة وزم��ن دائ��ري‪ ،‬وهكذا ال �سبيل‬ ‫لل�شخ�صيات �سوى انتظار مجهول النقلة‬ ‫الم�ستقبلية‪ ،‬طالما �أنها عجزت عن اختيار‬ ‫�سبيل الحقيقة الكامنة في العلم والمعرفة‬ ‫لأجل الخال�ص مما هم فيه‪.‬‬ ‫�إن ��ه باخت�صار م�سرح العبث ف��ي بعده‬ ‫ال�سريالي‪ ،‬ال��ذي ي�شير بطبيعة الحال �إل��ى ال‬ ‫معقولية الزمن المعي�ش‪� ،‬سواء كان ب�أقنعة �أو‬ ‫والقوة‪.‬‬ ‫بعنجهية الغطر�سة‬ ‫ّ‬ ‫للن�ص ال�سردي‬ ‫العام‬ ‫ال�سياق‬ ‫ي ّت�ضح من‬ ‫ّ‬ ‫�أنه نوع من اللعب على المك�شوف كما يقال‪،‬‬ ‫محمل ب�إ�شارات كثيرة ال ت�شير �إلى‬ ‫فالخطاب ّ‬

‫كتاب «واحد م�صري» للكاتب وليد عالء الدين‬

‫‪88‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫توفيق الحكيم‬

‫فردريك نيت�شه‬

‫كافافي‬

‫�صموئيل بيكيت‬

‫بيير بورديو‬

‫محمد العامري‬

‫ثقافة بعينها‪ ،‬بل �إلى العالم الذاهب �إلى حتفه‪،‬‬ ‫هذا العالم المت�صارع ال��ذي د�أب��ه اال�ستئثار‬ ‫ب��ال��م��ائ��دة‪ ،‬م��ع��ت��م��داً ع��ل��ى ال��ع��ن��ف المدجج‬ ‫بالأ�سلحة الفتاكة في الوقت الذي يخبئ عنفه‬ ‫هذا خلف �أقنعة مختلفة‪ ،‬فال نرى منه �سوى ما‬ ‫ي�سعى لإي�صاله عبر و�سائل الإعالم المختلفة‪:‬‬ ‫حد تعبير فران�سواز‬ ‫عالم محتل منذ عقود‪ ،‬على ّ‬ ‫فوركيه‪.‬‬ ‫تقدمنا به‬ ‫لما‬ ‫رمز‬ ‫(المزدوج)‬ ‫�شخ�صية‬ ‫ل‬ ‫ولع ّ‬ ‫ّ‬ ‫في �سياق القناع �أو (الظاهر والمخفي) يلتم�سه‬ ‫القارئ جال�س ًا في و�سط ال�ساحة التي احت�شد‬ ‫فيها العالم بثقافاته و�أزيائه (يخطب فيهم)‪،‬‬ ‫�أو بالأحرى يروي لهم حكاية تعود �إلى زمان‬ ‫(�ألف ليلة وليلة) بالأ�سلوب (ال�شهرزادي) ذاته‬ ‫مع م�شاهد مم�سرحة‪ ،‬وتعزيزاً لمفهوم التجاور‬ ‫ما بعد الحداثي �سوف يقفز ال�سارد قفزة زمنية‬ ‫لي�صل �إل��ى الألفية الثالثة بتقديم �شخ�صية‬ ‫تنتمي �إل��ى ع�صرنا الراهن‪� :‬شاب في مقتبل‬ ‫العمر (يرتدي تي �شيرت بولو �أبي�ض وبنطلون‬ ‫جينز ويم�سك ف��ي ي��ده الب��ت��وب)‪ ،‬وخاطب‬ ‫المزدوج قائ ًال ( واهلل يا مزدوج �أنت ك ّذاب كبير‬ ‫ومحتال)‪ ،‬فيغ�ضب الجمهور الم�ست�أن�س لحكاية‬ ‫المزدوج وي�سود الخ�شبة هرج و�صراخ انفعالي‬ ‫في �إ�شارة �إلى ديمومة نظام التفكير الما�ضوي‬ ‫ح ّتى في زمان ما بعد الحداثة‪ ،‬وي�ستمر الأداء‬

‫توظيف الأقنعة‬ ‫دليل �أولي على‬ ‫م�سرحة ال�سرد‬ ‫والأحداث التي‬ ‫تم التمهيد لها في‬ ‫العتبات‬

‫الر�ؤية الفكرية‬ ‫للروائي تعيدنا �إلى‬ ‫�أن حياة الب�شر لي�ست‬ ‫ب�أف�ضل من حياة‬ ‫الدمى‬

‫�أفق‬ ‫التمثيلي مع ا�ستمرار حكاية المزدوج وح�ضور‬ ‫ال�سارد الالفت بخال�صة موجزة‪� :‬إذ ال يمكنك‬ ‫�أن تعي�ش زمن ًا جديداً بنظام تفكير متخ ّلف‬ ‫عن الح�ضارة المعا�صرة‪ ،‬وهكذا �سوف يواظب‬ ‫الجميع على لعبة الأقنعة و�أزمنتها المختلفة‪.‬‬ ‫وف ��ي م�شهد �آخ���ر ت�صعد �إل���ى الخ�شبة‬ ‫�شخ�صية جديدة �أ�سماها (المتعدد)‪ ،‬بما تحيل‬ ‫�إليه الت�سمية من (حرباوية)‪ ،‬ويقوم الآخرون‬ ‫بارتداء �أقنعة الحيوانات حيث من ال�صعب‬ ‫حد‬ ‫عليهم �أن (يكون الإن�سان بوجه واحد) على ّ‬ ‫تعبير (المتعدد) في �سياق بمعنى �أن مرحلة‬ ‫�صاحب الوجهين انتهت وباتت من الما�ضي‪،‬‬ ‫لت�ستمر لعبة الأقنعة باعتبارها تنتمي �إلى‬ ‫التقاليد والم�أثورات االجتماعية والثقافية‪،‬‬ ‫ولكن ال ب�أ�س في تبديل الأقنعة لتتنا�سب‬ ‫مرحلة تعدد الوجوه‪ ،‬وهي م�س�ألة �أخالقية‬ ‫من جهة‪ ،‬واللعب في منطقة العبث والعدمية‬ ‫ذاتها وفق ما ذهب �إليه فريديك نيت�شه في‬ ‫(هكذا تك ّلم زراد�شت)‪ ،‬عندما توقف زراد�شت‬ ‫في �ساحة مكتظة مماثلة للت�أكيد على الال‬ ‫ج��دوى‪ ،‬م��ادام الإن�سان ال ي�سعى �إل��ى تجاوز‬ ‫القوة)‪ ..‬وبذلك‬ ‫واقعه نحو ما �أ�سماه ب��ـ(�إرادة ّ‬ ‫يمكننا اال�ستنتاج �أن الرواية تحمل بع�ض ًا من‬ ‫�أطياف نيت�شه و�صموئيل بيكيت‪ ،‬وال �سيما‬ ‫ف��ي ال��ح��وارات الطويلة ال��ت��ي ال ج ��دوى وال‬ ‫طائل منها‪ ،‬و�إنما لتزجية الوقت ريثما ي�صل‬ ‫(غودو) �أو «البرابرة» مث ًال‪ ،‬وهذا افترا�ض من‬ ‫قبلنا �إذ و�ضعتنا الثرثرة في الالمعنى ب�أجواء‬ ‫م�سرحية �صموئيل بيكيكت وق�صيدة كافافي‬ ‫الم�ؤ�س�ستين لفكرة عبثية االنتظار وعدم الرغبة‬ ‫في تجاوز الذات والثقافة الما�ضوية في (هكذا‬ ‫تك ّلم زراد�شت)‪ ،‬ولعلها عربي ًا �أ�شبه بالم�سرحية‬ ‫تحول المكان‬ ‫الرحبانية (المحطة)‪ ،‬من حيث ّ‬ ‫محطة يحت�شد فيها ال�س ّكان‪،‬‬ ‫االفترا�ضي �إلى‬ ‫ّ‬ ‫والمحطة‬ ‫ال�سفر‬ ‫في‬ ‫رغبة‬ ‫التذاكر‬ ‫وك ّل ا�شترى‬ ‫ّ‬ ‫وهمية وكذلك القطار الذي �سوف ي�أتي‪ ،‬ومع‬ ‫ذل��ك «م��ازال��ت ح�شود المقنعين في الرواية‬ ‫يتجول‬ ‫تملأ �ساحة االنتظار‪ ،‬ولتزجبة الوقت‬ ‫ّ‬ ‫بع�ضهم في الأن��ح��اء‪ ،‬وبع�ضهم جل�سوا على‬ ‫مقاعد المقاهي‪� ،‬صورة طبق الأ�صل لمحطات‬ ‫االن��ت��ظ��ار ف��ي ال��م��ط��ارات ومحطات القطار‬ ‫و�سواها‪ ،‬ولكن ال�س�ؤال الذي يطرح نف�سه في‬ ‫هذا المقام هو �أنه كيف يمكن ال�سفر �إلى محطة‬ ‫الحلم المنتظرة بك ّل هذه الأقنعة التي يتوارون‬ ‫�شك �سيطول انتظارهم ما لم يغيروا‬ ‫خلفها؟ بال ّ‬

‫�أنف�سهم ويعدلوا �سلوكهم نحو الإن�سان الجديد‬ ‫القوة)‪ ،‬من خالل المعرفة والفنون‬ ‫في (�إرادة ّ‬ ‫والفهم ولي�س غيرها‪.‬‬ ‫وف��ي العموم االنتظار باعث على القلق‬ ‫وال��ت��و ّت��ر ف��ي حياتنا‪ ،‬وك��م م��ن المفاج�آت‬ ‫والمتغيرات تحدث خالل زمن انتظارنا الق�صير‬ ‫�أو المديد‪ ،‬وهذا ما التم�سناه من جهة الح�شود‬ ‫وتعدد الثقافات وخطاباتها في ال�ساحة‪ ،‬ولع ّل‬ ‫الفكرة الجوهرية التي يخرج بها المتل ّقي بعد‬ ‫االنتهاء من ق��راءة الرواية تكمن في الدعوة‬ ‫للتحرر م��ن مختلف المعيقات ال��ت��ي تكبل‬ ‫الإن�سان‪ ،‬وهذا يتط ّلب تجاوز الذات وتطويرها‬ ‫تهيئة الم�ستقبل‬ ‫تتم ّ‬ ‫با�ستمرار كي‪ ،‬على الأقل‪ّ ،‬‬ ‫لع ّزة وزمالئها من الأجيال ال�شبابية الطالعة‬ ‫في وجه التخ ّلف والعنف والإرهاب‪ ،‬ومن هنا‬ ‫ربما كانت ت�صلح‬ ‫ف�إن فل�سفة االنتظار العبثي ّ‬ ‫لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وبداية‬ ‫الحرب الباردة وال�سعي ال�ستقطاب العالم من‬ ‫جديد‪ ،‬لكننا اليوم نعي�ش زمان الثورة الرقمية‬ ‫حولت العالم �إلى‬ ‫والتكنولوجيا الذكية التي ّ‬ ‫مجرد قرية �صغيرة تنفتح �أبوابها ونوافذها‬ ‫على �ساحة مختلفة جوهري ًا‪ ،‬وهو ما ا�شتغل‬ ‫عليه وليد عالء الدين‪ ،‬وما ت�شتغل عليه رواية‬ ‫ما بعد الحداثة عموم ًا‪ ،‬ولك ّل رواي��ة زمانها‬ ‫ولك ّل منها ثقافتها وممكنات الت�أويل وفق‬ ‫ثقافة المتل ّقي‪..‬‬ ‫�إنها �صرخة احتجاج على ما هو كائن‪،‬‬ ‫وال�سعي لتغييره عبر منظومة تفكير معرفية‬ ‫و�أخالقية تف�ضي �إلى التعاي�ش والتثاقف ب�سالم‬ ‫ومحبة‪.‬‬ ‫و�إخاء‬ ‫ّ‬

‫وليد عالء الدين مع عبده وازن‬

‫يبدع ال�سارد‬ ‫في �إدارة اللعب‬ ‫والم�سرحة من خالل‬ ‫حركة ال�شخو�ص في‬ ‫حيز �سميناه الخ�شبة‬

‫الخطاب محمل‬ ‫ب�إ�شارات كثيرة ال‬ ‫ت�شير �إلى ثقافة‬ ‫بعينها بل �إلى العالم‬ ‫الذاهب �إلى حتفه‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪89‬‬

‫مقاالت‬

‫«الكـوالج الـروائــي»‬ ‫د‪� .‬ضياء الجنابي‬

‫لم تقف تقنية ال��ك��والج عند ح��دود الفن‬ ‫الت�شكيلي‪ ،‬بل امتد ت�أثيرها �إلى كافة الفنون‬ ‫الب�صرية والتعبيرية والتطبيقية وجميع‬ ‫الفنون الأخرى‪ ،‬وفي مقدمتها الكتابة ال�سردية‬ ‫التي تعرف ب�أنها علم يتناول قوانين الأدب‬ ‫الق�ص�صي كما جاء في (معجم ال�سرديات)‪،‬‬ ‫ولعل �سبب ت�سرب هذا الفن �إل��ى ال�سرد يعود‬ ‫�إلى عالقة الت�آخي والتو�أمة الرا�سخة بين الفن‬ ‫الت�شكيلي بمختلف فروعه‪ ،‬والن�ص الأدب��ي‬ ‫بمختلف �أجنا�سه‪ ،‬وكذلك كون الكوالج تقنية‬ ‫تعمق الفعل الإب��داع��ي وت��ؤث��ر انطباعي ًا في‬ ‫روحية المتلقي‪ ،‬وقد تعزز ارتباط فن الكوالج‬ ‫بالأعمال ال�سردية العالمية المعا�صرة الكبرى‬ ‫مع النزوع ال�سائد بن�سف الأ�سيجة التقليدية‬ ‫في الأعمال الحداثوية‪ ،‬الذي �أف�ضى �إلى تداخل‬ ‫الأجنا�س الأدبية المختلفة‪ ،‬وت�ضايف الفنون‬ ‫والمعارف مع بع�ضها بع�ض ًا‪.‬‬ ‫�إن محاوالت هدم الحدود البينية التي تميز‬ ‫كل جن�س �أدبي عن الآخر‪ ،‬واندثار الم�سافات‬ ‫الفا�صلة بين معظم الن�صو�ص ال�سردية‬ ‫والكتابات المختلفة الأخرى‪ ،‬قد �ش ّكل ق�ضية‬ ‫نقدية �شائكة وخطيرة في الأدب المعا�صر‪،‬‬ ‫ب��رزت مالمحها مع بواكير النتاج الإبداعي‬ ‫الحديث واهتمام النقاد بمختلف م�شاربهم‬ ‫وتوجهاتهم بحالة التمرد الحا�صلة على ال�شكل‬ ‫الفني وقوالبه القديمة‪ ،‬ففي عام (‪1929‬م)‬ ‫‪90‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫في ال�سرد العربي المعا�صر‬

‫ا�ستطاع ال�شاعر والروائي والر�سام الفرن�سي‬ ‫ال�سريالي ماك�س �أرن�ست توظيف �سل�سلة ر�سوم‬ ‫تو�ضيحية م�ستقاة من مواد مختلفة في روايته‬ ‫(‪ 100‬ام��ر�أة بال ر�أ���س)‪ ،‬وفي عام (‪1930‬م)‬ ‫�أقحم �أرن�ست في روايته (حلم فتاة �صغيرة‬ ‫تريد الدخول �إلى كرمن)‪ ،‬مقتطفات متنوعة‬ ‫من مدونات مختلفة؛ كالمقاالت ال�صحافية‬ ‫وال��خ��رائ��ط وال��ر���س��وم البيانية وال��ج��داول‬ ‫والكتابات العلمية والن�صو�ص التاريخية‬ ‫والو�صفات الطبية والر�سائل والإع�لان��ات‬ ‫وال�����ص��ور الفوتوغرافية وع��ن��اوي��ن الأخ��ب��ار‬ ‫وبع�ض اليوميات‪ ،‬وغيرها‪ ..‬وهكذا تعامل في‬ ‫رواياته الأخرى م�ؤ�س�س ًا بذلك م�صطلح (رواية‪-‬‬ ‫كوالج)‪ ،‬الذي �شاع بعد ذلك بما يعرف بالرواية‬ ‫الكوالجية‪.‬‬ ‫وف ��ي الأدب ال��ع��رب��ي ال��م��ع��ا���ص��ر‪ ،‬ف ��إن‬ ‫الكوالج باعتباره �أح��د الخا�صيات المهمة‬ ‫التي �أفرزتها مرحلة ما بعد الحداثة في الفن‬ ‫ال�سردي الروائي‪ ،‬قد حقق �أهداف ًا مهمة تتعلق‬ ‫ب�أ�صل و�صلب الخطاب ال�سردي‪ ،‬وقد نجم عن‬ ‫ذلك ظهور مفاهيم نقدية مهمة �أف�ضت �إلى‬ ‫رواج ت��داول م�صطلح (الكوالج الروائي) في‬ ‫ال�ساحة الأدبية‪ ،‬ح�سب تعبير الدكتور �صالح‬ ‫ف�ضل في معر�ض حديثه عن ق��درة الروائي‬ ‫�صنع اهلل �إبراهيم على ا�ستخدام وتوظيف هذه‬ ‫التقنية‪ ،‬خ�صو�ص ًا في روايته (ذات)‪ ،‬وتحدث‬

‫مقتطفات متنوعة‬ ‫من مدونات مختلفة‬ ‫مثل المقال وال�صور‬ ‫والر�سائل وغيرها‬

‫�أفكار‬

‫الدكتور ف�ضل في مقاله المو�سوم بعنوان‬ ‫(تقنية الكوالج الروائي) عن �إمكانية �صنع اهلل‬ ‫على المزاوجة بين وحدات ال�سرد الق�ص�صي‬ ‫ووحدات التوثيق ال�صحافي بتقنية ت�شكيلية‬ ‫و�سينمائية‪ ،‬وب��ت��رت��ي��ب ���ص��ارم م��ن خ�لال‬ ‫اعتماده (على �إع��ادة المزق الخ�شنة لتدخل‬ ‫في تكوين جمالي جديد‪ ،‬حيث يتم م�سح ما‬ ‫علق بم�صدرها من بقايا اال�ستعمال الأول‪،‬‬ ‫وتوظيفها في ال�سياق الكلي الجديد)‪.‬‬ ‫ولم تنح�سر تقنية الكوالج على الأعمال‬ ‫ال��روائ��ي��ة وح�سب‪ ،‬فهناك ا�ستخدامات لها‬ ‫في الق�صة الق�صيرة‪ ،‬كما في تجربة القا�ص‬ ‫العراقي محمود جنداري التي تميزت ب�أ�سلوبها‬ ‫المغاير الخارج عن �سياق الق�ص التقليدي‪،‬‬ ‫وقد كان ذلك الفت ًا في معظم ق�ص�صه و�أعماله‬ ‫الروائية منذ مجموعته الق�ص�صية الأولى (�أعوام‬ ‫الظم�أ) التي �صدرت عام (‪1968‬م)‪ ،‬وحتى‬ ‫مجموعته الق�ص�صية الأخيرة (م�صاطب الآلهة)‬ ‫التي �صدرت قبيل وفاته عام (‪1995‬م)‪ ،‬والتي‬ ‫تبلورت فيها تجربته المتميزة ب�شكل وا�ضح في‬ ‫هذا الم�ضمار‪ ،‬علم ًا �أن ق�ص�ص هذه المجموعة‬ ‫كانت قد ن�شرت تباع ًا في مجلة (الأق�ل�ام)‬ ‫العراقية في عقد الثمانينيات‪ ،‬وال��ذي يميز‬ ‫تجربة محمود جنداري هي تلك القدرة على‬ ‫توظيف ن�صو�ص تاريخية ومدونات �أ�سطورية‬ ‫تنتمي �إلى حقب تاريخية متفاوتة في ق�ص�صه‪،‬‬ ‫�إ�ضافة �إلى تطعيم كتاباته ب�شهقات من ال�شعر‬ ‫ول��غ��ة الخطابة والنف�س الملحمي والح�س‬ ‫التفا�ؤلي والوعي ال�شديد بالت�أريخ‪ ،‬في توليفة‬ ‫غير ملتزمة بتقاليد ال�سرد الق�ص�صي‪ ،‬وقد‬ ‫�أعاد �إنتاج ذلك عبر تقنية الكوالج وبنزعته‬ ‫التجريبية الغرائبية التي تهتك �أ�سرار الن�صو�ص‬ ‫وتحاورها‪ ،‬وت�ستجوب الم�سكوت عنه وتحركه‪،‬‬ ‫وت�ستنطق الخبيء وتف�ضحه‪ ،‬وقد تمكن من‬ ‫جعل ق�ص�صه موزاييك ًا تترا�صف فيه الحلقات‬ ‫التاريخية المتباعدة‪ ،‬والأح����داث ال��ت��ي ال‬ ‫يجمعها زمن واحد‪ ،‬مع ال�شخ�صيات المتنوعة‬ ‫التي تنتمي �إلى �أزمنة مختلفة و�أمكنة متفرقة‬ ‫ور�ؤى مت�شظية‪.‬‬ ‫وق��د ا�ستهوت تقنية ال��ك��والج الكثير من‬

‫الروائيين والق�صا�صين العرب من مختلف‬ ‫الأجيال‪ ،‬وعملوا على ا�ستثمارها في رواياتهم‬ ‫ونتاجاتهم ال�سردية‪ ،‬كما في تجربة كل من‪:‬‬ ‫الروائي عبدالرحمن منيف في روايته (�سباق‬ ‫الم�سافات الطويلة)‪ ،‬و�أحمد عبدالكريم في‬ ‫روايته (ك��والج)‪ ،‬وليلى الجهني في روايتها‬ ‫(جاهلية)‪ ،‬و�أثير �صفا في روايتها (تغريدة)‪،‬‬ ‫و�أحمد الفخراني في روايته (عائلة جادو‪ :‬ن�ص‬ ‫الن�صو�ص)‪ ،‬ولينة �صفدي في كتابها (دنان)‪،‬‬ ‫وه�شام علوان في رواي��ت��ه (دف��ات��ر قديمة)‪،‬‬ ‫وم�سعودة بوبكر في روايتها (طر�شقانة)‪،‬‬ ‫و�أحمد عبداللطيف في روايته (ح�صن التراب)‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫يكتف ف��ن ال��ك��والج الم�ستخدم في‬ ‫ول��م‬ ‫الن�صو�ص ال�سردية الأدب��ي��ة ب����أداء وظيفة‬ ‫م��ح��ددة‪ ،‬ب��ل ا�ستطاع �أن ي�ضطلع بوظائف‬ ‫ع�ضوية متعددة تخ�ص �أ�سا�سيات الخطاب‬ ‫ال�سردي وتعزز منطلقاته وتغنيه‪ ،‬ومن خالل‬ ‫ت�شخي�ص تلك الوظائف نكت�شف مقدار الأهمية‬ ‫التي تنطوي عليها‪ ،‬ويمكننا �إجمال الوظائف‬ ‫الحيوية لهذا الت�ضايف والتداخل الذي تحدثه‬ ‫تقنية الكوالج بما يلي‪� :‬إن�شاء دالالت الن�ص‪-‬‬ ‫�إ�ضافة ق�صة فرعية �إلى الن�ص ال�سردي تغني‬ ‫الق�صة الأ�صلية‪ -‬ي�ساعد على توجيه القراءة‬ ‫الت�أويلية للن�ص‪ -‬تنويع وتكثير زوايا ال�سرد‪-‬‬ ‫ت�شظية الق�صة الأ�صلية �إلى مجموعة ق�ص�ص‬ ‫فرعية متتعدة وقابلة للتكاثر‪ -‬تف�سير الن�ص‬ ‫التخييلي والتحليق معه‪ -‬ت�أ�سي�س عالقة‬ ‫المنافرة والمفارقة مع الن�ص الأ�صلي‪.‬‬ ‫وال بد من الإ�شارة �إلى �أن الكوالج في الفن‬ ‫الت�شكيلي ال يعتبر مذهب ًا فني ًا كالتكعيبية �أو‬ ‫ال�سريالية �أو التجريدية‪ ،‬بل مجرد تكتيك فني‪،‬‬ ‫و�إنه في الأدب كذلك ال يعدو عن كونه تقنية‬ ‫بنا ٍء في العمل الأدب��ي‪ ،‬وقد جاء في (معجم‬ ‫ال�سرديات) �أنه (تعبير عن تعدد المعنى وتداخل‬ ‫الأن�ساق وحوارية الأجنا�س)‪ .‬لذلك ال يمكن‬ ‫اعتباره جن�س ًا �أدبي ًا م�ستق ًال بذاته‪ ،‬ويمكننا‬ ‫اعتبار الكوالج �أح��د تمظهرات التنا�ص في‬ ‫الن�ص ال�سردي كونه يعتمد على �إقحام مقاطع‬ ‫متنوعة م��ن ن�صو�ص �أخ���رى يرتبط معها‬ ‫بعالقات حوارية‪.‬‬

‫يعتبر عربي ًا �إحدى‬ ‫الخا�صيات التي‬ ‫�أفرزتها مرحلة ما‬ ‫بعد الحداثة‬

‫�صنع اهلل �إبراهيم‬ ‫من رواد توظيفه‬ ‫في ال�سرد‬

‫تقوم تقنية الكوالج‬ ‫على المزاوجة‬ ‫بين وحدات ال�سرد‬ ‫والفن الت�شكيلي‬ ‫وال�سينمائي‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪91‬‬

‫رواية «في انتظار القطار»‬ ‫ملحمة من العبث والإن�سانية‬

‫‪92‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫�سرد‬ ‫قدم لنا الروائي الكبير عمر ف�ضل اهلل �أعما ًال روائية عديدة‬ ‫َّ‬ ‫ح�صل من خاللها على جوائز عربية وعالمية كبيرة‪ ،‬وقد‬ ‫انتبهت اله��ت��م��ام ال��ك��ات��ب بما ي�سمى ب��ال��رواي��ة المعرفية‬ ‫التوثيقية لتاريخ بلده (ال�سودان)‪ ،‬وهذا ما الحظته في روايته‬ ‫قدم لنا فيها رواية امتزجت‬ ‫الأخيرة (في انتظار القطار) والتي َّ‬ ‫محمد المغربي‬ ‫فيها الرومان�سية والخيال مع الحقائق التاريخية الواقعية‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫�سردية �أ�سطورية‪� ،‬أثبت لنا فيها الكاتب �أنَّه حكَّاء من العيار الثقيل‪.‬‬ ‫بوتقة‬ ‫في‬ ‫�وان ال��رواي � ِة غام�ض ًا ع��ن محتوى‬ ‫نجد ع��ن� َ‬ ‫تعمد الكاتب‬ ‫وقد‬ ‫الرمزية‪،‬‬ ‫من‬ ‫يخلو‬ ‫الرواية‪ ،‬وال‬ ‫َّ‬ ‫ليقدم لنا عنوان ًا‬ ‫تغيير الن�سق القديم في الكتاب ِة ّ‬ ‫قد يراه البع�ض م�ضل ًال في البداية؛ لك َّنه يحمل‬ ‫الكثير من الإ�شارات التي تو�ضح المغزى منه بعد‬ ‫الوقوف على البنية العميقة للرواية‪ ،‬فالقطار هو‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫رهيبة في �سك ِة �سفرنا‪،‬‬ ‫ب�سرعة‬ ‫العمر الذي يم�ضي‬ ‫وهي الحياة التي تم�ضي قدم ًا وال تنتظر �أحداً‪.‬‬ ‫تناولت الرواية �شخ�صيتين محوريتين‪ ،‬كان‬ ‫ِ‬ ‫أح��داث ال��رواي� ِة على ل�سانهما هما (�سعد‬ ‫�سرد �‬ ‫ُ‬ ‫و�سعدية) المخطوبان اللذان منعتهما �أج��واء‬ ‫الحرب الماثلة في الحملة التي �أر�سلها محمد‬ ‫علي با�شا �إلى �سلطنات وممالك �أعالي النيل من‬ ‫وفرقت‬ ‫�إتمام ال��زواج‪،‬‬ ‫و�شردت �أهله وع�شيرته َّ‬ ‫َّ‬ ‫بينهما‪.‬‬ ‫الكاتب في روايته ق�ضية عدوان الأتراك‬ ‫تب َّنى‬ ‫ُ‬ ‫ممثلة في حملة الوالي على وطنه‪ ،‬و�إظهار م�شاهد‬ ‫المقاومة لهذا المحتل‪ ،‬كما �أن ال��رواي��ة تحمل‬ ‫�إ�سقاطات �أظهرت الفجوة الح�ضارية بين بل ٍد‬ ‫يمتلك تاريخ ًا ح�ضاري ًا قديم ًا‪ ،‬في الوقت الذي‬ ‫كانت �أوروبا فيه عمياء تتخبط في ظالم الجهل‪،‬‬ ‫وبين حملة مكونة من �أجنا�س مختلفة من الجنود‬ ‫الأت ��راك وال�شرك�س والبدو والمغاربة‪ ،‬وبع�ض‬ ‫الجن�سيات الأوروبية و�أجنا�س �أخرى غير معروفة‪،‬‬ ‫ما�ض ج��ا�ؤوا من المجهول‪ ،‬جمعتهم‬ ‫جنود بال‬ ‫ٍ‬ ‫المطامع ال�شخ�صية لال�ستحواذ على ثروات تلك‬ ‫الممالك وجلب الرقيق‪.‬‬ ‫قرر (�سعد) تحقيق حلمه بالذهاب للدرا�سة‬ ‫في الأزه� � ِر ال�شريف‪ ،‬ليعود �إل��ى قريته خطيب ًا‬ ‫وي�صلح بين‬ ‫على المنبر‪ ،‬وليعقد ال��زي��ج��ات‪ُ ،‬‬ ‫المتخا�صمين‪ ،‬ثم يتزوج (�سعدية) حبه الأول‬ ‫والأخير‪ ،‬لكنه يلتقي هناك بزميل درا�سته ومواطنه‬ ‫(�سراج)‪ ،‬والذي كان يعمل جا�سو�س ًا للبا�شا‪ ،‬وقائداً‬ ‫من قواده في حملته على (بربر ِ‬ ‫و�س َّنار)‪.‬‬ ‫تقرب (�سراج) من (�سعد) وتودد �إليه و�أكرمه‪ ،‬ثم‬ ‫�أقنعه باالن�ضمام �إلى الحملة‪ ،‬و�أوهمه ب�أن الغر�ض‬ ‫من الحملة هو مطاردة بقايا المماليك الهاربين‬

‫من مذبحة القلعة‪ ،‬لكن(�سعداً) اكت�شف كذب �صديقه‪،‬‬ ‫عندما ر�أى بنف�سه وح�شية جنود الحملة من الأتراك‬ ‫�أثناء طريقها في قتل الأبرياء من الن�ساء والأطفال‬ ‫وال�شيوخ‪ ،‬في كل القرى التي مروا فيها وحرقهم‬ ‫�أحياء‪ ،‬واغت�صاب الن�ساء وت�شويههن بقطع �آذانهن‪،‬‬ ‫ونهب و�سرقة الآثار وتدمير مراقد ومقابر �أجداده‬ ‫الأقدمين‪ ،‬ليت�أكد من الغر�ض الحقيقي للحملة‪،‬‬ ‫وه��و نهب الأم����وال وب�سط النفوذ على ب�لاده‪،‬‬ ‫بمباركة ودعم �أوروبي للبا�شا‪ ،‬فقد التقت الم�صالح‬ ‫بينهما وتوحدت الجهود‪ ،‬فقد كانت بريطانيا تمهد‬ ‫لل�سيطرة على تلك الأقاليم فيما بعد‪.‬‬ ‫يعود ف�ضل اهلل للرمزية الغرائبية مجدداً عبر‬ ‫حوار �سعد مع (الأر�ض) التي تحدثت معه لت�شكو‬ ‫له ظلم بني الإن�سان وطمعه وبغيه وق�سوته‪ ،‬و�أن‬ ‫جوفها �أم�سى مقبر ًة كبير ًة جمعت رفاتهم جميع ًا‬ ‫الحروب‬ ‫في النهاية‪ ،‬وهنا �إ�شارة ترمز �إلى � َّأن‬ ‫َ‬ ‫والحب هما الخالدان‪،‬‬ ‫ال�سالم‬ ‫الظالم َة ال تفيد و� َّأن‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫ولع َّل اختياره للأر�ض‪ ،‬باعتبارها رمزاً م�ستقراً‬ ‫في الذاكر ِة الجماعية ب�أنها رمز للوطن وال ِع ِ‬ ‫ر�ض‪،‬‬ ‫وهي من جعلت �سعد ينتف�ض وي�ستفيق من توغله‬ ‫في خيانة وطنه‪� ،‬إل��ى محاربة �أع��دائ��ه‪ ،‬وحمله‬ ‫لل�سيف لأول مرة في حياته‪ ،‬بعد �أن �أ�شعلت فتيل‬ ‫�ضميره ِ‬ ‫وغ ْي َرته على وطنه‪.‬‬ ‫حب ًا لل�سيا�سة‪ ،‬لكنه‬ ‫م‬ ‫أو‬ ‫�‬ ‫ا‬ ‫�سيا�سي‬ ‫�سعد‬ ‫يكن‬ ‫لم‬ ‫ً‬ ‫ُ َّ‬ ‫وجد نف�سه مقحم ًا فيها‪ ،‬عندما عاد �إلى قريته‪ ،‬فلم‬ ‫يجد فيها حي ًا يرزق وظل يبحث عن �أبويه وعن‬

‫عنوان الرواية ال‬ ‫يخلو من الرمزية‬ ‫بغمو�ضه الفني‬

‫نجح(ف�ضل‬ ‫اهلل) في �سرد‬ ‫الأحداث بحقائقها‬ ‫و�شخ�صياتها‬ ‫التاريخية‬

‫قدم الكاتب لنا ق�صة‬ ‫واقعية �أظهرت‬ ‫الح�س االجتماعي‬ ‫وانفتاحه‬

‫من م�ؤلفاته‬ ‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪93‬‬

‫�سرد‬ ‫خطيبته (�سعدية) فلم يجدهم‪ ،‬ف�أيقن �أن من قتلهم‬ ‫هم الجنود المجرمون‪.‬‬ ‫(�سعدية) فتاة ب�سيطة جميلة و ِل� َ�دت ون�ش�أت‬ ‫ولعبت مع (�سعد)‪ ،‬حتى �أ�صبحت ملهمة ونجح في‬ ‫خطبتها‪ ،‬ولم يمنعه من ال��زواج بها �سوى �سفره‬ ‫للدرا�سة بم�صر‪.‬‬ ‫عر�ض لنا ف�ضل اهلل م�شاهد رومان�سية راقية‬ ‫فهمنا من خاللها قوة هذا الحب ال�سرمدي الذي‬ ‫�أظ��ه��ره لنا ال��ك��ات��ب‪ ،‬م��ن خ�لال عر�ض م�شاهد‬ ‫ومواقف ل�سعدية ظهرت فيها �أ�صالتها ووفا�ؤها‬ ‫تتخل عن �أبيه‬ ‫لخطيبها وزوجها الم�ستقبلي‪ ،‬فلم‬ ‫َ‬ ‫و�أمه‪ ،‬وكادت تفقد حياتها بر�صا�ص الجي�ش من‬ ‫�أجل حمايتهما من القتلِ في مخاط ٍر متكررة ال‬ ‫الكاتب‬ ‫يقوم بها �إال فار�س �شجاع‪ ،‬وهنا جعل‬ ‫ُ‬ ‫�سعدية رم��ز المقاومة ورم��ز ال��م��ر�أة ال�سودانية‬ ‫الوطنية الفدائية بالفطرة‪ ،‬فلم تكن �سعدية ُتجِ يد‬ ‫القراءة والكتابة‪ ،‬لكنها كانت عالمة بدينها‪ ،‬وفية‬ ‫لأهلها ولم تتخ َل عن �أمانة �سعد‪ ،‬المتمثلة في‬ ‫�أبويه حتى فارقا الحياة ودفنتهما بنف�سها‪ ،‬بل‬ ‫وكانت ت�شعر بالذنب تجاه �سعد؛ لأنها لم تحافظ‬ ‫عليهما حتى يعود من �سفره‪.‬‬ ‫أح����داث ال��رواي �ةِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫نجح ف�ضل اهلل ف��ي ���س��رد �‬ ‫دونها‬ ‫كما‬ ‫التاريخية‬ ‫بحقائقها و�شخ�صياتها‬ ‫َّ‬ ‫التاريخ حتى تتوافر الم�صداقية بها‪ ،‬ومزجها‬ ‫ٍ‬ ‫ب��أح� ٍ‬ ‫و�شخ�صيات خيالية على �شكلِ ق�صة‬ ‫�داث‬ ‫مت�سل�سلة مكتملة‪ ،‬فيها الو�صف الدقيق للزمان‬ ‫والمكان اللذين ُيثريان الأح��داث والحوار الذي‬ ‫خال من الرتابة والملل وال�صراع المتغلغل في‬ ‫ثنايا الرواية‪.‬‬ ‫الكاتب ق�صة واقعية ثرية �أظهرت‬ ‫ق� َّ�دم لنا‬ ‫ُ‬ ‫ال��ح���� َّ�س االج��ت��م��اع��ي‪ ،‬وان��ف��ت��اح��ه ع��ل��ى البيئة‬ ‫المجتمعية‪ ،‬وتعرفه �إل��ي��ه��ا‪ ،‬وتمتعه بخبرات‬ ‫ِ‬ ‫و�صف ال ِ‬ ‫أحداث‬ ‫اجتماعية كثيرة‪ ،‬جعلته ينجح في‬ ‫لنا و�صف ًا �سينمائي ًا‪ ،‬وك�أنه ي�صورها بكاميرا‪.‬‬ ‫الكاتب طريقة �سرد الرويات الحديثة‬ ‫اختار‬ ‫ُ‬ ‫وهي طريقة (ال�سرد المتداخل)‪ ،‬وهذا النوع من ال�سرد‬ ‫ِ‬ ‫الحدث وتفتيته‪ ،‬ثم بعثرته على‬ ‫تقطيع‬ ‫يعتمد على‬ ‫ِ‬ ‫�أج��زاء الرواية‪ ،‬ولي�س تتابع الف�صول في الرواية‪،‬‬ ‫وفق هذا ال�سرد‪ ،‬تتابع ًا مت�ص ًال في الزمان‪.‬‬ ‫يبد�أ بمنت�صف الق�صة �أو بنهايتها‪ ،‬ثم تم�ضي‬ ‫الف�صول في �سرد ال ِ‬ ‫أحداث التي �سبقتها و�صو ًال �إلى‬ ‫هذه النهاية‪ ،‬ربما عن طريق االرتداد واال�سترجاع‬ ‫(تقنية الفال�ش ب��اك)‪ ،‬وه��ذا ما ح��دث في هذه‬ ‫الرواية‪ ،‬فقد بد�أ الراوي وهو �شخ�صية البطل (�سعد)‬ ‫ِ‬ ‫في �سر ِد ال ِ‬ ‫منت�صف الحكاية‪ ،‬بداية من‬ ‫أحداث من‬ ‫الف�صل الثاني‪ ،‬وفيه ي�سترجع ال��راوي ذكرياته‬ ‫عندما كان طف ًال �صغيراً مع �أ�سرته‪ ،‬وعمله مع‬

‫‪94‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫�أبيه بالمركب‪ ،‬وت�أثره ب�أجواء القرية وعاداتها‬ ‫وتقاليدها‪ ،‬ودرا�سته عند �شيوخ المجاذيب‪ ،‬وحلمه‬ ‫في الذهاب للدرا�سة بالأزهر‪ ،‬ثم يروي لنا �أجواء‬ ‫المجتمع الم�صري عندما عا�ش فيه‪.‬‬ ‫لم يكن ف�ضل اهلل هو الراوي العليم‪ ،‬بل جعل‬ ‫الراوي �شخ�صية غير معروفة اال�سم وهو �شخ�ص‬ ‫تقم�ص �شخ�صية (الأمين) ال�شيخ‬ ‫من روا ِد المقهى َّ‬ ‫الم ِ�سن الذي كان َي ُق�ص ق�صة (�سعد و�سعدية)‪ ،‬قبل‬ ‫ُ‬ ‫مماته‪.‬‬ ‫قام ب�سر ِد �أح� ِ‬ ‫�داث الق�ص ِة مخاطب ًا المتلقي‬ ‫وحكى له حكايتين‪:‬‬ ‫حكاية (�سعد) �أو ًال‪ ،‬ثم حكاية (�سعدية)‪ ،‬وما‬ ‫وقع فيهما من �أح� ٍ‬ ‫�داث تت�صل بهما �أو بغيرهما‪،‬‬ ‫كل منهما الداخلية والتي‬ ‫ليعر�ض للمتلقي ر�ؤية ٍ ّ‬ ‫ت�سمى بعر�ض (ال�سيرة الذاتية)‪.‬‬ ‫الكاتب الحري َة لأبطالِ الرواي ِة في التعبي ِر‬ ‫ترك‬ ‫ُ‬ ‫عن ر�ؤيتهم‪ ،‬فلم يتدخل في نفو�س ال�شخ�صيات‪،‬‬ ‫وه ��ذا الن�سق ال ي��ع��رف فيه ال��ق��ارئ �شيئ ًا عن‬ ‫ال�شخ�صية‪� ،‬أكثر مما تعرفه هي عن نف�سها‪ ،‬وال‬ ‫يظهر للمتلقي �إال ما تظهره ال�شخ�صية نف�سها‪ ،‬وك� َّأن‬ ‫المتلقي ينظر �إليها من خالل ت�صوير �سينمائي‪.‬‬ ‫تنتهي ال��رواي��ة بنهاية ال� ��راوي لحكاية‬ ‫(�سعدية) لكنها حملت مفاج�أة تمثلت في معرفة‬ ‫هوية �شخ�صية (الأم��ي��ن)‪ ،‬ال��ذي ات�ضح �أن��ه ابن‬ ‫(�سعد و�سعدي) ودف��ن بجوارهما‪ ،‬و�أن (�سعد‬ ‫و�سعدية) رجعا مع ًا �إلى القرية ليعيدا �سيرتهما‬ ‫الأولى مرة �أخرى‪.‬‬

‫الخرطوم‬

‫تناولت الرواية‬ ‫�شخ�صيتين‬ ‫محوريتين جاء‬ ‫�سرد الرواية على‬ ‫ل�سانيهما‬

‫يعود الراوي �إلى‬ ‫الرمزية الغرائبية‬ ‫عبر حوار (�سعد) مع‬ ‫الأر�ض‬

‫مقاالت‬

‫ن�سيم‬

‫هل غيرت الكلمات العالم‪..‬‬ ‫(قد تكون بع�ض الكلمات ق��ادرة على‬ ‫تغيير العالم‪ ،‬ولبع�ضها القدرة على تعزيتنا‬ ‫وتجفيف دموعنا‪ ،‬لكن هناك كلمات هي‬ ‫ر�صا�صات ف��ي بندقية‪ ،‬و�أخ���رى نغمات‬ ‫ق��ي��ث��ارة‪ ..‬بع�ضها ق��ادر على �إذاب ��ة الثلج‬ ‫ال��ذي يع�صر قلوبنا‪ ،‬وم��ن الممكن حتى‬ ‫ا�ستدعا�ؤها‪ ،‬مثل زمر من المنقذين عندما‬ ‫ت��ك��ون الأي����ام معاك�سة)‪ .‬ه��ذا م��ا يكتبه‬ ‫الروائي الآي�سلندي جون ملكوم �ستيفان�سون‬ ‫(‪1963‬م) الحائز ع��دة ج��وائ��ز �أدب��ي��ة في‬ ‫بالده‪ ،‬والمترجم عالمي ًا �إلى عدد كبير من‬ ‫اللغات‪ ،‬في روايته ال�شهيرة (ما بين ال�سماء‬ ‫والأر�ض) (‪2010‬م) الجزء ال ّأول من ثالثية‪،‬‬ ‫يتبعه (ح��زن المالئكة‪ ،‬وقلب الإن�سان)‪،‬‬ ‫وهي �أ�شبه بق�صيدة ذات �شاعرية ا�ستثنائية‬ ‫تحاكي الطبيعة القا�سية و�شروط العي�ش‬ ‫تحول الحياة �صراع ًا للبقاء‪ ،‬ومواجهة‬ ‫التي ّ‬ ‫دائمة للموت‪.‬‬ ‫نحن في بداية القرن التا�سع ع�شر‪ ،‬في‬ ‫جزيرة �آي�سلندا الق�صية الباردة‪ ،‬في �إحدى‬ ‫قرى ال�صيادين‪ ،‬حيث �شظف العي�ش‪ ،‬وق�سوة‬ ‫المناخ‪ ،‬والبرد ال��ذي قد يكون مميتاً‪ ،‬في‬ ‫حياة مجموعة من الأ�شخا�ص ي�ضطرون �إلى‬ ‫�أن يركبوا بحراً عاتي ًا عا�صياً‪ ،‬لت�أمين لقمة‬ ‫القد‪ .‬هكذا‬ ‫عي�شهم من خالل �صيد �سمكة ّ‬ ‫نتعرف �إلى �شخ�صية (ال�صبي) وهو مراهق‬ ‫ّ‬ ‫يتيم ال �أه��ل وال عائلة له‪ ،‬تربطه �صداقة‬ ‫قوية جداً بـ(بارور)‪ ،‬ال�صياد ال�شاب الذي‬ ‫يكبره �سناً‪ ،‬الحالم والمغرم بالآداب وال�شعر‬ ‫مثله‪ ،‬وجميل الهيئة الذي تع�شقه (�أندريا)‪.‬‬ ‫يعد ال��ع� ّ�دة ا�ستعداداً لركوب‬ ‫ب��ارور ال��ذي ّ‬ ‫البحر‪ ،‬من�شغل بحفظ �أبيات الملحمة ال�شعرية‬ ‫(الفردو�س المفقود) التي كتبها ال�شاعر‬ ‫الإنجليزي جون ميلتون عام (‪1667‬م)‪،‬‬ ‫وهو ما �سيجعله غير قادر على التركيز على‬

‫الرواية‪ ..‬ق�صيدة ذات‬ ‫�شاعرية ا�ستثنائية تحاكي‬ ‫الطبيعة القا�سية و�شروط‬ ‫العي�ش في جزيرة �آي�سلندا‬

‫عمله‪ ،‬فين�سى �أخذ �سترته ال�سميكة الحامية‬ ‫من المياه والبرد‪.‬‬ ‫يركب بارور و(ال�صبي) �أحد المركبين‬ ‫الخ�شبيين البدائيين اللذين يحمل كل‬ ‫منهما �ستة �صيادين ال �أكثر‪ ،‬ي�ضطلع كل‬ ‫محددة ال ينبغي �إهمالها و�إال‬ ‫منهم بمهمة ّ‬ ‫تعر�ضوا جميع ًا لخطر الموت‪ ،‬خا�صة و�أن �أي ًا‬ ‫ّ‬ ‫مجدفين‪،‬‬ ‫منهم ال يجيد ال�سباحة‪ .‬ينطلقون ّ‬ ‫على �أن يعودوا بعد �أن يفردوا �شراعهم‪،‬‬ ‫محملين بغاللهم‪.‬‬ ‫ت�سوقهم الريح هذه المرة‪ّ ،‬‬ ‫القد لي�س �صعب ًا �أو م�شاك�ساً‪ ،‬كما‬ ‫و�سمك ّ‬ ‫يخبرنا الراوي‪ ،‬بل �إنه (ي�سبح طوال حياته‬ ‫فاتح ًا فاه على مداه‪ ،‬فهو �شره ب�شكل يعدو‬ ‫الحية‪ ،‬با�ستثناء الإن�سان‬ ‫�شراهة كل الأنواع ّ‬ ‫بالطبع‪ ،‬ويبتلع كل ما ي�صادفه في الطريق‪،‬‬ ‫وال ي�شبع �أبداً)‪ ...‬لكن بارور الذي يكره ال�صيد‬ ‫يحب �سوى ال�شعر‪ ،‬يرافقهم لكي ي�سترزق‬ ‫وال ّ‬ ‫يردد خالل عمله مقطع ًا من‬ ‫ال �أكثر‪ ،‬لذا تراه ّ‬ ‫ق�صيدة ميلتون‪:‬‬ ‫(ي�أتي الم�ساء‪ /‬ملقي ًا قلن�سوته‪ /‬الملأى‬ ‫بالظالل‪ /‬فوق كل �شيء‪ /‬ي�سقط ال�صمت‪/‬‬ ‫وتلتف على ذات��ه��ا‪ /‬البهيم ُة على �سرير‬ ‫ّ‬ ‫ع�شه‪ /‬لراحة ليلية)‪.‬‬ ‫التربة‪/‬‬ ‫والع�صفور في ّ‬ ‫ُ‬ ‫بيد �أن الكلمات التي يع�شقها ب��ارور‪،‬‬ ‫لن تنقذه هذه المرة‪ ،‬بل هي �ستكون �سبب‬ ‫وتهب العا�صفة‪،‬‬ ‫موته حين �سينقلب الطق�س‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وت�صفر الريح ويعلو الموج‪ ،‬فيبت ّل ال�شاب‬ ‫وينتهي ميت ًا من البرد لأنه لم يجلب معه‬ ‫�سترته الواقية‪ ،‬تلك التي �أن�ساه ال�شعر �إياها‪.‬‬ ‫�أما (ال�صبي)؛ ف�ست�سوء حاله جداً بعد موت‬ ‫�صديقه الأوحد‪ ،‬و�سيت�ساءل عن معنى البقاء‬ ‫بعده على قيد الحياة‪( .‬لقد مات لأن��ه قر�أ‬ ‫ق�صيدة‪ .‬بع�ض الق�صائد تقودنا �إل��ى تلك‬ ‫الأمكنة التي ال تبلغها كلمات‪� ،‬أو �أفكار‪،‬‬ ‫�إنها تقودنا �إل��ى الخال�صة‪� ،‬إل��ى الجوهر‪.‬‬ ‫الحياة تجمد خالل لحظة وت�صبح جميلة‪،‬‬ ‫�صافية‪ ،‬خالية من الح�سرات �أو ال�سعادة‪.‬‬ ‫تغير نهارك‪ ،‬ليلك‪ ،‬حياتك‪.‬‬ ‫هناك ق�صائد ّ‬ ‫بع�ضها ي�أخذك �إلى الن�سيان‪ ،‬فتن�سى حزنك‪،‬‬ ‫ي�أ�سك‪� ،‬سترتك الواقية‪ ،‬يقترب البرد منك‪ :‬لقد‬ ‫�أ�صبتك‪ ،‬يقول لك‪ ،‬وها �أنت ميت)‪...‬‬ ‫يقرر (ال�صبي) �أخيراً البحث عن القبطان‬ ‫ّ‬

‫نجوى بركات‬ ‫الأعمى الذي كان قد �أعار بارور الملحمة‬ ‫ال�شعرية‪ ،‬لكي يعيد �أمانته �إليه‪� ،‬أي الكتاب‪،‬‬ ‫الق�سم الثاني من الرواية‪.‬‬ ‫فيبد�أ مع رحلته تلك‬ ‫ُ‬ ‫فالق�سم ال ّأول هو رحلة فعلية في طبيعة‬ ‫قا�سية‪ ،‬متوح�شة‪ ،‬معزولة عن الح�ضارة (في‬ ‫بداية القرن التا�سع ع�شر)‪ ،‬حيث ال�ضباب‬ ‫عالق بين البحر والجبل‪ ،‬وحيث العتمة �أكثر‬ ‫ح�ضوراً من النور‪ ،‬وحيث (ت�أتيك رغبة النوم‬ ‫ما �أن تراودك فكرة اال�ستيقاظ والنهار الذي‬ ‫يعلن عن قدومه)‪( .‬من جهة‪ ،‬هنالك البحر‪،‬‬ ‫ومن الجهة الأخرى‪ ،‬جبال �شاهقة كال�سماء‪:‬‬ ‫هذا هو كل تاريخنا)‪ .‬هي �إذاً بالد ك�أنها في‬ ‫نهاية العالم‪ ،‬ذات طبيعة عدائية‪ ،‬باردة‪،‬‬ ‫تغمرها الثلوج‪ ،‬ويبدو الإن�سان �أمامها ه�شاً‪،‬‬ ‫�ضعيفاً‪ ،‬ال �شيء‪( .‬الجبال تغرق في المياه)‪،‬‬ ‫مزرق من البرد)‪� .‬أما الق�سم الثاني؛‬ ‫و(البحر‬ ‫ّ‬ ‫فهو رحلة داخلية‪ ،‬رحلة بحث عن معنى‬ ‫الحياة والموت‪ ،‬يقوم بها (ال�صبي) بحث ًا‬ ‫عن قبطان فقد ب�صره‪ ،‬ليعيد �إليه كتاب ًا‬ ‫�أ ّلفه �أعمى ثانٍ (فقد ال�شاعر جون ميلتون‬ ‫ب�صره تمام ًا وهو في الأربعين)‪ ،‬ليكت�شف �إن‬ ‫كان مازال يقوى على العي�ش �أو يملك رغبة‬ ‫اال�ستمرار في الحياة‪ ،‬بعد موت �صديقه‪.‬‬ ‫هنا ربما يكمن معنى الرواية �أو �س�ؤالها‬ ‫الحقيقي‪ :‬ه�شا�شة الحياة وحتمية الموت‪،‬‬ ‫وذلك الخيط الرفيع الذي ي�صل ما بينهما‪.‬‬ ‫وه��و �س�ؤال ينطبق على جميع الكائنات‪:‬‬ ‫ال�ضاج‬ ‫على بارور‪ ،‬ال�شاب المتعافي الجميل‬ ‫ّ‬ ‫القد التي‬ ‫بالحياة والرغبة‪ ،‬وعلى �سمكة ّ‬ ‫ت�سبح �سعيدة قبل �أن تختطفها �صنارة‬ ‫ال�صياد‪ ،‬وعلى الكلب الذي �سيبتلعه القر�ش‬ ‫ال�ص َدفة الملقاة على‬ ‫في لحظة‪� ،‬أو حتى على َّ‬ ‫ال�صخور الباردة التي تتقاذفها الأمواج‪.‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪95‬‬

‫الإ�سكندرية عالمي الأدبي‬

‫الـروائـي م�صطفى ن�صر‪ :‬تـكريـم‬ ‫ال�شارقة الثقافي توج م�سيرتي الأدبية‬ ‫الروائي م�صطفى ن�صر مواليد (‪� 30‬أغ�سط�س ‪1947‬م)‬ ‫بمدينة الإ�سكندرية‪ ..‬وفدت �أ�سرته من جهينة محافظة‬ ‫�سوهاج جنوبي م�صر‪ ،‬وح�صل على دب��ل��وم ت��ج��ارة عام‬ ‫(‪1965‬م)‪ ،‬وك��ان �آخ��ر عمل وظيفي تقلّده مدير �إدارة‬ ‫ب�شركة ال��ورق الأهلية‪ ،‬وه��و ع�ضو اتحاد كتّاب م�صر‪،‬‬ ‫وع�ضو نادي الق�صة‪.‬‬

‫خليل الجيزاوي‬

‫�أ���ص��در �سبع م��ج��م��وع��ات ق�ص�صية‪:‬‬ ‫(االختيار‪ ،‬حفل زف��اف‪ ،‬وجــوه الطيور‪،‬‬ ‫حجرة وحيدة‪ ،‬حكايات زواج العباقرة‪،‬‬ ‫والم�شاهير‪� ،‬سيدة القطار)‪ ،‬و�أ�صدر �سبع‬ ‫ع�شرة رواي��ة‪( :‬ال�صعود فوق ج��دار �أمل�س‪،‬‬ ‫ال�شركاء‪ ،‬جبل ناع�سة‪ ،‬الجهيني‪ ،‬الهماميل‪،‬‬ ‫النجعاوية‪� ،‬شارع ‪� ،8‬إ�سكندرية ‪� ،67‬سوق‬ ‫عقداية‪ ،‬ليالي الإ�سكندرية‪ ،‬ظم�أ الليالي‪،‬‬ ‫ليالي غربال‪� ،‬سينما �إل��دورادو‪ ،‬الم�ساليب‪،‬‬ ‫يهود الإ�سكندرية‪ ،‬دفء المرايا‪ ،‬ال�ستات)‪،‬‬ ‫وتم تكريمه في ملتقى ال�شارقة للتكريم‬ ‫الثقافي بالقاهرة في �سبتمبر (‪2021‬م)‪.‬‬ ‫حول م�شروعه الروائي وتكريم دائرة‬ ‫الثقافة كان لنا معه هذا الحوار‪..‬‬

‫¯ كيف تلقيت خبر تكريمك في ملتقى‬ ‫ال�شارقة الثقافي في المجل�س الأعلى للثقافة؟‬ ‫ فوجئت بخبر غير متوقع �أن دائرة‬‫الثقافة بال�شارقة اختارتني للتكريم تتويج ًا‬ ‫لم�سيرتي الأدب��ي��ة التي طالت‪ ،‬فتكريمي‬ ‫وتكريم زمالئي دليل على �أن القائمين‬ ‫على الثقافة في ال�شارقة يح�سون بقيمة‬ ‫الثقافة و�أهميتها‪ ،‬و�أنهم يعلمون �أن الثقافة‬ ‫ق��ادرة على ربط البالد العربية ببع�ضها‬ ‫بع�ض ًا‪ ،‬ومن ح�سن حظنا �أن �صاحب ال�سمو‬ ‫ال�شيخ الدكتور �سلطان بن محمد القا�سمي‬ ‫ع�ضو المجل�س الأع��ل��ى حاكم ال�شارقة‪،‬‬ ‫يحب الفنون ب�أنواعها‪ ،‬ويقدر قيمة الأدباء‬ ‫في كل الدول العربية‪ ،‬فبف�ضله يتم تكريم‬ ‫الأدب��اء في بالدهم وبين �أهاليهم تقديراً‬ ‫لهم‪ ،‬ما ي�ؤكد مدى ثقافة حاكم ال�شارقة‬ ‫وق��درت��ه على تمييز الأدب ال��ج��اد‪ ..‬نعم‬ ‫كان التكريم مفاج�أة غير متوقعة‪ ،‬خا�صة‬ ‫للأدباء الذين يعي�شون خارج القاهرة‪� ،‬أما‬ ‫عن اختيارنا لكي نكرم في ملتقى ال�شارقة‬ ‫للتكريم الثقافي‪ ،‬الحظ �أن الأربعة المكرمين‬ ‫من خارج القاهرة‪ ،‬وهو ما �أثلج �صدورنا‬ ‫وعو�ضنا عن بع�ض التجاهل‪.‬‬ ‫‪96‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫حوار‬ ‫¯ هال حدثتنا عن بدايات التكوين الأدب��ي‬ ‫والوفاء للعادات والتقاليد ال�صعيدية على‬ ‫الرغم من �أنك ولدت بالإ�سكندرية؟‬ ‫ لقد ولدت في الإ�سكندرية‪ ،‬لكنني ع�شت‬‫مع �أهلي الذين جا�ؤوا للإ�سكندرية من ال�صعيد‬ ‫ك��ب��اراً‪ ،‬وعندما ماتت �أم��ي ف��ي ب��داي��ة عام‬ ‫(‪1956‬م)‪� ،‬أخذتنا جدتي لنعي�ش معها في حي‬ ‫غربال‪ ،‬وهو حي يجمع الكثير من المراغية من‬ ‫�أهل بلدتنا‪ ،‬فع�شت معهم وك�أنني �أعي�ش في‬ ‫المراغة‪ .‬فكتبت روايتي (الم�ساليب)‪ ،‬وقال لي‬ ‫عبدالوهاب الأ�سواني‪ :‬كنت �أريد �أن �أكتب عنهم‪،‬‬ ‫لكن �أنت �سبقتني‪ .‬وقال لي �إيهاب م�صطفى‬ ‫وهو �صحافي من �أ�صل �صعيدي‪ :‬كنا نعي�ش‬ ‫معهم في ال�صعيد ولم نكتب عنهم‪ ،‬و�أنت الذي‬ ‫تعي�ش في الإ�سكندرية كتبت عنهم!‬ ‫¯ هل هناك بالفعل �أدب��اء مفرو�ضون على‬ ‫ال�ساحة الثقافية كما جاء بروايتك (�سينما‬ ‫�إلدورادو) التي �صدرت عام (‪2006‬م)؟‬ ‫ طبع ًا الدكتور �سيد حامد الن�ساج قال‬‫�أمامي �إنه يكتب �أمام كل كاتب ن�شر ق�ص�صه‬ ‫في عهد من؛ ليحدد الزمن والمناخ الذي ن�شرت‬ ‫فيه الق�صة‪ ،‬وهذا وا�ضح جداً في بع�ض الجرائد‬ ‫والمجالت الأدبية‪ ،‬عندما ي�سيطر البع�ض على‬ ‫و�سائل الن�شر‪.‬‬ ‫¯ تدور معظم رواياتك بمدينة الإ�سكندرية‪..‬‬ ‫م���اذا ُت��م� ّث��ل ل��ك الإ���س��ك��ن��دري��ة؟ ول��م��اذا لم‬ ‫تغادرها للقاهرة كما فعل بع�ض الأدب��اء؟‬

‫عزت عو�ض اهلل‬

‫�إدوارد الخراط‬

‫خيري �شلبي‬

‫�صالح عبدال�سيد‬

‫ الحظت �أن كل �إن�سان يتعلق بالمدينة‬‫التي ن�ش�أ وعا�ش فيها طفولته‪ ،‬فكثير من �أقاربي‬ ‫ال�صعايدة الذين جا�ؤوا للإ�سكندرية بحث ًا عن‬ ‫العمل‪ ،‬يعودون لبالدهم عندما يقترب �أجلهم‪،‬‬ ‫يف�ضلون �أن يدفنوا في البالد التي ولدوا ون�ش�ؤوا‬ ‫فيها‪ ،‬لكن الأمر يختلف مع الإ�سكندرية‪ ،‬فهي‬ ‫�أكثر مدينة في العالم ت�ستحق �أن تحب جوها‬ ‫وتخطيطها‪ ،‬وتاريخها ال�سكندري يمتلك قدرة‬ ‫عالية على ال�سخرية‪ ،‬ومعا�شرته للجاليات‬ ‫الأجنبية المتعددة‪� ،‬أعطته قدرة هائلة على حب‬ ‫الفن وتقديره له‪ ،‬و�أنا عا�شق للإ�سكندرية‪ ،‬كتبت‬ ‫عن كل �شيء فيها‪ ،‬مقاهيها وحدائقها وك ّتابها‬ ‫و�شوارعها‪� ..‬أي �شخ�ص �أكت�شف �أنه من �أ�صل‬ ‫�سكندري‪� ،‬أح�س ب�أنه‬ ‫يخ�صني‪ ،‬لقد كتبت‬ ‫عن مطربيها‪ :‬بدرية‬ ‫ال�سيد وعزت عو�ض‬ ‫اهلل‪ ،‬وع���ن م��ؤل��ف��ي‬ ‫الأغاني والملحنين‪،‬‬ ‫وقد عر�ض �صديقي‬ ‫نجيب محفوظ‬ ‫ال� ��ك� ��ات� ��ب ���ص�لاح‬ ‫عبدال�سيد �أن �أعمل‬ ‫م ��ع ��ه ف����ي �إدارة‬ ‫الأدب‪ ،‬لكني خفت‬ ‫م��ن التجربة‪ ،‬ف�أنا‬ ‫م����ت����زوج وع ��ن ��دي‬ ‫�أ���س��رة‪ ،‬فال �أ�ستطيع‬ ‫ال ��م ��غ ��ام ��رة ب��ت��رك‬ ‫د‪� .‬صالح ف�ضل‬ ‫مدينتي الإ�سكندرية‪.‬‬

‫(حي بحري)‬ ‫يمثل �أهمية كبيرة‬ ‫للإ�سكندريين‬ ‫وكتبت روايتي‬ ‫(�إ�سكندرية ‪ )٦٧‬عنه‬ ‫لكنني لم �أ�سكنه �أبداً‬

‫نجيب محفوظ قال‬ ‫في �أحد البرامج‬ ‫الإذاعية �إن روايتي‬ ‫(الهماميل) لفتت‬ ‫نظره‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪97‬‬

‫حوار‬ ‫¯ في روايتك (عيون البحر)‬ ‫ت��ح��دث��ت ك��ث��ي��راً ع��ن (ح��ي‬ ‫بحري) ال��ذي تحبه كثيراً‪..‬‬ ‫كيف ي�ش ّكل المكان م��ادة‬ ‫روايتك؟!‬ ‫ الإ�سكندرية مع�شوقة‬‫ك ��ل ال��م�����ص��ري��ي��ن‪ ،‬ومعظم‬ ‫�شعراء م�صر تغزلوا في جمال‬ ‫الإ�سكندرية‪ ،‬وال �أعتقد �أن‬ ‫هناك �أديب ًا م�صري ًا ال يعرف‬ ‫الإ�سكندرية كل المعرفة‪ ..‬هذا‬ ‫بالن�سبة �إل��ى ال��م��دن‪ ،‬وحي‬ ‫بحري يمثل بالن�سبة �إل��ى‬ ‫ال�سكندريين الأهمية نف�سها‪،‬‬ ‫ف�أنا لم �أ�سكن ط��وال عمري‬ ‫في حي بحري؛ لكنني �أعرفه‬ ‫جيداً‪ ،‬وعندما كتبت روايتي‬ ‫(�إ�سكندرية ‪ )67‬التي ت��دور في حي بحري‪،‬‬ ‫تقابلت مع الم�ست�شار محمود بيرم‪ ،‬ب�صحبة‬ ‫الكاتب �إدوارد الخراط‪ ،‬وقال محمود بيرم لي‪:‬‬ ‫�أنت من حي بحري؟ وانده�ش عندما قلت له‪ :‬ال‪،‬‬ ‫ف�صاح في حدة‪� :‬إزاي الكالم ده؟! ما ذكرته في‬ ‫روايتك ي�ؤكد معرفتك بحي بحري‪ ..‬قال لي �إنه‬ ‫قر�أ الرواية و�أر�سلها لأخته التي تعي�ش خارج‬ ‫م�صر‪ ،‬واتفقا على �أنني من �سكان حي بحري‪،‬‬ ‫فقلت له �أنا كنت �أذه��ب كل يوم لحي بحري‬ ‫لمقابلة �أ�صدقائي هناك‪ ،‬وحي بحري يجمع‬ ‫بين الأر�ستقراطية وال�شعبية‪ ،‬ففيه �صيادو‬ ‫ال�سمك الفقراء‪ ،‬وفيه �أي�ض ًا رجال �أعمال �أغنياء‪،‬‬ ‫والكثير من نجوم ال�سينما من حي بحري‪،‬‬ ‫والكثير من العبي الكرة الم�شهورين �أ�ص ًال من‬ ‫حي بحري‪ ،‬وك��ل من يقر�أ رواي��ات��ي عن حي‬ ‫بحري‪ ،‬يظن ب�أنني ولدت وع�شت عمري كله‬ ‫فيه‪.‬‬ ‫¯ هل بالفعل الحركة النقدية تتجاهل ما‬ ‫ي�صدر من �إبداع خارج مدينة القاهرة؟!‬ ‫ طبع ًا هناك مثل يقول (البعيد عن العين‪..‬‬‫بعيد عن القلب)‪ ،‬كتبت روايتي (الهماميل)‬ ‫و�صدرت عام (‪1988‬م) في رواي��ات الهالل‪،‬‬ ‫وعندما �س�ألوا نجيب محفوظ ف��ي برنامج‬ ‫(�سمار الليالي)‪ :‬ما الرواية التي لفتت نظره‬ ‫بعد ح�صوله على ن��وب��ل؟ ق��ال (الهماميل)‬ ‫لم�صطفى ن�صر‪ ،‬وكثيرون اهتموا بها وقالوا‬ ‫�سنكتب عنها‪ ،‬لكن لم يحدث؛ لأنني بعيد عنهم‪،‬‬ ‫‪98‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫الإ�سكندرية فيها عدد كبير من كتاب الق�صة‬ ‫وال��رواي��ة الجيدين؛ لكن حركة النقد لي�ست‬ ‫قادرة على االهتمام بكم الق�ص�ص والروايات‪.‬‬ ‫¯ كيف تابعت الحركة النقدية �أعمالك الأدبية؟‬ ‫وهل و�ضعتك في مكانك ال�صحيح بين ك ّتاب‬ ‫الرواية؟!‬ ‫ الحمد هلل‪ ،‬خيري �شلبي كتب مقالة‬‫في مجلة الإذاع ��ة والتلفزيون عن روايتي‬ ‫(الجهيني)‪ ،‬بما يعني �أنني �أف�ضل روائ��ي‬ ‫يعي�ش الآن في الإ�سكندرية‪ ،‬وقابلني في‬ ‫م�ؤتمر بدمياط‪ ،‬فقال لي‪( :‬ياااه على ما فعلوه‬ ‫فيه‪ ،‬كيف تقول عنه هذا الكالم؟!)‪ .‬كتاب من‬ ‫الإ�سكندرية قابلوه والم��وه‪ ،‬لأن��ه كتب هذا‪،‬‬ ‫وتكرر �أي�ض ًا عندما كتب الدكتور �صالح ف�ضل‬ ‫مقالة عن روايتي (يهود الإ�سكندرية) بعنوان‪:‬‬ ‫كبير �أدب ��اء الثغر‪ ،‬لقد الم��ه البع�ض لذلك‪،‬‬ ‫وحكى لي عبدالوهاب الأ�سواني ب�أنه عقب‬ ‫قراءته لروايتي (جبل ناع�سة) تذكر ما حدث‬ ‫بين ال�شاعرين جرير وعمر بن �أبي ربيعة الذي‬ ‫كان في بداية �شاعريته‪ ،‬وكلما كتب ق�صيدة‪،‬‬ ‫يعر�ضها على جرير‪� ،‬أ�ستاذه‪ ،‬فيعيدها جرير‬ ‫قائ ًال‪( :‬قري�ش لم تنجب �شاعراً)‪� .‬إلى �أن و�صل‬ ‫عمر بن �أب��ي ربيعة لدرجة الكمال‪ ،‬ف�صاح‬ ‫جرير قائ ًال‪�( :‬أول مرة قري�ش تنجب �شاعراً)‪.‬‬ ‫قال لي عبدالوهاب الأ�سواني‪ :‬لقد تراجعت‬ ‫عن ذكر هذا‪ ،‬حتى ال �أغ�ضب باقي الروائيين‬ ‫ال�سكندريين‪.‬‬

‫�أثناء التكريم بح�ضور وزيرة الثقافة‬ ‫والعوي�س والق�صير‬

‫ع�شت مع جدتي بعد‬ ‫وفاة �أمي في (حي‬ ‫غربال) �إذ ي�ضم‬ ‫الكثيرين من �أهالي‬ ‫بلدنا (مراغة)‬

‫خيري �شلبي كتب‬ ‫مقالة في �إحدى‬ ‫المجالت الم�صرية‬ ‫معتبراً �إياي �أهم‬ ‫روائي �سكندري‬

‫مقاالت‬ ‫�ضفاف‬

‫د‪ .‬عمر فروخ م�ؤرخ الوجدان الأدبي‬ ‫كانت الكتابة و�سع �أحالمه‪ ،‬فكان و�سع‬ ‫ف�ضاءاتها ال�شا�سعة‪ ،‬تحمله �إل��ى م�شارف‬ ‫�أزمنتها‪ ،‬فيحملها �إلى م�شارف ر�ؤيته فل�سفة‬ ‫وتاريخ ًا ونقداً ودرا�سة و�أدب�� ًا‪ ،‬دليله �إيقاع‬ ‫روح��ه المن�سجم مع �إي��ق��اع الإن�سانية‪ ،‬كان‬ ‫مو�سوعي المعرفة‪ ،‬مو�ضوعي ًا ف��ي البحث‬ ‫والنقد‪ ،‬والحوار المعرفي‪.‬‬ ‫�أراد �أن ي�ؤرخ للذاكرة العربية‪ ،‬لي�ضع تلك‬ ‫الذاكرة في مقامها الالئق على ال�سلم الح�ضاري‪،‬‬ ‫فقر�أ التاريخ لي�ؤوله بالح�ضارة‪ ،‬وليختبر‬ ‫الح�ضارة في ذاك��رة التاريخ‪ ،‬فالتاريخ كما‬ ‫يرى لي�س �سرداً للأخبار والأحداث المت�شابهة‪،‬‬ ‫بل هو و�صف الأدوار التي قامت الأم��م في‬ ‫�أثنائها برفع بناء الح�ضارات‪ ،‬وبالتالي‪ ،‬ف�إن‬ ‫(تاريخ الأمم �إنما هو تاريخ ح�ضارتها‪ ،‬وعظمة‬ ‫الأمة من�سوبة �أبداً �إلى طول الفترة التي كانت‬ ‫قد حملت فيه م�شعل الح�ضارة)‪ .‬فالميزان‬ ‫الح�ضاري هو الذي يحدد معيارية التاريخ في‬ ‫الم�شهد الإن�ساني‪.‬‬ ‫وبرغم تعدد منجزه الكتابي وات�ساع �أفقه‬ ‫البحثي‪ ،‬ف ��إن معياره الح�ضاري في ق��راءة‬ ‫التاريخ والأدب والثقافة كان الرهان الأكثر‬ ‫ا�ستجابة لمنظوره الثقافي‪ ،‬لأن��ه ينظر �إلى‬ ‫الثقافة من جانبها الإن�ساني‪ ،‬لذلك؛ فحيثما‬ ‫ت��رد كلمة التاريخ في م�ؤلفاته‪ ،‬تعني الأث��ر‬ ‫الح�ضاري‪ ،‬بهذا المعنى ال يعني تاريخه للأدب‬ ‫�أو للفكر �أو لل�شعر‪ ،‬الجمع والت�صنيف والنقل‪،‬‬ ‫بل يعني البحث والت�أمل في ذاكرة التاريخ عبر‬ ‫منهج اختار �أن يكون عربي ًا خال�ص ًا‪.‬‬ ‫ل��ذل��ك؛ ح��ي��ن �أراد ���ص��اح��ب (ال��ح�����ض��ارة‬ ‫الإن�سانية وق�سط العرب فيها‪ -‬تاريخ العلوم‬ ‫عند العرب‪ -‬الفل�سفة اليونانية في طريقها‬ ‫�إلى العرب‪� -‬أثر الفل�سفة الإ�سالمية في الفل�سفة‬ ‫الأوروبية)‪� ،‬أن يبين ف�ضل العرب على الح�ضارة‬ ‫الإن�سانية‪ ،‬اختبر فعلهم في الأث��ر الح�ضاري‬ ‫الإن�ساني دون �أن ي�ستغرق في م��دح ال��ذات‪،‬‬ ‫ودون �أن يطرب لمقوالت المديح التي كان‬ ‫يطلقها بع�ض الم�ست�شرقين على العرب‪ ،‬بل كان‬ ‫مو�ضوعي ًا في طرحه و�آرائه‪ ،‬كي ي�ضع الأ�شياء‬ ‫في مقامها من الوعي الح�ضاري‪ ،‬فالعرب‪،‬‬

‫يعنى بالبحث في ذاكرة‬ ‫التاريخ بمعيار عربي‬ ‫ح�ضاري‬

‫كما ي��رى د‪.‬ع��م��ر ف ��روخ‪ ،‬ال��ذي��ن فتحوا �أم��ام‬ ‫التفكير الأوروبي �آفاق ًا جديدة من المعرفة (لم‬ ‫ي�ستفيدوا من نتاج الفكر الب�شري فقط‪ ،‬بل قاموا‬ ‫بدورهم بتنمية هذا النتاج و�إعداده لت�ستفيد منه‬ ‫ال�شعوب الأخ��رى)‪ .‬فقد كان هدفه من درا�سة‬ ‫العبقرية العربية في التاريخ والعلوم والفل�سفة‬ ‫والأدب في ما�ضيها‪� ،‬أن يم ّكن ذلك اال�ستناد �إلى‬ ‫الما�ضي في ذاكرة الأجيال‪ ..‬وح�سب برغ�سون؛‬ ‫قوة اال�ستناد هي التي تحدد قوة االندفاع نحو‬ ‫الم�ستقبل (فالأمم رهينة بحياة تراثها‪ ،‬ف�إن‬ ‫الأمة التي ال تراث لها ال تاريخ لها‪ ،‬والأمة التي‬ ‫ال تاريخ لها لي�ست �إال كت ًال ب�شرية ال وزن لها‬ ‫في ميزان الأم��م)‪ .‬لذلك يرى �صاحب (عبقرية‬ ‫اللغة العربية) �أن اللغة هي المنطلق لت�أ�صيل‬ ‫هذا اال�ستناد (فال�شعب الذي يفقد لغته يفقد‬ ‫كيانه ثم يمحى هو نف�سه من ذاكرة التاريخ)‪.‬‬ ‫بهذا المقيا�س �أي�ض ًا‪ ،‬نقر�أ كتابه المو�سوعي‬ ‫(تاريخ الأدب العربي) بمجلداته ال�ستة‪ ،‬حيث‬ ‫لم يكن فيه مجرد جامع وناقل وم�صنف‪،‬‬ ‫بل ك��ان يختبر الكثير من الق�ضايا الأدبية‬ ‫والتاريخية في مختبره الخا�ص‪ ،‬ليقدم ر�أيه‬ ‫ور�ؤيته الخا�صة التي تجعل من كتاباته معين ًا‬ ‫خ�صب ًا للدر�س النقدي والتاريخي‪ ،‬محاو ًال �أن‬ ‫يبني منهج ًا عربي ًا خال�ص ًا في تاريخ الأدب‪ ،‬ال‬ ‫ي�أخذ من المناهج الغربية �إال ما ينق�ص المنهج‬ ‫العربي‪ ،‬دون �أن ينكر ف�ضل من �سبقه في هذا‬ ‫المجال؛ كالم�ؤرخ الألماني كارل بروكلمان‬ ‫في كتابه (ت��اري��خ الأدب العربي) وجرجي‬ ‫زيدان في كتابه (تاريخ �آداب اللغة العربية)‪،‬‬ ‫�إال �أنه �أراد في كتابه �أن يقدم �إ�ضافة منهجية‬ ‫وعلمية �إلى من �سبقه‪ ،‬بدرا�سته التي ال تقف عند‬ ‫الترجمات ال�شعرية فح�سب‪ ،‬بل تغطي مختلف‬ ‫الحياة االجتماعية واالقت�صادية وال�سيا�سية‬ ‫لكل �شاعر �أو �أدي��ب‪ ،‬ف�ض ًال عن منهجيته في‬ ‫ترجماته ل�ل�أدب��اء‪ ،‬التي ق�سمها �إل��ى �أربعة‬ ‫�أق�سام‪( :‬حياة الأديب‪ -‬خ�صائ�صه‪ -‬المختار‬ ‫من �آث ��اره‪ -‬الم�صادر والمراجع لدرا�سته)‪،‬‬ ‫ليقرب المو�ضوع للدار�سين والباحثين ويب�سط‬ ‫ذخائر الجانب الوجداني من الأدب العربي‬ ‫للمطالعين‪ ،‬وبالتالي ليكون ه��ذا الكتاب‬ ‫المو�سوعي مرجع ًا مهم ًا‪� ،‬سواء بمنهجيته‪،‬‬ ‫�أو بمعياريته في اختيار الن�صو�ص و�شرحها‬ ‫�شرح ًا واف��ي � ًا لغوي ًا وفني ًا وب�لاغ��ي� ًا‪ ،‬دون‬ ‫االلتفات �إلى كثرة الإنتاج الإبداعي �أو قلته‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫بترجمات ل�شعراء لم‬ ‫وبهذا ينفرد كتاب فروخ‬

‫د‪ .‬بهيجة م�صري �إدلبي‬ ‫يتعر�ض لهم م�ؤرخو الأدب من قبله‪ ،‬كما يتفرد‬ ‫بمختبره التاريخي والح�ضاري والفني‪ .‬وهنا‬ ‫نفهم لماذا �أراد فروخ �أن يختار ال�شعراء �أو‬ ‫الأدباء الذين كان لهم نتاج وجداني‪ ،‬و�أهمل‬ ‫من كان ظهورهم لغايات بعيدة عن المنجز‬ ‫الأدبي الجمالي والوجداني‪ ،‬لأنه يريد �أن ي�ؤرخ‬ ‫للوجدان الأدبي‪ ،‬عبر معيار جمالي ينه�ض من‬ ‫فنية ذلك الخطاب ومن خ�صو�صيته في النتاج‬ ‫الإن�ساني‪.‬‬ ‫لعمر فروخ �أكثر من مئة كتاب مطبوع‪،‬‬ ‫تنوعت بين الفل�سفة والتاريخ والأدب‪ ،‬منها‪:‬‬ ‫(تاريخ الأدب العربي ب�ستة مجلدات‪ -‬تاريخ‬ ‫الفكر العربي‪ -‬التب�شير واال�ستعمار‪ -‬الأ�سرة‬ ‫في ال�شرع الإ�سالمي‪ -‬تجديد في الم�سلمين‬ ‫ال ف��ي الإ����س�ل�ام‪ -‬ال��ع��رب ف��ي ح�ضارتهم‬ ‫وثقافتهم‪ -‬الت�صوف في الإ�سالم‪ -‬الإ�سالم‬ ‫والتاريخ)‪ .‬وكتب كثيرة في التراجم منها‪:‬‬ ‫(�صخر بن حرب‪� -‬سهيل بن عمرو‪ -‬عمر بن‬ ‫�أب��ي ربيعة‪ -‬ب�شار بن ب��رد‪� -‬أب��و تمام‪� -‬أبو‬ ‫العالء المعري‪ -‬ابن زي��دون‪ -‬ابن الرومي‪-‬‬ ‫اب���ن ح����زم‪ -‬اب���ن خ���ل���دون‪ -‬ال��ح��ج��اج بن‬ ‫يو�سف الثقفي‪ -‬الفارابيان‪ :‬الفارابي وابن‬ ‫�سينا‪� -‬إخ��وان ال�صفا)‪� ،‬إ�ضافة �إل��ى ال�شعراء‬ ‫المعا�صرين‪�( :‬أحمد �شوقي‪� -‬إبراهيم طوقان‪-‬‬ ‫�أب��و القا�سم ال�شابي)‪ ،‬ف�ض ًال ع��ن درا�ساته‬ ‫المختلفة في الت�صوف والر�سائل والمقامات‬ ‫وال�شعر الحديث‪ ،‬دون �أن نغفل الكتب المدر�سية‬ ‫للمرحلة االبتدائية‪ ،‬و�أخرى للمرحلة الثانوية‪،‬‬ ‫في اللغة العربية والفل�سفة والتاريخ‪ .‬ليقدم‬ ‫في كتابه (غبار ال�سنين) ف�صو ًال ومحطات‬ ‫م��ن �سيرته ال��ذات��ي��ة‪ ،‬التي كانت حافلة في‬ ‫الفكر والر�ؤية والتربية والتعليم‪ ،‬ليكون (غبار‬ ‫ال�سنين) في مختبر الأجيال القادمة‪ ،‬وهي‬ ‫تنف�ض الغبار عن ذاكرة اختبرت ذاكرة التاريخ‬ ‫والح�ضارة في معيارية الإن�سان‪.‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪99‬‬

‫ثقافة عالم البحار‬

‫حامد جوهر‬

‫رائد البحريات وفار�س البالغة الأدبية‬ ‫عرفناه بذلك البرنامج الممتع (عالم البحار) الذي‬ ‫ب���د�أ يقدمه على �شا�شة ال��ق��ن��اة الأول����ى بالتلفزيون‬ ‫الم�صري ع��ام (‪1973‬م)‪ ،‬وه��و البرنامج الأ�سبوعي‬ ‫ال����ذي واظ����ب ع��ل��ى �إع������داده وت��ق��دي��م��ه ح��ت��ى واف��ت��ه‬ ‫ال��م��ن��ي��ة‪� ..‬إن���ه ح��ام��ل ل���واء (الأوق��ي��ان��وغ��راف��ي��ا)‪� ،‬أو‬ ‫ع��ل��م ال��ب��ح��ار ال����ذي وه��ب��ه ح��ي��ات��ه ك��ل��ه��ا‪� ،‬إن����ه ح��ام��د‬ ‫جوهر فهو لي�س مجرد �أ�ستاذ جامعي بل هو مو�سوعة‬

‫‪100‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫جاء �إل��ى الدنيا في (‪ 14‬نوفمبر عام‬ ‫‪1907‬م) بالقاهرة‪ ،‬وهو �أي�ض ًا الأديب الذي‬ ‫كان �ضليع ًا في اللغة العربية؛ حيث قر�أ‬ ‫لأحمد �شوقي وحافظ �إبراهيم‪ ،‬ومن القدامى‬ ‫�أعجبه البحتري و�أبو تمام وابن المعتز‪ ،‬كما‬ ‫ت�أثر بالمنفلوطي ومحمد المويلحي و�أحمد‬ ‫ح�سن الزيات و�أحمد �أمين‪.‬‬ ‫حاتم ال�سروي‬ ‫تمتع جوهر �إذاً بذخيرة �أدبية �أهدته‬ ‫ب�شرية ناطقة‪ .‬قلم ًا ر�شيق ًا و�أ�سلوب ًا ف�صيح ًا في م�ؤلفاته‬ ‫العلمية التي ن�ستفيد منها ويطربنا ما‬ ‫فيها من جزالة العبارة وبالغة المعنى‪،‬‬ ‫وقد واتته هذه المهارة اللغوية من مدر�سة‬ ‫الجمعية الخيرية الإ�سالمية االبتدائية التي‬ ‫تعلم فيها �أو ًال‪ ،‬ثم التحق بعدها بالمدر�سة‬ ‫الملكية الثانوية‪ ،‬وفيها التقى �أ�ستاذه‬ ‫عبداهلل العفيفي الذي م ّكن حب العربية في‬ ‫قلبه‪ ،‬وحب الثقافة عام ًة‪.‬‬ ‫بد�أ جوهر طالب ًا في كلية الطب‪ ،‬وبعد‬ ‫عام واحد فقط من درا�سته فيها �أن�شئت كلية‬ ‫العلوم فقرر الذهاب �إليها‪ ،‬ولم يكن وهم‬ ‫(كليات القمة) حينها قد تمكن من العقول‬ ‫بعد‪ ،‬كما كانت لكلية العلوم �أهمية ت�ضاهي‬ ‫ما لكلية الطب من �أهمية في وقتنا هذا‪،‬‬ ‫و�ضمن �أول دفعة للكلية عام (‪1929‬م)‪،‬‬ ‫ت��خ��رج ب��ام��ت��ي��از م ��ع م��رت��ب��ة ال�����ش��رف‪،‬‬ ‫وتخ�ص�ص في ثالثة علوم دفعة واح��دة‪،‬‬ ‫وهي‪( :‬الحيوان‪ -‬النبات‪ -‬الكيمياء)‪ ..‬ثم‬ ‫عمل معيداً بالكلية‪ ،‬ونال درجة الماج�ستير‬ ‫في (ف�سيولوجيا الحيوان) عن �أطروحته‬ ‫ال��ت��ي ج ��اءت ب��ع��ن��وان (الت�شريح الدقيق‬ ‫وه�ستولوجيا الغدد ال�صماء في الأرن��ب)‪،‬‬ ‫وكان م�شرفه العالم ال�سوي�سري المرموق‬ ‫(البروفي�سور �أدولف نيف) والذي كان ير�أ�س‬ ‫وقتها ق�سم علوم الحيوان‪.‬‬ ‫وبرغم �أن �أطروحته الآن��ف��ة هي �أول‬ ‫ر�سالة يتم تقديمها لكلية العلوم لنيل درجة‬ ‫الماج�ستير منذ �إن�شائها‪ ،‬ف�إنه قرر �أن يتحول‬

‫�شخ�صيات‬

‫�إل��ى عالم البحار بعد �أن ا�ستهوته الكائنات‬ ‫البحرية في البحر الأحمر‪ ،‬وقد ُع ِّين م�ساعداً‬ ‫لمدير محطة الأح��ي��اء البحرية الإنجليزي‬ ‫بالغردقة (د‪� .‬سيريل كرو�سالند)‪ ،‬وهناك تابع‬ ‫بحوثه على �أحياء البحر الأحمر‪ ،‬وتو�صل �إلى‬ ‫نتائج مهمة ن�شرها في مجلتين �شهيرتين‬ ‫ب�إنجلترا هما (مجلة الطبيعة‪ ،‬ومن�شورات‬ ‫االتحاد البيولوجي البحري بالمملكة المتحدة)‪.‬‬ ‫وقد و�صلت هذه النتائج �إلى المخت�صين‬ ‫في علوم البحار والمهتمين بدرا�سة (الجوف‬ ‫َم َعو َِّيات)‪ ،‬وال �سيما نتائج �أبحاثه على �أنواع‬

‫مدينة الغردقة في البحر الأحمر‬

‫جديدة من المرجانيات اللينة‪ ،‬فعرف بها ك ٌل‬ ‫من‪ :‬رئي�س ق�سم علم الحيوان بجامعة كامبردج‬ ‫البريطانية (ال��دك��ت��ور ج��اردن��ر)‪ ،‬والرئي�س‬ ‫ال�سابق للق�سم (الدكتور هيك�سون)‪ ،‬وكان هذا‬ ‫المجال مو�ضع اهتمامهما فدعياه �إلى جامعة‬ ‫كامبردج ليكون باحث ًا زائ��راً لها‪ ،‬وبالفعل‬ ‫�سافر �إلى هناك عام (‪1937‬م)‪ ،‬و�أم�ضى قرابة‬ ‫عامين في بريطانيا‪ ،‬وتعلم المزيد و�أث��رى‬ ‫�أبحاثه التي جعلت علماء تلك البالد يطلبونه‬ ‫ود َ�أ ِب ��ه‪ ،‬وكان في‬ ‫بلهفة لي�ستفيدوا من علمه َ‬ ‫بريطانيا ع��دد من المراجع بالغة الأهمية‬ ‫والتي لم تكن متوافرة‬ ‫في م�صر‪� ،‬إ�ضافة �إلى‬ ‫م��ج��م��وع��ات للعينات‬ ‫المرجعية‪ ،‬كما �أن��ه زار‬ ‫ع����دة م�����رات م��ت��اح��ف‬ ‫ال��ت��اري��خ الطبيعي في‬ ‫لندن و�أدن��ب��ره وبرلين‬ ‫وباري�س وفيينا وغيرها‪،‬‬ ‫ثم �إنه �أعد النتائج التي‬ ‫تو�صل �إليها في المعاهد‬ ‫والمتاحف التي زاره��ا‬ ‫للن�شر‪.‬‬

‫من مقتنيات عالم البحار حامد جوهر‬

‫ا�شتهر من خالل‬ ‫برنامجه الأ�سبوعي‬ ‫الجماهيري (عالم‬ ‫البحار)‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫د‪ .‬حامد جوهر‬

‫‪101‬‬

‫�أثار �إعجاب �أ�ساتذته‬ ‫الإنجليز �أثناء‬ ‫درا�سته وعمله‬

‫وفي �أكتوبر من عام (‪1938‬م)‪ ،‬عاد �إلى‬ ‫وطنه وت��ول��ى من�صب مدير محطة الأح��ي��اء‬ ‫المائية بالغردقة‪ ،‬ونجح في ذلك نجاح ًا الفت ًا‪،‬‬ ‫برغم �أن الإنجليز حين تولى �إدارة المحطة‬ ‫قالوا‪ :‬كيف يمكن لم�صري �أن يتحمل ق�سوة‬ ‫الحياة في تلك المنطقة النائية المنعزلة؛ لهذا‬ ‫علي �أن تكون ه��ذه هي‬ ‫وجدناه يقول‪َ :‬‬ ‫(ع � َّز َّ‬ ‫النظرة �إلينا‪ ،‬ولأنني كنت �أول م�صري يتولى‬ ‫هذه الوظيفة فقد ر�أيته تحدي ًا ال بد من قبوله‪،‬‬ ‫وال بديل �أمامي عن النجاح)‪.‬‬ ‫وف��ي مطلع (‪1940‬م)‪ ،‬ن��ال عن �أبحاثه‬ ‫التي عاد بها من بريطانيا درجة الدكتوراه‬ ‫في العلوم‪ ،‬وهي مرحلة علمية ودرجة �أرقى‬ ‫من دكتوراه الفل�سفة التي يح�صل عليها معظم‬ ‫الباحثين في تخ�ص�صاتهم‪ ،‬ويخبرنا الدكتور‬ ‫محمد فتحي فرج �أن جوهر بذلك هو �أول من‬ ‫ح�صل على الدكتوراه من خريجي الجامعات‬ ‫الم�صرية‪ ،‬وكان عمره وقتها (‪ )33‬عام ًا فقط‪،‬‬ ‫مع العلم �أن الدكتور طه ح�سين ‪ -‬وهو �أول‬ ‫م�صري يح�صل على الدكتوراه‪� -‬إنما ح�صل‬ ‫عليها من فرن�سا‪.‬‬ ‫وتحت عنوان (�شهادة عالمة �أمريكية)‬ ‫يعر�ض لنا الدكتور محمد فتحي فرج في كتابه‬ ‫(فر�سان الثقافتين‪� ..‬أدباء العلماء) ر�أي عالمة‬ ‫بحار �أمريكية في الدكتور جوهر؛ حيث كانت قد‬ ‫اط َلعت على �أبحاث جوهر البحرية التي �أجراها‬ ‫َّ‬ ‫في محطة الغردقة‪ ،‬وتم ن�شرها في مجالت‬ ‫عالمية وهي حول العالقة بين الأ�سماك‪ ،‬ال‬ ‫�سيما تلك ال�سمكة المعروفة بالمهرجة ال�صغيرة‬ ‫‪ Clown fish‬و�شقائق النعمان ‪،Anemones‬‬ ‫وات�ضح للعالمة الأمريكية ال�شبه الكبير بين‬ ‫‪102‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫البحر الأحمر‪ ،‬والمياه اال�ستوائية في المحيط‬ ‫وده�شت ه��ذه الدكتورة الأمريكية‬ ‫ال��ه��ادي‪ُ ،‬‬ ‫�أول من تعرف �إلى‬ ‫وا�سمها «�أوجيني كالرك» حين علمت �أنه منذ‬ ‫�أكثر من (‪ )70‬عام ًا لم ُتك َتب تقارير علمية عن‬ ‫(عرو�س البحر) مع‬ ‫بالواليات‬ ‫�أ�سماك هذا البحر‪ ،‬و�أن المتاحف‬ ‫العالمة الأمريكية‬ ‫المتحدة لي�س فيها مجاميع تمثل �أحياء‬ ‫�أوجيني كالرك‬ ‫هذه النواحي‪ ،‬وكان عمل الدكتور جوهر في‬ ‫الأ�سا�س من�صب ًا على المرجانيات �أكثر من‬ ‫الأ�سماك‪ ،‬فتراءى للدكتورة �أوجيني �أن تقارن‬ ‫بين �أ�سماك البحر الأحمر و�أ�سماك المحيط‬ ‫الهادي‪ ،‬لهذا كتبت فوراً لجوهر‪ ،‬وعلمت من‬ ‫رده �أن محطة الأح��ي��اء‬ ‫البحرية في الغردقة على‬ ‫�ساحل البحر الأحمر تقدم‬ ‫كل الت�سهيالت للزائرين‬ ‫العلميين‪ ،‬و�أن��ه��ا ترحب‬ ‫ب��ال��دك��ت��ورة الأم��ري��ك��ي��ة‪،‬‬ ‫فو�صلت �إلى القاهرة م�ساء‬ ‫يوم عيد الميالد من عام‬ ‫(‪1950‬م)‪ ،‬وبعد �أ�سبوعين‬ ‫و�صلت �إلى محطة الأحياء‬ ‫�أحمد �شوقي‬ ‫حافظ �إبراهيم‬ ‫ال��ب��ح��ري��ة ف��ي ال��غ��ردق��ة‪،‬‬ ‫وهالها �أن ترى لأول مرة‬ ‫(عرو�س البحر)‪.‬‬ ‫وال�س�ؤال ال��ذي يطرح‬ ‫نف�سه طبع ًا‪ :‬ما هي عرو�س‬ ‫البحر؟‬ ‫كانت �أوجيني تنظر‬ ‫�إل���ى ع��رو���س ال��ب��ح��ر في‬ ‫الأع���ل���ى ح��ت��ى ت ��أل��م��ت‬ ‫رقبتها! غلبتها الده�شة‬ ‫�أوجيني كالرك‬ ‫�أحمد ح�سن الزيات‬

‫�شخ�صيات‬

‫حتى جعلتها تردد ‪ wonderful‬كل ثانيتين!‬ ‫لقد ر�أت مخلوق ًا قائم ًا و�صل طوله �إلى (‪)11‬‬ ‫قدم ًا‪ ،‬وله وج ٌه جامد غريب ال يعبر عن �شيء‪،‬‬ ‫بعينين �صغيرتين‪ ،‬من ال�صعب ر�ؤيتهما �إال‬ ‫بالفح�ص القريب‪ ،‬وذراعاه ت�شبهان المطارف‬ ‫ظاهري ًا ولو �أن التركيب العظمي يدلنا على‬ ‫�أ���ص��اب��ع ك��ان��ت ف��ي �أج����داد ذل��ك ال��ك��ائ��ن ثم‬ ‫طرف حلمة ثدي كبيرة‪،‬‬ ‫تدهورت‪ ،‬وتحت كل ُم َ‬ ‫وبهذا يكون ذلك الكائن �أنثى‪ ،‬وي�ستدق الج�سد‬ ‫الناعم ال�ضخم تدريجي ًا حتى ين�ساب في �آخره‪،‬‬ ‫وينتهي �إل��ى زعنفة ذيل بحجم �صغير ي�شبه‬ ‫زعنفة �سمكة مو�سى‪ .‬هذه العرو�س التي �أده�شت‬ ‫�أوجيني كانت �صلعاء الر�أ�س‪ ،‬ولها �شعر حول‬ ‫الفم على �شكل �شارب �شعراته خ�شنة و�صلبة‪.‬‬ ‫�س�ألت �أوجيني جوهر فقال‪ :‬هذه عرو�س‬

‫د‪ .‬حامد جوهر �أثناء درا�سته الجامعية و�أيام �شبابه‬

‫البحر‪ ،‬لقد ح�سب النا�س �أن عرائ�س البحر‬ ‫انقر�ضن من البحر الأحمر حتى اكت�شفناهن‬ ‫نحن ب�شباكنا‪ ..‬ثم برقت عيناه ال��زرق��اوان‪،‬‬ ‫وظهر الجد في لحيته الحمراء التي بد�أ يخالطها‬ ‫ال�شيب‪..‬‬ ‫في مذكراتها �أو�ضحت لنا �أوجيني �أن هذا‬ ‫المخلوق �أنثى من �سمك (الأطوم) والتي ت�سمى‬ ‫�أحيان ًا بـ(بقرة البحر) �أو عرو�س البحر‪ ،‬وقد‬ ‫ف�ضل جوهر اال�سم الأخير‪ ،‬لأن كلمة عرو�س‬ ‫البحر تملأ خيال �سامعيها لأول وهلة ب�صور‬ ‫جميلة ورائعة ومثيرة لل�شعور بالرقة والت�أمل‪،‬‬ ‫ف ��إذا داخلهم ذل��ك ال�شعور خ��رج عليهم ذلك‬ ‫الوح�ش البحري‪ ،‬وهذه الأنثى التي لها �شارب!‬ ‫ويميل جوهر �إلى �أن هذا المخلوق الغريب هو‬ ‫�أ�صل �أ�سطورة عرو�س البحر‪ ،‬وربما �شاهدها‬ ‫ال��ب��ح��ارة ق��دي��م � ًا‪ ،‬ولأن��ه��م ك��ان��وا‬ ‫يغيبون كثيراً عن زوجاتهم �سموها‬ ‫(عرو�س البحر)‪ ،‬وبرغم �إطاللتها‬ ‫ٍ‬ ‫ظروف ما توحي‬ ‫الجريئة‪ ،‬لكنها في‬ ‫بالأنوثة‪ ،‬وه��ي من �أكبر و�أعجب‬ ‫�أحياء البحر الأحمر‪ ،‬وقد افتتن بها‬ ‫جوهر‪ ،‬الذي �أكد �أي�ض ًا �أنها واحدة‬ ‫م��ن �أح��ي��اء كثيرة تعد بالمئات‪،‬‬ ‫وتملأ النف�س عجب ًا و�إعجاب ًا بالبحر‬ ‫الأحمر وعالمه الرائع الفريد‪.‬‬

‫من المتحف‬

‫يعتبر مو�سوعة‬ ‫علمية �أدبية‬ ‫لم�ؤلفاته‬ ‫و�أطروحاته‬ ‫ودرا�ساته البحرية‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪103‬‬

‫مقاالت‬

‫المن�صف المزغني‬

‫الجاحظ قارئاً‪:‬‬ ‫عا�ش الجاحظ حياته الطويلة ومات على‬ ‫مقربة من بلوغ قرن من الزمان‪ ،‬وا�شتهر‬ ‫ب��أن��ه ك��ان كاتب ًا محترف ًا وم��ن مجانين‬ ‫الكتب جمع ًا وق��راءة وج ��دا ًال‪ ،‬وخا�ض في‬ ‫التاليف والت�صنيف والنظر والنقد وال�س�ؤال‬ ‫حتى �صار نجم ع�صره المزحوم بالمذاهب‪،‬‬ ‫وح� ّ�دق في ت�صادم الأق��وال والأف��ع��ال‪ ،‬ولم‬ ‫يكف عن ال�س�ؤال الجريء والمقارنة الفاح�صة‬ ‫ّ‬ ‫وم��ق��ارع��ة الحجة بالحجة‪ ،‬واال�ستطراد‬ ‫والتلميح والت�صريح‪ ،‬ولكن‪ -‬عموم قراء �سيرة‬ ‫الجاحظ عرفوا هذا الجاحظ �أي�ض ًا بالنهاية‬ ‫التي �أقفلت حياته الطويلة‪ ،‬كما و�صلتنا‬ ‫للتخيل‪،‬‬ ‫وك�أنها لقطة (�سينمائية) باتت قابلة‬ ‫ّ‬ ‫لما انطوت عليه من �إمكان عقد القران بين‬ ‫الواقع والخيال في حياة الجاحظ ‪:‬‬ ‫فهل �شيخنا الت�سعيني قد ق�ضى نحبه‪،‬‬ ‫حق ًا‪ ،‬تحت كومة من الكتب كما ج��اء في‬ ‫متواتر الأخبار؟‬ ‫وه��ل كانت نهاية �شخ�ص كبير ال�سن‬ ‫امتدت يده نحو كد�س‬ ‫والقدر‪ ،‬قد بد�أت �ساعة ّ‬ ‫من الكتب في بيته‪ ،‬وكان يرغب في �أن ي�ست ّل‬ ‫منها كتاب ًا‪ ،‬فوقعت عليه مخطوطات ثقيلة‪،‬‬ ‫فان�سدت دونه نعمة الأوك�سيجين تحت وط�أة‬ ‫ّ‬ ‫الكتب‪ ،‬ليوا�صل حياته بيننا عبر تلك الروح‬ ‫التي �أودعها في لطائف ت�آليفه وقطائف‬ ‫ت�صانيفه (وبع�ضها �ضائع في المكتبات‬ ‫الوطنية العربية والأوروبية‪ ،‬وهذه حكاية‬ ‫�أخرى)؟‬ ‫�رج��ح �أن ال��ج��اح��ظ ك��ان �شخ�صية‬ ‫ال��م� ّ‬

‫‪104‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫في القراءة والكتابة‬ ‫من الجاحظ �إلى الحا�سوب‬

‫واقعية وغرائبية في �آن‪ ،‬وقد �أبى معا�صروه‬ ‫يتوجوا نهاية عمره بهذه الحادثة‬ ‫�إال �أن ّ‬ ‫الالئقة ب�شيخوخته‪ ،‬وك ��أن الجاحظ �صار‬ ‫كتاب ًا ال ينتهي النا�س من البحث عنه �إال بين‬ ‫الكتب‪.‬‬

‫والن�سيان بعد‪ ،‬ورغم مرور �أكثر من �ألف عام‬ ‫على تاريخ قوله ال�شعري‪.‬‬ ‫لقد �أ�شار المتنبي �إلى عالقته بالكتاب‬ ‫ق��راءة واطالع ًا عند ذك��ره للكتاب كما في‬ ‫قوله (وخير جلي�س في الأنام كتاب)‪.‬‬

‫�أبو نوا�س والمطالعة‪:‬‬ ‫و�أم ��ا �أب��و الح�سن ب��ن ه��ان��ئ‪ ،‬المك ّنى‬ ‫بـ (�أبي نوا�س) فله ق�صة معروفة مع الثقافة‬ ‫والتثقيف وال��ك��ت��اب‪ ،‬وال ع�لاق��ة لحقيقة‬ ‫�صورته بما و�صلنا من ال��ذاك��رة ال�شعبية‬ ‫عامة النا�س‪ .‬ويمكن‬ ‫الخفيفة الطريفة لدى ّ‬ ‫�أن يكون هذا ال�شاعر نموذج ًا رائع ًا لل�شاعر‬ ‫المثقف ال��ذي ك��ان يغتذي ب��ق��راءة ال�شعر‬ ‫والفل�سفة‪ ،‬ويطلع على �أفكار ع�صره لي�صير‬ ‫ج��زءاً من الجدل‪ ،‬وي�سمع �آراء مختلفة في‬ ‫�ش�ؤون الحياة‪ ،‬يناق�شها بالحجة والنظر‪،‬‬ ‫وا�ستطاع �أن يتحدى الأدعياء �ساخراً‪:‬‬ ‫يدعي في الع َلم فل�سفة ‪ /‬حفظت‬ ‫(قل لمن ّ‬ ‫�شيئ ًا وغابت عنك �أ�شياء)‪.‬‬

‫دون كيخوته من الكتاب �إلى الحراب‪:‬‬ ‫لقد �أراد ثيرفانت�س الإ�سباني �أن ي�سخر‬ ‫من بع�ض �أهل الفرو�سية في ع�صره‪ ،‬فاختار‬ ‫ل�سخريته بط ًال �سماه (دون كيخوته‪ :‬ترجمها‬ ‫�إل��ى العربية الدكتور عبدالرحمن ب��دوي)‪،‬‬ ‫وكان دون كيخوته رج ًال من طبقة النبالء‪،‬‬ ‫وهمه الأكبر ال��ذي ا�ستولى على ذهنه هو‬ ‫ّ‬ ‫�أن ي�صبح فار�س ًا بين الفر�سان ي�شار �إليه‬ ‫بالبنان وت�سير بذكره الركبان‪ ،‬ولم يبق له‪،‬‬ ‫لبلوغ هدفه الأ�سمى �إال �أن يتعلم كيف ي�صير‬ ‫اليفوت فر�صة‬ ‫فار�س ًا‪ ،‬وي�صلح العالم‪ ،‬ف�صار‬ ‫ّ‬ ‫القتناء كتب مو�ضوعها (الفرو�سية و�أنواع‬ ‫الأ�سلحة في ع�صره وكيفية ا�ستخدامها)‪،‬‬ ‫و�أثارته ق�ص�ص االنت�صار التي زرعت في‬ ‫الحمى)‬ ‫(حد‬ ‫نف�سه روح الأمل ورغبة قوية ّ‬ ‫ّ‬ ‫في �أن ي�صير الفار�س المغوار الذي ال ي�شق‬ ‫له غبار‪.‬‬ ‫وفي �أول خروج تجريبي بهدف الحرب‪،‬‬ ‫ت ��راءت لهذا (المتفار�س) طواحين الريح‬ ‫أح�س ب�أ ّنه‬ ‫فظ ّنها ّ‬ ‫عدوة له ذات �أذرع طويلة‪ ،‬و� ّ‬ ‫في حالة جهوزية كاملة للقتال والنزال‪،‬‬ ‫ولم يطل في حربه �ضد الطواحين حتى نال‬ ‫�أق�سى العقاب من �أذرع هذه الطواحين التي‬ ‫كادت تطحن ر�أ�سه‪..‬‬

‫المتنبي والمطالعة‪:‬‬ ‫�أم��ا �أب��و الطيب المتنبي‪ ،‬فكان مثقف ًا‬ ‫كبيراً بمقيا�س ع�صره‪ ،‬وما و�صل من �أخباره‬ ‫يفيد ب�أ ّنه كان يرتاد دكاكين الوراقين‪ ،‬حتى‬ ‫تم ّكن من ثقافة متنوعة تو ّزعت بين معرفته‬ ‫ب�شتى المذاهب في الفكر وال�شعر والفل�سفة‪،‬‬ ‫م�صهور ًة بنار ال�شعر‬ ‫وهذه الثقافة نراها ْ‬ ‫في ديوانه‪ ،‬ودا ّل��ة على � ّأن ثقافة المتنبي‬ ‫كانت حامية ل�شعره �إلى اليوم من االندثار‬

‫ع�صفور من حبر‬

‫هكذا �صار دون كيخوته نموذج ًا للحالم الواقع والحلم‪ .‬وهنا تلتقي بوفاري الحب‪ ،‬مع‬ ‫ال��ذي هزمه الوهم‪ ،‬كما غدا من �أ�سو أ� الرموز دون كيخوته الحرب‪.‬‬ ‫للمحاربين الذين ال يعرفون‪ :‬ما معنى الحرب؟‬ ‫الكتب والحرب والحب‪:‬‬ ‫العدو الحقيقي؟ وما الحرب وما قبلها‬ ‫ومن هو‬ ‫ّ‬ ‫وم��ا ال��ج��ام��ع بين دون كيخوته وم��دام‬ ‫وما بعدها؟ وهي �أمور كان قد �أدركها‪ ،‬قبل دون‬ ‫كيخوته‪ ،‬بقرون‪� ،‬شاعر من �أ�صحاب المع ّلقات بوفاري �سوى �شغف القراءة‪ ،‬ويبدو مثل هذا‬ ‫وبديهي ًا‪ ،‬وق��د يغري‬ ‫اال�ستنتاج ال ّأول �سه ًال‬ ‫زهير ابن �أبي �سلمى وهو القائل‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫ب�سذاجة الت�شويه �سمعة ال��ق��راءة‪�( :‬إن نتيجة‬ ‫الح ْـر ُب �إِ َّال َما َع ِل ْم ُت ْم َو ُذ ْق ُت ُـم‬ ‫(و َما َ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫الم َر َّجـم) القراءة وخيمة!)‪.‬‬ ‫يث‬ ‫د‬ ‫ـ‬ ‫ِالح‬ ‫ب‬ ‫ا‬ ‫ه‬ ‫ن‬ ‫ع‬ ‫ـو‬ ‫ه‬ ‫ا‬ ‫م‬ ‫و‬ ‫ْ‬ ‫ََ ُ َ َ َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫فهل كانت قراءة الكتب م�س�ؤولة عن الم�صير‬ ‫الم�أ�ساوي‪ ،‬لكل من المتفار�س الإ�سباني العجوز‪،‬‬ ‫�إي ّما بوفاري‪ :‬قلب من ورد في كتب الو ّد‬ ‫في الف�صحى‪ ،‬عالقة ال تبدو بريئة في �ضمير وال�شابة الفرن�سية الحالمة؟‬ ‫لا من دون كيخوته �سرفانتي�س‬ ‫هذه اللغة‪ ،‬فاذا حذفنا حرف الراء من مفردة‬ ‫�أم �أن ك� ًّ‬ ‫حرب ح�صلنا على كلمة ثنائية م�ضموم �أولها ومدام بوفاري فلوبير قد ر�سما بطلين رمزيين‬ ‫من ذكر و�أنثى �سلبيين لفعل القراءة؟‬ ‫وم�شدد �آخرها‪ :‬حب‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫أحب (دون كيخوته) الفرو�سية‪ ،‬فرغب‬ ‫�‬ ‫وهل‬ ‫�رز‬ ‫�‬ ‫أب‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫�ي‬ ‫�‬ ‫�روائ‬ ‫�‬ ‫ال‬ ‫النموذج‬ ‫في‬ ‫و�إذا بحثنا‬ ‫ّ‬ ‫عالمي ًا‪ ،‬عن معادلة لـ (دون كيخوته) الحب‪ ،‬في ق��راءة كتب عن الفرو�سية وكانت النتيجة‬ ‫إيما بوفاري �ستعلن عن نف�سها‪ ،‬وبقوة‪ ،‬في ف�شل في الحرب؟‬ ‫ف� ّإن � ّ‬ ‫إيما بوفاري) الحب‪ ،‬ف�أخل�صت‬ ‫�‬ ‫(‬ ‫ت‬ ‫أحب‬ ‫�‬ ‫وهل‬ ‫حملت‬ ‫وقد‬ ‫فلوبير)‬ ‫(غو�ستاف‬ ‫الفرن�سي‬ ‫رواية‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الرواية ا�سمها‪( ،‬مدام بوفاري) وترجمها �إلى في قراءة كتب الحب‪ ،‬وخابت في �سيرة الحب؟‬ ‫وه��ل الكتاب يقود قارئه ‪ /‬قارئته �إلى‬ ‫العربية الدكتور محمد مندور‪.‬‬ ‫ك� ّأن الروائي الفرن�سي قد �أراد‪� ،‬أو لم يرد‪� ،‬أن الف�شل في الحرب‪ ،‬كما في الحب؟‬ ‫�دوة لهذين‬ ‫ينجز معار�ضة روائية لدون كيخوته‪ ،‬بعد �أن‬ ‫وه��ل الكتب كانت �صديقة ع � ّ‬ ‫الفا�شلين؟‬ ‫ن‬ ‫البطلي‬ ‫الحب‪ ،‬ومن‬ ‫ْ‬ ‫ْ‬ ‫نقل قارئه الأوروبي من الحرب الى ّ‬ ‫من خالل هذين النموذجين‪ ،‬قد يح�ضر فعل‬ ‫الدونكيخوتية الحربية الهائمة الى البوفارية‬ ‫الحب ّية الحالمة‪ ،‬ليجد القارئ في �صورة الفتاة القراءة كعامل �إحباط‪� ،‬أو كمثال على �أن القراءة‬ ‫ّ‬ ‫حد �إمكان القول‪ :‬ت��ودي بالمواظب عليها �إل��ى التدمير وتعا�سة‬ ‫لها‬ ‫ا‬ ‫قريب‬ ‫ا‬ ‫�شبه‬ ‫ا)‬ ‫إيم‬ ‫�‬ ‫(‬ ‫الحالمة‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫� ّإن الروائي غو�ستاف فلوبير قد �أراد من وراء الم�صير‪.‬‬ ‫وقد يالقي �أعداء القراءة في كل من (الفار�س‬ ‫كتابه (مدام بوفاري) �أن ينجز معار�ضة �أدبية‬ ‫دون كيخوته وال�سيدة ب��وف��اري) نموذجين‬ ‫�أوروبية لرواية ً(دون كيخوته)‪.‬‬ ‫لقد غرقت الفتاة (�إيما) في بحيرة الكتب كافيين لالبتعاد عن فعل ال��ق��راءة‪ ،‬وللحديث‬ ‫الحالمة‪ ،‬وقر�أت او عا�شت متماهية مع ق�ص�ص المطول عن م�ساوئ المطالعة!‬ ‫�سعيدة في �سيرة الحب‪ ،‬ودافئة مثل ربيع الحب‪،‬‬ ‫و�أن مثل هذه الأ�سئلة تالقي ا�ستقبا ًال حاراً‬ ‫من خ�لال رواي ��ات �أب��ط��ال من ورق ‪ ،‬ف�أحبت من �أعداء الكتاب والقراءة‪.‬‬ ‫ولكن‪ ،‬ما �أكثر ه�ؤالء النافرين بطبعهم من‬ ‫الحب وحلمت ان تعي�شه مثل بطالتها الورقيات‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وتزوجت على �أمل �أن يفوح قلبها ال�صغير بتلك الكتاب والقراءة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫وه��ل يجب في ال�صفحات الأول��ى من كل‬ ‫الرائحة‪ ،‬غير �أنها انتهت �إلى �صدمة خلفت في‬ ‫خافقها البريء خيبة وم��رارة ‪،‬لت�صير فري�سة كتاب �أن ن��ورد العبارة التالية‪( :‬م�ؤلف هذا‬ ‫م��ا �صنعته كتب تبيع وه��م ال��ح��ب‪ ،‬وكانت الكتاب غير م�س�ؤول عن �أي �ضرر يح�صل للقارئ‪،‬‬ ‫�ضحية�صدمة انتهت بها �إلى قرار مغادرة الحياة فالقارئ م�س�ؤول)‪.‬‬ ‫لقد كانت الكتب التي تمحورت على الحرب‬ ‫الخائبة ولم تدرك بقلبها الحالم �أن الوهم الذي‬ ‫�صارت في ح�ضنه‪ ،‬كان بفعل المواظبة على والفرو�سية‪ ،‬تتمر�أى لدون كيخوته ك�ساحات‬ ‫الحد بين حرب‪.‬‬ ‫حد الت�صديق واختالط‬ ‫ّ‬ ‫كتب الغرام ّ‬

‫كان الجاحظ‬ ‫�شخ�صية واقعية‬ ‫وغرائبية في �آن‬

‫ال عالقة لحقيقة‬ ‫�أبي نوا�س بما و�صلنا‬ ‫من الذاكرة ال�شعبية‬

‫المتنبي كان مثقف ًا‬ ‫كبيراً بقيا�س ع�صره‬ ‫و�صهر ثقافته في‬ ‫ديوان �شعره‬

‫دون كيخوته نال‬ ‫�أق�سى العقاب من‬ ‫جراء محاربته‬ ‫طواحين الهواء‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪105‬‬

‫متخ�ص�صة في ترجمة الأدب ال�صيني المعا�صر‬

‫يارا الم�صري‪:‬‬

‫�أعتمد على �أهمية الكتاب‬ ‫والم�ؤلف في ترجمتي‬

‫¯ ن�ش�أت في �أ���س��رة فيها مكتبة وتهتم‬ ‫بالقراءة والفكر والأدب والثقافة‪ ،‬فوالدك‬ ‫هو ال�شاعر �إبراهيم الم�صري‪ .‬نود �أن نقترب‬ ‫من هذه الن�ش�أة‪ ،‬و�إلى �أي مدى �أ�سهمت في‬ ‫تثقيفك؟‬ ‫ نعم ن�ش�أت في منزل مليء بالكتب‬‫والمو�سيقا‪ ،‬وكنت �أذهب لح�ضور الندوات‬ ‫م��ع وال���دي منذ ���ص��غ��ري‪ ،‬وط��ب��ع� ًا لدينا‬ ‫اهتمامات م�شتركة مثل القراءة والمو�سيقا‬ ‫وغيرها‪ ،‬وتدور بيننا الكثير من النقا�شات‬ ‫ح��ول الكتب والق�ضايا الثقافية‪ ،‬وقد‬ ‫نختلف وق��د نتفق‪ ،‬وه��و من دفعني �إلى‬ ‫اال�ستمرار في الترجمة الأدبية بعد ترجمة‬ ‫عدة ن�صو�ص في البداية‪ ،‬وهو القارئ الأول‬ ‫لترجماتي والمحرر الأول‪ ..‬ل��ذا؛ يمكنني‬ ‫القول �إن هذه الن�ش�أة م�ستمرة في تثقيفي‬ ‫وتوجيهي �إلى اليوم‪.‬‬

‫ي��ارا الم�صري؛ مترجمة م�صرية ول��دت بالإ�سكندرية‪،‬‬ ‫وهي متخ�ص�صة في ترجمة الأدب ال�صيني المعا�صر‪ ،‬ولها‬ ‫العديد من الترجمات المهمة مثل‪( :‬العظام الراك�ضة‬ ‫‪2015‬م) ‪ -‬مجموعة ق�ص�صية لـ(�آ�شه)‪ ..‬وغيرها الكثير‪.‬‬ ‫�شاركت في م�ؤتمر المترجمين لترجمة الأعمال الأدبية‬ ‫�أحمد الالوندي‬ ‫ال�صينية الذي عقد بال�صين (‪2016‬م)‪ ،‬وفي ور�شة للكتابة‬ ‫والترجمة ب�أكاديمية لو�شون ل�ل�أدب في بكين (‪2017‬م)‪ .‬كما نالت عدة ¯ قبل التحاقك بالجامعة؛ كنت تميلين‬ ‫جوائز‪ ،‬منها‪ :‬جائزة (�أخبار الأدب) في الترجمة (‪2016‬م) عن ترجمتها �إلى درا�سة العلوم‪ ،‬لكنك اتجهت �إلى درا�سة‬ ‫لرواية (ال��ذ ّواق��ة) للكاتب والأدي��ب ال�صيني لو وين فو‪ ،‬وجائزة الدولة اللغة ال�صينية‪ .‬لماذا ه��ذه اللغة التي‬ ‫ال�صينية للترجمة عن مجمل �أعمالها المترجمة �إلى العربية (‪2019‬م)‪ .‬ا�ستحوذت على اهتمامك؟‬ ‫‪ -‬بعد ح�صولي على الثانوية العامة؛‬

‫‪106‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫لقاء‬ ‫كنت �أريد درا�سة الجيولوجيا في كلية العلوم‪،‬‬ ‫�أو الأدب الإنجليزي في كلية الآداب‪ ،‬ومع‬ ‫النقا�ش؛ اقترح والدي درا�سة اللغة ال�صينية‪،‬‬ ‫كون ال�صينية لغة بلد �صاعد في القرن الحادي‬ ‫والع�شرين‪ ،‬وم�ؤثر في المنطقة وفي العالم‪،‬‬ ‫واتجهت بالفعل �إلى درا�ستها في كلية الأل�سن‬ ‫بجامعة عين �شم�س‪ ،‬ث��م بكلية �شاندونج‬ ‫للمعلمين بجامعة جينان في ال�صين‪.‬‬ ‫¯ ح ّدثينا عن �أول ترجمة لك من ال�صينية‬ ‫�إلى العربية‪ ،‬وعن رحلتك �إلى ال�صين لدرا�سة‬ ‫ال�صينية في بلدها‪ ..‬ب�أي مجال كانت الترجمة‪،‬‬ ‫وما الذي جعل تلك الرحلة التزال حا�ضرة بكل‬ ‫تفا�صيلها في مخيلتك؟‬ ‫ ���س��اف��رت �إل���ى ال�صين ل��ل��درا���س��ة عام‬‫(‪2010‬م) لمدة ع��ام‪ .‬وب��د�أت ترجمة ق�ص�ص‬ ‫ون�صو�ص ق�صيرة من عام (‪2011‬م)‪� ،‬أي بعد‬ ‫عودتي من ال�صين‪ .‬كانت هذه الرحلة ال ّتما�س‬ ‫الأول مع �أهل اللغة والبلد‪ ،‬و�أ�سهمت في ت�أ�سي�س‬ ‫اللغة ب�شكل �أك��ب��ر‪ ،‬وخ�ضت تجربة درا�سية‬ ‫مختلفة عن تجربة الدرا�سة الجامعية في‬ ‫م�صر‪ .‬ويمكنني القول؛ �إن رحلتي لدرا�سة اللغة الكتاب �أو ذاك مالئم ًا للقارئ العربي‪ ،‬وفي كل‬ ‫أحبها‪� ،‬سواء في‬ ‫ال�صينية في بلدها‪ ،‬كانت ذات ت�أثير حا�سم في الأحوال؛ �أنا �أترجم الكتب التي � ُّ‬ ‫ال�شعر‪� ،‬أو الق�صة الق�صيرة‪� ،‬أو الرواية‪� ،‬إ�ضافة‬ ‫ا�ستيعاب و�إدراك هذه اللغة‪.‬‬ ‫�إلى عوامل �أخرى‪ ،‬ك�أهمية الكتاب والكاتب في‬ ‫¯ على �أي �شيء تعتمدين في اختيارك للكتب اللغة الأ�صلية‪.‬‬ ‫المراد ترجمتها من ال�صينية �إلى العربية؟ وهل‬ ‫هي جميعها من اختيارك �أنت؟‬ ‫¯ ما �أه��م ال�صعوبات التي قد يواجهها من‬ ‫ �أخ��ت��ار الكتب بذائقتي �أو ًال كقارئة‪ ،‬يت�صدى للترجمة من اللغة ال�صينية �إلى‬‫ثم �ألتفت �إل��ى ال�شروط التي تجعل من هذا العربية؟‬

‫من �أعمالها المترجمة‬

‫ن�ش�أت في بيئة‬ ‫ثقافية وبيت يهتم‬ ‫بالكتب والمو�سيقا‬

‫لعب والدي ال�شاعر‬ ‫�إبراهيم الم�صري‬ ‫الدور الأهم في‬ ‫اهتماماتي الأدبية‬

‫تم تكريمها ومنحها عدة جوائز‬ ‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪107‬‬

‫لقاء‬ ‫ ال�����ص��ع��وب��ات ال��ت��ي ت��واج��ه��ن��ي؛ هي‬‫ال�صعوبات التي تواجه كل مترجم‪ ،‬من حيث‬ ‫تجدد قامو�س اللغة‪ ،‬ودخ��ول كلمات جديدة‪،‬‬ ‫وتغير دالالت كلمات قديمة‪ ،‬وارتباط العمل‬ ‫بمجتمع‬ ‫الأ�صلي بثقافة مختلفة‪ ،‬وخا�صة‬ ‫ٍ‬ ‫ما‪ ،‬ومعرفة الإ���ش��ارات التاريخية والثقافية‬ ‫والتراثية التي ت�أتي في �سياق ن�ص �إبداعي‬ ‫معين‪� ،‬إ�ضافة �إلى مقا�صد الكاتب في عمله‬ ‫التي قد تكون غام�ضة‪ ،‬وهذا يجعلني �أحيان ًا‬ ‫�أتحاور مع �صاحب العمل الأ�صلي‪ ،‬و�أناق�شه‬ ‫كما حدث مرات عديدة في ترجمة ال�شعر‪.‬‬ ‫¯ �أن��ت على دراي��ة كبيرة ب��الأدب ال�صيني‪،‬‬ ‫وبالجديد فيه ب�شكل دائم‪� .‬أين هو موقع �أدبنا‬ ‫العربي؟ و�أي��ن هي ثقافتنا وح�ضارتنا عند‬ ‫ال�صينيين؟‬ ‫ يعرف ال�صينيون الأدب العربي من‬‫خ�لال الكال�سيكيات �إل��ى ح��د كبير‪ ،‬ككتاب‬ ‫(�ألف ليلة وليلة) مث ًال‪� ،‬أو من خالل ترجمات‬ ‫لل�شاعرين �أدوني�س ومحمود دروي�ش‪ ،‬لكنهم‬ ‫بد�ؤوا في التعرف �إلى الأدب العربي من خالل‬ ‫ترجمة ك ّتاب �آخرين معا�صرين‪ ،‬ومع ذلك؛‬ ‫ف��إن الإجابة عن �س�ؤال موقع الأدب العربي‬ ‫والثقافة العربية عند ال�صينيين‪ ،‬تتطلب درا�سة‬ ‫�أكثر �شمو ًال‪ ،‬تت�صل بالتبادل الح�ضاري ب�شكل‬ ‫عام بين الوطن العربي وال�صين‪ ،‬وكما نعرف؛‬ ‫ف�إن التوا�صل بين الجانبين قديم‪ ،‬ويتجلى في‬ ‫طريق الحرير القديم‪ ،‬وغيره من �سبل التوا�صل‬ ‫الإن�ساني‪.‬‬

‫يارا مع والدها ال�شاعر �إبراهيم الم�صري‬

‫‪108‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫¯ ح�صلت على ع��دة جوائز في الترجمة‪،‬‬ ‫وخ�صو�ص ًا عن روايتك المترجمة من ال�صينية‬ ‫�إلى العربية (الحب في القرن الجديد) للروائية‬ ‫والأديبة ال�صينية (ت�سان ُ�ش ّييه)‪ .‬كيف ترين‬ ‫ح�صولك على هذه الجوائز‪ ،‬وما الذي جذبك‬ ‫في تلك الرواية كي تقومي بترجمتها؟‬ ‫ �أنا �سعيدة للغاية بالح�صول على تلك‬‫الجائزة التي تحفزني على اال�ستمرارية‪،‬‬ ‫و�أعتبرها مكاف�أة معنوية؛‬ ‫���س��واء ل��ي �أو ل ��دار الن�شر‬ ‫ولفريق العمل ف��ي ال��دار‪،‬‬ ‫لتقديم ال��ك��ت��اب ب�أف�ضل‬ ‫�شكل ممكن‪ .‬بالن�سبة �إلى‬ ‫الكاتبة (ت�����س��ان ُ�ش ّييه)؛‬ ‫ف�أنا على دراية ب�أعمالها‪،‬‬ ‫وترجمت لها ق�صتين من‬ ‫ُ‬ ‫واخترت تلك الرواية‬ ‫قبل‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫باالتفاق م��ع دار الن�شر‪،‬‬ ‫كونها و�صلت �إلى القائمة‬ ‫الطويلة ل��ج��ائ��زة البوكر‬ ‫ال��دول��ي��ة ع��ام (‪2019‬م)‪،‬‬ ‫فر�أيت و�صولها �إلى القائمة‬ ‫مدخ ًال منا�سب ًا للتعريف‬ ‫بالكاتبة وب�أعمالها‪.‬‬

‫عندما التحقت بمعهد اللغات في ال�صين‬

‫كثيراً ما �أتحاور‬ ‫مع �صاحب العمل‬ ‫الأ�صلي و�أناق�شه‬ ‫قبل قيامي بترجمة‬ ‫كتابه‬

‫ال�صينيون يعرفون‬ ‫الأدب العربي من‬ ‫خالل الكال�سيكيات‬ ‫و�أدوني�س ومحمود‬ ‫دروي�ش‬

‫مقاالت‬ ‫�سبر‬

‫الكتاب‪ ..‬وجدل التطور والبقاء‬ ‫في م�سيرة التطور‪( :‬الجديد ال يلغي‬ ‫القديم)‪ ،‬ه��ذا ر�أي �شائع‪ ،‬ي��ردده البع�ض‬ ‫عند الحديث عن كل اختراع جديد‪ ،‬فمث ًال‬ ‫يلغ المذياع‪،‬‬ ‫التلفزيون‪ ،‬كما يقال‪ ،‬لم ِ‬ ‫والإنترنت لم تلغي الكتاب‪ ..‬وهكذا �أ�صبحت‬ ‫هذه المقولة مخدراً لطم�أنة الذين يخافون‬ ‫م��ن ال��ت��غ��ي��ي��ر‪ ،‬وي��ت��وج�����س��ون م��ن ال��ق��ادم‬ ‫المجهول‪.‬‬ ‫ولكن الواقع ي�ؤكد عك�س ذلك تمام ًا‪،‬‬ ‫ف�أي اختراع جديد يمكن �أن يلغي القديم‪،‬‬ ‫وف��ي �أق ��ل الأح����وال ي ��أخ��ذ م��ن جماهيره‬ ‫فيتقل�ص نفوذه في الحياة‪ ،‬وي�صبح حكراً‬ ‫على كبار ال�سن‪ ..‬لقد �أخذ التلفزيون جزءاً‬ ‫كبيراً من جماهير ال��رادي��و‪ ،‬وتكاد تنهي‬ ‫الإنترنت حقبة ال�صحف الورقية‪.‬‬ ‫هناك �أ�شياء كثيرة �أخرجها التطور من‬ ‫دائرة الحياة و�أحالها �إلى المتاحف‪ ،‬ففي‬ ‫المخترعات؛ هناك الجرامافون‪ ،‬والكا�سيت‪،‬‬ ‫والهاتف ذو القر�ص‪ ،‬وغيرها‪ ..‬وفي مجال‬ ‫الأدب اختفت المقامة والمو�شحات‪.‬‬ ‫الكتاب من الأ�شياء التي دار حولها جدل‬ ‫البقاء‪ ،‬فبرغم طوفان التطور‪ ،‬واالنفجار‬ ‫المعلوماتي‪ ،‬وظهور �أه��م اخ��ت��راع حققه‬ ‫الإن�سان في الع�صر الحديث وهو الإنترنت‪،‬‬ ‫مازال الكتاب �شجرة عتيقة في العا�صفة‪،‬‬ ‫لكن هذا ال ينهي الخطر‪.‬‬ ‫مع ت�سليمنا بالحرب غير المتكافئة‬ ‫بين الكتاب الورقي والكتاب الإلكتروني‪،‬‬ ‫ف�إن الم�شكلة لي�ست في التقنية التي تتطور‬ ‫كل يوم‪ ،‬بل كل ثانية‪ ،‬الم�شكلة في الكتاب‬

‫الكتاب‪ ..‬بعد عقود من‬ ‫التقليدية يجب �أن يخ�ضع‬ ‫لالبتكار والتطور‬

‫المطبوع الذي لم يتطور منذ اختراع الطباعة‬ ‫عام (‪1456‬م)‪.‬‬ ‫حتى يبقى‪ ،‬ال بد للكتاب العربي �أن‬ ‫يتطور‪ ،‬وهذا التطور باب مفتوح ال يمكن‬ ‫التكهن به‪ ،‬فمث ًال يجب �أن ي�شمل التطور‬ ‫ال�شكل والحجم والطباعة والم�ضمون‪،‬‬ ‫وطريقة التوزيع‪ .‬يجب �أن يخ�ضع الكتاب‬ ‫بعد عقود من التقليدية والتكرار والك�سل‪،‬‬ ‫�إلى االبتكار والإبداع والخلق والتطوير‪.‬‬ ‫الغالف بحد ذاته يجب �أن يكون عم ًال‬ ‫�إبداعي ًا‪ ،‬يتخطى الإخراج التقليدي الرتيب‪..‬‬ ‫�إذا �أردت �أن تقترب من ال�صورة؛ ادخل ق�سم‬ ‫الكتب الأجنبية في المكتبات‪ ،‬وقارن بين‬ ‫الغالف العربي والغالف الأجنبي‪� ،‬ستكت�شف‬ ‫�أن الفرق هائل‪.‬‬ ‫الورق يجب �أن يكون من نوعية خفيفة‬ ‫�سهلة الحمل وال�شحن‪� .‬أه��دت��ن��ي �إح��دى‬ ‫الجهات حديث ًا بع�ض الكتب‪ ،‬بع�ضها �ضخم‬ ‫جداً‪ ،‬مطبوع على ورق م�صقول ثقيل‪ ،‬وهو‬ ‫ما يعيق حمله‪� ،‬إ�ضافة �إل��ى تعار�ضه مع‬ ‫قواعد ال�سالمة‪.‬‬ ‫وق� ْ�ط��ع ال��ك��ت��اب‪ /‬مقا�سه‪ ،‬يجب �أن‬ ‫يتنا�سب مع ال��ق��ارئ‪ ،‬فيمكن و�ضعه في‬ ‫الجيب �أو حقيبة الظهر ال�صغيرة‪ ،‬ومن‬ ‫�أمثلة ذلك �سل�سلة (روايات الجيب) التي بد�أ‬ ‫�إ�صدارها عام (‪1984‬م) بروايات الكاتب‬ ‫ال��راح��ل نبيل ف���اروق ف��ي �سل�سلة (رج��ل‬ ‫الم�ستحيل)‪ ،‬والتي من �أهم �سماتها الحجم‬ ‫ال�صغير‪.‬‬ ‫توزيع الكتاب يجب �أن ي�شهد نقلة نوعية‪،‬‬ ‫وفي هذا الإطار �أدعو اتحاد النا�شرين العرب‬ ‫�إلى تبني م�شروع �إعفاء الم�ستلزمات الداخلة‬ ‫ف��ي �صناعة الكتاب م��ن ال��ج��م��ارك‪ ،‬ومن‬ ‫ر�سوم ال�شحن‪ ،‬واعتبار الكتاب �سلعة ثقافية‬ ‫تعليمية توعوية‪ ،‬ت��وازي جهود الإغاثة‪،‬‬

‫الأمير كمال فرج‬ ‫وذلك بموجب اتفاقية عالمية تن�ص على‬ ‫المعاملة بالمثل‪.‬‬ ‫الكتاب نف�سه يجب �أن يتغير �شكله العام‪،‬‬ ‫و�أن يتجلى فيه �إبداع الت�صميم‪ ،‬هناك كتب‬ ‫تطلق المو�سيقا عند فتحها‪ ،‬و�أخرى تتحول‬ ‫�إلى مج�سمات و�أ�شكال ور�سومات وعبارات‬ ‫تو�ضيحية‪ ،‬والإب���داع في ه��ذا المجال ال‬ ‫ينتهي‪.‬‬ ‫ت�سويق ال��ك��ت��اب ف��ن‪ ،‬ل��ذل��ك يجب �أن‬ ‫نتعامل م��ع الكتاب ك�سلعة فنبدع في‬ ‫ت�سويقه وتقديمه والترويج ل��ه‪ ،‬و�أمامنا‬ ‫اليوم و�سائل �إعالمية �شتى‪ ،‬بدءاً من و�سائل‬ ‫االت�صال �إلى مواقع التوا�صل‪.‬‬ ‫الإع�ل�ان ع��ن الكتاب يجب �أن يكون‬ ‫بالمجان‪ ،‬باعتباره �سلعة هدفها التثقيف‬ ‫والتنوير‪� ..‬إن محطات التلفزيون العربية‬ ‫كانت تحذف ا�سم الكاتب باعتباره عنوان ًا‪.‬‬ ‫الخوف من التغيير �صفة �إلإن�سانية‪،‬‬ ‫خا�صة في الثقافة ال�شعبية التي تحتفي‬ ‫بالعادات والتقاليد وتمجد التراث‪ ،‬لكن‬ ‫الم�شكلة الحقيقية تحدث عندما نعي�ش‬ ‫في الما�ضي‪ ،‬ونم�سك بتالبيبه‪ ،‬ونرف�ض‬ ‫التطور‪.‬‬ ‫في ع�صر الإنترنت والثقافة الم�سموعة‬ ‫و�أنماط �شتى من الثقافات التي جلبتها‬ ‫ث� ��ورة ال��م��ع��ل��وم��ات‪ ،‬ال��ت��ح��دي الحقيقي‬ ‫للم�ؤ�س�سات الثقافية هو تطوير الكتاب‪.‬‬ ‫عندما نتحدث عن �أزمة الكتاب‪ ،‬يجب‬ ‫�أن ن��درك �أن الم�شكلة لي�ست في الو�سيلة‪،‬‬ ‫ولي�ست في القديم والجديد‪ ،‬الم�شكلة في‬ ‫ع��دم ال��ت��ط��ور‪ ،‬فالع�ضلة التي ال تتحرك‬ ‫ت�ضمر‪ ،‬وال�شيء الذي ال يتطور يموت‪.‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪109‬‬

‫عك�س هموم مجتمعه وطموحاته‬

‫في عام (‪1952‬م) م��د ًة‪ ،‬ثم هرب ليعود �إلى‬ ‫الجزائر للعي�ش با�سم م�ستعار (عبدالحميد‬ ‫م�صطفى) زم��ن � ًا قبل �أن ي�شد ال��رح��ال مرة‬ ‫�أخرى �إلى فرن�سا ليلتحق بالإذاعة الفرن�سية‪،‬‬ ‫ثم الإذاع��ة التون�سية‪ .‬وبعد ا�ستقالل الجزائر‬ ‫(‪1962‬م)‪ ،‬ترك تون�س لي�شتغل من�سق ًا عام ًا‬ ‫للبرامج الفنية بالإذاعة الجزائرية‪ ،‬ثم تقلد‬ ‫العديد من المنا�صب الإذاعية الرئي�سية قبل �أن‬ ‫يطلب التفرغ لإنجاز �أعماله الإبداعية الم�ؤجلة‬ ‫بعد ت�سع ���س��ن��وات م��ن ا�ستقالل ال��ج��زائ��ر (‪1962‬م)‪،‬‬ ‫عام (‪1983‬م)‪.‬‬ ‫ك��ت��ب رائ���د ال���رواي���ة ال��ج��زائ��ري��ة ال��م��ك��ت��وب��ة باللغة‬ ‫ق��دم اب��ن ه��دوق��ة خ�لال عمله ب��الإذاع��ة‬ ‫العربية‪ ،‬عبدالحميد ب��ن ه��دوق��ة (‪1996 -1925‬م)‬ ‫التون�سية ع��دي��داً م��ن ال��ب��رام��ج الإذاع ��ي ��ة‪،‬‬ ‫�أهمها برنامج (�أل� ��وان الثقافي) للتعريف‬ ‫رواي��ة (ري��ح الجنوب) عام (‪1971‬م)‪ ،‬ف�أحدث انقالب ًا‬ ‫ب��الأدب المغاربي‪� ،‬سواء المكتوب بالعربية‬ ‫داخ��ل الأو���س��اط الأدبية والثقافية بالجزائر بو�صف‬ ‫�أو بالفرن�سية‪� ،‬إ�ضافة �إل��ى برنامج خا�ص‬ ‫وليد رم�ضان‬ ‫الرواية �أول رواي��ة جزائرية مكتوبة باللغة العربية‪،‬‬ ‫بالأطفال تحت عنوان (جنة الأطفال)‪� ،‬إ�ضافة‬ ‫كما �أن ال��رواي��ة تتناول ال��م��ر�أة ك�إن�سان ل��ه دوره الكامل ف��ي الحياة‪� .‬إل��ى تمثيليات �إذاع��ي��ة �أ�سبوعية تمزج بين‬ ‫االجتماعي والبولي�سي‪.‬‬ ‫زاول ابن هدوقة التدري�س بمعهد الكتاتية‬ ‫ن�ش�أ اب��ن ه��دوق��ة و�سط عائلة ا�شتهرت جامعة الزيتونة‪ ،‬و�شهادة التمثيل العربي من‬ ‫بق�سنطينة‪ ،‬كما عمل مخرج ًا �إذاع��ي� ًا ما بين‬ ‫بالعلم في مدينة المن�صورة التابعة لوالية معهد فنون الدراما في تون�س‪.‬‬ ‫�سطيف الجزائرية‪� ..‬أنهى درا�سته االبتدائية‬ ‫انخرط عبدالحميد بن هدوقة في ن�شاط (‪1958-1956‬م) ف��ي الإذاع����ة الفرن�سية‪،‬‬ ‫بالمن�صورة وق�سنطينة‪ ،‬والتحق بعدها بجامع الحزب الحر الد�ستوري التون�سي‪ ،‬بعدها �سجن وك��ت��ب ع ��دة تمثيليات لمحطة (‪،)B.B.C‬‬ ‫الزيتونة بتون�س‪� .‬أم��ا وال ��ده؛ فكان فقيه ًا‬ ‫در���س القر�آن و�أ�صول اللغة والأدب‬ ‫ومعلم ًا ّ‬ ‫ف��ي مختلف ق��رى المنطقة‪ ،‬فحر�ص على‬ ‫�أن يلتحق االب��ن بالمدار�س العربية ليحفظ‬ ‫القر�آن الكريم و�أ�صول الفقه‪� ،‬إ�ضافة �إلى ما‬ ‫�سمعه من ق�ص�ص �ألف ليلة وليلة‪ ،‬و�سيرة بني‬ ‫هالل‪ ،‬و�ألفية ابن مالك‪ ،‬وغيرها من الكتب‬ ‫التي توافرت في مكتبة العائلة‪ ،‬وكانت تزخر‬ ‫ب�أمهات الكتب التي يعود تاريخها �إلى قرون‬ ‫�سابقة وال تقدر بثمن‪.‬‬ ‫التحق ابن هدوقة بالمدر�سة الفرن�سية‪،‬‬ ‫كما التحق بمدر�سة التمثيل العربي بتون�س‪،‬‬ ‫ثم �سافر �إلى فرن�سا عام (‪1945‬م) بعد الحرب‬ ‫العالمية الثانية ليلتحق في مر�سيليا بمعهد‬ ‫التكوين‪ ،‬ويح�صل على �شهادة الدبلوم‪ ،‬ثم‬ ‫ليلتحق بم�صنع لتحويل المواد البال�ستيكية‪.‬‬ ‫وطوال ثالث �سنوات كان له احتكاك بالواقع‬ ‫المرير للمهاجرين الجزائريين الذين كانوا في‬ ‫فرن�سا طلب ًا للقمة العي�ش‪ ،‬ذلك الواقع الذي‬ ‫�سينقله من بعد في (الكاتب وق�ص�ص �أخرى)‪.‬‬ ‫تتلمذ ابن هدوقة على عديد من الأ�ساتذة‬ ‫الزيتونيين‪ ،‬من بينهم‪ :‬عثمان كعاك‪ ،‬ومحمد‬ ‫الفا�ضل بن عا�شور‪ ،‬ومحمد ال�صالح‪ ،‬ولحبيب‬ ‫بن خوجة‪ ،‬ال�شاعر الم�شهور‪ ..‬وغيرهم من‬ ‫الأ���س��ات��ذة الممتازين ف��ي الثقافة العربية‬ ‫الإ�سالمية‪ ،‬لينال �شهادة العالمية في الأدب من‬

‫عبدالحميد بن هدوقة‬ ‫من رواد الرواية في الجزائر‬

‫‪110‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫�سيرة‬ ‫و�أبدع م�سرحيات �إذاعية نالت �شهرة وا�سعة‪ .‬كما‬ ‫كتب نحو (‪ )30‬تمثيلية في الإذاعة التون�سية تتناول‬ ‫مو�ضوعاتها الثورة التحريرية والجزائر‪ .‬كما �أ�شرف‬ ‫بعد تكليفه من قبل وزارة الأخبار التابعة للحكومة‬ ‫الجزائرية الم�ؤقتة‪ ،‬على �إخراج (جيو�ش الجزائر)‬ ‫الذي كان يبث لمدة ربع �ساعة مرتين في الأ�سبوع‬ ‫قبل �أن يتم بثه ب�صفة يومية لمدة �ساعة كاملة‪.‬‬ ‫بعد �شهور قليلة من نيل الجزائر ا�ستقاللها‪ ،‬عاد‬ ‫ابن هدوقة �إلى بالده في �أكتوبر (‪1962‬م) ليلتحق‬ ‫بالإذاعة والتلفزيون الجزائري‪ ،‬والتي كانت ت�ضم‬ ‫�أغلب الممثلين والفنانين الجزائريين قبل �أن يتقلد‬ ‫عدداً من المنا�صب في الم�ؤ�س�سة‪ ،‬منها مدير للقناة‬ ‫الأولى والثانية الناطقة باللغة الأمازيغية‪.‬‬ ‫ب��د�أ اب��ن هدوقة الكتابة مت�أخراً (‪1951‬م)‬ ‫بعد �أن �سقط طريح الفرا�ش‪ ،‬عندما كان يعمل في‬ ‫فرن�سا‪ ،‬وبين عامي (‪1958 -1955‬م) بد�أ ي�ؤلف‬ ‫تمثيليات �إذاعية باللغة العربية لمحطتي (‪B.B.C‬‬ ‫و‪ .)O.R.T.F‬و�أثناء وج��وده في تون�س كتب ابن‬ ‫هدوقة مقاالت لجريدة (المجاهد)‪ ،‬ثم طلبت منه‬ ‫الحكومة الجزائرية الم�ؤقتة ت�أليف كتاب يحمل‬ ‫عنوان (الجزائر بين الأم�س واليوم) الذي �صدر في‬ ‫تون�س عام (‪1958‬م)‪ .‬وفي عام (‪1960‬م) �أ ّلف‬ ‫مجموعة ق�ص�صية تحت عنوان (الظالل الجزائرية)‬ ‫�صدرت في بيروت‪.‬‬ ‫وفي العام نف�سه �صدرت له (الأ�شعة ال�سبعة)‬ ‫بتون�س‪ ،‬وفي عام (‪1967‬م) (الأرواح ال�شاغرة)‪،‬‬ ‫وهي مجموعة �شعرية‪ .‬وفي عام (‪1971‬م) �صدرت‬ ‫له رواية (ريح الجنوب) والتي ترجمت �إلى الفرن�سية‬ ‫في عام (‪1975‬م) من قبل مار�سيل بوا‪ ،‬ثم ترجمت‬ ‫�إلى نحو (‪ )20‬لغة‪ ،‬منها‪ :‬الإ�سبانية والإيطالية‬ ‫والألمانية والهولندية والرو�سية وال�صينية‪ ،‬وعدة‬ ‫لغات �أخرى‪ ..‬وفي عام (‪1997‬م) �صدرت له ق�صة‬ ‫(ذكريات وجراح مارينو) بعد رحيله‪.‬‬ ‫في ع��ام (‪1975‬م) �صدرت ال��رواي��ة الثانية‬ ‫له وهي (نهاية الأم�س)‪ ،‬والتي ترجمت في عام‬ ‫(‪1977‬م) �إلى الفرن�سية من قبل مار�سيل بوا‪ ،‬و�إلى‬ ‫عدة لغات �أخرى‪ .‬وفي عام (‪1974‬م) �صدرت له‬ ‫المجموعة الق�ص�صية (الكاتب وق�ص�ص �أخرى)‪.‬‬ ‫وفي عام (‪1980‬م) �صدرت له رواي��ة (بان‬ ‫ال�صبح) التي ترجمت في عام (‪1981‬م)‪ .‬وفي عام‬ ‫(‪1983‬م) قدم رواية (الجازية والدراوي�ش)‪ .‬وقدم‬ ‫ابن هدوقة من الأدب العالمي مجموعة ق�ص�ص‬ ‫ترجمها الكاتب واختار من الأدب العالمي عام‬ ‫(‪1983‬م) (الن�سر والعقاب)‪ ،‬وفي عام (‪)1985‬‬ ‫(ق�صة في �أبركوت�سك) وهي م�سرحية �سوفييتية‪،‬‬ ‫وفي (‪1986‬م) (دفاع عن الفدائيين) وهي درا�سة‬ ‫مترجمة عن عمل قام به فيرجي�س عام (‪1975‬م)‪.‬‬ ‫ترجمت بع�ض �أعماله �إلى عدة لغات‪ ،‬و�أقيم‬

‫ر�شيد بوجدرة‬

‫الطاهر وطار‬

‫ملتقى دولي با�سمه في والية برج بوعريج ت�شرف‬ ‫عليه وزارة الثقافة منذ عام (‪1998‬م)‪.‬‬ ‫عبدالحميد بن هدوقة �أحد كبار رواد الرواية‬ ‫الجزائرية المكتوبة بالعربية‪ ،‬وواحد من م�ؤ�س�سيها‬ ‫بجانب الطاهر وط��ار‪ ،‬وقد ارتبط �إبداعه بهموم‬ ‫الإن�سان الجزائري والتون�سي مع ًا‪ ،‬وي�صنف النقاد‬ ‫�أعماله �ضمن التيار الواقعي‪ ،‬غير �أن واقعية‬ ‫ن�صو�ص ابن هدوقة واقعيتان؛ الأولى تميزت فيها‬ ‫كتاباته بت�سجيلية تقليدية‪ ،‬بينما الثانية تحولت‬ ‫�إلى واقعية‪.‬‬ ‫في درا�سة تحليلية قام بها الناقد الجزائري‬ ‫الطيب ال��ع��رو���س‪ ،‬ق��ال �إن اب��ن ه��دوق��ة ق��د يكون‬ ‫الأدي��ب الجزائري الوحيد من جيله ال��ذي تناول‬ ‫المر�أة ب�شجاعة دون نفاق‪ ،‬لم يكن يكتب لير�ضي‬ ‫�أو لي�ستجيب لرغبات �سيا�سية بقدر ما كتب عن‬ ‫الأو�ضاع الجزائرية من �أعمق الأعماق‪ ،‬وهو �إلى‬ ‫جانب كونه �أحد الم�ؤ�س�سين للرواية العربية في‬ ‫الجزائر‪ ،‬نراه يعالج مو�ضوع المر�أة دون مواربة‪.‬‬ ‫ويقول الناقد الفرن�سي جان بول �إيفري‪� :‬إن ابن‬ ‫هدوقة جزائري حتى النخاع‪ ،‬لأنه يعك�س هموم‬ ‫الطبقات وال�شرائح االجتماعية وطموحاته عبر‬ ‫�أعماله الأدبية �شعراً �أو رواية‪ ،‬وو�ضع المر�أة في‬ ‫المقام الأول‪ ،‬ذلك �أنها �أهم مدر�سة‪ ،‬فالمر�أة احتلت‬ ‫المكانة التي يجب �أن تحتلها اليغر في �أعمال ابن‬ ‫هدوقة‪.‬‬ ‫في �سبتمبر (‪1990‬م)‪ ،‬انتخب اب��ن هدوقة‬ ‫�ضمن �أع�ضاء اللجنة المديرة المنبثقة عن الم�ؤتمر‬ ‫الخام�س التحاد الكتاب الجزائريين‪ ،‬كما انتخب‬ ‫�أمينا عام ًا م�ساعداً‪ ،‬ور�شيد بوجدرة �أمين ًا عام ًا‪.‬‬ ‫كما تقلد من�صب المدير العام للم�ؤ�س�سة الوطنية‬ ‫للكتاب‪ ،‬ثم رئي�س ًا للمجل�س الأعلى للثقافة قبل‬ ‫�أن يعين ع�ضواً ونائب رئي�س المجل�س اال�ست�شاري‬ ‫الوطني من قبل الرئي�س الراحل محمد بو�ضياف‪.‬‬ ‫ث��م �أ�صبح اب��ن ه��دوق��ة رئي�س ًا للمجل�س الأعلى‬ ‫للثقافة قبل �أن يعين ع�ضواً ونائب رئي�س المجل�س‬ ‫اال���س��ت�����ش��اري ال��وط��ن��ي‪ ،‬ث��م �أ���ص��ب��ح اب��ن هدوقة‬ ‫رئي�س ًا للمجل�س قبل �أن يقدم ا�ستقالته في يوليو‬ ‫(‪1993‬م)‪ .‬وفي عام (‪1996‬م) رحل رائد الرواية‬ ‫الجزائرية عن الحياة‪.‬‬

‫مار�سيل بوا‬

‫كتب �أول رواية‬ ‫جزائرية باللغة‬ ‫العربية عام (‪١٩٧١‬م)‬

‫يعد الأديب الوحيد‬ ‫من جيله الذي‬ ‫تناول �أو�ضاع المر�أة‬ ‫الجزائرية دون‬ ‫مواربة‬

‫ترجمت �أعماله‬ ‫الروائية والق�ص�صية‬ ‫�إلى �أكثر من (‪ )٢٠‬لغة‬ ‫عالمية‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪111‬‬

‫مقاالت‬

‫جمال ّية البالغة‬ ‫بين الت�أثُّر والت�أثير‬

‫غنوة عبا�س‬

‫تتفاوت ال ُّلغات في حقيقتها وجوهرها‬ ‫العربية‬ ‫ِمن ت�أدية المعاني والت�أثير‪ ،‬و� َّإن للغ ِة‬ ‫ّ‬ ‫بحر ال ين�ضب ِمن‬ ‫الراجح في هذا‪ ،‬فهي ٌ‬ ‫الميزان َّ‬ ‫ِ‬ ‫الدور الأكبر‬ ‫المرادفات والف�صاحة والعلم‪ ،‬ولها ُّ‬ ‫ُ‬ ‫البالغي وازده��ار ِه‪ ،‬فالبالغة‬ ‫ر‬ ‫التطو‬ ‫ج‬ ‫�ض‬ ‫ن‬ ‫في‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫ُّ‬ ‫ِّ‬ ‫ِ�صناعة ال� َ�ع��رب الأُول����ى وم��ه��ار ُت��ه��م ال ُكبرى‬ ‫باعتبارها ِعلم ًا ِمن ُعلوم اللِّ�سان‪ ،‬حيث �إن ِعلم‬ ‫العلوم منازِلها‬ ‫الكلمة والكالم هو ا َّلذي ُيعطي ُ‬ ‫دل على �أ�سرارها‪.‬‬ ‫وي ُّ‬ ‫َ‬ ‫وبلغ‬ ‫و�صل‬ ‫بمعنى‬ ‫غة‬ ‫ل‬ ‫ال‬ ‫في‬ ‫ة‬ ‫الغ‬ ‫الب‬ ‫ف‬ ‫عر‬ ‫ت‬ ‫و‬ ‫ُ‬ ‫ُّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ َّ‬ ‫ال�شيء �أي و�صل �إليه‪َّ � ،‬أما معناها اال�صطالحي‬ ‫الف�صيح ِل ُمقت�ضى الحال‪،‬‬ ‫الكالم‬ ‫عبر عن مطابق ِة‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ُي ِّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫الفنية‬ ‫د‬ ‫والقواع‬ ‫ة‬ ‫الجمالي‬ ‫م‬ ‫ي‬ ‫ق‬ ‫ال‬ ‫ن‬ ‫م‬ ‫ة‬ ‫مجموع‬ ‫فهي‬ ‫ٌ‬ ‫َِ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫الح ْكم على الن�صو�ص‬ ‫اللها‬ ‫خ‬ ‫من‬ ‫ا َّلتي ُيمكن‬ ‫ُ‬ ‫ال�ضعف‬ ‫أدبية من ناحية‬ ‫التميز والجودة �أو َ‬ ‫ُّ‬ ‫ال ّ‬ ‫حقيقي عن مكنونِ‬ ‫تعبير‬ ‫وال� ��رداءة‪� ،‬إذ �إنها‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫جمالِ‬ ‫الكالم ببديع الألفاظ‬ ‫وبحث في‬ ‫ال َّنف�س‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫ٌ‬ ‫والمعاني‪َ ،‬يعك�س ُق��در َة الإن�سانِ على التعبير‬ ‫الم َتل ِّقي ِب ُك ِّل ما بِها‬ ‫المق ِنع ليتذوقها ُ‬ ‫الم�ؤ ِّثر ُ‬ ‫ُ‬ ‫وفني ف�صيح يبعث في ُنفو�سنا‬ ‫أدبي‬ ‫من � ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫إنتاج � ٍ‬ ‫أقرب طريقٍ ‪،‬‬ ‫ا�ستجاب ًة انفعالي ًة َت ِ�صل‬ ‫للقلب عبر � ِ‬ ‫ِ‬ ‫لك غاي ٌة ال ُيدركها � َّإل من �أح��اطَ ب�أ�ساليب‬ ‫و ِت َ‬ ‫وع َر َف ُبحور مفاخرا ِتهم وهجا ِئهم‬ ‫العرب ُخبراً َ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫مقام‬ ‫وتخاطبهِ م‪ِ ،‬ل ُيلب�س ل ُك ّل حالة رداءها ول ُك ِّل ٍ‬ ‫وكثير ال ُي�س�أَم‪.‬‬ ‫فهم‬ ‫َمقال فهي قلي ٌل ُي َ‬ ‫ٌ‬ ‫�أي�ض ًا البالغة كما عرفها القزويني في‬ ‫علوم البالغة) �أ َّنها ُمطابق ُة‬ ‫كتاب ِه (الإي�ضاح في ِ‬ ‫الكالم لمقت�ضى حال ال�سامعين مع ف�صاحته‪،‬‬ ‫إتقان في‬ ‫وبذلك يكون‬ ‫ميزة وال ُ‬ ‫ُ‬ ‫الم َّ‬ ‫انتقاء الألفاظ ُ‬

‫‪112‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫ال�صرف‪.‬‬ ‫َ�صنع ِة ُ‬ ‫الج َمل مع ُح�سن ال َّن ْظ ِم وجود ِة َ‬ ‫الغمو�ض م��ازال ي�سود َن�ش�أة البالغ ِة‬ ‫� َّإن‬ ‫َ‬ ‫�ضبط‬ ‫العربية‪ ،‬لذلك َي ُ‬ ‫المنطَ لق �أن ُت َ‬ ‫�صعب من هذا ُ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫عين‪ ،‬حيث َم َّرت بمراحل ع َّدة‪� ،‬إ َّنما هي‬ ‫م‬ ‫بتاريخ‬ ‫ٍ‬ ‫ُ َّ‬ ‫تدريجية ُمت�سل�سلة ا َّت�سعت دا ِئر ُتها ِلتك َت ِمل‬ ‫عملية‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫في ال ِّنهاية‪� ،‬إلى �أن �أ�صبحت ِعلم ًا ُم�ستق ًال قا ِئم ًا‬ ‫أدب بِ�شعره و َنثره‪،‬‬ ‫بِذات ِه‪ ،‬فهي قديم ٌة ِق� َ�دم ال ِ‬ ‫العرب في الع�صر الجاهلي بف�صاحةِ‬ ‫ا�شتهر‬ ‫فقد‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫اللِّ�سان وبالغت ِه‪� ،‬إ ْذ ُخ ِل َق ال�شعراء بالفطرة على‬ ‫الأداء البليغ و�أَ ِل َف ْت ُه �أل�سنتهم و�آذانهم فكانوا‬ ‫قادرين على تمييز جميل الكالم من رديئه‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫مناف�سة‬ ‫بقبته الحمراء �ساحة‬ ‫وكان �سوق عكاظ َّ‬ ‫ٍ‬ ‫الح َك ْم (ال َّنابغة الذبياني)‪،‬‬ ‫كبيرة بينهم بوجود َ‬ ‫الطبقة‬ ‫وهو‬ ‫�شاعر جاهلي ِمن ُفحولِ ُ�شعراء َّ‬ ‫ٌ‬ ‫الأُولى ا َّلذي كان يقول كلم َة ال َف�صل‪ ،‬ويراعي في‬ ‫والنتاج ال�شعري الكامل‬ ‫َنق ِده الق�صيد َة كامل ًة‬ ‫َ‬ ‫لل�شاعر‪ ،‬وما يرتبطُ ب ِه من مقام وِ فق االن�سجام‬ ‫و�صحة المعنى‪ُ .‬ث َّم جاء الإ�سالم‬ ‫ال َّتام في الوزن ِّ‬ ‫وت��زاي��د االهتمام بالبالغة و�صياغة الكالم‬ ‫ٍ‬ ‫ال�سبب الرئي�سي هو‬ ‫رفيعة جذابة‪ ،‬ولع َّل‬ ‫بِ�صورة‬ ‫َ‬ ‫المعجز‪ ،‬فقد وجد العرب‬ ‫الكريم‬ ‫آن‬ ‫�‬ ‫ر‬ ‫ق‬ ‫ال‬ ‫نزول ُ‬ ‫ُ‬ ‫�أن ُف�سهم عاجزين �أم��ام بالغته وع��ن الإتيانِ‬ ‫الب�شر �أم��ام ف�صاحته‬ ‫بمثله‪ ،‬فحارت عقول َّ‬ ‫ِلما لهذه الآيات من الأث ِر العظي ِم في ُنفو�سهم‬ ‫�وي‬ ‫جاء الع�صر الأُم� ُّ‬ ‫وت�سامي �أحا�سي�سهم‪ُ .‬ث َّم َ‬ ‫البالغية وتنوعت الأ�ساليب‬ ‫فزادت المالحظات‬ ‫ّ‬ ‫الخطباء َي ِ‬ ‫نط ُقون بل�سان‬ ‫الخطابية‪ ،‬فقد كان ُ‬ ‫ّ‬ ‫القبائل ويحر�صون على نيل �إعجاب الم�ستمعين‪،‬‬ ‫فنية تجعلهم‬ ‫بل وك��ان��وا يخلقون فيهم ل � َّذة ّ‬

‫البالغة �صناعة‬ ‫العرب الأولى‬ ‫ومهارتهم الكبرى‬ ‫باعتبارها علم ًا من‬ ‫علوم الل�سان‬

‫عرفها القزويني‬ ‫ّ‬ ‫ب�أنها مطابقة الكالم‬ ‫لمقت�ضى حال‬ ‫ال�سامعين مع ف�صاحة‬

‫دروب‬

‫ُمقتنعين بِما َ�س ِمعوا‪� ،‬إلى �أن �أ�صبحت ِعلم ًا لغوي ًا‬ ‫لماء‬ ‫قائم ًا بذاته في الع�صر العبا�سي‪ ،‬فبد�أَ ُع ُ‬ ‫البالغية ُم�ستندين‬ ‫الدرا�سات‬ ‫ال ُّلغة بتدوين علم ِّ‬ ‫ّ‬ ‫�إل��ى المالحظات النقدية‪ ،‬ع�ل�او ًة على ذل��ك‪،‬‬ ‫كانت هناك مفارقة وا�ضحة بين من يميلون‬ ‫القوية ا ّلتي ُت�ستخرج‬ ‫�إل��ى المعاني الغام�ضة‬ ‫ّ‬ ‫بالغو�ص وال ِفكرة وال تلوي على غير ذلك‪ ،‬وهو‬ ‫ف�ضلون َ�سهل‬ ‫مذهب �أبي تمام و�أ�صحابه‪ ،‬ومن ُي ّ‬ ‫وح�سن‬ ‫الكالم‬ ‫وقريبه ُ‬ ‫َ‬ ‫ال�سبك ُ‬ ‫وي�ؤ ِثرون ِ�ص ّحة ّ‬ ‫والرونق وهو‬ ‫العبارة ُ‬ ‫وحلو ال ّلفظ وكثرة الماء َّ‬ ‫البحتري ورِف��اق��ه ‪ ،‬فاجتمعت رواب��ط‬ ‫َمذهب ُ‬ ‫البالغة وتعا�ضدت من زمن �إلى زمن ومن َ�سلَف‬ ‫�إلى َخلَف ح ّتى و�صلت �إلى �صورتها الكاملة‪،‬‬ ‫فا�ستقرت على يدي (�أبي يعقوب ال�سكاكي)‪ ،‬في‬ ‫ّ‬ ‫القرن ال�سابع الهجري‪.‬‬ ‫ارتبطت البالغة ِعند العرب قديم ًا وحديث ًا‬ ‫بفن القول ِمن خالل �أق�سامها ال َّثالثة (المعاني‬ ‫ّ‬ ‫دور‬ ‫المعاني‬ ‫لعلم‬ ‫كان‬ ‫فقد‬ ‫والبديع)؛‬ ‫والبيان‬ ‫ٌ‬ ‫هنية للمق�صود‬ ‫ال�صورة ال ِّذ َّ‬ ‫مهم في البالغة �إ ْذ �إ َّنه ُّ‬ ‫ٌ‬ ‫وير�شدنا �إلى اختيار التركيب ال َّلغوي‬ ‫ِمن ال َّلفظ‪ُ ،‬‬ ‫وج ْعل ال َقول �أقرب ما يكون‬ ‫المنا�سب للموقف‪َ ،‬‬ ‫ُ‬ ‫لل ِفكرة الموجود ِة في �أذهاننا‪ ،‬في�شمل عالقة كل‬ ‫الن�ص كام ًال‪ ،‬حيث يبحث‬ ‫ُجملة بالأُخرى ليحوي َّ‬ ‫الجملة وكل ما َيطر�أ عليها من تغيير‪.‬‬ ‫في نواحي ُ‬ ‫عرف بِه �إيراد المعنى الواحد‬ ‫� َّأما ال ِعلم ا َّلذي ُي َ‬ ‫ِبطُ رق مختلفة مع و�ضوح الداللة عليه‪ ،‬فهو ِعلم‬ ‫ال�صنعة‬ ‫البيان؛ �أي تكون به الإبانة مع جمال َّ‬ ‫فيروق لل�سامعين وي�ستميل قلوبهم عبر مجموعة‬ ‫من القواعد منها اال�ستعارة والت�شبيه والكناية‪،‬‬ ‫أهم ركا ِئز ُفنون‬ ‫ويمكن و�صف ِعلم البيان �أ َّنه � ُّ‬ ‫ِ‬ ‫العربية و�آدابها‪ ،‬ويتم َّثل بِذكاء ال َقلب مع‬ ‫ال ُّلغة‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫البالغة‪ ،‬مما‬ ‫ة‬ ‫ج‬ ‫الح‬ ‫د‬ ‫�را‬ ‫�‬ ‫إي‬ ‫�‬ ‫في‬ ‫في�ضرب‬ ‫�سان‬ ‫ال ّل‬ ‫ُ َّ َ‬ ‫يجعلنا َنقف على خ�صو�صية البيان في البالغة‪،‬‬ ‫�إذ �إن الإجادة في قوانينه و�إبداع مهاراته و َف ِ‬ ‫همه‬ ‫َي�ستلزمان ركيز ًة قوية و َتو ُّف َر � ٍ‬ ‫أدوات ِمثل ِعلم‬ ‫وال�صرف‪� ،‬إ�ضافة‬ ‫العرو�ض وال َّنحو والقوافي‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫�إلى القر�آن الكريم‪ ،‬لذلك ينبغي على الأديب �أن‬ ‫قواعد وقوانين هذا ال ِعلم في ترتيب �أفكاره‬ ‫ي َّتبِع‬ ‫َ‬ ‫الجمالية‪.‬‬ ‫وتن�سيق كلماته وِ ْف َق المعايير‬ ‫ّ‬ ‫مهم في البالغة‬ ‫دور‬ ‫ٌ‬ ‫�أي�ض ًا لعلم البديع ٌ‬ ‫فيقوم بتح�سين �أوجه الكالم ال َّلفظية والمعنوية‬ ‫الداللة ويتمثل في‬ ‫بعد رعاية المطابقة وو�ضوح َّ‬ ‫ا�ستخدام القواعد النحوية وال�صرفية مع ح�سن‬

‫دعمة مع طابعها‬ ‫الم َّ‬ ‫اختيار المفردات الف�صيحة ُ‬ ‫ح�سنات البديعية التي‬ ‫الجمالي‪ِ ،‬من خالل ُ‬ ‫الم ّ‬ ‫ُتزينه �إلى �أن ُتح ّقق وظيفتها بالت�أثير في نفو�س‬ ‫الم�ستعمين من خالل �ألوانها ا ّلتي ت�سرق عقول‬ ‫ُ‬ ‫النا�س مع ِ‬ ‫الحر�ص على االبتعاد عن الخط�أ في‬ ‫�إيراد المعنى واالكتفاء باالخت�صار َعن الإكثار‪،‬‬ ‫و�ضع قواعد هذا العلم الخليفة العبا�سي‬ ‫وقد‬ ‫َ‬ ‫الأديب «عبد اهلل بن معتز» في كتابه ا ّلذي يحمل‬ ‫عنوان «البديع» وقد تاله العديد من ت�أليفات‬ ‫ح�سنات‬ ‫الأُدب��اء ا َّلذين تناف�سوا في تو�سيع ُ‬ ‫الم ّ‬ ‫البديعية وزيادة �أق�سامها و َن ْظ ِمها في الق�صائد‪.‬‬ ‫وال ُب َّد من ِذكر َدور ال َّنقد الأدبي في ن�ضج‬ ‫التطور البالغي وازدهار ِه‪ ،‬حيث َن�شطَ ت في القرن‬ ‫درا�سات‬ ‫الرابع حركة ال َّنقد الأدب��ي‪� ،‬إذ تكونت‬ ‫ٌ‬ ‫َّ‬ ‫بالغية‪ ،‬فالبالغة وال َّنقد‬ ‫ة‬ ‫بياني‬ ‫دعائم‬ ‫مع‬ ‫ة‬ ‫نقدي‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الن�ص الأدبي مما ينتج عنه‬ ‫يلتقيان في ِمنطقة‬ ‫ِّ‬ ‫بالغي‪ِ ،‬‬ ‫بالغي بذوقِ‬ ‫وع ٌلم‬ ‫علم‬ ‫فن‬ ‫نقدي بطع ِم ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫ٌّ‬ ‫ٌ‬ ‫أدبي ال‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫النتاج‬ ‫أمام‬ ‫�‬ ‫أدبي‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫اقد‬ ‫ن‬ ‫فال‬ ‫‪،‬‬ ‫نقدي‬ ‫فنٍ‬ ‫ِ‬ ‫َّ‬ ‫ٍ‬ ‫ِّ‬ ‫ُّ‬ ‫ِ‬ ‫الحكم على �شئ � َّإل بمعرفة قواعد علم‬ ‫ي�ستطيع ُ‬ ‫�ادن��ا كثيراً في‬ ‫�‬ ‫أف‬ ‫�‬ ‫�ذي‬ ‫�‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫«كالجاحظ»‬ ‫البالغة‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫ِح�سه ال َّنقدي و�أي�ض ًا َل ُه في‬ ‫ثقافت ِه‬ ‫ّ‬ ‫المو�سوعية ب ّ‬ ‫البالغة كتاب‬ ‫وي� َ�ع��د م��ن �أعظم‬ ‫«ال��ب��ي��ان والتبيين» ب��ل ُ‬ ‫م�ؤلفاته بالإ�ضافة لكتابات النحوي «عبد القاهر‬ ‫الجرجاني» في البالغة ‪.‬‬ ‫أهمية البالغة‬ ‫و�أخيراً َخل ََ�ص ْت ّ‬ ‫الدرا�سة �إلى � ّ‬ ‫ودوره ��ا في تنمية ال�� َّذوق ال َّنقدي‪ ،‬و�ضرورة‬ ‫المتعلمين على التذوق البالغي و�إعمال‬ ‫تدريب ُ‬ ‫أدبية ِمن خالل �إ�شباع‬ ‫ال ِفكر في ال ُّن�صو�ص ال ّ‬ ‫ِ‬ ‫المتلقي في‬ ‫الخطاب و�إي�صال معناه الى لُب ُ‬ ‫ِ‬ ‫�سواء كان �سامع ًا �أو قارئ ًا‪ ،‬فالعلم‬ ‫�أح�سن �صورة ً‬ ‫ف�صلة بالتعابير‬ ‫الم‬ ‫ور‬ ‫ال�ص‬ ‫بقرن‬ ‫ال َّنافع يكون‬ ‫ُ َّ‬ ‫ُّ‬ ‫جملة ِل ُتحقق �أهدافها في خدمة المجتمع‬ ‫ُ‬ ‫الم َّ‬ ‫ِ‬ ‫�صبح َف َّنا َيطمح الجميع ل َتع ُّلمه‬ ‫ت‬ ‫ل‬ ‫به‪،‬‬ ‫واالرتقاء‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫والعمل به وفق كافة فئات المجتمع‪� ،‬إل��ى �أن‬ ‫�ساهم في تطور ال ِفكر الإن�ساني‪ ،‬بل � َّإن الكاتب‬ ‫ُي َ‬ ‫ال�شاعر الحقيقي يمتلك بِعلم البالغة نا�صية‬ ‫�أو َّ‬ ‫كان �أو نثراً‪ ،‬فال ُيتاح َل ُه هذا � َّإل �إذا‬ ‫الأدب ِ�شعراً َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫دد َقلمه بما ُيتقنه من‬ ‫و�س َّ‬ ‫� َّ‬ ‫ألم بقواعد هذا العلم َ‬ ‫الرفيعة ُلي�صبح ذواق ًا في ال ُّلغة‬ ‫أ�ساليب‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫تركيب‬ ‫َّ‬ ‫عبر عن‬ ‫ي‬ ‫فالبليغ‬ ‫بكلماتها‪،‬‬ ‫وجمالها ويتم َّتع‬ ‫ُ ّ‬ ‫رهاف ِة ِح ّ�سه و�صفاء ذوقه ونقائه حين ينطق ما‬ ‫في كنوز �أعماقها وبدا ِئعها من الجمال‪.‬‬

‫وجد العرب �أنف�سهم‬ ‫عاجزين �أمام بالغة‬ ‫القر�آن الكريم‬ ‫فحارت العقول �أمام‬ ‫ف�صاحته‬

‫علم البيان تكون به‬ ‫الإبانة مع جمال‬ ‫ال�صنعة فيروق‬ ‫لل�سامعين وي�ستميل‬ ‫قلوبهم‬

‫البليغ يعبر عن‬ ‫رهافة ح�سه وذوقه‬ ‫حين ُينطق ما في‬ ‫اللغة من جمال‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪113‬‬

‫تميز بين �شعراء ع�صره بروح الدعابة والفكاهة‬

‫محمود غنيم‪..‬‬

‫�شب على حب العربية وبالغتها‬ ‫يعد ال�شاعر الم�صري محمود غنيم واحد ًا من جيل الأعالم الكبار‪ ،‬الذين �شبوا على حب العربية‬ ‫وبالغتها و�شعرها وتراثها‪ ،‬ولعل البيئة االجتماعية والظروف االقت�صادية التي عا�شتها م�صر منذ‬ ‫الثلث الأول من القرن الع�شرين وحتى قيام ثورة (‪1952‬م)‪ ،‬وما عاناه هو و�إخوانه من �شعراء م�صر‬ ‫في هذه الفترة من غالء في المعي�شة‪ ،‬وانقالب الأو�ضاع والمعايير االجتماعية‪ ،‬جعل منه �شاعر ًا‬ ‫للب�سطاء‪ ،‬وكانت وراء العديد من مداعباته ال�شعرية وفكاهاته الأدبية‪ ،‬حتى �صار ملك الظرفاء في‬ ‫�أحمد �أبو زيد‬ ‫ع�صره‪ ،‬فال يكاد يخلو ديوان من دواوينه من باب (دعابات)‪ ،‬والذي ي�ضم كل منها عدد ًا من الق�صائد‬ ‫التي قيلت في منا�سبات مختلفة‪ ،‬ومواقف اجتماعية عا�شها ال�شاعر‪ ،‬ما يدل على نف�سه الطويل و�إمعانه في الفكاهة‪.‬‬ ‫ول��د محمود غنيم ع��ام (‪1902‬م) في‬ ‫قرية (مليج) �إح��دى ق��رى الريف الم�صري‬ ‫بمحافظة المنوفية‪ ،‬وعا�ش و�سط �أ�سرة تتمتع‬ ‫ب�سمعة طيبة‪ ،‬وتحترف الزراعة والتجارة‪ ،‬ثم‬ ‫بد�أ حياته العلمية في ال ُك ّتاب ليحفظ القر�آن‬ ‫الكريم وينهل من علوم العربية والعلوم‬ ‫ال�شرعية‪ ،‬وفي الثالثة ع�شرة من عمره التحق‬ ‫بمعهد طنطا الأزه���ري‪ ،‬لأرب��ع �سنوات‪ ،‬ثم‬ ‫التحق بمدر�سة الق�ضاء مدة ثالث �سنوات‬ ‫(‪1919‬م‪1923-‬م)‪ ،‬وقبل �أن ينهي درا�سته‬ ‫فيها تم �إلغا�ؤها‪ ،‬فالتحق بالمعاهد الدينية‪،‬‬ ‫ونال منها ال�شهادة الثانوية‪ ،‬وعين مدر�س ًا‬ ‫في المدار�س الأولية ببع�ض القرى‪ ،‬منها قرية‬ ‫(كوم حمادة)‪ ،‬التي عمل فيها ت�سع �سنوات‬ ‫مدر�س ًا في مدر�ستها االبتدائية‪.‬‬ ‫وفي عام (‪1925‬م)‪ ،‬التحق بدار العلوم‬ ‫وتخرج فيها �سنة (‪1929‬م)‪ ،‬وا�ستمر في‬ ‫التدري�س‪ ،‬ثم �صدر قرار عام (‪1938‬م) بنقله‬ ‫�إلى القاهرة مدر�س ًا للغة العربية‪ ،‬واختير‬ ‫لمدر�سة (الأورم��ان) الم�شهورة‪ ،‬ثم رقي �إلى‬ ‫من�صب (مفت�ش) للغة العربية‪ ،‬ثم عميداً‬ ‫للغة العربية بوزارة التربية والتعليم‪ .‬وفي‬ ‫القاهرة عا�ش مع ال�شعراء والأدب��اء ودور‬ ‫الن�شر وال�صحف والمجالت‪ ،‬وفي مقدمتها‬ ‫مجلة (الر�سالة) التي كانت تن�شر له �آنذاك‬ ‫�شعره باحتفاء كبير‪ .‬واختير ع�ضواً في‬ ‫لجنة ال�شعر بالمجل�س الأعلى لرعاية الفنون‬ ‫‪114‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫�أعالم‬ ‫والآداب‪ ،‬ونال كثيراً من الجوائز على �أعماله‬ ‫ال�شعرية‪ ،‬وم��ن �أهمها دي��وان��ه (�صرخة في‬ ‫واد)‪ ،‬الذي كان �أ�سا�س ًا لمجده ال�شعري‪ ،‬ونال‬ ‫الجائزة الأولى من المجمع اللغوي بالقاهرة‬ ‫عام (‪1947‬م)‪.‬‬ ‫وفي ظ��روف م�صر في ذلك الوقت‪ ،‬حيث‬ ‫االح��ت�لال البريطاني‪ ،‬وم��ا اعترى المجتمع‬ ‫في ظله من ف�ساد �إداري واقت�صادي وظلم‬ ‫اجتماعي‪ ،‬بدت وا�ضحة في ق�صائد ال�شاعر‪،‬‬ ‫فنجده عندما كان ي�شكو حاله‪ ،‬و�أنه لم ي�أخذ‬ ‫ن�صيبه من الدنيا ول��م ينل ما يريده‪ ،‬ت�أتي‬ ‫�شكواه في قالب فكاهي هزلي للترويح على‬ ‫النف�س من هموم الحياة‪� ،‬إذ يقول‪:‬‬ ‫رب �ضيمي؟‬ ‫�إل���ى م��ن �أ�شتكي ي��ا ُّ‬ ‫�أرى نف�سي غ��ري��ب�� ًا ب��ي��ن قومي‬ ‫ل��ق��د ه��ت��ف��وا ل��م��ح��م ٍ‬ ‫��ود �شكوكو‬ ‫وم���ا ���ش��ع��روا ب��م��ح��م ٍ‬ ‫��ود غ��ن��ي ِ��م!‬ ‫وفي دي��وان (�صرخة في واد)‪ ،‬نجد باب ًا‬ ‫كام ًال عن دعابات ال�شاعر‪ ،‬فقد فقدت منه‬ ‫�ساعة يده ذات يوم ولم يعثر عليها‪ ،‬وكان ولده‬ ‫ال�صغير وراء �ضياعها‪ ،‬فكتب ق�صيدة تحت‬ ‫عنوان (فجيعة في �ساعة‪ ،‬عام ‪1937‬م)‪ ،‬يقول‬ ‫فيها‪:‬‬ ‫و���س��اع��ة ك��ال�����س��وار ح����ول ي��دي‬ ‫�ضاعت ف���أوه��ى �ضياعها جلَدي!‬ ‫م����ازال ي��ط��وي ال���زم���ان عقربها‬ ‫ح��ت��ى ط���واه���ا ال����زم����ان ل�ل��أب ِ‬ ‫���د‬ ‫���ض��ي��ع��ه��ا ن��ج��ل��ي ال�����ص��غ��ي��ر وك��م‬ ‫ح�� ّم��ل��ن��ي م����ن خ�������س���ارة ول����دي‬ ‫ق���ال���وا‪ :‬ف����داء ل���ه‪ ،‬ف��ق��ل��ت لهم‪:‬‬ ‫ك�ل�اه���م���ا ف���ل���ذت���ان م����ن ك��ب��دي‬ ‫قالوا‪ :‬التم�س غيرها‪ ،‬فقلت لهم‪:‬‬ ‫وه���ل م��ع��ي م��ا يقيم ل��ي �أ َودي؟‬ ‫وفي واقعة �أخرى‪ ،‬تعر�ض �أحد �أ�صدقائه من‬ ‫ال�شعراء لحادثة ن�شل‪� ،‬سلبه فيها �أحد الل�صو�ص‬ ‫�سبعة جنيهات‪ ،‬وذلك عام (‪1938‬م)‪ ،‬فحزن‬ ‫�صديقة على ما فقد منه‪ ،‬فداعبه بقوله‪:‬‬ ‫ه ّون عليك وجفف دمعك الغالي‬ ‫ال يجمع اهلل بين ال�شعر والمالِ !‬ ‫�إن����ا ل��ف��ي زم���ن ف�� ْق��د ال��ن��ق��ود به‬ ‫يدمي العيون كف ْقد ال�صحب والآلِ‬ ‫من �أي��ن �أ�صبحت ذا م��ال فت�سلبه‬ ‫يا �أ�شبه النا�س بي في رقة الحالِ ؟‬ ‫ٌ‬ ‫�سبعة من جيبك انطلقت‬ ‫فيا لها‬ ‫و�أن����ت �أح����وج م��خ��ل��وق ل��م��ث��ق��الِ !‬

‫مجموعة غنيم ال�شعرية‬

‫ثم يقول له مهون ًا عليه م�صيبته‪:‬‬ ‫لم يبق عندك ما تخ�شى عليه فنم‬ ‫ك��م��ا �أن�����ا ُم ق���ري���ر ًا ن��اع��م ال��ب��الِ‬ ‫نف�سي فدا�ؤك! ليت الل�ص �صادفني‬ ‫قد يغلب الل�ص بالإفال�س �أمثالي!‬ ‫ونجده في ق�صيدة �أخ ��رى‪ ،‬في الديوان‬ ‫نف�سه‪ ،‬ي�سخر من راتبه ال�ضعيف الهزيل‪ ،‬الذي‬ ‫يح�صل عليه من وزارة المعارف العمومية‪،‬‬ ‫حيث كان يعمل معلم ًا للغة العربية‪ ،‬وذلك عام‬ ‫(‪1935‬م)‪ ،‬فيقول‪:‬‬ ‫ولي راتب كالماء تحويه راحتي‬ ‫فيفلت م��ن بين الأ���ص��اب��ع هاربا‬ ‫�إذا ا�ست�أذن ال�شهر التفت فلم �أجد‬ ‫�إل���ى جانبي �إال غ��ري��م�� ًا مطالبا‬ ‫و�ض ِع ِه‬ ‫ف�أم�سيت �أرج��و نع َيه ي��وم ْ‬ ‫ولي�س الذي يم�ضي من العمر �آيبا‬ ‫ويترقب ال�شاعر العالوة االجتماعية‪ ،‬التي‬ ‫ت�ضاف �إلى راتب الموظف العمومي‪ ،‬لعلها ترفع‬ ‫راتبه الهزيل‪ ،‬فيكتب في �أبريل (‪1935‬م)‪ ،‬تحت‬ ‫عنوان (العالوة) مناجي ًا هذه العالوة‪ ،‬طالب ًا‬ ‫منها الو�صال‪ ،‬فيقول‪:‬‬ ‫قد حلّ (مايو) فا�سمحي بو�صالي‬ ‫م��� ّن���ي ع��ل��ي ول����و ب��ط��ي��ف خ��ي��الِ‬ ‫(عرقوب) وعدت ف�أنجزي‬ ‫يا �أخت‬ ‫ٍ‬ ‫يكفي ج��ف��ا�ؤك م��ن �سنين ط��والِ‬ ‫ف��ي �أي ن��ج��م ن���ازح ح��ج��ب��وك �أم‬ ‫ف��ي �أي ���س��ج��ن م��ح��ك��م الأق���ف���الِ‬ ‫ه��ل �أن����ت �إال ك��ال��غ��وان��ي طالما‬ ‫�سقن ال��دالل على رقيق الحالِ ؟‬

‫مجلة (الر�سالة)‬

‫ديوانه (�صرخة في‬ ‫واد) نال الجائزة‬ ‫الأولى من المجمع‬ ‫اللغوي بالقاهرة‬

‫عانى ظروف ًا‬ ‫اجتماعية‬ ‫واقت�صادية انعك�ست‬ ‫على مداعباته‬ ‫ال�شعرية‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪115‬‬

‫�أعالم‬ ‫هيفاء يحظى الم�ست�شار بو�صلها‬ ‫وت�����ص��د ك���ل ال�����ص��د ع���ن �أم��ث��ال��ي‬ ‫ثم يقول في الق�صيدة نف�سها معتر�ض ًا على‬ ‫الأو�ضاع االجتماعية المقلوبة بم�صر في ذلك‬ ‫الوقت‪:‬‬ ‫م��ا ل��ي �أرى �أم�����وال م�صر ك�أنها‬ ‫�إلى بع�ض الجيوب تكال بالمكيالِ ؟‬ ‫حتى �إذا طلب ال�صغير حقوقه‬ ‫�شكت ال��خ��زان��ة ق��ل��ة الأم�����والِ ؟‬ ‫ف����از ال�����س��ع��ي��د ب��ع�� ّم��ه وب��خ��ال��ه‬ ‫وفقدت عمي في الحياة وخالي!‬ ‫ويرثي لحاله في ق�صيدة تحت عنوان (ال‬ ‫تخدعوني بالمنى) عام (‪1929‬م)‪ ،‬فيقول‪:‬‬ ‫�أف��ت��ل��ك ع��اق��ب��ت��ي وذاك م���آل��ي؟‬ ‫خطوا الم�ضاجع وادف��ن��وا �آمالي‬ ‫ال تخدعوني بالمنى وحديثها‬ ‫قد ك��ان ذل��ك في الزمان الخالي‬ ‫ولقد برمت بم�صر حين وجدتها‬ ‫ق��ب��ر ال��ن��ب��وغ وم�����س��رح ال��ج�� ّه��الِ‬ ‫ب��ل��د ت�سربل ب��ال��ح��ري��ر َج��ه��و ُل��هُ‬ ‫وم�����ش��ى الأدي����ب ب��ه ب�لا ���س��رب��الِ‬ ‫وي��أت��ي عيد الأ�ضحى على ال�شاعر عام‬ ‫(‪1933‬م)‪ ،‬في ظل الأزمة االقت�صادية وغالء‬ ‫المعي�شة‪ ،‬فال يجد ما يتطلبه العيد من �سمن‬ ‫وع�سل و�أ�ضحية‪ ،‬وت�ضيق به الحيل‪ ،‬فيكتب‬ ‫تحت عنوان (العيد والأزمة) قائ ًال‪:‬‬ ‫�أي�����ه�����ا ال����ع����ي����د ه�����ل ت����رى‬ ‫ك��ي��ف ���ض��اق��ت ب��ن��ا ال��ح��ي��لْ ؟‬ ‫ف���ت�������ش ال�����م�����دن وال����ق����رى‬ ‫ه��ل ت��رى ال��ن��ا���س ف��ي ج��ذل؟‬ ‫ه����ل ت�����رى ط���ف�ل�اً اح��ت��ف��ى‬ ‫ه����ل ت�����رى ك���ه�ل�اً اح���ت���ف���لْ ؟‬ ‫�أي�����ه�����ا ال�����زائ�����ر اخ��ت�����ص��ر‬ ‫ُز ْر وف���������ارق ع���ل���ى ع���ج���لْ‬ ‫�أق����ف����ر ال���ب���ي���ت واخ���ت���ف���ى‬ ‫����ش���ب���ح ال�������س���م���ن وال���ع�������س���لْ‬ ‫وخ����ل���ا ال����ب����ي����ت ف����ال����ذي‬ ‫م������ع������ه دره���������������م ب�����ط�����لْ‬ ‫وفي جريدة (الأهرام) كتب ال�شاعر (محمد‬ ‫الأ�سمر في يوليو ‪1938‬م)‪ ،‬كلمة زج��ر بها‬ ‫ال�ضيوف الذين يقلقون راحة النا�س‪ ،‬واقترح‬ ‫على كل ذي بيت �أن يكتب على باب بيته قول‬ ‫محمد الهراوي‪:‬‬ ‫�إن ف����ي ال���ف���ن���دق م�������� َ‬ ‫أواك‬ ‫غ���������ذاء ْك‬ ‫وف������ي ال���������س����وق‬ ‫َ‬ ‫‪116‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫محمد الأ�سمر‬

‫ل����ي���������س ذن������ب������ ًا لأن�����ا������س‬ ‫أق������رب������اء ْك‬ ‫�أن ي���ك���ون���وا �‬ ‫َ‬ ‫وكان غنيم �صديقا للأ�سمر‪ ،‬فرد عليه في‬ ‫(الأهرام) بق�صيدة تحت عنوان (�إكرام ال�ضيف)‪،‬‬ ‫قال فيها‪:‬‬ ‫ج��اءك‬ ‫�صم �إذا م��ا ال�ضيف‬ ‫ْ‬ ‫ع�����ش��اء ْك‬ ‫وام���ن���ح ال�����ض��ي��ف‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫غ��ط��اء ال��ـ‬ ‫�����ص��وف‬ ‫واج��ع��ل ال‬ ‫َ‬ ‫���ض��ي ِ‬ ‫غ��ط��اء ْك‬ ‫��ف‬ ‫��ف وال�����س��ق َ‬ ‫َ‬ ‫�أن����ت �إن ل���م ت�����س��خ م��ث��ل ال��ـ‬ ‫إخ��������اء ْك‬ ‫�������رب �أن���ك���رن���ا �‬ ‫ُع‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫و����ش���ك���ك���ن���ا ف����ي����ك ي�����ا ���ص��ا‬ ‫دم�����������اء ْك‬ ‫ِح وح����لّ����ل����ن����ا‬ ‫َ‬ ‫ال �أواك ال���ب���ي���ت وال���فُ���ن���ـ‬ ‫أق������رب������اء ْك‬ ‫ُدقُ ي���������أوي �‬ ‫َ‬ ‫ٌ‬ ‫���ض��ي��ف‬ ‫�إن ي���ه���ن ع����ن����دك‬ ‫ج���������زاء ْك‬ ‫ي����ك����نِ ال�����ه�����ون‬ ‫َ‬ ‫ف���������دع ال�����ح�����ر������ص و�إال‬ ‫ف���ن���اء ْك‬ ‫���ر����ص‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ع���ج���لَ ال���ح ُ‬ ‫وله في الدعابات والم�ساجالت بينه وبين‬ ‫�أقرانه من ال�شعراء باع طويل‪ ،‬وال نح�سب �أن‬ ‫�أحداً من معا�صريه قد بلغ �ش�أنه في هذا الباب‪.‬‬

‫محمد الهراوي‬

‫الريف الم�صري‬

‫اختير ع�ضواً في‬ ‫لجنة ال�شعر في‬ ‫المجل�س الأعلى‬ ‫لرعاية الفنون‬ ‫والآداب‬

‫مقاالت‬

‫كنوز‬

‫وهم التغيير والت�أثير‪..‬‬ ‫ندعي نحن الكتاب‪� ،‬أننا بالكلمة التي‬ ‫نمتلكها ن�ستطيع �أن ن�صوغ ب�شراً ي�شبهوننا‪،‬‬ ‫�أو على نقي�ضنا تمام ًا ليعو�ضوا ما نبتغيه‬ ‫وما ا�ستطعنا الو�صول �إليه‪� ،‬أو نطرد ب�شراً‬ ‫ال ي�شبهوننا وال يجوز لهم دخ��ول مملكتنا‬ ‫المثالية‪ ،‬كما نظن ب�أننا قادرون على ابتكار‬ ‫عالم جميل مختلف‪ ،‬عادل‪ ،‬مت�سامح‪ ،‬نحدده‬ ‫ون�ضع معاييره كما نت�صوره‪� ،‬أو كما ن�شتهيه‪،‬‬ ‫وبالتالي نختار من يمتثل لقوانينه ويقدر‬ ‫�أن يتعامل معه‪ ،‬ليرتفع بدرجات على �سلم‬ ‫الوعي والحب واالختالف‪.‬‬ ‫ه��ك��ذا ن��ح��ن ال��ك��ت��اب‪ ،‬ن��دم��ج ال��وع��ي‬ ‫ب��ال�لاوع��ي‪ ،‬والحقيقة ب��ال��وه��م‪ ،‬وال��واق��ع‬ ‫بالخيال‪ ،‬ال�شائك والمت�شابك من الأ�شياء مع‬ ‫المب�سطة واللطيفة منها‪.‬‬ ‫وم ��ن ي��ت��اب��ع ت�����ص��ري��ح��ات المبدعين‪،‬‬ ‫ويتلم�س �أحالمهم و�أفكارهم المنثورة بين‬ ‫طيات ال ��ورق ‪ ،‬ي��درك تمام ًا �إيمانهم بما‬ ‫يجادلونك فيه‪ ،‬على �أنهم ال��ق��ادرون على‬ ‫تغيير العالم‪ ،‬و�أن الكتاب المم�سكين بر�سن‬ ‫الزمن الجامح‪ ،‬وحدهم هم �أبطال التجديد‬ ‫والتغيير والتطوير االجتماعي والثقافي‪ ،‬حتى‬ ‫ال�سيا�سي واالقت�صادي‪ ،‬وبالتالي ف�إن دورهم‬ ‫�أكبر و�أخطر من دور الر�صا�صة‪ ،‬ولعل الأمر‬ ‫كذلك حق ًا لأن الكتابة فعل �إبداعي‪ ،‬تغييري‪،‬‬ ‫�إن�ساني‪ ،‬فردي وتراكمي‪ ،‬ومن �أ�سمى غاياته‬ ‫و�أه��داف��ه محاربة الجمود و�إ���ض��اءة العالم‬ ‫بالكلمة‪ ،‬التي تعتبر الحامل الأ�سا�سي للفكر‬ ‫والمعرفة والجمال‪ ،‬ولكن ‪ -‬وهنا قا�صمة‬ ‫الظهر ‪ -‬كيف تقف الكلمة �أمام الر�صا�صة‬ ‫في عالم يت�سارع �إلى الهاوية ؟ وكيف للكلمة‬ ‫�أن تجادل في الزمن المت�سارع وتم�سك به‪،‬‬ ‫وتوقفه عن تدحرجه وهي ت�سير على عكازين‬ ‫في الطريق ال�سريع الذي ال ينتظر العكازات‬ ‫وال يلتفت �إلى �شيء‪ ..‬بل يجرف معه كل �شيء‪،‬‬ ‫حتى قناديل ديوجين وعكازاته‪ ،‬فالوقت‬ ‫من ذهب في هذا العالم االفترا�ضي‪� ،‬إما �أن‬

‫ال بد من االعتراف بكل‬ ‫جر�أة �أن الر�صا�صة �أ�سرع‬ ‫في التغيير والت�أثير من‬ ‫الكلمة‬

‫تقتله و�إما يقتلك؛ لذلك ال بد من االعتراف‪،‬‬ ‫وبكل الجر�أة والأ�سف‪� ،‬أن الر�صا�صة �أ�سرع في‬ ‫التغيير والت�أثير‪ ،‬والخوف منها �أكبر‪ ،‬وحين‬ ‫يتملك الخوف �شعب ًا‪ ،‬لن يدير ظهره �إلى الكلمة‬ ‫ليحتمي بها‪ ،‬بل �سيهرب ولن ينتظر‪ ،‬فالوقت‬ ‫لي�س لم�صلحته‪ ،‬ولي�س لم�صلحة الكاتب‪ ،‬الذي‬ ‫يدعي �أن��ه ق��ادر على �إيقاف الزمن وتغيير‬ ‫م�ساره‪ .‬لقد �صدقنا لزمن طويل �أن الكاتب‬ ‫ي�ستطيع �أن يوقف الزمن‪ ،‬و�أنه يكتب ليجعل‬ ‫العالم �أجمل‪ ،‬و�أكثر �إن�سانية ورقة‪ ،‬ولكن ظهر‬ ‫في الآونة الأخيرة من بين الكتب المتراكمة‪،‬‬ ‫كاتب �أكثر �شرا�سة و�أ���ش��د م��ه��ارة‪ ،‬و�أ�سرع‬ ‫و�صو ًال‪� .‬إن��ه هذا الخامد المتلون المختبئ‬ ‫بين �أزرار كمبيوترك ال�صغير المركون على‬ ‫طاولة المطبخ‪ ،‬حيث الخبز والزيتون وال�شاي‬ ‫المحلى لتقدر �أن تبتلع مرارة الحا�ضر؛ هذا‬ ‫الجهاز اللعين ما �إن تفتحه حتى يتدفق‬ ‫�إليك عالم عجيب غريب‪ ،‬لم ت�صغه �أنت‪ ،‬ولم‬ ‫ت�شارك في ا�ستدراجه كي ي�أتي �إلى ذاكرتك‬ ‫ويدخل ال��ر�ؤو���س ال�صغيرة لأبنائك ‪ .‬لكنه‬ ‫دخ��ل‪ ،‬وجعلك تقف على الباب‪ ،‬منتظراً �أن‬ ‫ي�أخذ مقعده المنا�سب‪ ،‬وال��ذي �سيكون في‬ ‫ال�صدارة طبع ًا‪� .‬سيلتف حوله �أه��ل بيتك‪،‬‬ ‫وف��ي البيت المجاور �أي�ض ًا‪� ،‬سيكون الأم��ر‬ ‫على �شاكلتك‪� .‬ستحاول �أن تجل�س بالقرب‬ ‫منه‪ ،‬ولكنك لن تجد مكان ًا منا�سب ًا‪ .‬المكان‬ ‫�أخذته الر�ؤو�س ال�صغيرة المعب�أة بخياالت‬ ‫كبيرة ال تتنا�سب وعقلك المقولب‪ ،‬ف�أنت لك‬ ‫مكانك الآخ��ر؛ مكانك هناك‪ ،‬وراء الطاولة‬ ‫والأوراق والأق�ل�ام‪� ،‬أو هناك قرب المكتبة‬ ‫التي يتكد�س فيها عمرك وزمانك الذي تدعي‬ ‫ب�أنك قب�ضت عليه و�سجنته‪ .‬للأ�سف‪ ،‬هو اليوم‬ ‫هارب منك‪� ،‬سارح على هواه‪ ،‬تلتقطه الر�ؤو�س‬ ‫ال�صغيرة‪ ،‬وت�ستدرجه ليقدم لها �أ�شكا ًال‪ ،‬ال‬ ‫ت�شبهك‪ ،‬بل وجودها يحيرك‪ ،‬ويجعلك تفقد‬ ‫الإيمان بجدوى الكتابة كلها‪ ،‬فهي بطيئة‬ ‫والكاتب الجديد �سريع جريء‪ ،‬ال تعنيه القيم‬ ‫التي �آمنت بها‪ ،‬وال يقف عند القوانين التي‬ ‫حفظتها واحترمتها‪ ،‬هذا الكاتب المختلف‪،‬‬ ‫الع�صري ال�����ش��ر���س‪ ،‬ال ��ذي يتحرك ف��ي كل‬ ‫اتجاه‪ ،‬عابراً الإ�شارات الحمراء والخ�ضراء‬ ‫مع ًا‪ ،‬يحمل ال�سيف بيد والقلم باليد الأخرى‪،‬‬ ‫له القدرة �أن ي�ضرب على الر�أ�س بمعلومات‬ ‫و�أفكار تغير تعاريج الذاكرة‪� ،‬سواء ر�ضيت‬

‫�أني�سة عبود‬ ‫�أم لم تر�ض‪ ،‬وقد يقدم لك المعلومة الغائبة‬ ‫ويفتح لك مغاليق الأ�سرار دون �أن تطلبها‪،‬‬ ‫فتتوه وت�شعر بالعجز لأنك غير قادر على �أن‬ ‫تحقق ر�سالتك في التغيير الذي تنهجه وتعمل‬ ‫عليه‪� .‬ستهز ر�أ�سك �أيها الكاتب ‪ -‬التحرير‪-‬‬ ‫وتر�شف قهوتك مهدهداً روحك المتعبة وقلمك‬ ‫ال��ذي تحجر الحبر فيه‪ ،‬ف�أنت ال تقدر على‬ ‫الدخول في �سباق‪� ،‬أو مواجهة مع الكاتب‬ ‫يفرخ الأفكار والآراء والأخبار‬ ‫الجديد الذي ّ‬ ‫عبر جهاز عجيب‪ ،‬يبث في كل جهات الأر�ض‪،‬‬ ‫وي�سود‬ ‫الفكر ال�صالح والطالح‪ ،‬ويزين لهذا‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫�صورة ذاك‪ ،‬محو وهدم وبناء مع ًا‪ ..‬وخطاب‬ ‫مرتفع النبرة ي�ضج في قاعات كثيرة‪ ،‬بينما‬ ‫�أنت وحدك في قاعتك المغلقة تن�شد ال�شعر‪،‬‬ ‫وتغني على ليالك التي هجرتك و�سارت‬ ‫مع الركب باتجاه ما ي�سمى حداثة الأفكار‬ ‫والأ�شياء‪ ،‬من هنا قد يعمم الخط�أ وتعمم‬ ‫الخطيئة‪ ،‬ول�ست بقادر بعد هذا الهدم ال�سريع‬ ‫على البناء ال�سريع‪ ،‬فهذا الجهاز العجيب‬ ‫(الحا�سوب) له �سطوة وله �أذرع خفية ت�ستطيع‬ ‫�أن تهدم كل �شيء (ب�سحبة او تمرير الماو�س)‪،‬‬ ‫على م�صنفات الزمن وعلى ذاك��رة الأدب��اء‬ ‫و�أحالمهم وعناوينهم وتراثهم‪.‬‬ ‫�إن تمرير الأ���ص��اب��ع على ه��ذا الجهاز‬ ‫العجيب ال ي�شبه تمريرها على الورق‪ ،‬وفتح‬ ‫الكوى والأيقونات فيه فيما ي�شبه ت�صفح‬ ‫ال��ورق؛ فالزمن فيه �سريع‪ ،‬متغير كزمان‬ ‫ر�صا�صة‪ ،‬بينما زمن الحبر بطيء‪ ،‬وحركته‬ ‫مترددة ولم يعد قادراً على الو�صول �إلى كل‬ ‫الجهات الغائبة �أو الحا�ضرة؛ لذلك وجب‬ ‫علينا‪ ،‬نحن الكتاب‪� ،‬أن نكف عن الأح�لام‬ ‫والهيام والكالم‪ ،‬ونيران الإلهام واالدع��اء‬ ‫ب�أننا ق��ادرون على تغيير الأ�سماء والأي��ام‪،‬‬ ‫لكن كيف نكتب �إذا ما خ�سرنا كل هذه النيران‬ ‫المتقدة في غابة الإبداع؟!‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪117‬‬

‫«الوزير العا�شق» �أ�شهر م�سرحياته ال�شعرية‬

‫فاروق جويدة‪ :‬الطبيعة �أول معلم في الفن‬ ‫يعتز ال�شاعر فاروق جويدة ب�أنَّه فالح ب�سيط ن�ش�أ وترعرع‬ ‫ككُلّ الفالحين ال�شرفاء من �أبناء م�صر‪ ،‬وهو ال يدعي ذلك‬ ‫زيفاً‪ ،‬ولكن مواقفه و�أفعاله تدل على �أنَّه لم يفقد‪� ،‬أبداً‪،‬‬ ‫�صالبة �أهل القرية وق َّوة �شكيمتهم وفطرتهم التي جبلوا‬ ‫عليها‪ ..‬لهذا فهو �شاعر ثابت الخطى‪ ،‬ال يلين عن ر�أي‬ ‫وفيق �صفوت مختار‬ ‫اعتنقه و�آمن به‪ ،‬وال يحيد عن ر�ؤية يراها �صائبة‪ ،‬حتى‬ ‫� َّإن حمالته ال�صحاف َّية جميعها لم يكن الغر�ض منها دعائي ًا �أو نفعياً‪ ،‬بقدر ما‬ ‫حد �سواء‪.‬‬ ‫كانت بهدف الدفاع عن الم�صلحة العامة؛ الم�صرية والعربية على ٍّ‬ ‫ول ��د ال�����ش��اع��ر ف� ��اروق ج��وي��دة بقرية‬ ‫(�أفالطون)‪ ،‬بمركز (قلين)‪ ،‬محافظة (كفر‬ ‫ال�شيخ) في العا�شر من �شهر فبراير عام‬ ‫(‪1945‬م)‪ .‬تخرج في كلية الآداب‪ ،‬ق�سم‬ ‫ال�صحافة بجامعة القاهرة عام (‪1968‬م)‪.‬‬ ‫‪118‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫حرراً بالق�سم االقت�صادي بجريدة‬ ‫عمل ُم ِّ‬ ‫«الأهرام» في نف�س عام تخرجه‪ ،‬ومنذ عام‬ ‫(‪2002‬م) �أ�صبح �شاعرنا رئي�س ًا للق�سم‬ ‫الثقافي بجريدة «الأهرام»‪.‬‬ ‫العربية �أكثر من (‪)32‬‬ ‫ق� َّ�دم للمكتبة‬ ‫َّ‬

‫إبداعية في ال�شعر‪،‬‬ ‫كتاب ًا خالل رحلته ال َّ‬ ‫والثقافية‪،‬‬ ‫ال�سيا�سية‬ ‫والم�سرح‪ ،‬والق�ضايا‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫و�أدب ال���رح�ل�ات‪ ،‬ف��م��ن ب��ي��ن دواوي��ن��ه‬ ‫ال�شعرية نذكر‪�« :‬أوراق من حديقة �أكتوبر»‬ ‫َّ‬ ‫(‪1974‬م)‪« ،‬حبيبتي ال ترحلي» (‪1975‬م)‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫عينيك عنواني» (‪1979‬م)‪�« ،‬شيء‬ ‫«في‬ ‫�سيبقى بيننا» (‪1983‬م)‪« ،‬ل ��ن �أب��ي��ع‬ ‫الع ْمر» (‪1989‬م)‪« ،‬زمان القهر ع َّلمني»‬ ‫ُ‬ ‫(‪1990‬م)‪« ،‬كانت لنا �أوطان» (‪1991‬م)‪،‬‬ ‫ال�شعرية فنذكر منها‪:‬‬ ‫� َّأما �أهم م�سرحياته‬ ‫َّ‬ ‫«الوزير العا�شق» (‪1981‬م)‪« ،‬الخديوي»‬ ‫(‪1994‬م)‪ ،‬وفي �أدب الرحالت �أ�صدر كتاب ًا‬ ‫بعنوان‪« :‬بالد ال�سحر والخيال» (‪1981‬م)‪،‬‬ ‫التقديرية‬ ‫وقد فاز �شاعرنا بجائزة الدولة‬ ‫َّ‬ ‫في الآداب من المجل�س الأعلى للثقافة‪،‬‬ ‫عام (‪2001‬م)‪.‬‬

‫�إبداع‬ ‫الثقافية» هذا‬ ‫وك��ان لمجلة «ال�شارقة‬ ‫َّ‬ ‫الحوار ال�شيق مع ال�شاعر فاروق جويدة‪:‬‬ ‫¯ متى؟ وكيف تو َّلد �إح�سا�س فاروق جويدة‬ ‫بع�شق ال�شعر؟‬ ‫ ال �شك � َّأن ميالد ال�شاعر فيه جزء قدري‪،‬‬‫وفيه جزء موهبة‪ ،‬وفيه �أي�ض ًا جزء درا�سة‪،‬‬ ‫الجزء القدري � َّأن هناك �إن�سان ًا ما ُخلق لكي‬ ‫حددها اهلل �سبحانه‬ ‫يكون �شاعراً‪ ،‬وهذه م�س�ألة ُي ِّ‬ ‫وتعالى‪ .‬الجانب الثاني هو � َّأن الموهبة مثل‬ ‫�أي �شيء‪ ،‬من الممكن جداً �أن تظهر في مناخ‬ ‫وتموت‪� ،‬أنا �أ�ؤمن ب� َّأن المواهب مثل الأ�شجار‬ ‫تمام ًا‪� ،‬إذا وفرنا لها الرعاية الكافية والمناخ‬ ‫المنا�سب‪ ،‬فمن الممكن �أن تكبر وتعطي‬ ‫الثمار‪ .‬بعد ذلك ت�أتي الدرا�سة‪ ،‬ف�أنا م�ؤمن‬ ‫الفن‪ ،‬ل َّأن االطالع وال�سفر‬ ‫جداً بالدرا�سة في ِّ‬ ‫ّ‬ ‫والم�شاهدة وتنمية الإح�سا�س وال��ذوق‪ ،‬هذه‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫حقيقية‪.‬‬ ‫تنمية‬ ‫ُك َّلها تحتاج �إلى‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ثقافية‪ ،‬وال��دي كان من‬ ‫ن�ش� ُأت في بيئة‬ ‫َّ‬ ‫علماء الأزهر‪ ،‬وكان يهوى الثقافة‪ ،‬وكان رجل‬ ‫مرة‬ ‫دين متفتح ًا‪ ،‬كنا نتكلم في ُك ّل �شيء‪ ،‬و�أذكر َّ‬ ‫�أنني كنت �أقر�أ‪ ،‬وعمري ع�شر �سنوات‪�( ،‬ألف ليلة‬ ‫وليلة)‪ ،‬وكنت �أذهب �إليه لأ�س�أله فيما ا�ستغلق‬ ‫علي فهمه‪ ،‬وكان يجيبني ب�صدر رح��ب‪ ..‬لقد‬ ‫َّ‬ ‫كانت في بيتنا مكتبة �ضخمة تحوي �أمهات‬ ‫الكتب من تراثنا العربي والإ�سالمي‪.‬‬ ‫ال نن�سى دور الطبيعة في تكوين المبدع‪،‬‬ ‫الفن‪ ،‬لي�س هناك لوحة‬ ‫فالطبيعة � َّأول ُمعلِّم في ِّ‬ ‫�أجمل من التي ر�سمها اهلل �سبحانه وتعالى‪،‬‬ ‫لي�س هناك مو�سيقا �أجمل من مو�سيقا الكون‪،‬‬ ‫ال�سماء‬ ‫لي�س هناك ف� ّ�ن ت�شكيلي �أجمل من َّ‬ ‫والغروب و�أ�سراب الطيور القادمة والذاهبة‪ُ ،‬ك ّل‬ ‫هذا عندما يتر�سب في �أعماق طفل �صغير يبقى‬ ‫هو ال��زاد الذي ُي�ش ِّكله‪ ،‬بعد ذلك ت�أتي الر�ؤية‬ ‫الجمالية وال��ق��درة على التذوق والإح�سا�س‬ ‫َّ‬ ‫بالأ�شياء والعالقات بين الأ�شياء نف�سها‪ ،‬ل َّأن‬ ‫والفن �أي�ض ًا عالقات‪ ،‬و�إذا‬ ‫الكون عالقات‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫كانت الق�صيدة عالقة بين كلمة وكلمة تنتج‬ ‫المعنى‪ُ ،‬ث َّم تقوم بتو�صيله لل َّنا�س في �إطارٍ من‬ ‫الم�شاعر والأحا�سي�س فالكون كذلك‪.‬‬ ‫لدي �إخوة �صبيان‪،‬‬ ‫�إ�ضافة �إلى ذلك لم يكن َّ‬ ‫لع ْمر خم�سة ع�شر عام ًا ابن ًا وحيداً على‬ ‫�أنا مكثت ُ‬ ‫ٍ‬ ‫مجموعة من الإناث‪ ،‬وقد يكون هذا �أعطاني نوع ًا‬ ‫جداً‪ ،‬والأوالد‬ ‫�صغيرة‬ ‫القرية‬ ‫كانت‬ ‫الوحدة‪،‬‬ ‫من‬ ‫ّ‬ ‫�أبناء الفالحين كانوا يقومون بزراعة الأر�ض‬ ‫مع �أهليهم‪ ،‬و�أنا الوحيد الذي يمكنه �أن يجل�س‬

‫في البيت ليقر�أ‪ ،‬ل َّأن والدي كان يقوم بت�أجير‬ ‫الأر� ��ض للآخرين‪ ،‬فهذا �أعطاني فر�صة لأن‬ ‫�أجل�س مع نف�سي كثيراً‪� ،‬أت� َّأمل الكون من حولي‬ ‫ُث َّم ينعك�س هذا بداخلي‪ ،‬ومازالت هذه الخا�صية‬ ‫من �إحدى �سماتي‪ ،‬ف�أنا �أ�ستطيع �أن �أجل�س في‬ ‫مكاني في البيت ع�شر �ساعات ال �أتحدث مع‬ ‫�أحد � َّإل كتبي و�أوراق ��ي‪ ،‬دائم ًا �أق��ول‪ :‬الإن�سان‬ ‫بد �أن يعتاد الوحدة حتى ال ين�سى حقيقته‬ ‫ال ّ‬ ‫الأول��ى التي ُول��د بها وال ب� ّ�د �أن يرحل معها‪.‬‬ ‫الح ّب‪،‬‬ ‫¯ يطلق عليك بع�ض النقاد ب�أ َّنك �شاعر ُ‬ ‫�شخ�صي ًا في العديد‬ ‫وهذا بالطبع ما �ألم�سه �أنا‬ ‫ّ‬ ‫ال�شعرية‪ ،‬ما تعليقكم؟‬ ‫من ق�صائدك‬ ‫َّ‬ ‫ ال� ُ�ح� ُّ�ب ق�ضية عندي ولك َّنه لي�س ُك� ّل‬‫الح ِّر َّية �أي�ض ًا ق�ضية مهمة‬ ‫الق�ضايا‪ ،‬فق�ضية ُ‬ ‫في �شعري‪ ،‬ق�ضية العدالة‪ ،‬ف�أنا م�ؤمن بالعدالة‬ ‫االجتماعية وم ��ؤم��ن بطبقية الفكر‪ ،‬وغير‬ ‫َّ‬ ‫االجتماعية‪ ،‬وال بالطبقية‬ ‫بالطبقية‬ ‫م�ؤمن‬ ‫َّ‬ ‫االقت�صادية‪ ،‬لذلك �أنا �أحترم �إن�سان ًا فقيراً لأ َّنه‬ ‫َّ‬ ‫مثقف‪ ،‬ول َّأن عقله م�ستنير‪ ،‬وال �أحترم على‬ ‫الإطالق �صاحب ماليين جاه ًال‪ ،‬هذا هو الفرق‬ ‫بينهما‪ .‬دعني �أقل لك � َّإن الح�ضارة �صنعتها‬ ‫ال�صفوة‪ ،‬ولم ي�صنعها القطيع‪ ،‬ف�أنا بقدر ما‬ ‫االجتماعية‪ ،‬بقدر ما �أ�ؤم��ن‬ ‫�أ�ؤم��ن بالعدالة‬ ‫َّ‬ ‫بد �أن يكون لهم‬ ‫بطبقية �أ�صحاب الفكر‪ ،‬و�أ َّنه ال ّ‬

‫ميالد ال�شاعر موهبة‬ ‫ت�صقل بالدرا�سة‬ ‫والمعرفة‬

‫لي�س هناك فن‬ ‫ت�شكيلي �أجمل من‬ ‫الطبيعة‬

‫الحزن من �أنبل‬ ‫الم�شاعر ويرتبط‬ ‫قيمي ًا ب�شفافية‬ ‫الإن�سان‬

‫من م�ؤلفات فاروق جويدة‬ ‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪119‬‬

‫�إبداع‬

‫خا�صة في المجتمع‪ ،‬لذلك‬ ‫ُّ‬ ‫تميز خا�ص ومكانة َّ‬ ‫الح ّب هي الق�ضية‬ ‫ق�ضية‬ ‫إن‬ ‫�‬ ‫تقول‬ ‫أن‬ ‫�‬ ‫ت�ستطيع‬ ‫ال‬ ‫ُ‬ ‫الأ�سا�س عندي‪.‬‬ ‫¯ م� ٍآ�س عديدة و�أح��زان جمة تنطوي عليها‬ ‫العديد من ق�صائدك‪ ،‬فهل معنى ذلك � َّأن ال�شاعر‬ ‫ٍ‬ ‫بنظرة‬ ‫فاروق جويدة ال ينظر �إلى الحياة � َّإل‬ ‫ٍ‬ ‫حزينة؟‬ ‫ ال��ح��زن �شعور م��ن �أن��ب��ل الم�شاعر من‬‫حيث القيمة‪ ،‬والحزن كما �أعتقد يرتبط بدرجة‬ ‫�شفافية الإن�سان‪ُ ،‬ث َّم � َّإن تجربة جيلي تجربة‬ ‫أت�صور �أي�ض ًا � َّأن تجربة الإن�سان في‬ ‫حزينة‪ ،‬و� َّ‬ ‫الحياة عموم ًا تجربة حزينة‪� ،‬إذا كنت ال تعرف‬ ‫نقطة البداية وال نقطة النهاية‪ ،‬وما بينهما من‬ ‫ال�سعادة‪،‬‬ ‫فراغ!! ي�ستطيع الإن�سان �أن يزيف وجه َّ‬ ‫الحزن!‬ ‫ولك َّنه ال ي�ستطيع �أبداً �أن يزيف لحظات ُ‬ ‫�أحيان ًا �أت�����س��اءل‪ :‬لماذا ُنفكر دائ��م� ًا في‬ ‫نهايات الأ�شياء برغم �أ َّننا نعي�ش بداياتها!؟‬ ‫هل لأ َّننا �شعوب تع�شق �أحزانها؟ �أم لأ َّننا من‬ ‫كثرة ما اعتدنا �أ�صبحنا نخاف على ُك ِّل �شيء‪،‬‬

‫غالف كتاب «�ألف ليلة وليلة»‬

‫‪120‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫ومن �أي �شيء! حتى �أوق��ات �سعادتنا نخ�شى‬ ‫عليها من النهاية‪ .‬ولكن ال�شاعر �سيبقى دوم ًا‬ ‫ُيب�شر بالأحالم‪ ،‬لأ َّننا �إذا افتقدنا القدرة على‬ ‫الحلم ف�سوف نفقد قدرتنا على ال�صمود‪ ،‬ومهما‬ ‫عيني و� َّأرقني الأجل‪ ,‬مازلت‬ ‫توارى الحلم في‬ ‫َّ‬ ‫الع ْمر �شيئ ًا من �أمل‪.‬‬ ‫�ألمح في رماد ُ‬ ‫¯ ما ر�أي ال�شاعر فاروق جويدة في ما يطرح‬ ‫أدبية من ن�صو�ص �شعرية غارقة‬ ‫على ال�ساحة ال َّ‬ ‫والرمزية المكثفة‪ ،‬على �أ�سا�س � َّأن‬ ‫في الغمو�ض‬ ‫َّ‬ ‫هذا من متطلبات التجديد �أو التجريب الذي‬ ‫تنادي به الحداثة في ال�شعر؟‬ ‫ �أن ��ا �أك��ت��ب �شعري م��ن خ�لال ه�ضمي‬‫للفن‪ ،‬لي�س هدفي �أن �أهتم بـ(التقاليع)‪ ،‬لأني‬ ‫ِّ‬ ‫ُ‬ ‫�ب ال��ت��راث العربي والإ�سالمي‬ ‫�أن��ا �شاعر �أح � ّ‬ ‫الذي �أنتمي �إليه‪� ،‬إذاً �أنا حلقة من حلقات هذا‬ ‫التراث‪ ،‬ال ي�ستطيع �أي �إن�سان �أن ي�ضرب بثالثة‬ ‫�آالف �سنة من ال�شعر عر�ض الحائط‪� ،‬أنت ترى‬ ‫الجمهور بد�أ ين�صرف عن ال�شعر وال�سبب في‬ ‫ذلك محاوالت التجريب التي ال تمتلك مواهب‬ ‫حقيقية‪ ،‬ه�ؤالء الأدعياء �أ�سا�ؤوا لل�شعر وكانوا‬ ‫�سبب ًا في ابتعاد ال َّنا�س عن قراءة �أ�شعارهم‪� ،‬أنا‬ ‫مع التجريب ولكن ب�شرط �أن ي�ستند �إلى وعي‬ ‫وفهم‪� ،‬أنا �ضد التجريب الأعمى‪ ،‬في اعتقادي‬ ‫� َّأن بع�ض ال�شعراء الذين يكتبون �شعراً غام�ض ًا ال‬ ‫يفهمون ما يكتبونه !! �أ�صارحك �إذا قلت لك �أنا‬ ‫�شخ�صي ًا �أحتاج �إلى (مذكرات تف�سيرية) لفهم‬ ‫ّ‬ ‫تلك الأ�شعار‪ .‬عمليات التجريب لم تهتم مطلق ًا‬ ‫بم�شكالت ال َّنا�س ومعاناتهم‪ ،‬فكان هدفها هو‬ ‫االهتمام بال�شكل على ح�ساب الجوهر‪ ،‬ال �سيما‬ ‫المتلقي ي�ستنفد ُع ْمره �أمام و�سائل‬ ‫عندما بد�أ ُ‬ ‫ال�صعب �أن‬ ‫من‬ ‫أ�صبح‬ ‫�‬ ‫ف‬ ‫االجتماعي‪،‬‬ ‫التوا�صل‬ ‫َّ‬ ‫أت�صور تقع‬ ‫يقر�أ ال�شعر‪ ،‬للأ�سف‪ .‬الم�س�ؤولية كما � َّ‬ ‫بالدرجة ال َّأولى على ال�شعراء الذين تخلوا عن‬ ‫الجمهور تحت دعاوى التجريب والحداثة‪..‬‬

‫فاروق جويدة في �إحدى الندوات‬

‫المبدع الحقيقي مع‬ ‫التجريب �شريطة‬ ‫�أن يعتمد على وعي‬ ‫وفهم‬

‫ال ي�ستطيع �أي �إن�سان‬ ‫�أن ي�ضرب بثالثة‬ ‫�آالف �سنة من ال�شعر‬ ‫عر�ض الحائط‬

‫الأدعياء �أ�سا�ؤوا‬ ‫لل�شعر وال يفهمون‬ ‫ما يقولونه بدعاوى‬ ‫التجريب الأعمى‬

‫فن‪.‬وتر ‪.‬ريشة‬ ‫الفنون ال�شعبية يف بور �سعيد‬

‫¯ المزج الت�صوري للت�شكيل‬ ‫¯ �سيد الوكيل ور�أب ال�صدع بين الناقد والمبدع‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪121‬‬

‫في كتابـه «عند منعطـف النـهـر»‬

‫�إ�سماعيل الرفاعي‪..‬‬

‫ير�سم الأ�شعار ويكتب اللوحات‬ ‫منذ بداياته الإبداعية المبكرة‪ ،‬ا�ستطاع الفنان‬ ‫الت�شكيلي والأدي��ب ال�سوري �إ�سماعيل الرفاعي‪� ،‬أن‬ ‫يجد لنف�سه عالم ًا خا�ص ًا ب��ه‪ ،‬يت�سم بالموا�شجة‬ ‫بين �صنوف الأدب المختلفة‪ ،‬ما يجعل من الرفاعي‬ ‫متفرد ًا عن الكثير من معا�صريه‪ .‬في كتاب (عند‬ ‫زمزم ال�سيد‬ ‫منعطف ال��ن��ه��ر) ال�����ص��ادر ع��ن (م��ي��ادي��ن للفنون‬ ‫‪2021‬م)‪ ،‬ن��رى �أن الر�سام ير�سم �أ���ش��ع��اره‪ ،‬وال�شاعر يكتب لوحاته‪،‬‬ ‫و�إذا ما �أردن��ا �أن نف�صل بينهما نجد �أنف�سنا �أم��ام �أم��ر �صعب التحقيق‪.‬‬ ‫وكما يقول �إ�سماعيل الرفاعي في مطلع‬ ‫كتابه (في الر�سم ثمة دائم ًا حكاية م�ضمرة‪،‬‬ ‫وف��ي الكتابة ثمة دائ��م� ًا �أل ��وان م�ضمرة‪،‬‬ ‫لطالما كان هذا واقع الحال بالن�سبة لي‪،‬‬ ‫ولطالما كانت الأل��وان التي �أنثرها على‬ ‫�سطح القما�ش‪ ،‬ت�ش ّكل في �سرها ما يوازيها‬ ‫من حروف على ال�صفحات البي�ضاء)‪.‬‬

‫‪122‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫يعتبر �إ�سماعيل الرفاعي من القامات‬ ‫الفنية التي حققت ح�ضورها‪ ،‬ووجودها‬ ‫الفاعل في ال�ساحتين المحلية والعربية‪،‬‬ ‫وهو يتمتع بح�ضور ثقافي الفت ك�شاعر‬ ‫وروائي وفنان ت�شكيلي‪ ،‬حيث قدم م�شروع ًا‬ ‫متكام ًال ات�ضحت فيه العديد من المكونات‬ ‫الإبداعية‪ ،‬وقد انحاز الرفاعي في م�شروعه‬

‫الإب ��داع ��ي منذ ب��واك��ي��ره �إل ��ى الإن�����س��ان‪،‬‬ ‫باعتباره المكان الأول لبدايات الأ�شكال‬ ‫المتجددة‪.‬‬ ‫يقول الأديب والباحث اللبناني �شربل‬ ‫داغ��ر في �سياق تقديمه لكتاب �إ�سماعيل‬ ‫الرفاعي (عند منعطف النهر) الذي يت�ضمن‬ ‫دفتر الطفل‪ ،‬ودفتر الر�سام‪( :‬الجل�سة عينها‪:‬‬ ‫جل�سة الفنان �إلى دفتره‪ .‬القلم عينه‪ :‬يكتب‬ ‫مرة‪ ،‬وير�سم مرة �أخرى‪ ،‬في الدفتر نف�سه‪.‬‬ ‫الورقة عينها‪ :‬ينبثق من بيا�ضها‪ ،‬من‬ ‫غب�شها‪� ،‬شك ٌل لمكان مخفي‪ ،‬و�آخ� ُ�ر لمكان‬ ‫غائب؛ �شك ٌل لوجه خفيف المالمح �أو غائر‬ ‫في العتمة‪.‬‬ ‫الإلحاح عينه‪ :‬مرة بخط الكلمة‪ ،‬ومرة‬ ‫بخط الر�سم‪ .‬الم�سافة عينها‪ ،‬وال�شغف عينه‪،‬‬ ‫ما يجعل ف�ضاء الدفتر غا�ص ًا بذكريات‪،‬‬ ‫و�أط��ي��اف‪ ،‬ووج���وه‪ ،‬و�أج�����س��اد‪ ،‬و�أ���س��م��اء‪،‬‬ ‫و�أ�شكال تخرج من ال�سواد �إلى ف�ضاء العين‪.‬‬ ‫كما لو �أن الفنان ي�ستطيع ا�ستح�ضار‬ ‫ما اندثر في مهاوي ال��ذاك��رة‪ ،‬كما لو �أن‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫ب�سط ح��ي� ٍ‬ ‫كافية‬ ‫�اة‬ ‫الكلمات تقوى على‬ ‫لأ�شباح خرجت من عتمة الألفاظ �إلى حياة‬ ‫الح�ضور‪.‬‬

‫ت�شكيل‬ ‫دفترين‪،‬‬ ‫ما �أقدم عليه �إ�سماعيل الرفاعي‪ ،‬في َ‬ ‫ي�شبه ورقة ب�صفح َتين‪ ،‬من دون �أن تكون الواحدة‬ ‫منهما �أول��ى‪ ،‬والأخ ��رى ثانية‪ .‬ورق��ة من دون‬ ‫�أن يكون لها وج ٌه وقفا‪ .‬ورقة �شفافة‪ ،‬تتبادل‬ ‫العالقات في ما بينها‪.‬‬ ‫(مو�ضوعه)‪� ،‬إذا‬ ‫غر�ضه‪� ،‬شاغلُه‪،‬‬ ‫لكل دفت ٍر‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫جاز القول‪� ،‬أي نقطة االبتداء فيه‪ .‬هذا ما ير�سم‬ ‫خياراً افتتاحي ًا للفنان الذي له يدان‪ :‬تتبادالن‬ ‫التعبير بين دفقة �شعرية ودفقة فنية‪.‬‬ ‫يده المم�سكة بالقلم‪ ،‬لكنها ت�ستعذب‬ ‫لك ّل دفت ٍر ُ‬ ‫ما تراه فتحفظ هيئ َته‪� ،‬أو ت�ستخرجه من عتمة‬ ‫الذاكرة فنراه يطفو فوق موج الكالم)‪.‬‬ ‫وف��ي �إط���ار اه��ت��م��ام الأدب����اء والمثقفين‬ ‫بالكتاب يقول �إ�سماعيل الرفاعي‪ :‬من �أجمل ما‬ ‫و�صلني من تعليق حول كتابي « عند منعطف‬ ‫النهر» الر�سالة الرائعة التي تلقيتها من الكاتب‬ ‫والم�سرحي الدكتور يو�سف عيدابي‪« :‬عند منعطف‬ ‫النهر» �أيقونة من روح الفنان خرجت من طفولة‬ ‫�إلى ر�شد يطال ال�شعر‪/‬الر�سم في توا�شج ذاكرة‬ ‫من حنين و�شجن‪� .‬أحببت ال�سفر المليء في دثار‬ ‫الال لون والغبار ‪ .‬لك الود الذي يليق بك»‪.‬‬ ‫وح��ول مزجه بين ال��ل��وح��ات والن�صو�ص‬ ‫الب�صرية‪��� ،‬ص��رح ال��رف��اع��ي ف��ي �أح ��د لقاءاته‬ ‫ال�صحافية فنجده يقول‪� :‬أعتقد � ّأن حال الر�سم‬ ‫أتحيز لأحدهما‬ ‫هو ذاته حال الكتابة‪ ،‬ف�أنا لم � ّ‬ ‫أف�ضل �أحدهما على الآخر‪ ،‬ولم �أختر‬ ‫مطلق ًا‪ ،‬ولم � ّ‬ ‫لمرة واحدة ب�شكل م�سبق ما ينبغي �أن �أتناوله في‬ ‫هذا �أو ذاك‪ .‬وربما �أ�ستطيع القول �إنهما متكامالن‬ ‫أعو�ض بالكتابة‬ ‫تمام ًا‪ .‬قد يحدث �أحيان ًا �أن � ّ‬ ‫أعو�ض بالر�سم ما‬ ‫ما عجزت عنه في الر�سم‪� ،‬أو � ّ‬ ‫عجزت عنه بالكتابة‪ .‬لكن حقيقة الأمر �أن لكل‬ ‫منهما �سبيله ونكهته الخا�صة‬ ‫و�أخيراً ا�ستطعت �أن �أمزج بينهما في م�شروع‬ ‫واحد �أ�سفر عن ثالث مخطوطات‪ ،‬هي‪( :‬الطفل‬ ‫عند منعطف النهر)‪ ،‬و(دفتر الر�سام)‪ ،‬و(الدائرة‬ ‫المغلقة)‪ ،‬وه��ذا الم�شروع عبارة عن مزج بين‬ ‫الب�صري وال�سردي في تلك المخطوطات‪ ،‬حيث‬ ‫عمدت �إلى تدوين كتبي بخط يدي‪ ،‬م�ستخدم ًا‬ ‫ُ‬ ‫الأحبار الطبيعية وري�شة المعدن‪.‬‬ ‫وحري بنا �أن ننوه ب�أن الرفاعي ا�ستحدث‬

‫�شربل داغر‬

‫خط ًا عربي ًا خا�ص ًا به للكاتبة‪ ،‬حيث يمازج الخط‬ ‫ما بين الكتابة والر�سم في �آن‪ ،‬حتى �صار يعرف‬ ‫هذا الخط الم�ستخدم في كتابته بالخط الرفاعي‬ ‫ن�سبة �إلى �صاحبنا‪.‬‬ ‫ون�ست�شهد هنا بمقطع من �أح��د الن�صو�ص‬ ‫التي وردت في الكتاب‪ ،‬حيث يقول �إ�سماعيل‬ ‫الرفاعي‪ :‬لل�سماء �أجنحة تخفق بها هذا الم�ساء‬ ‫‪ ..‬وللأر�ض �أي�ض ًا‪ .‬وعلى كتف �أمي حين ترتحل‬ ‫يهب من تلقاء نف�سه‪ ..‬كي ت�ستدل على‬ ‫كن�سيم ُّ‬ ‫نف�سها في خطوط راحتيها‪� ،‬أن تفرد لك الملكوت‬ ‫على ات�ساعه‪ ،‬وتومئ لك بطيورٍ تتهادى بزغب‬ ‫تحف بك و�أنت ت�سبر‬ ‫الك�شف‪ ..‬و�أي�ض ًا بمالئكة‬ ‫ُّ‬ ‫العتمة بعينين مغم�ضتين‪ ،‬وقلب يتلم�س �ضوء‬ ‫أرت���ك م��ا �أع��دت��ه ل��ك في‬ ‫عينيها‪ ..‬حتى �إن��ه��ا � َ‬ ‫غيابها وغيابك‪ ،‬و�أرتك ما �أعدته لك في غفلتك‬ ‫وارتقابك‪..‬‬ ‫�إلى �أن يختتم الرفاعي بقوله ( �ألم تكن يا ولد‬ ‫النهر‪ ..‬على �ضفاف النهر‪� ..‬أينما كنت)‪.‬‬ ‫وي�شار �إل��ى �أن الفنان الت�شكيلي والكاتب‬ ‫ال�سوري �إ�سماعيل الرفاعي‪ ،‬من مواليد (‪1967‬م)‬ ‫بمدينة الميادين ب��دي��ر ال���زور‪ .‬حا�صل على‬ ‫بكالوريو�س فنون جميلة‪ ،‬جامعة دم�شق‪.‬‬ ‫ع�ضو نقابة الفنون الجميلة ب�سوريا‪ ،‬وع�ضو‬ ‫جمعية الإمارات للفنون الت�شكيلية‪.‬‬ ‫تت�ضمن م�شاركاته العديد من المعار�ض‬ ‫الفردية والجماعية عربي ًا ودولي ًا‪� ،‬إلى جانب‬ ‫م�شاركاته ف��ي البيناليهات وال��ت��ظ��اه��رات‬ ‫الدولية‪ .‬نال الرفاعي العديد من الجوائز الفنية‬ ‫والأدبية‪ ،‬مثل جائزة دبي الثقافية (‪2015‬م)‪.‬‬ ‫الجائزة الأولى في المعر�ض ال�سنوي لجمعية‬ ‫الإم ��ارات للفنون الت�شكيلية عام (‪2013‬م)‪.‬‬ ‫ج��ائ��زة ال�شارقة ل�ل�إب��داع العربي ع��ن رواي��ة‬ ‫(�أدراج الطين) عام (‪2006‬م)‪ .‬جائزة نقيب‬ ‫الفنون الجميلة ‪� -‬سوريا عام (‪2002‬م)‪� .‬أ�صدر‬ ‫مجموعة �شعرية بعنوان «وعد على �شفة مغلقة»‬ ‫عام (‪2002‬م)‪.‬‬

‫من �أعماله‬

‫ا�ستحدث خط ًا عربي ًا‬ ‫خا�ص ًا به ‪ ..‬يمازج‬ ‫فيه بين الكتابة‬ ‫والر�سم وقد عرف‬ ‫با�سمه‬

‫د‪ .‬يو�سف عيدابي‬

‫غالف الكتاب‬ ‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪123‬‬

‫مقاالت‬

‫نجوى المغربي‬

‫ال م�شهد بغير �صورة ملونة �أو متحركة‪،‬‬ ‫فماذا لو �صار ال�سياق تمازج ًا واقع ًا بين‬ ‫الإح�سا�س الب�صري وال�صورة اللونية‪ .‬بين‬ ‫تطوير الفكرة وان�سجام ال��خ��ام��ات يت�سع‬ ‫ال�سطح لم�ضمون عالقة متجان�سة بين الكل‬ ‫ال��ق��ادر على المواجهة المجدد والمكت�شف‬ ‫طالما احتوته لوحة �أو مج�سم‪ ،‬ت�ست�أثر به‬ ‫لغة الخامة فت�صبح هدف ًا قبل ال�شكل‪ ،‬وقد‬ ‫ت�ستر�سل فتخرج على نف�سها �أو ت�ؤمن انك�ساراً‬ ‫عن المعتاد والم�ألوف لتخبرك بتفردها‪ ،‬عك�س‬ ‫كثير من الحقائق الملونة التي تظل مظلمة‬ ‫�أو ما عك�سه دافيد عن نابليون (المحاكاة)‬ ‫واعتبر ذخيرة ك�أعمال �أنجلو �سليلة نظريات‬ ‫الثراء وال�ضوء و�أحداث �أ�سقف الكاتدرائيات‬ ‫�أو م��رور الفاتحين و�إب��ح��ار ق��وارب دانتي‪،‬‬ ‫�إن اعتالء بع�ض المعالجات �ساحة اللوحة‬ ‫ال يعني تجردها م��ن خ�صائ�ص ع�صرها‬ ‫ورمزية مدر�ستها مثل كوربيه‪ ،‬ال��ذي ي�ؤكد‬ ‫ق�ضيته ولو اعتماداً على الإث��ارة الوجدانية‬ ‫والعقل المجتمعي‪ ،‬وح��ي��ن تعتمد اللوحة‬ ‫على النبوءات عليها �أن تلتزم الحياد‪ ،‬وال‬ ‫تفر�ض مغازلة عالم ما‪ ،‬ولعل مورو و�شاجال‬ ‫و�سي�سلي قد ق�سموا ما بينهم من �سماء و�أر�ض‬ ‫بدت بتجلياتهم المتوا�ضعة �إنجازات لتحديد‬ ‫‪124‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫المزج الت�صوري‬ ‫للت�شكيل‬

‫�أهم طرائق االن�سجام اللوني والحرفي؛ فذهب‬ ‫التكثيف وظل الالمرئي المنبثق من الخيال‬ ‫ال��م��رئ��ي‪ ،‬وه��و م��ا م��ال �إل��ي��ه بيكا�سو حين‬ ‫حرر المادة و�صو ًال �إلى براك الذي �أفرط في‬ ‫تجزئتها؛ فعند بيكا�سو حا�ضر يعود ب�آلة‪،‬‬ ‫وعند ب��راك ودو�شامب �آالت متعددة تثبت‬ ‫وجودها وم�ستقبلها‪ .‬تعمل عنا�صر الر�سمة‬ ‫في اللوحة بجد وتدبر لتفوز بمراحل النقد‬ ‫الأعلى‪ ،‬ففي �أرن�ست وماجريت وفراند دالي‪،‬‬ ‫تبتعد العنا�صر عن العقل والمبا�شرة‪ ،‬وتتجز�أ‬ ‫�أم ًال في م�ستقبل خيال الرائي المنوط بوعيه‪،‬‬ ‫وهو في ذاته تنوير يوازي الحداثة مجرد وغير‬ ‫منقو�ص وغير عابئ كذلك بالت�أليف بين‬ ‫�إدارة العنا�صر؛ فاللوحة المن�سجمة من قبيل‬ ‫الر�سم للعوام‪ ،‬و�إذا ما كان هناك �شكل ملمو�س‬ ‫بين الب�صر واللوحة‪ ،‬فليكن تكوين ًا‪ ،‬من كتل‬ ‫وقيم ومنهاج ال ي�سل�سل الم�شاهد والمتتبع‪،‬‬ ‫ولعل ذل��ك هو ما يعطي تو�صيف ًا مختلط ًا‬ ‫ومختلف ًا بين عنا�صر المجتمع ال��واح��د‪.‬‬ ‫في هذه الفترة ال بد �أن تقلد اللوحة �سلوك‬ ‫متلقيها‪ ،‬فكراً و�إبداع ًا �إ�ستاتيكي ًا‪ ،‬لمبدع ير�سم‬ ‫لنف�سه حالة خا�صة وخال�صة‪ ،‬تقول بع�ض‬ ‫المج�سمات ال�ساخرة �إن دالالت وطيدة تن�ش�أ‬ ‫بين مكوناتها‪ ،‬والفنان طوال قيامه بالعمل‬

‫�أعمال مايكل �أنجلو‬ ‫�سليلة نظريات الثراء‬ ‫وال�ضوء و�أحداث‬ ‫مرور الفاتحين‬

‫بيكا�سو مال �إلى‬ ‫تحرير المادة وبراك‬ ‫�أفرط في تجزئتها‬

‫مقاربات‬

‫يكون طرفيها؛ الر�ؤية والت�صور‪ ،‬وهو خطاب‬ ‫عين وعقل‪ ،‬ي�صل فيه ال�صانع �أو قد ي�صل‬ ‫�إلى �أنه ال �صورة‪ ،‬و�أنه يحتفي فقط ب�إ�سقاطه‬ ‫ال��وج��دان��ي‪ ،‬وكلها م�ضامين و�أط��روح��ات‬ ‫ظاهراتية يحتفي بها �أي�ض ًا العمل والرائي‪،‬‬ ‫وت��ق��دم م�ساهمة كبيرة ف��ي �إب�ستمولوجيا‬ ‫الم�ضامين وال������دالالت‪ ،‬وك��م��ا �أن هناك‬ ‫مجموعات متطابقة في النوع والخط كامر�أة‬ ‫ال��ق��رط و�أ���ص��ح��اب ط ��اوالت ال ��ورق ومداخل‬ ‫زن��اب��ق ال��م��اء و�أ���ش��ك��ال ال��ح��روب والطغيان‬ ‫وم�شاهد المقد�سات وغيرها من المراحل‬ ‫الزرقاء والخيبات عند الفنانين جلهم‪ ،‬تظل‬ ‫كل منها تدين بهدفها �إلى �صاحبها الفنان‬ ‫ال��ذي ق�صد التوظيف الخا�ص المختزل في‬ ‫ذات ال�شكل‪ ،‬وه��ي ات�صال في مقامها قبل‬ ‫الأول بالأ�شياء المجردة‪ ،‬فيما يظهر و�سط‬ ‫المنجز �أو على �أط��راف��ه وي�ستقطبه البع�ض‬ ‫للبدء �أو تعميق الهدف وربما حوار اللوحة‬ ‫�أو المج�سم‪ ،‬وهو عند بي�سارو ما ي�ساوم به‬ ‫المذاهب من ُ�سقف و�أنهار‪� ،‬شروق االنطباعية‬ ‫ومن خالل التكوينات ال�صريحة والحركات‬ ‫الفورية التي تنا�صب الأ�شكال غير الأ�صلية‬ ‫كل �صور العداء‪ ،‬وهو البدء من خالل خلق‬ ‫فو�ضى (تخلخل) الر�ؤية قبل الن�ص وحدث‬ ‫اللوحة الأم��ر الذي يدعو النقاد �إلى التقاط‬ ‫ن�صف اللوحة فقط والتغا�ضي عن الن�صف‬ ‫الآخر الذي يرونه �شديد العري من الم�ضامين‬ ‫برغم رائحته ال�صاخبة‪ ،‬بينما المتلقون‬ ‫ما�ضون في االلتقاء مع قطع الذهب المتناثرة‬ ‫في ال�سماء هدية من �شم�س مونيه والماء‬ ‫المختلط من الأنهار بال�سحب يقذف بال�شم�س‬ ‫البرتقالية �إعالنا ب�شتاء باهت الألوان‪� ،‬أراده‬ ‫مونيه‪� ،‬أي�ض ًا ليزكي الحياة ويو�سع فنه قدر‬ ‫ات�ساع ت�أثيرها‪ ،‬ف�أنت حين تت�صور تبع ًا‬ ‫المتزاج �أحداث الت�ضاد في لوحتيه‪ ،‬تت�ساءل‬ ‫م��ا ال��ذي يجعل ال��دفء واللمعان �شريكين‬ ‫بينهما تتقاذفهما ال�شم�س مرة ببرتقاليتها‬ ‫و�أخرى بت�أثيرها الذهبي المتناثر قطع ًا كبيرة‬ ‫تملأ العين وال�صدر ن�شوة للتنزه فيها‪ ،‬ثم في‬

‫الحياة والطبيعة وال�صدق الذي كان يرافق‬ ‫ال�صانع حين ر�سم‪ ،‬يعد المزج الت�صوري في‬ ‫المجمل اكت�شاف حالة جنين �أنت تحبو خلفه‪،‬‬ ‫فحدود الهدف تبدو كال�سهم �صدق ًا والبقع‬ ‫المتلألئة تنفق ما في و�سعها لتع�شق اللون‪،‬‬ ‫فال �أنبوب للون وبالتالي ال نهاية له‪ ،‬ولعلها‬ ‫من قبيل فيزياء التعدين التي ملك �آبارها‬ ‫ب��راك وبيكا�سو كبنائية لآم��ال عري�ضة في‬ ‫اكت�شاف الفن للحياة كما وعد جري�س‪� ،‬إن‬ ‫وعي �شاجال المبكر في �إب��راز �أزرق الآالم‬ ‫�إلى الأعلى مع جاراته مما ي�سكن خلفه من‬ ‫الأل��وان في متجاور الزجاجيات المع�شقة‪،‬‬ ‫من خ�لال م�سد�سات ومثمنات عالية تبدو‬ ‫قلقة برغم بهائها و�ضوئها �شديد اللمعان‪،‬‬ ‫ما يعك�س �سيمفونية الكفاح ون��درة الأم��ل‪،‬‬ ‫وهو عمل ن�صفه ال�صورة والعين الأخرى على‬ ‫الأ�سطورة وقديم الكتب (قباب الزجاج المعلق‬ ‫في الكاتدرائية) نموذج ًا‪ ،‬وتعد مراعاة الفنان‬ ‫للر�ؤية الب�صرية وما يترتب على تف�صيالت‬ ‫اللون وال�ضوء ك�شروق ال�شم�س و�صو ًال �إلى‬ ‫الحزمة ال�ضوئية كاملة حالة من الم�سافات‬ ‫ال يجب �إال �أن تكون حالة خ��داع ب�صري‪،‬‬ ‫وعليها �أن تظل في خانة الكيانات المذبذبة‬ ‫لينك�شف التباين‪ ،‬وت�سهل �إع ��ادة الفح�ص‬ ‫عند �إعادة التماثل الب�صري مرة �أخرى‪ ،‬وقد‬ ‫ُعد بي�سارو ومونيه قبل غيرهما ممن قادا‬ ‫ذلك‪ ،‬خالف ًا لعين مونيه الأولى وفي المقدمة‬ ‫تعطي الظواهر قيمة للم�ضمون و�سر البهجة‬ ‫�إذا ما كانت الخبرة الب�صرية �أكثر تجرداً‬ ‫و�إخال�ص ًا تك�شف عن هذا م�شروعات ديجا‬ ‫ومونيه و�سيزان الحيوية البالغة حد الكمال‬ ‫في انفعالها المتناغم الم�سيطر عليه التوازن‪،‬‬ ‫بين غطاء المائدة الأبي�ض رقعة الحياة‬ ‫ال�صامتة وا�ستقبال �أ�شعة ال�شم�س التي تعطي‬ ‫الفر�صة الف�سيحة للتحرر من الثلج‪ ،‬برغم بقاء‬ ‫الأبي�ض وجعله فقط م�شع ًا بعيداً عن �أبناء‬ ‫مدر�سة الرفاهية‪ ،‬التي تفتح �أبوابها للأ�صباغ‬ ‫وامتطاء الكرا�سي دون اهتزاز ب�صري بال�شكل‬ ‫الأخر‪.‬‬

‫دالالت وطيدة‬ ‫تن�ش�أ بين مكونات‬ ‫المج�سمات ال�ساخرة‬ ‫طوال قيامه بالعمل‬

‫يعد المزج الت�صوري‬ ‫في المجمل اكت�شاف‬ ‫حالة جنين نحبو‬ ‫خلفها‬

‫�سيمفونية الكفاح‬ ‫وندرة الأمل هي‬ ‫عمل ن�صفه ال�صورة‬ ‫والعين الأخرى على‬ ‫الأ�سطورة‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪125‬‬

‫�سعد اهلل‬ ‫ونــــــو�س‬

‫والــمـــ�ســــرح‬ ‫الـتـجــريــبـي‬ ‫فـي �ســـوريـــا‬

‫يعتبر الم�سرح ال�سوري �أحد الروافد المهمة في التنوير‪،‬‬ ‫فالم�سرح العربي م�سرح غني بالم�ؤلفين والمخرجين‬ ‫والممثلين وذائقة الجمهور العالية‪ ،‬ومن هذا الم�سرح‬ ‫خرجت تيارات جديدة مثل م�سرح (ال�شوك)‪ ،‬الذي ظهر‬ ‫بعد النك�سة وال��ذي ق��اده ع�لاء الدين كوك�ش المخرج‬ ‫ال�سيد حافظ‬ ‫ال�سوري‪ ،‬وكان هذا الم�سرح بمثابة انفجار وتغيير نوعيين‬ ‫في ذائقة الم�سرح العربي‪ ،‬و�إ�ضافة �إليه في النوعية وفي الكيف‪ ،‬ولذلك‬ ‫يعتبر الم�سرح ال�سوري غني ًا بريادته في كثير من االتجاهات الم�سرحية‪.‬‬ ‫و�أي�����ض � ًا ظهر محمد ال��م��اغ��وط الأدي���ب‬ ‫وال�شاعر ال�سوري الذي قاد الم�سرح ال�سيا�سي‬ ‫ال�ساخر �أي�ض ًا مع دري��د لحام‪ ،‬وقدما ثنائي ًا‬ ‫رائع ًا في م�سرحيات عدة منها (كا�سك يا وطن)‪،‬‬ ‫و(�شقائق النعمان)‪ ،‬وظل محمد الماغوط ودريد‬ ‫لحام في ريادة الم�سرح الكوميدي ال�سيا�سي‬ ‫ال�ساخر‪.‬‬ ‫الم�سرح ال�سوري على الجانب الآخر في‬ ‫الم�سرح التجريبي ظهر فيه مخرج مهم جداً‬ ‫قاد حملة تنوير �شديدة وتطوير جديدة‪ ،‬هو‬ ‫فواز ال�ساجر رفيق الدرب ل�سعد اهلل ونو�س في‬ ‫ت�أ�سي�س الم�سرح التجريبي‪ ،‬فهو الذي قدم لنا‬ ‫�سعداهلل ونو�س ال��ذي لمع ا�سمه ب�شكل الفت‬ ‫على ال�ساحتين؛ المحلية ال�سورية‪ ،‬والعربية‬

‫‪126‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫بم�سرحيته ال�شهيرة (حفلة �سمر م��ن �أج��ل‬ ‫يحمل‬ ‫‪ 5‬حزيران)‪ ،‬التي حاول فيها ونو�س �أن ّ‬ ‫الأنظمة الفا�سدة الم�س�ؤولية عن الهزيمة‪ ،‬و�إن‬ ‫كانت الم�سرحية لي�ست من �أهم م�سرحياته‪،‬‬ ‫ولكنها كانت �صرخة �شديدة القوة و�شديدة‬ ‫الغ�ضب؛ فالتقطها النقاد في م�صر‪ ،‬وظلت‬ ‫الكتابات عنها تنهال في مجلة (�أدب ونقد)‪،‬‬ ‫وجريدة (الأهالي) وال�صحف النا�صرية �أي�ض ًا‪،‬‬ ‫ولمع ا�سم �سعداهلل ون��و���س‪ ،‬واح��ت��ل مكانة‬ ‫كبيرة‪ ،‬وظلت �أعماله تتوالى بعد ذلك مثل‬ ‫(رحلة حنظلة) وغيرها من الم�سرحيات‪.‬‬ ‫وحتى �آخر رمق في حياة �سعداهلل ونو�س وهو‬ ‫ينازع الموت‪ ،‬كان يكتب م�سرحياته العظيمة‬ ‫التي قدمها للم�سرحين؛ العربي وال�سوري‪.‬‬

‫لكن‪ ،‬ت��رى ه��ل ك��ان هناك م��ن ه��و مهم‬ ‫مثل �سعداهلل ونو�س �أو يوازيه �أو يعلو عليه؟‬ ‫نعم ك��ان��ت ه��ن��اك م��واه��ب‪ ،‬فقد ك��ان هناك‬ ‫الكاتب وال�شاعر الكبير ممدوح ع��دوان الذي‬ ‫يعد واحداً من الأدباء ال�سوريين الأكثر غزارة‬ ‫في الإنتاج الأدب��ي‪ ،‬حيث قام بت�أليف قرابة‬ ‫‪ 26‬ن�ص ًا م�سرحي ًا كان من �أهمها‪ :‬م�سرحية‬ ‫(محاكمة الرجل الذي لم يحارب)‪ ،‬بينما بلغ‬ ‫ع��دد الم�سل�سالت التي �أل��ف م��م��دوح ع��دوان‬ ‫ن�صو�صها ونال العديد منها �شهرة كبيرة نحو‬

‫عبدالفتاح روا�س قلعه جي‬

‫ممدوح عدوان‬

‫فواز ال�ساجر‬

‫فرحان بلبل‬

‫�أبو الفنون‬

‫عمل وكان من �أبرزها‪ :‬م�سل�سل (دائرة النار)‬ ‫‪ً 18‬‬ ‫عام (‪1988‬م)‪.‬‬ ‫وكذلك الكاتب الكبير فرحان بلبل الذي �أ�سهم‬ ‫في ت�أ�سي�س (فرقة الم�سرح العمالي)‪ ،‬والكاتب‬ ‫وال�شاعر الكبير عبدالفتاح روا���س قلعه جي‪،‬‬ ‫ومن �أ�شهر �أعماله الم�سرحية (ثالث �صرخات)‪،‬‬ ‫و(هبوط تيمورلنك)‪.‬‬

‫ول��م يكن �سعد اهلل ون��و���س رم���زاً للم�سرح‬ ‫ال�����س��وري ف��ق��ط‪ ،‬ول��ك��ن��ه ك��رم��ز ق��د ه��ز كيانات‬ ‫كثيرة‪ ،‬وظلم مبدعين �آخرين مثل فرحان بلبل‬ ‫وعبدالفتاح روا���س قلعه جي وم��م��دوح ع��دوان‪.‬‬ ‫لذلك فقد كان هناك �ضحايا ل�سعداهلل ونو�س‪،‬‬ ‫حتى محمد الماغوط لم ي�سلم من ذلك‪ ،‬وظهرت‬ ‫م�سرحيته (المهرج )‪ ،‬و(كا�سك يا وطن)‪ ،‬ولم يح�سب‬ ‫ح�سابه على الم�سرح‪ ،‬بل ح�سبوه على ال�شاعر‬ ‫والتجديد في ال�شعر‪ ،‬فالماغوط �شاعر عالمي‬ ‫النزعة والر�ؤى ولكن �إ�صرار النقاد في م�صر على‬ ‫�أن يكون �سعد اهلل ونو�س رمز الم�سرح ال�سوري‪ ،‬هذا‬ ‫الإ�صرار جعل من الكتاب الأربعة �ضحايا‪ ،‬ولذلك‬ ‫فال بد �أن تعاد كتابة التاريخ م��رة �أخ��رى و�أن‬ ‫ين�صف ه�ؤالء الكتاب‪.‬‬ ‫فقد مات ورحل عنا ممدوح ع��دوان‪ ،‬ولكنه‬ ‫�سيظل على ال�ساحة‪ ،‬ويوجد �أي�ض ًا فار�س �آخر هو‬ ‫فرحان بلبل‪ ،‬وكذلك وعبدالفتاح روا�س قلعه جي‪.‬‬ ‫نحن نحتاج �إلى �إعادة النظر في �إنتاج ه�ؤالء‬ ‫الكتاب الكبار‪ ،‬وتقديمها �إلى الم�سرح العربي؛ لأن‬ ‫الم�سرح ال�سوري لن يتوقف‪ ..‬وكفانا ن�صنع �ضحايا‬ ‫مثل ما فعلنا بتقديم يو�سف �إدري�س في الق�صة‬ ‫الق�صيرة‪ ،‬و�ضحينا بجيل كامل من المبدعين في‬ ‫الق�صة في م�صر‪.‬‬

‫حدث تغيير نوعي‬ ‫في ذائقة الم�سرح‬ ‫العربي تمخ�ض عن‬ ‫الم�سرح التجريبي‬

‫برزت �أ�سماء ت�ألقت‬ ‫في عالم الم�سرح‬ ‫ال�سوري منها ممدوح‬ ‫عدوان والماغوط‬ ‫وفرحان بلبل‬ ‫وقلعه جي‬

‫من �أعماله الم�سرحية‬ ‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪127‬‬

‫مقاالت‬

‫�سيد الوكيل‬

‫ور�أب ال�صدع بين الناقد والمبدع‬ ‫م�صطفى عبداهلل‬

‫ال ينكر الكاتب والناقد الم�صري �سيد الوكيل‬ ‫�أن من بين م�ستهدفاته في �أحدث كتبه (ال�سرد‬ ‫و�أ�سراره)‪ ،‬ال�صادر حديث ًا في القاهرة عن (دار ميتا‬ ‫بوك للن�شر)‪� ،‬أن يكون محاولة لر�أب ال�صدع بين‬ ‫الناقد والمبدع‪ ،‬بعد �أن �أ�صبح كل منهما يتحرك‬ ‫في م�سار مفارق للآخر‪ ،‬بما يجعل الأدب في‬ ‫خطر؛ فالخطاب النقدي في �صيغته الأكاديمية �أو‬ ‫المهنية ال ي�ضمن الحفاظ على المتعة الجمالية‬ ‫وال�شعورية التي يراهن عليها الن�ص الأدب��ي‪،‬‬ ‫عندما ينقله من ف�ضاء تخيلي ف�ضفا�ض �إلى �آخر‬ ‫عقالني ملتزم بمرجعيات نظرية‪.‬‬ ‫ويقر الوكيل ب�أن النقد ال�صحافي مهني هو‬ ‫الآخر بال�ضرورة‪ ،‬ي�ستهدف الإع�لام والإخبار‪،‬‬ ‫وربما الدعاية �أكثر مما ي�ستهدف الإبداع نف�سه؛‬ ‫ولهذا فثمة �ضرورة لإنتاج خطاب نقدي يتجاور‬ ‫بينهما‪ ،‬ويتجاوز الطبيعة المهنية لهما‪ ،‬لت�صبح‬ ‫الر�ؤية النقدية بمثابة ن�ص م��وازٍ ‪ ،‬يتفاعل مع‬ ‫لا في �أن يحظى كل منهما‬ ‫الن�ص الأ�صلي �أم� ً‬ ‫وثراء‪.‬‬ ‫ا‬ ‫ات�ساع‬ ‫بف�ضاء داللي �أكثر‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ويت�ساءل �سيد الوكيل‪ :‬كيف ي�صبح التناول‬ ‫النقدي لعمل ما‪ ،‬رحلة معرفية ممتعة للقارئ‬ ‫غير المتخ�ص�ص؟ ويجيب ب�أن هذا كان �شاغله‬ ‫الأهم في رحلته مع النقد التي بد�أها مع كتابيه‪:‬‬ ‫(�أف�ضية ال��ذات)‪2006( ،‬م) الذي يعد قراءة في‬ ‫اتجاهات ال�سرد الق�ص�صي‪ ،‬ثم كتابه (مقامات‬ ‫في ح�ضرة المحترم)‪ ،‬الذي ا�ستهدف تقديم ر�ؤية‬ ‫جديدة لنجيب محفوظ‪.‬‬ ‫ومن خالل كتابه الأحدث هذا �أمكنه الجمع‬ ‫بين دفتيه بين كل من الناقد والمبدع‪ ،‬ليتنقل‬ ‫بي�سر بين ف�ضاءات معرفية وجمالية مختلفة‪.‬‬ ‫ي�ضم الكتاب ر�ؤى نقدية لع�شرة من الكتاب‬

‫‪128‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫هم على الترتيب‪� :‬إبراهيم �أ�صالن‪� ،‬أمين ريان‪،‬‬ ‫بهاء طاهر‪ ،‬خيري عبدالجواد‪� ،‬سعيد الكفراوي‪،‬‬ ‫�سيد البحراوي‪� ،‬صبري مو�سى‪ ،‬محمد المخزنجي‪،‬‬ ‫محمد م�ستجاب‪ ،‬ثم �صوفي عبداهلل‪.‬‬ ‫وي�صارح الوكيل ق��راءه ب�أنه اختار ه�ؤالء‬ ‫الع�شرة بالإن�صات �إل��ى حد�س داخلي فح�سب؛‬ ‫فاالختيار ال ي�شير �إلى معيارية م�سبقة‪ ،‬بقدر‬ ‫ما كان رغبة منه ال�ستك�شاف م�ساحات التنوع‬ ‫واالختالف بين تجربة كل منهم‪ ،‬حتى لو تقاربت‬ ‫الم�سافات �أو تباينت على نحو ما‪.‬‬ ‫وت��ح��ت ع��ن��وان (�إب��راه��ي��م �أ���ص�لان بالغة‬ ‫ال�صمت)‪ ،‬يقول الوكيل‪� :‬إن كثيراً من نقاد �أ�صالن‬ ‫التفتوا �إلى ح�ضور المكان على نحو متميز في‬ ‫�أعماله‪ ،‬فلفتوا االنتباه �إليه بو�صفه دا ًال جمالي ًا‬ ‫على الهام�ش االجتماعي‪ ،‬الذي ي�صور الأحياء‬ ‫ال�شعبية الموزعة على جوانب القاهرة‪ ،‬وهي‬ ‫بطبيعتها مجتمعات حديثة تعك�س نوعية ثقافية‬ ‫مختلفة عن �صورة الأحياء ال�شعبية التي نجدها‬ ‫عند نجيب محفوظ مث ًال‪.‬‬ ‫وقد ر�أينا هذا الح�ضور المكاني في رواية‬ ‫(مالك الحزين) على نحو وا�ضح‪ ،‬كما يظهر ذلك‬ ‫�أي�ض ًا في ق�ص�صه الق�صيرة‪ ،‬ولكن في �صورة‬ ‫ك��ادرات ب�صرية محدودة‪ ،‬وربما عابرة بحكم‬ ‫البناء ال�سردي‪ ،‬لكنها مع ذلك ذات خ�صو�صية‬ ‫كبيرة‪.‬‬ ‫ويرى الوكيل �أن هذا الأثر يت�شكل في وعي‬ ‫الكاتب ملتب�س ًا بخبراته الحية‪ ،‬وي�ستدعي هذا‬ ‫بال�ضرورة ‪� -‬أن الأمكنة ال تتج ّلى في �صورتها‬‫ال�سردية لحظة الكتابة بدون �أزمنتها‪.‬‬ ‫�أما �أمين ريان فيعطي الوكيل الف�صل الخا�ص‬ ‫به في الكتاب ه��ذا العنوان (ف��ار���س المدينة)‬

‫الخطاب النقدي في‬ ‫�صيغته الأكاديمية‬ ‫�أو المهنية ال ي�ضمن‬ ‫الح�صول على ال�شعور‬ ‫الجمالي‬

‫بدايـات‬

‫م�شيراً �إلى �أننا في كتابه (�أف�ضية الذات) �سنلم�س‬ ‫محاولة تن�صت لما وراء ال�سرد عند �أمين ريان‬ ‫في مجموعته المعنونة (ق�ص�ص من النجيلي)‪،‬‬ ‫وقد �أ�شار الوكيل �إلى �أهمية االلتفات �إلى �أمين‬ ‫ريان ككاتب لم ينل حقه من الرعاية النقدية‪ ،‬ال‬ ‫ل�شيء �إال لأنه قرر �أن ي�شق لنف�سه نهج ًا خا�ص ًا في‬ ‫ر�ؤية الواقع الم�صري‪ .‬غير �أن الم�شهد الأدبي كان‬ ‫يعاني هو�س ًا باتجاه وحيد ممث ًال في الواقعية‪،‬‬ ‫وما واكب ذلك من ق�ضايا ملزمة للمبدع‪ ،‬تغ�ض‬ ‫الطرف عن ف�ضاءات الت�شكيل الجمالي لم�صلحة‬ ‫الق�ضايا الكلية‪.‬‬ ‫ويذكر �سيد الوكيل �أن من الم�ؤ�سف �أال يلتفت‬ ‫�أحد �إلى تجربة �أمين ريان �إال بعد فوات الأوان‪،‬‬ ‫بل ومن الم�ضحك �أننا لم نمنحه جائزة الدولة‬ ‫الت�شجيعية �إال وهو على م�شارف ال�ستين من‬ ‫عمره!‬ ‫وي�سترجع الوكيل ذكرياته‪ ،‬فنعلم �أن �أولى‬ ‫زي��ارات��ه لأمين ري��ان في بيته كانت ب�صحبة‬ ‫الناقد الدكتور مجدي توفيق‪ .‬وفي ذلك الوقت‬ ‫كانا ُي��ع��دان لت�أ�سي�س (جماعة ن�صو�ص ‪)90‬‬ ‫الأدبية‪ ،‬ولهذا كانت الزيارة بمثابة دعوة �أمين‬ ‫ري��ان لين�ضم �إليها‪ ،‬وق��د كانت عالقة مجدي‬ ‫توفيق به قوية‪ ،‬فهو على ثقة من موافقة (عم‬ ‫�أمين) ليكون رمزاً للجماعة‪.‬‬ ‫وي��ع��ت��رف ال��وك��ي��ل ب ��أن��ه ل��م ي��ك��ن مرحب ًا‬ ‫بان�ضمام الكبار لجماعتهم الأدبية ال�شابة‪ ،‬لكن‬ ‫فيل�سوف الجماعة الدكتور رم�ضان ب�سطاوي�سي‬ ‫كان حري�ص ًا على تحريرها من �أي نزعة �أو �أي‬ ‫انحياز ل�شيء غير الأدب‪ .‬ولهذا التزم الوكيل‬ ‫ال�صمت في �ضيافة �أمين ريان‪ ،‬الذي ربما ف َّكر‬ ‫في �أن يحرره من �صمته فبادر بالكالم‪:‬‬ ‫ �أنت منين يا (�سيد بيه)؟‬‫ من (�شبرا)‪.‬‬‫كلمة (بيه) زادت من حر�ص الوكيل على‬ ‫التزام ال�صمت‪ ،‬بل وتوج�س ك�أي �شاب كونها كلمة‬ ‫تخرج من معجم قديم‪ .‬وك��ان وهو يت�أمله في‬ ‫منامة من قما�ش (الك�ستور) ال�شعبي يتذكر �أبيه؛‬ ‫فلكليهما قامة ق�صيرة وج�سد ممتلئ ومالمح‬ ‫طفل‪ ،‬ومع الوقت بد�أت �أع�صابه الم�شدودة تهد�أ‬ ‫حتى افترت �شفتاه عن ابت�سامة راحت تت�سع‪،‬‬ ‫و�أمين ريان يحكي له عن تاريخ �شبرا ما قبل‬ ‫والدة الوكيل في الخم�سينيات من القرن الفائت؛‬ ‫تركيبها ال�سكاني المتعدد من الفقراء النازحين‬ ‫من الدلتا و�أفنديات الطبقة الو�سطى من الأقباط‬

‫والم�سلمين واليهود‪ ،‬وجامع الخازندار وكني�سة‬ ‫�سانت ت��ري��زا ودي��ر ال��راع��ي ال�صالح‪ .‬و�سينما‬ ‫التحرير التي تجاور �سانت ت��ري��زا‪ ،‬وم�سارح‬ ‫ومقاهي رو���ض الفرج التي تحولت بعد ذلك‬ ‫�إلى �شارع عماد الدين‪ ،‬والعمارات التي بناها‬ ‫الأرمن والطليان‪ .‬وق�صر �سعيد با�شا الذي تحول‬ ‫�إلى مدر�سة التوفيقية‪ ،‬والق�صور ال�صغيرة التي‬ ‫تناثرت حوله‪.‬‬ ‫�سكت لحظة وك�أنه يت�أمل �شيئ ًا بعيداً ثم‬ ‫وا���ص��ل‪ :‬تعرف يا �سيد بيه‪� ..‬أ�سماء ال�شوارع‬ ‫والميادين في �شبرا تاريخ محتاج نذاكره‪..‬‬ ‫ويعلق �سيد الوكيل‪ :‬في جل�سة واحدة �شاهدت‬ ‫ت��اري��خ �شبرا‪ ،‬وات�ضح ل��ي ه��ي��ام �أم��ي��ن ري��ان‬ ‫بالمدينة‪.‬‬ ‫ولد �أمين ريان في حي رو�ض الفرج عام‬ ‫( ‪1925‬م)‪ ،‬و�شاهد في طفولته بقايا التاريخ‬ ‫الفني لهذا الحي المطل على النيل‪ ،‬والذي يوحي‬ ‫ا�سمه برو�ضة يذهب �إليها النا�س للترويح عن‬ ‫�أنف�سهم قبل �أن يتحول رواده �إلى �شارع عماد‬ ‫الدين‪.‬‬ ‫منذ قرر والي م�صر محمد علي بناء القناطر‬ ‫(�شبرا) ُمدخ ًال‬ ‫الخيرية‪ ،‬حرِ�ص على �أن تكون ُ‬ ‫ح�ضاري ًا لدلتا م�صر‪ ،‬وعلى م�سافة مقدرة من‬ ‫القاهرة القديمة حتى تتمكن من ت�شكيل هويتها‬ ‫على نحو مميز‪ .‬لكن الأم��ر له بعد ا�ستراتيجي‬ ‫لرجل ع�سكري ر�أي �أن ع�صر الح�صون والقالع قد‬ ‫انتهى‪ ،‬فلي�س �أف�ضل من العمران لتحمي دولتك‬ ‫من هجمات غير مح�سوبة من فلول المماليك‬ ‫وقطاع الطرق‪.‬‬ ‫وي�صل الوكيل �إلى محطة بهاء طاهر التي‬ ‫عنوانها (الملتزم بالرفق)‪ ،‬وي�شير �إلى �أن �شواهد‬ ‫الرحلة وتجلياتها بين الت�صريح والتلميح كثيرة‬ ‫في تجربة بهاء طاهر‪ ،‬وك�أنما كانت هاج�سه‬ ‫ال�شخ�صي يراودها م��رات وم��رات‪ ،‬ويقر ب�أنها‬ ‫إيحاء بالداللة‬ ‫في ق�ص�صه الق�صيرة �أكثر دقة و� ً‬ ‫منها في روياته‪ ،‬ربما لدوافع التكثيف و�شعرية‬ ‫اللحظة‪ ،‬ف�ض ًال عن �سمة تميز البناء الق�ص�صي‬ ‫عن البناء الروائي؛ فب�ؤرة ال�سرد في الق�صة هي‬ ‫الق�صة نف�سها‪ ،‬كونها خلق ًا من حد�س اللحظة‪،‬‬ ‫بخالف البناء الروائي الف�ضفا�ض‪ ،‬الذي يحتاج‬ ‫�إلى ت�صميم م�سبق‪ ،‬قد يمر بانحرافات قلقة ت�ؤرق‬ ‫الذات ال�ساردة‪.‬‬ ‫وهكذا تم�ضي ف�صول هذا الكتاب الممتع‬ ‫الذي يدعونا للتوقف معه مرات ومرات‪.‬‬

‫الكتاب ي�ضم ر�ؤية‬ ‫نقدية لع�شرة من‬ ‫الكتاب وال ي�شير �إلى‬ ‫معيارية م�سبقة‬

‫نقاد �إبراهيم �أ�صالن‬ ‫التفتوا �إلى ح�ضور‬ ‫المكان على نحو‬ ‫متميز في �أعماله‬

‫�أمين ريان لم يلتفت‬ ‫�إليه النقاد �إال بعد‬ ‫فوات الأوان برغم‬ ‫�أهمية �إنتاجه‬

‫�شواهد الرحلة‬ ‫وتجلياتها بين‬ ‫الت�صريح والتلميح‬ ‫كثيرة في تجربة‬ ‫بهاء طاهر‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪129‬‬

‫الكوميديا ال�سوداء هي �أرق��ى �أن��واع‬ ‫الكوميديا‪ ،‬حيث تخفي ر�سائل مكتومة‬ ‫عبر �ضحكاتها الم�سموعة‪ ،‬مثلما حدث‬ ‫في فيلم (ال تنظر �إلى �أعلى ـ ‪Don›t‬‬ ‫‪ ،)Look Up‬ال��ذي �أراد �أن يخبرنا‬ ‫بر�سالة تلخ�ص كيف ُي��دار العالم‪.‬‬

‫�أ�سامة ع�سل‬

‫نجوم الفيلم دخلوا القائمة الق�صيرة لـ(الأو�سكار) والـ(غولدن غلوب)‬

‫«ال تنظر �إلى �أعلى»‬

‫كوميديا �سوداء في مواجهة الفناء‬

‫هذا فيلم ُيواجه هذه اللحظة التاريخية‬ ‫��روج �أنظمة‬ ‫التي نعي�شها الآن‪ ،‬وبينما ُت ّ‬ ‫وم�ؤ�س�سات للقاحات كورونا المختلفة‪،‬‬ ‫نتيجة فيرو�س يحا�صر الب�شر في كافة‬ ‫ال��دول بال ا�ستثناء‪ ،‬والنا�س حائرة بين‬ ‫ال�شك والت�صديق بجدوى التطعيم‪ ،‬وغير‬ ‫ُمقتنعين بم�صدر الخطر الذي يظهر كل فترة‬ ‫على �شكل متحور جديد‪ ،‬ي�أتي المخرج �آدم‬ ‫‪130‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫ماكاي من خالل َح ْكي خيالي‪ ،‬ليحذر في‬ ‫عمل �سينمائي من كارثة كونية و�شيكة‬ ‫(اقتراب مذ ّنب من الأر�ض مع ت�أكيدات ب�أنه‬ ‫�سيدمر الكوكب خالل �شهور)‪ ،‬وك�أنه يل َت َقط‬ ‫المتفرج‪،‬‬ ‫بذرة من واقعنا الحالي‪ ،‬يعرفها‬ ‫ّ‬ ‫لغوي ًا وب�صري ًا‪ ،‬ويتركه مع �أحداث مت�سارعة‬ ‫ومت�صارعه‪ ،‬يقارن بين الواقع والخيال في‬ ‫تذكير �ساخر مع كل م�شهد بالرعب الذي‬

‫نعي�شه داخل بيوتنا وعبر ال�شا�شة‪.‬‬ ‫ت��دور ق�صة الفيلم ح��ول عا ِلمين غير‬ ‫م�شهورين يحذران الحكومة الأمريكية من‬ ‫اقتراب مذ ّنب من الأر���ض و�سي�صطدم بها‬ ‫خالل �أ�شهر‪ ،‬وي�شرح العمل كيفية تعامل‬ ‫ال�سلطة مع مثل هذه الأزمات‪ ،‬فما يهم هو‬ ‫المكا�سب ال�سيا�سية �أو ًال‪ ،‬دون �إعالء قيمة‬ ‫ل��دور العلماء‪ ،‬وبالتالي وعلى الرغم من‬

‫�أفالم‬

‫المحاوالت الحثيثة لإنقاذ العالم من الدمار‪،‬‬ ‫فال �صوت يعلو فوق �صوت �سلطة ر�أ�س المال‬ ‫وال�شركات الكبرى المتحكمة في التكنولوجيا‪،‬‬ ‫فطالما �أن �آلة الدعاية ال�سيا�سية تعمل ب�شكل‬ ‫جيد فما يحدث في الكوالي�س ال يهم‪.‬‬ ‫فيلم «ال تنظر �إلى �أعلى» الذي دخل نجومه‬ ‫القائمة الق�صيرة ل��ـ«الأو���س��ك��ار»‪ ،‬وكذلك الـ‬ ‫«غولدن غلوب»‪ ،‬واختاره معهد الفيلم الأمريكي‬ ‫�ضمن �أف�ضل ‪� 10‬أفالم لعام( ‪2021‬م)‪ ،‬ي�سلط‬ ‫ال�ضوء على مفارقة كبرى‪ ،‬فحين يطرح العلماء‬ ‫المذ ّنب‪ ،‬ينق�سم الب�شر بين‬ ‫نظريتهم حول وجود ُ‬ ‫م�ش ّكك‪� ،‬أو ال مبالٍ نتيجة هو�سهم بما يتابعونه‬ ‫على «و�سائل التوا�صل االجتماعي»‪ ،‬وعند‬ ‫المذ ّنب وا�ضح ًا جلي ًا في �سماء الأر�ض‪،‬‬ ‫ظهور ُ‬ ‫ُيفتر�ض �أن ُيح�سم الجدل‪ ،‬فكل ما يتطلبه الأمر‬

‫هو فقط «النظر �إلى الأعلى» لر�ؤية الخطر جلي ًا‬ ‫وو�شيك ًا‪ ،‬وهذا ما يحاول العلماء قوله لل�شعوب‪،‬‬ ‫�إال �أن الأنظمة ال�سيا�سية والإعالمية ورجال‬ ‫الأع��م��ال الذين يتحكمون في التكنولوجيا‪،‬‬ ‫يروجون لنظرية الم�ؤامرة‪ ،‬ويطالبون ال�شعوب‬ ‫بعدم النظر �إل��ى �أعلى‪ ،‬وعلى رغم �أننا نرى‬ ‫الم�شهد ال�سينمائي مثيراً لال�ستغراب �أو‬ ‫المرة ت�شير �إلى الواقع‬ ‫ال�ضحك‪ ،‬ف�إن الحقيقة ّ‬ ‫بكل تفا�صيله‪ ،‬وتعك�س حقيقة جهل ال�شعوب‬ ‫وال مباالتها وحالة الإنكار التي تعي�شها �أمام‬ ‫ما تتعر�ض له في ع�صرنا الحالي‪.‬‬ ‫كل عنا�صر الفيلم كانت رائعة متنا�سقة‬ ‫ومرتبة‪ ،‬ويخلو من الع�شوائية لكن فيه الكثير‬ ‫من العبثية المق�صودة‪� ،‬أداءات رائعة من جميع‬ ‫الممثلين الذي تمكن المخرج �آدم مكاي من‬ ‫خاللهم في �صنع بطولة جماعية ال يمكن‬ ‫�أن يلمع فيها نجم من دون الآخرين‪ ،‬م�شاهد‬ ‫انفعال ليوناردو ديكابريو عالية الجودة‬ ‫كعادته وتر�شحه عن جدارة للأو�سكار‪ ،‬جينيفر‬ ‫لورن�س مت�ألقة‪ ،‬ميريل �ستريب متلألئة‪ ،‬كيت‬ ‫بالن�شيت في قمة م�ستواها‪ ،‬م��ارك ريالن�س‬ ‫�أ�ستاذ الال مباالة‪ ،‬وجوانا هيل في مكان �أف�ضل‬ ‫مما كان عليه �سابق ًا‪.‬‬ ‫ف��ي �أح��د م�شاهد الفيلم الرئي�سية‪ ،‬نجد‬ ‫دكتور (�إدوارد ميندي ديكابريو) والعالمة‬ ‫ال�شابة (ك��ي��ت ديبيا�سكي جنيفر لورن�س)‬ ‫يحاوالن جاهدين جذب انتباه رئي�سة الواليات‬ ‫المتحدة الأمريكية تلعب دورها‬ ‫(ميريل �ستريب)‪ ،‬للت�أكيد على‬ ‫�أن هناك كارثة حقيقية �ست�سبب‬ ‫ف��ي ان��ق��را���ض الب�شرية وه�لاك‬ ‫الأر���ض‪ ،‬ولكن �ستريب بنظراتها‬ ‫الخبيثة و�ضحكتها ال��ب��اردة‬ ‫المثيرة لال�ستفزاز تقول لهم ب�أنه‬ ‫ال بد من تقييم الموقف ودرا�سته‬ ‫ب��أري��ح��ي��ة ت��ام��ة‪ ،‬خ��ي��ال خ�صب‬ ‫ل� ��ـ(�آدم م��اك��اي) ووع��ي �إب��داع��ي‬ ‫جعل الأمر �أ�شبه بيوميات �إن�سانٍ‬ ‫يراقب وير�صد بعينيه ما يحدث‬ ‫في العالم والتطورات التي طر�أت‬ ‫عليه‪ ،‬وبرغم �أن فكرة نهاية العالم‬ ‫مكررة لكن تنفيذها كان الأكثر‬ ‫ذكاء‪ ،‬والكتابة كانت �أكثر جر�أة‬ ‫وواقعية بل وجنون ًا في بع�ض‬ ‫الأحيان‪.‬‬

‫اختاره معهد الفيلم‬ ‫الأمريكي �ضمن‬ ‫�أف�ضل ‪� 10‬أعمال لعام‬ ‫(‪2021‬م)‬

‫جذب االنتباه‬ ‫للبطولة الجماعية‬ ‫في عبثية مق�صودة‬ ‫تخلو من الع�شوائية‬

‫أ�سلوب‬ ‫حاكى الواقع ب�‬ ‫ٍ‬ ‫لغوي وب�صري �ساخر‬ ‫�أقرب �إلى طريقة‬ ‫الفيلم الوثائقي‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫مل�صق الفيلم‬

‫‪131‬‬

‫�أفالم‬

‫م�شهد رئي�سي يجمع �أبطال الفيلم داخل البيت الأبي�ض‬

‫و�سائل الإعالم تعاملت مع كارثة المذنب بحوار �ساخر‬

‫ميريل �ستريب قدمت دور رئي�سة �أمريكا بت�ألق وا�ضح‬

‫ليوناردو ديكابريو وجنيفر لورن�س �أهم عنا�صر نجاح العمل‬

‫ويمكن القول �أن �آدم ماكاي يكتب �أفالمه‬ ‫بطريقة ال ت�شبه �أح ��داً‪ ،‬وال ي�ستطيع �آخ��ر �أن‬ ‫يكتبها‪ ،‬لي�س ذل��ك انتقا�ص ًا ممن هم غيره‪،‬‬ ‫لكن �سلوكه لهذا الطريق ال�صعب هو مخاطرة‬ ‫كتابية و�إخراجية ال يمتلك �أحد غيره �شجاعة‬ ‫الإقدام عليها �أو التفكير فيها‪ ،‬و�أ�سو ًة بما قدمه‬ ‫في فيلميه ال�سابقين (النائب ‪ )Vice‬و (العجز‬ ‫الكبير ـ‪ ،)The Big Short‬وعك�س خاللهما‬ ‫نقداً الذع ًا لمجتمع طبقة الأثرياء والأغنياء‪،‬‬ ‫يبدو �أن فيلم (ال تنظر �إلى �أعلى) هو الم�ستفيد‬ ‫الأكبر‪ ،‬حيث ي�شحذ ماكاي قلمه الم�شاك�س‬ ‫ولغته ال�سينمائية ال�ساخرة وثوريته الحادة في‬ ‫تعرية الواقع والف�ساد المتف�شي في كل �شيء‪،‬‬ ‫ولكنه هذه المرة يبتعد عن االقتبا�س المبا�شر‬ ‫�صانع‬ ‫لتفا�صيل حدثت بالفعل‪ ،‬ويطرح بحنكة‬ ‫ٍ‬ ‫لل�سينما حائز جائزة الأو�سكار ق�صة من وحي‬ ‫خياله‪ ،‬ويعك�سها علي ما يدور حولنا جميع ًا‬ ‫من دون ترك �أي �شيء ال يتكلم عنه‪.‬‬ ‫وي��م��ك��ن تلخي�ص ب��راع��ة �آدم م��اك��اي‬ ‫الإخراجية‪ ،‬في المونتاج والتنقل بين عديد‬ ‫أ�سلوب �أقرب‬ ‫من اللقطات التي تحاكي الواقع ب� ٍ‬ ‫لطريقة الفيلم الوثائقي‪ ،‬ما �ساهم في �أن ت�سير‬ ‫ٍ‬ ‫ب�سال�سة كبيرة‪ ،‬بالإ�ضافة �إلي بع�ض‬ ‫�أحداثة‬ ‫م�شاهد الف�صل الأخير من العمل والتي كانت‬ ‫ٍ‬ ‫طريقة تر�صد ما حدث‬ ‫جيدة ب�صري ًا و�أف�ضل‬ ‫في الختام‪.‬‬ ‫‪132‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫وبال �شك ي�أتي عمق منظور الفيلم تجاه‬ ‫الحياة الحديثة من �إط��اره الأخالقي المعقد‪،‬‬ ‫ال ��ذي يطرحه ع��ن ط��ري��ق ق�صته الخيالية‬ ‫الم�ستقبلية‪ ،‬ولكنه يعر�ض داخله ِع َظ َة وا�ضحة‬ ‫المعنى‪ ،‬وهي �أن الب�شرية �سوف تعي�ش �أوقات ًا‬ ‫�سوداوية داخ��ل الم�ستقبل البعيد‪ ،‬ل��ذا ف�إن‬ ‫�شعورنا بال�سيطرة على كل �شيء وطريقة‬ ‫ا�شتغال عالمنا الحديث‪ ،‬بحاجة �إلى تغيير‪،‬‬ ‫وهذا المجتمع وطريقة تدويره للأمور بحاجة‬ ‫�إلى تفنيد وتركيز‪ ، ،‬و�أن الجن�س الب�شري �إن لم‬ ‫يتكيف مع مع�ضالت الكون المختلفة‪� ،‬سوف‬ ‫يواجه الفناء‪.‬‬ ‫بالفعل يعد (ال تنظر �إلى �أعلى) �أكثر فيلم‬ ‫�أثار جد ًال وانق�سام ًا حاداً حوله هذا العام‪ ،‬بل‬ ‫هو �أ�شبه باالنفجار و�سط عام �سينمائي كان‬ ‫حد ما‪� ،‬إذ لم ي�شهد �أي‬ ‫�شبه �ساكن وهادئ �إلى ٍّ‬ ‫فيلم �آخ��ر هذا ال�شكل من االهتمام العالمي‪،‬‬ ‫فهو من جهة جمع عدداً الفت ًا من النجوم الذي‬ ‫رفعوا �سقف التوقعات والحما�س‪ ،‬ومن جهة‬ ‫�سدد �سهام ًا من ال�سخرية ال�سوداء �إلى‬ ‫�أخرى ّ‬ ‫واقع ال�شراهة االقت�صادية‪ ،‬و�إلى �إيقاع حياتنا‬ ‫كب�شر وثقافتنا ال�سائدة حالي ًا‪ ،‬التي تتفاعل‬ ‫مع اتجاهات (و�سائل التوا�صل االجتماعي)‬ ‫و�أخبار الم�شاهير‪� ،‬أكثر من الق�ضايا الحقيقية‬ ‫والم�صيرية التي تحدث حولنا وغارقين فيها‬ ‫�إلى �أخم�ص �أقدامنا‪.‬‬

‫برع �آدم ماكاي في‬ ‫�إخراجه ب�أبطال‬ ‫من �صفوة الفنانين‬ ‫العالميين‬

‫المخرج �آدم ماكاي‬

‫تحت دائرة الضوء‬ ‫قراءات ‪�-‬إ�صدارات ‪ -‬متابعات‬

‫من �أ�سواق مدينة بور�سعيد‬

‫¯ محمد �أبوال�سعود الخياري ي�صدر كتابه‬ ‫«ت�أمالت في الرواية العربية»‬ ‫¯ جولة في ربوع �آ�سيا‪ ..‬حكايات م�شوقة‬ ‫¯ مقاربات ‪ ..‬في الق�صة والرواية‬ ‫¯ المو�سيقا العربية بين الغناء وال�شعر‬ ‫¯ ف�ؤاد الظاهري‪« ..‬م�صرية الجذور وعالمية الإبداع»‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪133‬‬

‫قراءات‬ ‫قراءة في «الأدب ال�ساخر»‬

‫للدكتور نبيل راغب‬

‫ف�����ي م��ق��دم��ت��ه‬ ‫ل���ك���ت���اب (الأدب‬ ‫ال ��� ��س ��اخ ��ر)‪ ،‬ي���ؤك��د‬ ‫الباحث نبيل راغب‪،‬‬ ‫�أن ه���ن���اك ف ��رق� � ًا‬ ‫بين الأدب ال�ساخر‬ ‫�إيمان حريف�شة‬ ‫كمفهوم �شامل‪� ،‬سواء‬ ‫على م�ستوى ال�شكل �أو الم�ضمون‪ ،‬وبين‬ ‫عن�صر ال�سخرية الذي يمكن �أن يوظفه الأديب‬ ‫في عمل من �أعماله‪� ،‬إ�ضافة �إل��ى عنا�صر‬ ‫�أخ ��رى‪ ..‬لكن عندما ت�صبح ال�سخرية هي‬ ‫العن�صر الأ�سا�سي في الم�ضمون‪ ،‬والعمود‬ ‫الفقري ل�ل�أح��داث وال��م��واق��ف‪ ،‬ف ��إن العمل‬ ‫ين�ضوي تحت بند الأدب ال�ساخر‪.‬‬ ‫ال�سخرية في الأدب هي العن�صر الذي‬ ‫يحتوي توليفة درامية من النقد والهجاء‪،‬‬ ‫والتلميح‪ ،‬والتهكم‪ ،‬والدعابة‪ ،‬وذلك بهدف‬ ‫التعري�ض ب�شخ�ص ما �أو مبد�أ �أو فكرة �أو �أي‬ ‫�شيء‪ ،‬وتعريته ب�إلقاء الأ�ضواء على الثغرات‬ ‫وال�سلبيات و�أوجه الق�صور فيه‪ .‬ولذلك؛ ف�إن‬ ‫ال��ه��دف الأول���ي ل�ل��أدب ال�ساخر ه��و هدف‬ ‫ت�صحيحي‪� ،‬سواء على الم�ستوى الأخالقي‬ ‫�أو الم�ستوى الجمالي‪ ،‬ويختلف في لهجته‬ ‫ومنهجه عن كل �أ�ساليب التعبير الأخرى التي‬

‫‪134‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫تهدف �إلى الرف�ض �أو ال�شجب �أو التقليل من‬ ‫�ش�أن المو�ضوع المطروح‪.‬‬ ‫وال�سخرية تعد �سالح ًا خطيراً للغاية‬ ‫في يد الناقد ال��ذي يقوم بتحليل الأعمال‬ ‫الأدبية والفنية‪ ،‬فهي كفيلة ب�إغرائه بهدم‪،‬‬ ‫بل و�سحق الفنان ال��ذي يقع تحت رحمته‬ ‫حتى ير�ضي نرج�سيته في البط�ش بالآخرين‪.‬‬ ‫ولذلك يف�ضل �أن تظل ال�سخرية �أ�سيرة المجال‬ ‫الأدب���ي والفني ال��ذي ي�سعى لنقد الب�شر‬ ‫والظواهر االجتماعية والإن�سانية المختلفة‪،‬‬ ‫على �أن يحر�ص العاملون في مجال النقد‬ ‫الأدبي والفني على �أ�ساليب التحليل الفكري‬ ‫والفني للأعمال الفنية المطروحة للنقد‪.‬‬ ‫فالحرج والح�سا�سية غائبان في عمل الأديب‬ ‫ال�ساخر ال��ذي يتناول ظواهر عامة‪ ،‬و�إن‬ ‫تج�سدت في �شخ�صيات من �إبداعه‪� .‬أما الناقد‬ ‫الأدب��ي والفني؛ فيتناول بالتحليل �أعمال‬ ‫�أديب �أو فنان بعينه‪ ،‬ولذلك يتحتم عليه �أن‬ ‫يتم�سك بالمو�ضوعية العلمية قدر �إمكانه‬ ‫حتى ي�ؤدي مهمته على خير وجه‪ ،‬فمن �ش�أن‬ ‫ال�سخرية �أن تحطم الج�سور القائمة بين النقد‬ ‫والفن‪ ،‬وبالتالي ال ي�ستفيد كل منهما من‬ ‫الآخر‪.‬‬ ‫وفن ال�سخرية لي�س مرتبط ًا فقط بالتعبير‬ ‫بالكلمات‪ ،‬بل يمكن �أن نجدها في الرق�ص‪،‬‬ ‫والمو�سيقا‪ ،‬والفنون الت�شكيلية‪ ،‬فمث ًال نجد‬ ‫(دومييه) الذي عا�ش في ع�صر الإمبراطورية‬ ‫الثانية في فرن�سا‪ ،‬وتناول كثيراً من مالمح‬ ‫ع�صره بال�سخرية في ر�سوماته‪ ،‬وكذلك‬ ‫(وليم هوجارث) الر�سام الإنجليزي المعا�صر‬ ‫لألك�سندر و�صامويل جون�سون‪.‬‬ ‫لقد برز مفهوم التهكم في فجر الم�سرح‬ ‫الإغريقي عندما ارتبط ب�شخ�صية نمطية‬ ‫في الم�سرحيات الكوميدية‪ ،‬لها �أ�سلوبها‬ ‫المتميز والنمطي‪� ،‬سواء في الحديث �أو‬ ‫الحركة‪ ،‬وكانت تقف بالمر�صاد ل�شخ�صية‬ ‫نمطية �أخ��رى تج�سد العنجهية الفارغة‪،‬‬ ‫والبطولة الوهمية من �أجل تحقيق �أهدافها‬ ‫بالت�أثير في الآخرين وخداعهم ب�صورتها‬ ‫المبهرة الخادعة‪.‬‬

‫د‪ .‬نبيل راغب‬

‫من هذه ال�شخ�صية الكوميدية النمطية‬ ‫القيمة‪ ،‬نبع مفهوم التهكم الذي اليزال �سائداً‬ ‫في مجاالت النقد الأدب��ي حتى الآن‪ .‬ولعل‬ ‫�شخ�صية �سقراط كما �صورها �أفالطون في‬ ‫�أحاديثه الحوارية‪ ،‬كانت نموذج ًا للمفكر‬ ‫والفيل�سوف ال��ذي يح�سن ا�ستخدام التهكم‬ ‫ك��أداة للو�صول �إلى هدفه الفكري و�إبالغه‬ ‫لم�ستمعيه‪ ،‬فهو مثال التوا�ضع الذي يعترف‬ ‫دائ��م� ًا بالجهل‪ ،‬وير�ضخ تمام ًا لوجهات‬ ‫النظر التي تختلف مع وجهة نظره‪ ،‬لكن لكي‬ ‫يدح�ضها ويظهر ما فيها من عبث وتفاهة من‬ ‫خالل مهارته في توظيف القيا�س المنطقي‪،‬‬ ‫فهو يبد�أ بافترا�ض �صحة المنطق لوجهات‬ ‫نظر الآخرين‪ ،‬وينطلق منه مثلهم‪ ،‬لكن لكي‬ ‫يثبت عدم ات�ساق النتائج التي تو�صلوا �إليها‬ ‫مع االفترا�ضات التي بد�ؤوا منها هم �أنف�سهم‪.‬‬ ‫والتهكم في التراجيديا الإغريقية‪ ،‬يعتبر‬ ‫�أح��د ج��وان��ب المفهوم الإغ��ري��ق��ي للفل�سفة‬ ‫الأخالقية ال�سائدة في ذل��ك الع�صر‪ ،‬فقد‬ ‫ك��ان بمثابة الأداة التي تنزل بها الآلهة‬ ‫عقابها بمن يظنون في �أنف�سهم القدرة على‬ ‫تحديها‪� ،‬أي �أنه تطبيق للقاعدة الأخالقية‬ ‫الذهبية التي تحتم تجنب التطرف في كل‬ ‫�صوره وفي كل اتجاه‪ ،‬لأن الكون بقوانينه‬ ‫الأزلية والأبدية قائم على توازن محكم في‬ ‫منطقة و�سطى بين الإفراط والتفريط‪ ،‬وهي‬ ‫المنطقة التي يتحد فيها الجوهر بالمظهر‪،‬‬ ‫الفعل بالقول‪ ،‬القدرة بالنية‪ ،‬و�أي انحراف‬ ‫في �شخ�صية الإن�سان ي�ؤدي �إلى خرق هذه‬ ‫القوانين ال بد �أن يقابل بالح�سم دون هوادة‪،‬‬ ‫حتى لو كان الثمن حياة الإن�سان نف�سه‪،‬‬ ‫وذلك لكي تعود �إلى الكون وحدته‪.‬‬

‫�إ�صدارات‬

‫العالم بعيون طفل‬ ‫في ق�صة «النافذة»‬ ‫تمتلك الكاتبة‬ ‫عفاف طُ ّبالة حين‬ ‫تكتب للطفل روح‬ ‫ال��ط��ف��ول��ة‪ ،‬وعقلها‪،‬‬ ‫و�أح��ل�ام����ه����ا‪ ،‬كما‬ ‫تمتلك ق��درة هائلة‬ ‫م�صطفى غنايم‬ ‫ع��ل��ى ال��ت��ع��ب��ي��ر عن‬ ‫ه��ذه ال ��روح‪ ،‬وه��ذا العقل‪ ،‬وتلك الأح�لام‪،‬‬ ‫بلغة ب�سيطة تالئم المعجم الداللي للطفل‪،‬‬ ‫وبت�صورات و�أو�صاف وخياالت تتماهى‬ ‫مع عالم الطفل‪ ،‬وك�أنها تتقم�ص ل�سان‬ ‫طفل‪ ،‬يعبر عن حياته المفعمة بالت�سا�ؤالت‬ ‫والأمنيات كما ر�صدتها عينه‪.‬‬ ‫وق��د تجلت تلك الظواهر الأ�سلوبية‪،‬‬ ‫وال��ر�ؤى المو�ضوعية فى ق�صتها الجديدة‬ ‫(النافذة)‪ ،‬التى �صدرت حديث ًا (‪2021‬م)‬ ‫عن دار نه�ضة م�صر‪ ،‬وقام بر�سومها الفنان‬ ‫محمد ط��ه؛ وم��ن ث��م فقد ب��دا ذل��ك العمل‪،‬‬ ‫وك�أنه كتب بقلم طفل‪ ،‬و�صيغ بعيني طفل‪،‬‬ ‫نظر �إلى العالم من زاويته المتفردة‪ /‬نافذته‬ ‫الخا�صة‪.‬‬ ‫وقد ج�سدت طبالة عالم الطفولة الخا�ص‬ ‫بطريقة فنية‪ ،‬وحبكة درامية‪ ،‬وعبرت عن‬ ‫ر�ؤيتها لعالم الطفولة بعين الطفل‪ ،‬الذي‬ ‫ر�صد وت�أمل وك�شف العالم المحيط‪ ،‬من خالل‬

‫�إطاللة من (نافذة) �سيارة والده‪ ،‬التي تمثل‬ ‫في الحقيقة نافذة الطفل على العالم ب�شكل‬ ‫عام ‪ ..‬وقد �أدركت الم�ؤلفة ذلك بوعي �شديد‬ ‫تمخ�ض في �أمرين مهمين هما‪ :‬الت�سا�ؤل‪..‬‬ ‫والأمنيات؛ �إذ تحكي هذه الق�صة عن الطفل‬ ‫(يو�سف)‪ ،‬الذي ا�ستقل ال�سيارة مع والديه‪،‬‬ ‫التي توقفت عند �إ�شارة م��رور؛ ف�شاهد فى‬ ‫البداية �أخوين يجل�سان في �سيارة مجاورة ال‬ ‫ي�شعران بالملل مثله‪ ،‬لأنهما يلعبان مع ًا في‬ ‫مرح؛ فكان ت�سا�ؤله الأول‪ ،‬الذي جاء بطريقة‬ ‫المونولوج‪( :‬لماذا لي�س لدي �إخوة)‪ ،‬لينتقل‬ ‫فج�أة �إلى الحالة الموازية ‪ /‬الأمنية‪�( :‬أريد‬ ‫�أن يكون لي �أخ �ألعب معه)‪.‬‬ ‫وي�ستمر الت�ضافر بين ال��ت�����س��ا�ؤالت‬ ‫والأمنيات على مدار العمل حتى نهايته؛‬ ‫فهذا يو�سف يلمح رج ًال عجوزاً وزوجته في‬ ‫جد ْيه؛ فيجري الت�سا�ؤل‬ ‫عربة �أخرى؛ فيتذكر ّ‬ ‫الثاني ال��ذي يحمل ف��ي طياته الأمنية‪:‬‬ ‫(لماذا ال نذهب لجدي وجدتي؟)‪ ،‬ويعقبه‬ ‫يو�سف ب�أمنية �صريحة‪ ،‬يتكرر معها الفعل‬ ‫الم�ضارع �أريد في قوله‪�( :‬أريد �أن �أرى جدي‬ ‫وجدتي)‪.‬‬ ‫وتم�ضي بنا الأح��داث حتى ت�صل �إلى‬ ‫ذروتها؛ حين لمح يو�سف هذه المرة طف ًال‬ ‫يتحرك بخفة بين العربات‪ ،‬تكثف الم�ؤلفة‬ ‫و�صفه وت�صوير هيئته‪ ،‬التي‬ ‫ت�شي بحالته االجتماعية‪،‬‬ ‫وعي�شته الفقيرة؛ فهو طفل‬ ‫م��ت�����س��خ ال��م�لاب�����س‪ ،‬ح��اف��ي‬ ‫ال��ق��دم��ي��ن‪ ،‬يبيع المناديل‪،‬‬ ‫فيلوح ال��ت�����س��ا�ؤل ف��ي نف�س‬ ‫يو�سف من جديد‪( :‬ماذا يفعل‬ ‫هذا الولد؟)‪ ،‬و�سرعان ما تبرز‬ ‫الأمنية من جديد‪�( :‬أري��د �أن‬ ‫�أبيع علبة مناديل)‪ ،‬ليجيب‬ ‫الأب بالرف�ض واال�ستنكار‪:‬‬ ‫(�أن���ت ت��ذه��ب �إل ��ى المدر�سة‬ ‫لتتعلم وت�صبح مهند�س ًا‬ ‫وطبيب ًا)‪ ،‬ون��دخ��ل ف��ي هذه‬ ‫اللقطة المحورية في دوامة‬

‫عفاف طبالة‬

‫الت�سا�ؤالت والأمنيات‪( :‬لماذا هو ال يذهب‬ ‫للمدر�سة؟)؛ و�إزاء �إجابة والده التي لم تقنعه‬ ‫يتبدى حلمه البريء بما يعك�س نزوع الطفل‬ ‫الغريزى للخير والعدل والرحمة‪ ،‬لت�أتي‬ ‫الأمنية الحالمة‪�( :‬أريد �أن يذهب معي �إلى‬ ‫المدر�سة)‪ ،‬ومع م�ضي الأحداث وت�صاعدها‬ ‫ت�صور لنا الم�ؤلفة م�شهداً م�ؤثراً وجمي ًال‬ ‫يفي�ض بالحب والت�ضامن والتعاطف‬ ‫والتعاون؛ حين �أخذ الطفل الفقير ينقر على‬ ‫نافذة ال�سيارة عار�ض ًا على يو�سف علبة‬ ‫مناديل‪ ،‬فتحدث حالة تفاعلية حميمية‬ ‫بينهما؛ �إذ ا�ستجاب يو�سف لذلك بو�ضع‬ ‫كفه على زج��اج النافذة؛ فيتطابق كفه‬ ‫بكفه وك�أنهما يت�صافحان‪ ،‬الأمر الذي فجر‬ ‫م�شاعر الود بين الطفلين والتفاعل ال�شعوري‬ ‫بينهما؛ فيتبادالن الهدايا فيطلب الطفل من‬ ‫يو�سف �أن يفتح النافذة ليعطيه علبة منديل‪،‬‬ ‫فيرد عليه بمنحه لعبته الأثيرة‪ ،‬التي فرح‬ ‫بها الطفل الفقير كثيراً‪ ،‬و�أخذ ي�ضمها �إلى‬ ‫�صدره ب�سعادة‪.‬‬ ‫وتختتم طبالة الق�صة بنهاية فنية‪،‬‬ ‫تختلط فيها الحقيقة بالخيال‪ ،‬وتدفع‬ ‫على الت�أويل‪ ،‬وتبعث الف�ضول‪ ،‬وتدفع على‬ ‫الت�شويق؛ �إذ جعلت الم�ؤلفة يو�سف يغم�ض‬ ‫عينيه ليرى الطفل جال�س ًا ب��ج��واره على‬ ‫المقعد بالمدر�سة‪ ،‬ومن ثم نجد الن�ص يحمل‬ ‫�أن�ساق ًا م�ضمرة؛ فهل كانت تلك النهاية‬ ‫�أمنية ر�سمتها مخيلته‪� ،‬أم ك��ان الأب قد‬ ‫ا�ستجاب لرغبة ابنه‪ ،‬وقام بم�ساعدة هذا‬ ‫الطفل الفقير ليتمكن بالفعل من الذهاب‬ ‫للمدر�سة جنب ًا �إلى جنب مع ابنه‪ ،‬فيكون‬ ‫يو�سف قد نجح في النهاية بتحقيق حلمه‬ ‫في �إنقاذه من براثن الفقر‪ ،‬ويفتح له باب ًا‬ ‫من الأمل في التعليم والتعلم‪� ،‬سعي ًا في �أن‬ ‫ينعم ذلك الطفل في م�ستقبل �سعيد‪.‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪135‬‬

‫قراءات‬ ‫اهتم بظواهر الفن الروائي‬

‫محمد �أبوال�سعود الخياري‪ ..‬ي�صدر‬ ‫كتابه الجديد «ت�أمالت في الرواية العربية»‬ ‫�أ�� ��ص� ��در ال��ن��اق��د‬ ‫ال����دك����ت����ور م��ح��م��د‬ ‫�أبوال�سعود الخياري‪،‬‬ ‫كتاب ًا جديداً عن دار‬ ‫غراب الم�صرية‪ ،‬تحت‬ ‫ع��ن��وان (ك��ر���س��ي في‬ ‫هالة علي‬ ‫ال��ب��ل��ك��ون��ة‪ ..‬ت ��أم�لات‬ ‫في الرواية العربية)‪.‬‬ ‫جاء الكتاب في (‪� )180‬صفحة من القطع‬ ‫المتو�سط‪ ،‬وقد ق�سمه الكاتب �إلى ق�سمين‪ :‬الأول‬ ‫للدرا�سات حول الظواهر الروائية‪ ،‬والثاني‬ ‫توقف الخياري عند التجارب الروائية لعدد‬ ‫من الروائيين‪� ،‬أو عند رواي��ات بعينها من‬ ‫�إنتاجهم المعا�صر‪.‬‬ ‫يقول الخياري في المقدمة‪( :‬ال يجتمع‬ ‫النقد الجاد ال�شريف مع حاجة الناقد لخدمات‬ ‫المبدعين �أو اهتمام ال�صحافيين �أو ر�ضا‬ ‫وانتباه النا�شرين‪ .‬ال تغريه جائزة كبيرة‪ ،‬وال‬ ‫ي�ضعفه ن�شر مقالة بمجلة �شهيرة‪ ،‬وال يهتز‬ ‫لديه الوقار �إذا حل �ضيف ًا في حوار‪ .‬وما �إن‬ ‫تخل�ص الناقد من ذلك كله مكتفي ًا ب�أ�صدقاء‬ ‫ث�لاث��ة‪� :‬ضميره وعقله وقلمه‪� ،‬إال و�صار‬ ‫ناقداً حقيقي ًا‪ ،‬يكتب ما ي�شاء دون ت��ردد‪،‬‬ ‫ودون اهتزاز‪ ،‬يطبق المعايير بدقة وحكمة‪،‬‬ ‫ال يخ�شى �إال اهلل‪ ،‬وال يعتبر نف�سه خادم ًا �إال‬

‫‪136‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫ويجل�س‬ ‫لقارئه‪ ،‬يطرد المجاملة من عالمه ُ‬ ‫مكانها العدالة‪ ،‬يف�ضل المبا�شرة والو�ضوح‬ ‫على المجاز‪ ،‬ي�صف الظواهر ويذكر الأ�سماء‪.)..‬‬ ‫الكتاب حري�ص ًا على ا�ستخدام‬ ‫وقد �أظهر‬ ‫َ‬ ‫لغة وا�ضحة دون تقعر �أكاديمي �أو غمو�ض‬ ‫ا�صطالحي‪ ،‬وهو ما �أكده الكاتب مبكراً جداً‬ ‫باختياره عنوان ًا ب�سيط ًا للكتاب حاول من‬ ‫خالله اجتذاب القارئ لن�ص نقدي يطمح �إلى‬ ‫اكت�ساب م�ساحة جديدة في وجدان القارئ‬ ‫العادي‪.‬‬ ‫وفي الق�سم الأول الخا�ص بالدرا�سات‪،‬‬ ‫يعر�ض الكاتب للعالقة بين ال�سرد الروائي‬ ‫وال��ظ��واه��ر التي �أث ��رت ف��ي م�سيرة ال��رواي��ة‬ ‫العربية‪.‬‬ ‫كما �ضم الكتاب درا���س��ات �أخ ��رى عن‬ ‫ال��رواي��ة العربية‪ ،‬منها‪ :‬تنوع العمارة من‬ ‫المحيط �إل��ى الخليج‪ ،‬يقول الكتاب (تبلى‬ ‫ال�صور‪ ،‬وتتبدل الأماكن‪ ،‬وت�سرق �أو تطم�س‬ ‫ال��ع��م��ارة‪ ...‬وتبقى �أو���ص��اف ال��رواي��ة �سج ًال‬ ‫�صادق ًا �أمين ًا‪ ،‬يمنح نف�سه لكل باحث ومحب‬ ‫يمتع ناظريه عبر ا�ستيعابه الأو���ص��اف‬ ‫ال�سردية‪ ،‬وينع�ش مخيلته بال�سفر عبر الزمان‬ ‫والمكان �سائح ًا و�سط ن��م��اذج ف��ري��دة من‬ ‫المباني العربية فتحت لها ال��رواي��ة بابها‬ ‫الوا�سع لتقيم فيها �إقامة المطمئن)‪.‬‬ ‫وقد ظهر من خالل النماذج التطبيقية‬ ‫لروايات مثل (خان الخليلي) لنجيب محفوظ‪،‬‬ ‫تظهر بها العمارة الفاطمية بم�صر‪ ،‬وتظهر‬ ‫العمارة الخليجية في رواية (و�سمية تخرج‬ ‫من البحر)‪ ،‬كما ظهرت العمارة المغربية في‬ ‫رواية (القو�س والفرا�شة) لمحمد الأ�شعري‪.‬‬ ‫ث��م ت��ن��اول الخياري درا���س��ة ع��ن الطب‬ ‫وال ��رواي ��ة‪ ،‬ت�ستعر�ض ت��اري��خ الأط��ب��اء مع‬ ‫الرواية منذ محمد كامل ح�سين‪� ،‬أ�ستاذ جراحة‬ ‫العظام و�أول رئي�س لجامعة عين �شم�س‬ ‫و�صاحب رواي��ة (قرية ظالمة)‪ ،‬وم�صطفى‬ ‫محمود‪ ،‬ويو�سف �إدري�����س‪ ،‬وانتهاء ب�أحمد‬ ‫�سمير �سعد‪ ،‬و���س��راج منير‪ ،‬م���روراً بمحمد‬ ‫المن�سي قنديل‪ ،‬و�أم��ي��ر ت��اج ال�سر‪ ،‬و�أحمد‬ ‫خالد ت��وف��ي��ق‪ ..‬م�سلط ًا ال�ضوء على تنوع‬

‫د‪ .‬محمد �أبوال�سعود الخياري‬

‫�إبداعهم الروائي عبر تاريخ الرواية العربية‪.‬‬ ‫�أم��ا الروائيون؛ فقد حفل الكتاب بعدد‬ ‫متنوع من الروائيين ال��ع��رب‪ ،‬مثل‪ :‬نجيب‬ ‫محفوظ‪ ،‬وبهاء طاهر‪ ،‬و�إبراهيم عبدالمجيد‪،‬‬ ‫وعالء الأ�سواني‪ ،‬ومحمد الأ�شعري‪ ،‬و�سهير‬ ‫الم�صادفة‪ ،‬و�سعود ال�سنعو�سي‪ ،‬و�أح��م��د‬ ‫�سعداوي‪ ،‬وغيرهم‪..‬‬ ‫و�أولت الدرا�سة اهتمام ًا بروايات جائزة‬ ‫البوكر مثل‪( :‬واحة الغروب)‪ ،‬و(�ساق البامبو)‪،‬‬ ‫و(فرانك�شتاين في بغداد)‪.‬‬ ‫واه��ت��م الكتاب كذلك ببع�ض الظواهر‬ ‫المتعلقة بالفن الروائي‪ ،‬مثل ظاهرة انت�شار‬ ‫الرواية التاريخية بين الكتاب العرب‪ ،‬م�ؤكداً‬ ‫التفريق بين الت�ضحية بالفن لم�صلحة‬ ‫ال��ت��اري��خ‪ ،‬وب��ي��ن تحقيق الخلطة البارعة‬ ‫ال�ستعرا�ض التاريخ عبر الفن‪.‬‬ ‫و�أ�شار الخياري في كتابه �إل��ى ظاهرة‬ ‫(النداهة)‬ ‫التغول الروائي‪ ،‬حين �أطلق لقب‬ ‫ّ‬ ‫على الفن ال��روائ��ي‪� ،‬ضارب ًا المثل بالكثير‬ ‫من ال�شعراء والأكاديميين‪ ،‬الذين اجتذبتهم‬ ‫ال���رواي���ة‪ ،‬وم ��ن �أج��ل��ه��ا ت��رك��وا مجاالتهم‬ ‫الأ�صلية‪ ،‬فمن ال�شعراء‪ :‬علي عطا‪ ،‬و�سهير‬ ‫الم�صادفة‪ ،‬و�أحمد ف�ضل �شبلول‪ ،‬وغيرهم‬ ‫ومن الأكاديميين‪ ،‬مثل‪ :‬د‪.‬عبدالرحيم الكردي‪.‬‬ ‫ومن ال�سيا�سيين‪ :‬د‪�.‬أحمد جمال الدين مو�سى‪..‬‬ ‫كما كانت ظاهرة طموح (فخ العالمية)‬ ‫حين يطمح بع�ض الروائيين �إلى العالمية‪،‬‬ ‫وينبهروا بذلك‪ ،‬خا�صة بعد تحقيقهم النجاح‬ ‫على م�ستوى الترجمة‪.‬‬ ‫ي��ذك��ر �أن ال��دك��ت��ور محمد �أب ��و ال�سعود‬ ‫ال��خ��ي��اري‪ ،‬ن��اق��د وك��ات��ب م�����ص��ري‪ ،‬ح�صل‬ ‫على الماج�ستير في بنية الق�صة الق�صيرة‪،‬‬ ‫والدكتوراه في الرواية‪.‬‬

‫مقاالت‬ ‫مرايا‬

‫علم ال�صيدلة‬ ‫الإ�سالمي‬ ‫محمد ف�ؤاد علي‬ ‫وه��ب اهلل الإن�سان ال�صحة والعافية‬ ‫لتمكينه م��ن �أداء �أع��م��ال��ه‪ ،‬والبحث عن‬ ‫مقررات حياته اليومية واال�ستفادة من‬ ‫ثروات الكون الذي يعي�ش فيه‪ ،‬وعلمه �أي�ض ًا‬ ‫كيفية مواجهة المر�ض وعالجه منذ �أقدم‬ ‫الع�صور التاريخية؛ ابتداء من الح�ضارات‬ ‫ال��ف��رع��ون��ي��ة‪ ،‬وال��ب��اب��ل��ي��ة‪ ،‬والآ���ش��وري��ة‪،‬‬ ‫وال��ك��ل��دان��ي��ة‪ ،‬وال��ي��ون��ان��ي��ة‪ ،‬والبطالمة‪،‬‬ ‫وال��روم��ان��ي��ة‪ ،‬وال�����ص��ي��ن��ي��ة‪ ،‬وال��ه��ن��دي��ة‪،‬‬ ‫والإ�سالمية والحديثة والمعا�صرة‪ ،‬ويت�ضح‬ ‫مما �سبق �أن الإن�سان عرف علم الطب كما‬ ‫عرف علم ال�صيدلة‪ ،‬بعد �أن الحظ هدوء‬ ‫الكالب الهائجة (الم�سعورة)‪ ،‬بعد تناولها‬ ‫بع�ض الأع�����ش��اب‪ ،‬وت��ن��اول القطط لنبات‬ ‫النعناع لعالج �آالم البطن‪.‬‬ ‫يق�صد بعلم ال�صيدلة درا�سة تفاعل‬ ‫المركبات الدوائية مع الأج�سام الحية‬ ‫لإنتاج الت�أثير العالجي عن طريق االتحاد‬ ‫بالم�ستقبالت البروتينية‪� ،‬أو تثبيط �إنزيمات‬ ‫معينة �ضمن الج�سم‪ ،‬ويهتم علم ال�صيدلة‬ ‫�أي�ضا ب��درا���س��ة �آث ��ار ال���دواء على الب�شر‬ ‫والحيوانات والنباتات من حيث (تركيب‬ ‫ال��م��رك��ب ال ��دوائ ��ي)‪ ،‬خ��وا���ص��ه‪ ،‬ت�أثيراته‬ ‫الإيجابية وال�سلبية‪� ،‬سميته‪ ،‬الأمرا�ض‬

‫علم ال�صيدلة يدر�س‬ ‫تفاعل المركبات الدوائية‬ ‫لإنتاج الت�أثير العالجي‬ ‫و�آثاره على الإن�سان‬ ‫والحيوان والنبات‬

‫ال��ت��ي يمكن �أن يعالجها‪ ،‬وم��ن �أن ��واع‬ ‫ال�صيدليات نذكر (ال�صيدلة المجتمعية‪،‬‬ ‫وال�صيدلة الكيميائية‪ ،‬وال�صيدلة البيطرية‪،‬‬ ‫وال�����ص��ي��دل��ة ال��م��ع��ل��وم��ات��ي��ة‪ ،‬وال�صيدلة‬ ‫النووية‪ ،‬وال�صيدلة الع�سكرية)‪ ،‬ولكل نوع‬ ‫خ�صائ�صه ومجاالته‪.‬‬ ‫وتنق�سم الأدوي����ة الكيميائية �إل��ى‬ ‫�أن���واع متعددة منها الأدوي� ��ة الخا�صة‬ ‫بعالج �أمرا�ض الجهاز اله�ضمي‪ ،‬الأدوية‬ ‫الخا�صة بعالج �أمرا�ض الجهاز التنف�سي‪،‬‬ ‫الأدوي��ة الخا�صة بعالج �أمرا�ض الحهاز‬ ‫البولي الإخراجي‪ ،‬الأدوية الخا�صة بعالج‬ ‫الجهاز الدوري‪ ،‬الأدوية الخا�صة ب�أمرا�ض‬ ‫الح�سا�سية وال��ت��رك��ي��ز وف��ق��دان ال�شهية‬ ‫والفيرو�سات والميكروبات والجراثيم‪،‬‬ ‫الأدوي��ة الخا�صة بعالج الجهاز الع�صبي‬ ‫(الأع�صاب والع�ضالت)‪ ،‬وتعتبر الواليات‬ ‫المتحدة الأمريكية و�إنجلترا والنم�سا‬ ‫و�ألمانيا واليونان من �أكبر الدول المنتجة‬ ‫للأدوية‪ ،‬ويعرف المكان الذي تباع فيه‬ ‫الأدوية والم�ستح�ضرات الطبية بال�صيدلية‪،‬‬ ‫ودور ال�صيدليات في �أمريكا وكندا على‬ ‫�سبيل المثال‪ ،‬ال يقف عند بيع الأدوي��ة‪،‬‬ ‫ب��ل تبيع العديد م��ن ال�سلع والمرطبات‬ ‫والمالب�س والأدوات المدر�سية‪.‬‬ ‫وت�شير الوثائق والكتب التاريخية التي‬ ‫و�صلتنا من الح�ضارة الإ�سالمية �إلى نبوغ‬ ‫الم�سلمين فى علم ال�صيدلة‪ ،‬وخير �شاهد‬ ‫على ما نقول الكتب التي �ألفها ال��رازي‬ ‫(منافع الأغذية‪ ،‬ال�صيدلية الطبية‪ ،‬الحاوي‬ ‫في ال��ت��داوي)‪ ،‬كما �أل��ف علي بن العبا�س‬ ‫كتابه المو�سوم (كامل ال�صناعة الطبية)‪،‬‬

‫الرازي والزهراوي‬ ‫والإدري�سي وابن النفي�س‬ ‫من �أ�شهر العلماء في‬ ‫ال�صيدلة‬ ‫كما �ألف الزهراوي كتابه القيم (الت�صريف‬ ‫لمن عجزعن الت�أليف)‪ ،‬ولكوهين العطار‬ ‫ك��ت��اب رائ���ع ف��ي ع��ل��م ال�����ص��ي��دل��ة يحمل‬ ‫عنوان (منهاج الدكان ود�ستور الأعيان)‪،‬‬ ‫والب��ن زهر الأندل�سي كتاب قيم في علم‬ ‫ال�صيدلة يحمل ا�سم (الجامع في الأ�شربة‬ ‫وال��م��ع��ج��ون��ات)‪ ،‬والب���ن ع��ب��داهلل محمد‬ ‫الإدري�����س��ي ك��ت��اب قيم با�سم (الجامع‬ ‫ل�صفات الأدوي��ة)‪ ،‬والبن �سينا كتاب قيم‬ ‫في الأدوي��ة وعلم ال�صيدلة يحمل عنوان‬ ‫(القانون) اخت�صره و�شرحه ابن النفي�س‬ ‫مكت�شف ال� ��دورة ال��دم��وي��ة قبل هارفي‬ ‫بمئات ال�سنين‪ ،‬ويعتبر ابن البيطار رائد‬ ‫علم ال�صيدلة في الح�ضارة الإ�سالمية‪،‬‬ ‫ومن �أ�شهر م�ؤلفاته كتاب (جامع الأغذية)‪،‬‬ ‫وال��ك��ت��اب ع��ب��ارة ع��ن ن��ت��ائ��ج �أب��ح��اث��ه‬ ‫ال�صيدالنية على مجموعة من النباتات‬ ‫والأع�شاب الطبيعية التي جلبها من بلدان‬ ‫كثيرة لي�ستخرج منها بع�ض المركبات‬ ‫ال��دوائ��ي��ة‪ ،‬وق ��د �صنف ه ��ذه ال��ن��ب��ات��ات‬ ‫ب�أ�سلوب علمي ينم عن مهارة وحرفية‬ ‫تجريبية‪ ،‬ولم يبق لنا �سوى الإ�شارة �إلى‬ ‫اتخاذ علم ال�صيدلة الثعبان والدورق رمزاً‬ ‫ال�سميات والدورق‬ ‫له (الثعبان يدل على‬ ‫ّ‬ ‫يدل على �إناء التجارب المعملية)‪.‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪137‬‬

‫قراءات‬ ‫جولة في ربوع �آ�سيا‪..‬‬

‫حكايات م�شوقة‬

‫ال��م���ؤل��ف محمد‬ ‫رح�����ال�����ة‬ ‫ث�����اب�����ت ّ‬ ‫م�صري يع�شق ال�سفر‬ ‫والرحالت‪ ،‬اعتاد �أن‬ ‫ي��ق��وم برحلة كبيرة‬ ‫ف��ي �صيف ك��ل �سنة‪،‬‬ ‫ناديا عمر‬ ‫يدون فيها م�شاهداته‬ ‫في البالد التي ي�سافر‬ ‫�إليها‪ ،‬و�أكثر كتبه كانت في �أدب الرحالت‪،‬‬ ‫مثل‪ :‬جولة في ربوع �أ�ستراليا‪ ،‬رحالتي في‬ ‫م�شارق الأر�ض ومغاربها وغيرهما‪.‬‬ ‫ق�سم الم�ؤلف كتابه �إلى خم�سة ف�صول‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وفي كل ف�صل تناول بلداً مختلف ًا من بالد‬ ‫�آ�سيا وهي‪ :‬الهند‪ ،‬الماليو �سنغافورة‪ ،‬اليابان‪،‬‬ ‫كوريا‪ ،‬وال�صين‪ .‬و�أ�شار في مقدمة كتابه �إلى‬ ‫�أنه �أحب �أن ير�سم من خالل جوالته �صوراً‬ ‫جميلة في رب��وع ال�شرق‪ ،‬ولينقل من خالل‬ ‫عينه الم�صرية ال�شرقية عنا�صر نهو�ض هذه‬ ‫الأمم ومراحل تطورها عبر طقو�سها‪� ،‬آثارها‬ ‫وطرائفها وفنونها المعمارية‪ ،‬ليك�شف عن‬ ‫مالمح الجمال للطبيعة و�أوج��ه االقت�صاد‬ ‫والثقافة والعمران فيها‪.‬‬ ‫وك��ان��ت البداية م��ن الهند‪ ،‬فقد لخ�ص‬ ‫تاريخها في ثالثة ع�صور رئي�سية هي‪ :‬ع�صر‬

‫‪138‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫الهندو�س بين (‪ 2000‬ق‪.‬م)‪ ،‬و (‪1000‬م)‪،‬‬ ‫والع�صر الإ���س�لام��ي بين �سنة (‪1000‬م)‬ ‫و(‪1757‬م)‪ ،‬وع�صر �سيادة الأوروبيين ويبد�أ‬ ‫من �سنة(‪1757‬م)‪.‬‬ ‫وفي رحلته �إلى كاندي العا�صمة القديمة‬ ‫لجزيرة �سرنديب‪ ،‬و�صف الم�ؤلف المناظر‬ ‫ال�ساحرة التي تملك اللب على حد قوله‪ ،‬و�سط‬ ‫الأدغال الملتفة والغابات الكثيفة التي تمرح‬ ‫فيها مجموعات من الفيلة و�أ���س��راب الطير‬ ‫الأخ�ضر ت ّزين الغابة‪ ،‬وكذلك مح�صول ال�شاي‬ ‫يغطي مدرجات الجبال‪� ،‬إلى جانب‬ ‫الذي كان ّ‬ ‫�شجيرات القطن ال�صغيرة‪.‬‬ ‫ويعتبر الأرز من �أ�شهر المزروعات �إذ‬ ‫�سويت له جوانب الوهاد في م�ساطب �أفقية‬ ‫ّ‬ ‫يعلو بع�ضها بع�ض ًا‪ ،‬ويكاد الماء يغرقه‪،‬‬ ‫وكثير من �أنواع الفاكهة مثل‪ :‬المانجو�ستين‪،‬‬ ‫ال��دوري��ان‪ ،‬البيوا وغيرها‪� .‬أم��ا الموز فغذاء‬ ‫رئي�سي للعامة يعر�ض في كل مكان و�أ�سعاره‬ ‫رخي�صة جداً‪.‬‬ ‫وم��ن حديقة النباتات التي �ضمت كل‬ ‫ف�صائل النبات ب�سيالن‪ ،‬كتب ع��ن زراع��ة‬ ‫الكينا والكاكاو والمطاط‪ ،‬والتوابل مثل‪ :‬جوز‬ ‫الطيب‪ ،‬والفلفل‪ ،‬والقرفة‪ ،‬والوانال‪ ،‬والزنجبيل‪.‬‬ ‫�أما بالن�سبة للمالب�س فقد كتب‪ :‬هالني‬ ‫و�أن ��ا ف��ي ال�سفينة تعدد ال�سحن والأل���وان‬ ‫والأزياء‪ ،‬وقد عددت من الأزياء نحو الثالثين‪،‬‬ ‫فالبع�ض يلف ن�صفه الأ�سفل بمالءة ملونة‪،‬‬ ‫والبع�ض يرتدي �سراويل‪.‬‬ ‫وف�����ي دل���ه���ي زار ال���م����ؤل���ف ق��ل��ع��ة‬ ‫(�شاهجاهاناباد)‪ ،‬وق��ال �إنها كانت �آي��ات‬ ‫من الأبهة حتى �أ�صبحت م�ضرب الأمثال‪،‬‬ ‫فمن م�ساجد �إلى مقا�صير �إلى �إيوانات �إلى‬ ‫ق�صور كلها من الرخام المر�صع باليواقيت‬ ‫وال��ج��واه��ر ت��ف��ر���ش ب��ال��ح��رائ��ر والطناف�س‬ ‫الثمينة‪ ،‬ومنها (رانج محل) �أي ق�صر الزجاج‬ ‫ال��ب� ّ�راق‪ ،‬وك��ان خا�ص ًا بال�سلطانة‪ ،‬والت��زال‬ ‫في �سقفه بقية من الف�ضة المر�صعة بزهور‬ ‫من ذه��ب‪ ،‬ونافورة تغ�ص بال�سمك الملون‪.‬‬ ‫وكان يطوق جيد كل �سمكة عقد من ذهب به‬ ‫ياقوتة ول�ؤل�ؤتان‪ ،‬وتحوطه حدائق تزينها‬ ‫مجاري الرخام‪ ،‬وكذلك م�سجد الل�ؤل�ؤة وكان‬

‫خا�ص ًا ب�شاه جهان الذي �أ�سرف في زخرفته‬ ‫وتن�سيقه‪ ،‬حتى �أ�ضحى �أجمل م�ساجد الهند‬ ‫و�أ�صغرها على حد تعبيره‪.‬‬ ‫ثم انتقل �إلى اليابان في رحلته وتحدث‬ ‫عن مدينة كوبي المزينة منحدرات مبانيها‬ ‫في رونق جذاب‪ ،‬وقال �إنها خالية من ال�ضجة‬ ‫وال�ضو�ضاء‪ ،‬وال ت�سمع �إال قعقعة �أحذيتهم‬ ‫ن�ساء ورج��ا ًال‪ ،‬وتابع‬ ‫الخ�شبية (قباقيبهم)‪،‬‬ ‫ً‬ ‫قائ ًال‪� :‬إنه من العجيب �أنك تراهم ي�سيرون‬ ‫بها في �سرعة عجيبة و�إن اعوجت م�شيتهم‪،‬‬ ‫والجميع يلب�سون الأردي ��ة الف�ضفا�ضة الـ‬ ‫(كيمونو)‪� ،‬أما الوجوه فم�صفرة اللون‪ ،‬منحرفة‬ ‫العيون‪ ،‬ويغلب �أن ي�ستخدمن الأدهنة البي�ضاء‬ ‫ال الحمراء‪ ،‬وجمال الوجوه نادر‪ ،‬و�إن كانت‬ ‫الر�شاقة والجاذبية بالغة حداً كبيراً يزيدها‬ ‫ح�سن ًا ذاك الهندام العجيب في �ألوانه الرقطاء‬ ‫الزاهية‪ ،‬وفي هذا ال�صدد � ّأكد �أنه �أجمل ما يرى‬ ‫في الم�ساء‪ ،‬حين ت�ضاء م�صابيح الأ�سواق‬ ‫في بوابات من حديد تر�ص عليها الثريات‬ ‫الكبيرة في تلأل�ؤ �شديد‪ ،‬و�أ���ض��واء المحال‬ ‫التجارية بمفرو�شاتها اليابانية الجذابة‪.‬‬ ‫وهناك دار وطنية لل�سينما يجل�س المتفرجون‬ ‫فيها على الح�صر والح�شيات على نظام‬ ‫البيوت اليابانية‪.‬‬ ‫وفي الف�صل الأخير تحدث الم�ؤلف عن‬ ‫ال�صين‪ ،‬وروى ع��ن بكين التي تتو�سطها‬ ‫مدينة �أخرى ي�سمونها المدينة الإمبراطورية‪،‬‬ ‫لها �سورها الخا�ص‪ ،‬وكانت مقر الأ�سرة‬ ‫والحا�شية وكبار رجال الدولة‪ .‬وفي داخلها‬ ‫المدينة المحرمة‪ ،‬مركز الدنيا في زعمهم‪،‬‬ ‫يتو�سطها عر�ش التنين ذائ��ع ال�صيت الذي‬ ‫جل�س عليه ملوك المغول وال�صين والمان�شو‬ ‫على التعاقب‪ ،‬وحولها �سور م��ن الخزف‬ ‫الأ�صفر البراق‪ .‬و�إلى جانبها معار�ض فيها‬ ‫نفائ�س فنية قديمة مثل التماثيل الم�صنوعة‬ ‫من �أحجار كريمة‪ ،‬و�ساعات مر�صعة‪ ،‬وخرط‬ ‫مطعم من العاج والخ�شب‪ ،‬وحروف الطباعة‬ ‫القديمة‪ ،‬و�آالت مو�سيقية من بينها (بيان)‬ ‫ك�أنه (القانون) من �سبعة �أوتار‪ ،‬يرجع عهده‬ ‫�إلى( ‪1573‬م)‪ ،‬ثم مجموعة من �أ�سلحة ودروع‬ ‫و�سروج‪ ،‬ومفرو�شات قيمة‪.‬‬

‫�إ�صدارات‬

‫مقاربات ‪ ..‬في الق�صة والرواية‬ ‫ي�����ق�����دم ك���ت���اب‬ ‫(م�����ن�����ازل ال�������س���رد‪:‬‬ ‫مقاربات ف��ي الق�صة‬ ‫وال���رواي���ة)‪ ،‬ال�����ص��ادر‬ ‫ح���دي���ث��� ًا (‪)2021‬‬ ‫ع ��ن دائ�����رة ال��ث��ق��اف��ة‬ ‫ب��ال�����ش��ارق��ة‪ ،‬للدكتور‬ ‫�أبرار الأغا‬ ‫�إب ��راه ��ي ��م �أب��وط��ال��ب‬ ‫�أ�ستاذ الأدب والنقد الحديث بجامعة �صنعاء‪،‬‬ ‫قراءات �سردية في الق�صة الق�صيرة التي كتبتها‬ ‫المر�أة اليمنية‪ ،‬والتي كتبها عبداهلل الإرياني‪،‬‬ ‫و�سلط ال�ضوء على الم�شهد ال��روائ��ي اليمني‬ ‫ك��أع��م��ال محمد عبدالولي‪ ،‬ومحمد الغربي‬ ‫عمران‪ ،‬و�سامي ال�شاطبي‪.‬‬ ‫و�أ�شار الناقد �إلى �أن بع�ض القراءات التي‬ ‫قدمها قد تظهر وفق ًا لمنهج معين من مناهج‬ ‫النقد الحديثة‪ ،‬وحاولت بع�ض القراءات الأخرى‬ ‫�أن تخرج بمنهجها الخا�ص بما توحيه طبيعة‬ ‫الن�ص‪ ،‬دون زجها في منهج واحد معد م�سبق ًا‪.‬‬ ‫جاء الق�سم الأول بعنوان‪( :‬مقاربات في‬ ‫الق�صة الق�صيرة)‪ ،‬وق��دم فيه الناقد ق��راءات‬ ‫لمجموعة (�سماء ال�صباحي) (�أن��ات ق�صيرة‬ ‫جداً)‪ ،‬ولمجموعة (ابت�سام القا�سمي) (�شهرزاد‬ ‫تتجر�أ �أخيراً وتعاود الحكي)‪ ،‬ولمجموعة (الرا‬ ‫الظرا�سي) (زرقاء عدن)‪ ،‬وقراءة رابعة لـ(عبداهلل‬ ‫الإرياني) (حديث عن حديث كل يوم)‪.‬‬ ‫ورك��زت ال�صباحي في مجموعتها على‬ ‫ثنائية ال�ضميرين‪( :‬ه��ي‪ ،‬و�أن� ��ت)‪ ،‬وثنائية‬

‫الجدليتين‪( :‬الحياة والموت)‪ ،‬متقن ًة ال�صنعة‬ ‫تكون‬ ‫بحرفية �سردية‪ ،‬وترابطية عالية في ُّ‬ ‫الن�ص‪ ،‬وي��رى الناقد �أنها تجربة ق�ص�صية‬ ‫حداثية تعتمد على �أحدث �أ�ساليب ال�سرد‪ ،‬وتخلو‬ ‫من الح�شو‪ ،‬وال تختلط بعالم ال�شعر‪.‬‬ ‫و�أو�ضح �أن القا�سمي ا�ستخدمت �أكثر من‬ ‫تقنية �سردية‪ ،‬فعملت على ا�ستخدام تنويع‬ ‫وانتهاء‬ ‫ال�سرد ب��دءاً من حكائيته ورمزيته‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ب�شعريته؛ ما يظهر تمكنها من �أدوات ال�سرد‪،‬‬ ‫كذلك فقد نوعت تقنيات �آليات العر�ض‪ ،‬وعمدت‬ ‫�إلى الإيجاز على م�ستوى الحدث وال�شخ�صيات‬ ‫واللغة‪ ،‬وكانت مو�ضوعاتها التقاطات لليومي‬ ‫في حياة المر�أة في ف�ضاءات عدة‪.‬‬ ‫وناق�ش الناقد المو�ضوعات التي طرحتها‬ ‫مجموعة (زرقاء عدن)‪ ،‬ويرى �أنها‪( :‬تبالغ في‬ ‫و�صف �صورة المر�أة ال�ضعيفة‪ ،‬ولعل هذا هو‬ ‫الجانب ال�ضعيف في بناء المجموعة في تقديم‬ ‫�صورة ربما تكون مبالغ ًا فيها‪ ،‬فالرجل قوي‬ ‫ظالم‪ ،‬في مقابل المر�أة ال�ضعيفة الم�ستلبة)‪،‬‬ ‫م�شيراً �إلى �أن ق�ضاياها التي تعالجها مكررة‬ ‫كق�ضايا الث�أر والحرب والقبيلة؛ �إال �أن طريقة‬ ‫التناول وزاوي��ة ر�ؤي��ة الكاتبة‪ ،‬تح�سب لل�سرد‬ ‫والن�ص‪.‬‬ ‫وبين �أن الإري��ان��ي يعتمد في بناء معظم‬ ‫ّ‬ ‫ق�ص�صه على التداعي اللفظي‪ ،‬كهيمنة مفردات‬ ‫تتكرر في بدايات الجمل؛ ما �أوقعه في الح�شو‬ ‫والزيادة غير الم�ستحبة‪ ،‬الفت ًا �إلى �أن الكاتب‬ ‫ا�ستعان بال�شعر �سواء الف�صيح �أو ال�شعبي‪ ،‬وي�ؤخذ‬ ‫عليه كثرة الأخطاء اللغوية والإمالئية والنحوية‪.‬‬ ‫وي�ضم الق�سم ال��ث��ان��ي‪( :‬م��ق��ارب��ات في‬ ‫الرواية)‪ ،‬ثالثة موا�ضيع‪ ،‬هي‪( :‬الرواية اليمنية‪:‬‬ ‫التحقيب الزمني والمو�ضاعاتي والتوظيف‬ ‫الحكائي في �أعمال الروائي محمد عبدالولي)‪،‬‬ ‫و(اج��ت��راح الممنوع وت�أ�صيل ثقافة الوحدة‪:‬‬ ‫مقاربة في رواي��ة «م�صحف �أح��م��ر» لمحمد‬ ‫الغربي عمران)‪ ،‬و(م�شروع البحث عن الذات‬ ‫وم�شروعية ال�س�ؤال‪ :‬مقاربة في رواية «م�شروع‬ ‫ابت�سامة» ل�سامي ال�شاطبي)‪.‬‬ ‫ويمتد عمر الرواية اليمنية �إلى �أكثر من‬ ‫ثمانين عام ًا‪ ،‬ف�صدرت �أول رواي��ة (�سعيد)‪،‬‬ ‫للمثقف اليمني محمد ع��ل��ي ل��ق��م��ان‪ ،‬ع��ام‬ ‫(‪1939‬م)‪ ،‬وتتبع الناقد م��راح��ل الخطاب‬ ‫الروائي اليمني‪ ،‬وهي‪ :‬مرحلة الريادة وتتجلى‬ ‫في رواية (�سعيد)‪ ،‬ثم رواية (يوميات مبر�شت)‪.‬‬ ‫�أما المرحلة الثانية‪ ،‬فهي مرحلة الت�أ�سي�س‪،‬‬

‫د‪� .‬إبراهيم �أبو طالب‬

‫وبد�أت زمني ًا مع بداية (‪1960‬م) وتمتد حتى‬ ‫بداية ال�سبعينيات‪ ،‬كرواية (م�أ�ساة واق الواق)‬ ‫لمحمد الزبيري‪ ،‬تبعتها رواي��ات ع��دة‪ ،‬وكان‬ ‫لتجربة محمد عبدالولي‪� ،‬أكثر الروايات قدرة‬ ‫وتمكن ًا في هذه المرحلة‪.‬‬ ‫تالها مرحلة التجني�س‪ ،‬وفيها ثبتت الرواية‬ ‫كجن�س �أدب��ي قائم بذاته‪ ،‬ومن الأ�سماء التي‬ ‫طورت هذا الفن‪ :‬محمد عبدالولي‪ ،‬وعبدالوهاب‬ ‫ال�ضوراني‪ ،‬وعبدالكريم المرت�ضى‪ ،‬فيما تعد‬ ‫مرحلة الت�سعينيات مرحلة التجديد‪ ،‬وكان‬ ‫ذلك على �صعيد الم�ستوى وال�شكل والم�ضمون‪،‬‬ ‫وق��د عالجت ال��رواي��ة اليمنية م�ضامين عدة‪،‬‬ ‫منها‪ :‬الإ�صالحي‪ ،‬فال�سيا�سي‪ ،‬فاالجتماعي‪،‬‬ ‫فالتاريخي‪ ،‬ف ��أدب الرحالت‪ ،‬فرواية ال�سيرة‬ ‫الذاتية‪ ،‬فالعاطفي‪.‬‬ ‫ور�صد الناقد �إ�شكاليات الرواية اليمنية‪،‬‬ ‫منها‪� :‬إ�شكالية �س�ؤال الحداثة‪ ،‬وطرائق التجديد‬ ‫المحدودة والم�أمولة‪ ،‬و�إ�شكالية التداخل بين‬ ‫ال�سيرة الذاتية والعمل المو�ضوعي‪ ،‬وثنائية‬ ‫الجدل بين طرائق العر�ض في �أ�شكالها التقليدية‬ ‫وا���س��ت��خ��دام التقنيات الحديثة ب�ضمائرها‬ ‫ال�سردية ومزجها‪.‬‬ ‫وتحدث عن تجربة محمد عبدالولي‪ ،‬الذي‬ ‫وظف تقنيات الحكي الموروث رابط ًا بذلك بين‬ ‫فن الرواية والفنون الت�أ�صيلية‪ ،‬وا�ستخدمت‬ ‫رواي ��ة (م�صحف �أح��م��ر) التقنيات ال�سردية‬ ‫التجديدية‪ ،‬فاعتمدت في ال�سرد على �أ�سلوب‬ ‫الر�سائل‪ ،‬وجاء الزمن ال�سردي على م�ستويين‪:‬‬ ‫ما�ض يعتمد على تقنية الفال�ش باك‪ ،‬وحا�ضر‬ ‫ٍ‬ ‫ت�سير �أحداثه في جديلة مت�ضافرة على امتداد‬ ‫ف�صول الرواية‪.‬‬ ‫وفي (م�شروع ابت�سامة)‪ ،‬الحظ الناقد ولع‬ ‫م�ؤلفها بغرائبية ما يطرح من �أرق��ام و�أ�سماء‬ ‫و�أح����داث‪ ،‬حيث ت�سيطر ف��ك��رة ال��ه��روب على‬ ‫الن�ص‪ ،‬كالهروب من الواقع‪ ،‬ومن الذات الفردية‬ ‫والجمعية‪.‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪139‬‬

‫مقاالت‬

‫�أبعاد العمل‬

‫الفني الإبداعي‬ ‫ومـكـونـاتـه‬

‫د‪ .‬مازن �أكثم �سليمان‬

‫تدل مفردة (العمل) في م�صطلح (العمل‬ ‫الفني الإب��داع��ي) على معنى الإن��ت��اج‪� ،‬أو‬ ‫المح�صلة التي تتوج مجموعة متفاعلة‬ ‫ِّ‬ ‫ومعقدة من الن�شاطات التي تتج�سد في هذا‬ ‫العمل‪ ،‬في حين �أن (الإب��داع) مفهوم وا�سع‬ ‫�شامل عميق؛ فهو يمتد من االختراعات‬ ‫واالكت�شافات العلمية‪ ،‬مروراً باالبتكارات‬ ‫والإبداعات الفنية‪ ،‬و�صو ًال �إلى كل �إنتاج‬ ‫جديد وقيم‪.‬‬ ‫�إن الإبداع الفني �شكل راقٍ من �أ�شكال‬ ‫الن�شاط الإن�ساني‪ ،‬وهو ظاهرة معقدة جداً‪،‬‬ ‫�أو جملة معقدة من الظواهر ذات وجوه‬ ‫و�أب��ع��اد متعددة‪ .‬وبمعنى �أدق‪ :‬الإب ��داع‬ ‫ه��و وح��دة متكاملة م��ن العوامل الذاتية‬ ‫والمو�ضوعية التي ت�شتمل على ن�شاطات‬ ‫التفكير وال��خ��ي��ال‪ ،‬وال ��ق ��درة ع��ل��ى نقل‬ ‫المعلومات و�إيجاد العالقات بين العنا�صر‬ ‫المعرفية والجمالية‪ ،‬وتندرج فيها حركية‬ ‫واالنفعالية والعوامل‬ ‫العاطفية‬ ‫الحياة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ال�شخ�صية والعامة برمتها‪.‬‬ ‫تتمثل �أبعاد العملية الإبداعية في ثالثة‬ ‫م�ستويات‪ ،‬هي‪ :‬البعد الفردي ال�شخ�صي‪،‬‬ ‫والبعد االجتماعي‪ ،‬والبعد التاريخي �أو‬ ‫التطوري‪.‬‬ ‫ماهية العمل‬ ‫في‬ ‫نبحث‬ ‫حينما‬ ‫�إننا‬ ‫ّ‬ ‫الفني الإب��داع��ي نقوم بتحليل �شخ�صية‬ ‫المبدع مزاجي ًا وعقلي ًا وواقعي ًا‪ ،‬وندر�س‪،‬‬ ‫�أي�ض ًا‪ ،‬عالقة الموهبة بالمقدرة والتجربة‬ ‫الحياتية‪ ،‬ونهتم بفهم ال�صلة بين الوعي‬ ‫‪140‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫والحد�س (ال��وع��ي وال�لاوع��ي)‪ ،‬ف�ض ًال عن‬ ‫االهتمام بم�ستوى �إح�سا�س المبدع بالعا َلم‬ ‫المحيط والتعامل معه وما ينتج عن ذلك‬ ‫من مهارات‪ ،‬ومن الخط�أ �أن نعزو القدرة‬ ‫الإبداعية �إل��ى الموهبة النظرية فح�سب‪،‬‬ ‫فالمبدع لي�س مجرد كائن موهوب فقط؛ بل‬ ‫هو �إن�سان قادر على تنظيم مجموعة معقدة‬ ‫من الن�شاطات للو�صول �إلى تج�سيدها في‬ ‫عمل فني �إب��داع��ي‪ ،‬وجميع ه��ذه الجوانب‬ ‫تمثل البعد الفردي ال�شخ�صي في الإبداع‪.‬‬ ‫�إن البعد الإبداعي االجتماعي هو البعد‬ ‫الذي يكفل في العمل الفني عملية التوا�صل‬ ‫بين الفرد والجماعة‪ ،‬فكل عمل �إبداعي هو‬ ‫عمل خا�ص وع��ام في الوقت نف�سه؛ �أي‬ ‫فردي واجتماعي في �آنٍ مع ًا‪ .‬في حين �أن‬ ‫البعد التاريخي التطوري هو البعد الذي‬ ‫يج�سد حركة تطور الفن‪ ،‬على نح ٍو عام‪ ،‬عبر‬ ‫م�سيرة التاريخ‪ ،‬فالن�شاط الفني الإبداعي‬ ‫ه��و ظ��اه��رة �إن�سانية تاريخية تخ�ضع‬ ‫لقوانين التطور والجدل واالرتقاء‪ ،‬فالمبدع‬ ‫ال يبد�أ من ف��راغ؛ �إنما يعتمد على تراكم‬ ‫�ضخم لتراث �إن�ساني وا�سع وخ�صب‪.‬‬ ‫لعل تحديد �أب��ع��اد العملية الإبداعية‬ ‫يقود‪ ،‬تلقائي ًا‪� ،‬إل��ى تحديد مكونات هذه‬ ‫العملية �أي�ض ًا‪ ،‬و�أهمها‪ :‬ال�شخ�صية المبدعة‪،‬‬ ‫والموهبة‪ ،‬والتجربة الحياتية‪ ،‬والفكر (�أو‬ ‫العقيدة)‪ ،‬والحد�س والوعي‪ ،‬والإح�سا�س‬ ‫بالعا َلم‪ ،‬والمهارة‪.‬‬ ‫ت��ق��وم �شخ�صية ال��م��ب��دع ف��ي عملية‬

‫الإب ��داع ب��دور محوري وعلى جانب كبير‬ ‫من الأهمية‪ ،‬فالحديث عن �شخ�صية المبدع‬ ‫يعني‪ ،‬من وجهة نظر علم النف�س‪ ،‬البحث‬ ‫في اال�ستعدادات والدوافع والتمثل الفكري‬ ‫والطبع والمزاج والمواقف العاطفية والذكاء‪،‬‬ ‫لكن الجانب النف�سي لي�س كل �شيء في‬ ‫تكوين ال�شخ�صية الإبداعية‪ ،‬ذلك لأن هناك‬ ‫ت�أثيراً عميق ًا‪� ،‬أي�ض ًا‪ ،‬للعا َلم االجتماعي في‬ ‫�شخ�صية المبدع‪ ،‬فاال�ستيعاب الفني للعا َلم‬ ‫يقوم في تكوينه لل�شخ�صية الإبداعية على‬ ‫جدلية الذاتي والمو�ضوعي‪.‬‬ ‫غير �أن الحديث عن �شخ�صية المبدع‬ ‫يدفعنا �إلى التمييز بين �شخ�صيته الحياتية‬ ‫و�شخ�صيته الإبداعية‪� ،‬إذ �إننا‪ ،‬على الأرجح‪،‬‬ ‫نجد اختالف ًا بين ال�شخ�صيتين؛ فال�شخ�صية‬ ‫المبدعة هي التي تعبر عن نف�سها في الإبداع‬ ‫لتبدو كما لو �أنها ترتفع فوق ال�شخ�صية‬ ‫الحياتية الملمو�سة‪ ،‬بكل م�شاغلها المعي�شية‬ ‫الم�ضطربة واهتماماتها اليومية المبا�شرة‪،‬‬ ‫فكلما ات�سع حجم ال�شخ�صية الإبداعية‬ ‫في مقابل ال�شخ�صية الحياتية‪ ،‬ازدادت‬ ‫�أهمية الإب��داع‪ ،‬لكن ذلك ال يعني انف�صال‬ ‫ال�شخ�صية الحياتية‬ ‫ال�شخ�صية الإبداعية عن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫والواقع انف�صا ًال مطلق ًا؛ ذلك �أن الإبداع يولد‬ ‫ويت�شكل‪ ،‬بطبيعة الحال‪ ،‬في و�سط اجتماعي‬ ‫ملمو�س ي�ؤثر به ويكون كثيراً من �أبعاده‪.‬‬ ‫�أما المكون الثاني في العملية الإبداعية‬ ‫فهو الموهبة‪ ،‬وهي �شرط �إلزامي من �شروط‬ ‫الن�شاط الإبداعي‪� .‬إنها قدرة فطرية ولي�ست‬

‫فوا�صل‬

‫مكت�سبة‪ ،‬لأن ال�شخ�صية المبدعة ت�ستطيع �أن‬ ‫تكت�سب معارف تتحول في عملية الإبداع �إلى‬ ‫قدرات‪� ،‬إال �أنها ال ت�ستطيع �أن تكت�سب القدرة‬ ‫نطلق عليها ا�سم (الموهبة)‪،‬‬ ‫الفطرية التي‬ ‫ُ‬ ‫والمتمثلة ب�إمكانات الإن�سان على تكوين‬ ‫تفكير فني مجازي خا�ص ينه�ض عليه العمل‬ ‫إبداعي بما هو قائم على م َلكات المبدع في‬ ‫ال‬ ‫ّ‬ ‫اال�ستيعاب الجمالي واال�ستعاري‪ ،‬ووعي العا َلم‬ ‫و�إدراكه �ضمن تركيب �شمولي موحد‪.‬‬ ‫�إن تجربة المبدع الحياتية بو�صفها‬ ‫المكون الثالث في العملية الإبداعية هي التي‬ ‫تمد العمل الفني بالعمق واالكتمال �أكثر‪ ،‬كلما‬ ‫كانت معرفة الحياة التي يكت�سبها المبدع‬ ‫أدق؛ فهذه التجربة الحياتية هي‬ ‫�أو�سع و�أعمق و� ّ‬ ‫التي تعيد بناء الحياة �إبداعي ًا‪ ،‬وهي المكون‬ ‫الدائم من مكونات الإب��داع التي تجعل عا َلم‬ ‫العمل الفني �أكثر غنى وفعالية وجما ًال‪� ،‬إذ تبدو‬ ‫معرفة المبدع للحياة قوة فاعلة ت�ؤ�س�س خبرته‬ ‫بها‪ ،‬من جانب �أول‪ ،‬وهو الأمر الذي ينعك�س‪،‬‬ ‫من جانب ثانٍ ‪ ،‬وعلى نح ٍو مبا�شر وغير مبا�شر‪،‬‬ ‫في تخليق العمل الفني الإبداعي مجازي ًا‪.‬‬ ‫ي�شكل فكر المبدع المكون ال��راب��ع من‬ ‫مكونات العملية الإبداعية؛ والفكر هو ما يتراكم‬ ‫عند كل �شخ�صية مبدعة خالل م�سيرة الحياة‬ ‫من وجهات نظر محددة حول تف�سير الواقع‬ ‫والعا َلم والكينونة‪ .‬فما ن�سميه (عقيدة المبدع)‬ ‫هو مجموع العالقات التي تقيمها ال�شخ�صية‬ ‫المبدعة م��ع مختلف ج��وان��ب ال��ح��ي��اة‪ ،‬من‬ ‫�سيا�سية ودينية وفل�سفية و�أخالقية وقانونية‬ ‫وجمالية ت�ؤ�س�س مجمل نظرات المبدع �إلى‬ ‫العالم‪ ،‬وتكون ثابتة عند بع�ض المبدعين‪� ،‬أو‬ ‫متطورة متغيرة مع الزمن واختالف العمر‬ ‫والتجربة عند البع�ض الآخر‪.‬‬ ‫و�إذا كان مكون الفكر �أو العقيدة هو المكون‬ ‫مرتبط بقوة‬ ‫الواعي عند المبدع‪ ،‬فهذا المكون‬ ‫ٌ‬ ‫بالمكون الخام�س ف��ي العملية الإب��داع��ي��ة‪،‬‬ ‫والمتمثل ب�صلة الوعي بالحد�س؛ فعندما يندفع‬ ‫المبدع �إلى الإبداع‪ ،‬ف�إنه ينطلق من �أ�سا�س ما‬ ‫لم ي�صغ بعد؛ �أي من �أ�سا�س قائم على مجموعة‬ ‫من العمليات والدوافع ال�سيكولوجية التي لم‬ ‫تتحول بعد �إلى فعل‪ ،‬ولذا فهو ال يكاد يعرفها‬ ‫تمام ًا‪ ،‬بل ال يميز �إال مالمح عامة فيها‪ ،‬غير‬

‫�أن االحتكام �إلى الالوعي‪ ،‬وحده‪ ،‬في تحليل‬ ‫كيفيات تخليق العمل الفني الإب��داع��ي هو‬ ‫تطرف مبا َلغ فيه‪� ،‬صحيح �أن جانبي الحد�س‬ ‫والالوعي يجدان في العملية الإبداعية مت�سع ًا‬ ‫ال يمكن �أن يجداه في �أي مجال �آخر‪ ،‬لكنهما‬ ‫عن�صران م��ت��داخ�لان م��ع ال��وع��ي ف��ي �صوغ‬ ‫م�ستوى الموقف والر�ؤيا في العمل الفني‪ ،‬وفي‬ ‫تحديد خ�صو�صية هذا العمل وجمالياته‪.‬‬ ‫�إن جميع م��ك��ون��ات العملية الإب��داع��ي��ة‬ ‫المذكورة حتى الآن‪ ،‬ال بد لها من مكون �ساد�س‬ ‫يربط بينها‪ ،‬وي�شكل �صلة الو�صل التي تجعل‬ ‫كل هذه المكونات نا�شطة في تنا�سق وان�سجام‪،‬‬ ‫�إنه الإح�سا�س بالعالم‪.‬‬ ‫يجد الإن�سان الحديث نف�سه في موقع تحيط‬ ‫به �آالف الأح��داث‪ ،‬وت�صادفه مئات الظواهر‪،‬‬ ‫ويتوا�صل معها داخ��ل �شبكة م��ن العالقات‬ ‫االجتماعية‪ ،‬وهذا يكون ر�أيه واعتقاده ومخيلته‬ ‫�إلى حد بعيد‪ ،‬ويمنحه نظرة �شمولية لكل ما‬ ‫يحيط به‪ .‬فالمرء ي�ستطيع �أن يراكم معارف‬ ‫علمية �أو ثقافية �ضخمة‪ ،‬لكنه لن ي�ستطيع �أن‬ ‫يكون مبدع ًا �إال �إذا ات�سم بتلك النظرة الوا�سعة‬ ‫ال�شمولية �إلى الحياة‪ ،‬عبر الإح�سا�س بالعالم‬ ‫بما هو ظاهرة اجتماعية نف�سية تتجاوز معنى‬ ‫حقل الوعي االعتيادي عند ال ّنا�س العاديين �إلى‬ ‫م�ستوى �صوغ العالم‪ ،‬على نحو خا�ص ومجازي‬ ‫وجديد لدى المبدع الأ�صيل‪.‬‬ ‫لعل ما يجعل من �سمة الإح�سا�س بالعالم‬ ‫لدى المبدع �سمة مبتكرة وخا�صة هو المكون‬ ‫ال�سابع من مكونات العملية الإبداعية‪ ،‬وهو‬ ‫المهارة‪ .‬فالمبدع الأ�صيل المبتكر هو الذي‬ ‫ي�ستطيع �أن يذيب جميع مكونات العمل الفني‬ ‫الإبداعي في بنية �شمولية خا�صة ومتكاملة‪،‬‬ ‫تعك�س م��ه��ارت��ه ف��ي تخليق ع��ال��م مجازي‬ ‫جمالي له �سماته ورهافته وذكا�ؤه في التقاط‬ ‫التفا�صيل والمفارقات‪ ،‬ف�ض ًال عن ات�صاف‬ ‫هذا العالم بالخ�صو�صية الفنية والفرادة �شك ًال‬ ‫وم�ضمون ًا‪ .‬فالمهارة هي ج��زء ع�ضوي من‬ ‫القدرة التخييلية والمعرفية التي تنه�ض عليها‬ ‫موهبة ال�شخ�صية الإبداعية‪ ،‬والتي ت�ستطيع �أن‬ ‫تمتلك مفاتيح بناء الداللة الفنية عبر تمثل‬ ‫جميع مكونات العملية الإبداعية‪ ،‬و�صياغتها‬ ‫في عمل جديد ومبتكر‪.‬‬

‫الإبداع الفني �شكل‬ ‫راق من �أ�شكال‬ ‫ٍ‬ ‫الن�شاط الإن�ساني‬

‫تتمثل العملية‬ ‫الإبداعية في ثالثة‬ ‫م�ستويات هي البعد‬ ‫الفردي واالجتماعي‬ ‫والتطوري‬

‫من الخط�أ �أن نعزو‬ ‫القدرة الإبداعية‬ ‫�إلى الموهبة‬ ‫الفطرية وح�سب‬

‫تحديد مكونات‬ ‫العملية الإبداعية‬ ‫يقود �إلى ال�شخ�صية‬ ‫والموهبة والتجربة‬ ‫والفكر والوعي‬ ‫والإح�سا�س والمهارة‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪141‬‬

‫قراءات‬

‫المو�سيقا العربية‬ ‫بين الغناء وال�شعر‬

‫ب����داي����ة ي��ذه��ب‬ ‫الكاتب محمود كامل‬ ‫م�ؤلف كتاب (تذوق‬ ‫المو�سيقى العربية)‬ ‫�إل ��ى �أن ال��غ��ن��اء في‬ ‫الع�صر الجاهلي كان‬ ‫نجالء م�أمون‬ ‫منت�شراً بين الجواري‬ ‫ب�شكل ملحوظ و�إن لم يكن مزدهراً‪� ،‬إذ كان‬ ‫مح�صوراً في مجموعة من الأراجيز ت�ؤدى‬ ‫على وتيرة واح��دة‪ ،‬وفي م�ساحة �صوتية‬ ‫محدودة ال تتعدى �ست درجات‪ ،‬وهذا يرجع‬ ‫�إلى ان�صراف العامة �إلى �ش�ؤون �أخرى غير‬ ‫الفن‪.‬‬ ‫كما ك��ان ال�شعر هو م��ادة الغناء في‬ ‫جميع الع�صور‪ ،‬فال�شعر والغناء �صنوان‬ ‫ينبعان من نبع واحد‪� ،‬إذ �إن الغناء تعبير‬ ‫مو�سيقي وال�شعر تعبير لفظي‪ ،‬حيث كان‬ ‫ال��ع��رب ف��ي الجاهلية يلهجون بال�شعر‬ ‫ويتفاخرون ويطربون لتالوته بال ترنيم‬ ‫وال غناء‪ ،‬وهذه �أول خطوة نحو المو�سيقا‪،‬‬ ‫ما ي�ؤكد �أن المو�سيقا بنت ال�شعر‪.‬‬ ‫ث��م ظهر ال��ح��داء‪ ،‬وه��و غ��ن��اء يتغناه‬ ‫الحداة في �سوق الإبل والفتيان في �أوقات‬ ‫فراغهم ولهوهم‪ ،‬ثم عمدوا �إل��ى الترنيم‬ ‫وك��ان ترنيمهم ينق�سم �إل��ى ثالثة �أن��واع‪:‬‬ ‫الن�صب‪ ،‬وال�سناد‪ ،‬وال��ه��زج‪ ،‬فالن�صب هو‬ ‫غناء الركبان وغناء الفتيان‪� ،‬أما ال�سناد‬ ‫فقد و�صفه ابن ر�شيق ب�أنه اللحن الثقيل ذو‬ ‫التراجيع الكثيرة النغمات‪� ،‬أما الهزج فهو‬ ‫الأنغام الخفيفة الراق�صة التي ي�صاحبها‬ ‫العزف بالمزمار وال�ضرب بالدفوف‪.‬‬ ‫كما ي��رى ال��ك��ات��ب �أن المو�سيقا قد‬ ‫ازده��رت في بالد فار�س قبل بالد العرب‪،‬‬ ‫و�أن ملوك العجم كانوا الأوائ ��ل في حب‬ ‫الغناء‪.‬‬ ‫ك��ذل��ك ي�شير ال��ك��ات��ب �إل ��ى �أن العرب‬ ‫في الجاهلية قد عرفوا العديد من الآالت‬ ‫المو�سيقية مثل المزهر‪ ،‬والعود‪ ،‬والمزمار‪،‬‬ ‫والطبول‪ ،‬والدفوف‪ ،‬وي�ؤكد �أي�ض ًا �أن �أ�صل‬ ‫‪142‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫الغناء قد تبدى في �أمهات القرى لدى العرب‬ ‫مثل المدينة‪ ،‬والطائف‪ ،‬وخيبر‪ ،‬ووادي‬ ‫القرى‪ ،‬ودومة الجندل‪ ،‬واليمامة‪ ،‬و�أن هذه‬ ‫القرى كانت مجامع �أ�سواق العرب‪ ،‬وفي هذه‬ ‫الأ�سواق كانت تنعقد التجارة في الجواري‪،‬‬ ‫اللواتي يجدن الغناء ويعرفن با�سم القيان‪.‬‬ ‫وكانت ن�ساء مكة يخرجن مع الجي�ش‬ ‫وين�شدن الأغاني الحما�سية لحثه وت�شجيعه‬ ‫على القتال‪ ،‬وقد حدث في يوم �أحد �أن قامت‬ ‫الن�ساء ب�ضرب الدفوف وراء رجال الجي�ش‬ ‫و�أن�شدن �أبيات ال�شعر الحما�سية‪.‬‬ ‫وكان المغنون العرب يغنون �أي�ض ًا بغير‬ ‫�آل��ة مو�سيقية ت�صاحب �أ�صواتهم‪ ،‬وكانوا‬ ‫ي�ستخدمون �أع��م��دة م��ن معدن ي�ضربون‬ ‫بها الأر�ض لوزن الغناء‪ ،‬حتى ظهر العود‬ ‫فكان (�سائب حاثر) �أول من غ ّنى بالمدينة‬ ‫بالعربية م�ستخدم ًا العود‪.‬‬ ‫وي�ؤكد الكاتب �أن الع�صر العبا�سي كان‬ ‫هو الع�صر الذهبي للمو�سيقا العربية‪ ،‬حيث‬ ‫ارتقت فيه المو�سيقا‪ ،‬وزادت مقاماتها‬ ‫المو�سيقية‪ ،‬وكثرت الآالت وتنوعت و�شاع‬ ‫ا�ستعمالها‪ ،‬و�سما ق��در الم�شتغلين بها‪،‬‬ ‫فكان المو�سيقيون مو�ضع ت�شجيع وتقدير‬ ‫الخلفاء‪ ،‬وكان المهدي بن المن�صور محب ًا‬ ‫للمو�سيقا وال��غ��ن��اء‪ ،‬وك��ان م��ن �أ�صحاب‬ ‫الأ�صوات الح�سنة‪ ،‬وفي الع�صر العبا�سي‬ ‫�أن�ش�أ الخليفة الم�أمون بن هارون الر�شيد‬ ‫�أول جامعة عربية لدرا�سة العلوم والفنون‬ ‫ببغداد‪ ،‬و�سماها (بيت الحكمة) وا�ستعان‬ ‫فيها بفطاحل العلماء �أمثال يحيى بن �أبي‬ ‫من�صور‪ ،‬لترجمة العلوم اليونانية ومن‬ ‫بينها المو�سيقا‪ ،‬كما ظهر في هذا الع�صر‬ ‫بع�ض العلماء في المو�سيقا منهم؛ �إ�سحق‬ ‫بن يعقوب الكندي الذي �ألف عدة م�صنفات‬ ‫في العلوم المو�سيقية‪.‬‬ ‫وي�شير الكاتب �إل��ى �أن��ه عندما فتح‬ ‫بنو �أمية الأندل�س كانت قرطبة موطن ًا‬ ‫لأ�ساطين العرب‪ ،‬كما كانت �إ�شبيلية �أعظم‬ ‫مركز للمو�سيقا وال�شعر و�صناعة الآالت‪،‬‬

‫كما نقل العرب �إلى الأندل�س �أ�صناف الغناء‬ ‫الذي تبلور عند الم�شارقة ثم ابتدعوا الزجل‪.‬‬ ‫وم��ن �أ�شهر المو�سيقيين في الأندل�س‬ ‫زري ��اب‪ ،‬واليه يرجع الف�ضل في انت�شار‬ ‫المو�سيقا العربية‪ ،‬ثم ابن باجة‪ ،‬ووالدة‬ ‫بنت الم�ستكفي‪ ،‬كما ظهر المو�شح ا�ستجابة‬ ‫ل��دواع��ي الحاجة �إل��ى �أوزان يتحلل فيها‬ ‫الغناء من بحور الق�صيدة والقوافي ال�ضيقة‬ ‫المحدودة‪ ،‬التي يلتزم بها ال�شعر العربي‬ ‫التقليدي‪.‬‬ ‫يذكر الكاتب �أنه في الع�صر الفاطمي‬ ‫�شجع المعز ل��دي��ن اهلل الفاطمي الآداب‬ ‫وال��ف��ن��ون‪ ،‬و�أن�����ش ��أ مدينة ال��ق��اه��رة وبني‬ ‫الجامع الأزهر‪ ،‬وكان الخليفة العزيز باهلل‬ ‫�شغوف ًا بالمو�سيقا‪ ،‬ومن المو�سيقيين الذين‬ ‫ظهروا في هذا الع�صر �أمية ابن �أبي ال�صلت‬ ‫الذي كان فيل�سوفا وعالما وا�سع الدراية‬ ‫وبالعلوم المو�سيقية‪ ،‬ويجيد العزف على‬ ‫العود‪.‬‬ ‫وي�ضيف الكاتب �أن��ه بانتهاء الدولة‬ ‫الفاطمية ان��ح��درت المو�سيقا و�أ�صيبت‬ ‫باال�ضمحالل والك�ساد‪ ،‬ثم عادت لالزدهار‬ ‫في مطلع القرن التا�سع ع�شر‪ ،‬ويرى الكاتب‬ ‫�أن الغناء ك��ان مح�صوراً في المو�شحات‬ ‫الحلبية‪ ،‬التي جاء بها �إلى م�صر الملحن‬ ‫�شاكر الحلبي ف��ي ال��ق��رن ال�سابع ع�شر‬ ‫الميالدي‪.‬‬

‫مقاالت‬ ‫�إ�ضاءات‬

‫ما بين «بو�شكين» و«يفتو�شينكو»‬ ‫كان عام ( ‪1985‬م)‪ ،‬هو العام الذي‬ ‫�سافرت فيه للمرة الأولى بعيداً عن وطني‬ ‫لغر�ض ال��درا���س��ة الجامعية ف��ي رو�سيا‬ ‫البي�ضاء‪ ،‬هناك تفتحت نف�سي ال�شاعرة‬ ‫بطبيعتها على �سحر الطبيعة وجمالها‪،‬‬ ‫فكنت �أنهل من نبعين؛ نبع العلم ونبع‬ ‫الجمال‪ ،‬وهناك كانت لي انطالقات كثيرة‬ ‫في ف�ضاءات غامرة بالمواقف والمعارف‬ ‫التي هدتني �إلى �سبل متعددة نحو عوالم‬ ‫ال�شعر والأدب‪ ،‬ما كان لي �أن �أهتدي �إليها‬ ‫لوال حبي ومعرفتي زمانئ ٍذ باللغة الرو�سية‪،‬‬ ‫فكانت البيئة والحياة الثقافية في مدينة‬ ‫مين�سك عا�صمة رو�سيا البي�ضاء التي‬ ‫ع�شت فيها ما يقارب ال�سبع �سنوات �أ�شبه‬ ‫ما تكون بنهر كبير زاخ��ر‪ ،‬ال يتوقف عن‬ ‫الجريان كنهر �سفي�سلوت�ش �أكبر �أنهارها‬ ‫الجميلة ال��وادع��ة‪ .‬وق��د تمكنت من ق��راءة‬ ‫الأدب الرو�سي العظيم واالطالع على بع�ض‬ ‫النماذج والإ�شراقات الأدبية وال�شعرية‪،‬‬ ‫فكنت �أق��ر�أ ق�صائد �ألك�سندر بو�شكين بل‬ ‫و�أحفظها عن ظهر قلب‪ ،‬وكانت معلمتي‬ ‫الرو�سية �آال ميخايلوفنا تتباهى بي �أمام‬ ‫الطلبة والمعلمين في حفظ و�إلقاء �أ�شعار‬ ‫في ما يميزني‬ ‫بو�شكين‪ ،‬ولعلها كانت تجد َّ‬ ‫عن بقية الطلبة فكانت تنتقي لي الق�صائد‬ ‫لأحفظها‪ ،‬ب��ل وت�شرح معاني مفرداتها‬ ‫وتبين جمالياتها التعبيرية والأ�سلوبية‬ ‫ِّ‬ ‫وغير ذلك من فنيات الكتابة ال�شعرية عند‬ ‫بو�شكين‪ ،‬وعرفت منها مكانة بو�شكين عند‬ ‫ال�شعب الرو�سي ال��ذي يقرن ا�سمه بكلمة‬ ‫(العظيم) فيقولون بو�شكين العظيم‪ ،‬ف�أحببت‬ ‫اللغة الرو�سية و�أحببت �شعر بو�شكين الذي‬ ‫علي‪ ،‬فكنت كلما‬ ‫كان ال�سمه وقع عجيب َّ‬ ‫�أ�سمع �أو �أقر�أ ا�سمه �أ�ستعيد �شيئ ًا من �شعره‬ ‫بيني وبين نف�سي ‪.‬‬

‫�أحببت اللغة الرو�سية‬ ‫و�شعر بو�شكين الذي كان‬ ‫ال�سمه وقع عجيب علي‬

‫وال يمكن �أن �أن�سى تلك اللحظة الأثيرة‬ ‫من لحظات حياتي في يوم ربيعي زاهر‪،‬‬ ‫لا �أم���ام تمثال‬ ‫وال��ت��ي وق��ف��ت فيها ط��وي� ً‬ ‫لا مالمحه‬ ‫بو�شكين ف��ي مو�سكو م��ت ��أم� ً‬ ‫البراقة الموحية‪ ،‬وحوله المئات من ال�شباب‬ ‫الرو�س من الفتيات والفتيان وك�أنهم لآلىء‬ ‫منثورة‪ ..‬عالم من الجمال الآ�سر والبهاء‬ ‫ال�ساحر يموج بالمحبين و�أحالمهم وفتنة‬ ‫�ضمنتها‬ ‫منظر �ألهمني ق�صيدة طويلة‬ ‫َّ‬ ‫�إعجابي ببو�شكين‪ ،‬واحترامي ل�شعب يقيم‬ ‫الن�صب التذكارية لعظمائه ومبدعيه في‬ ‫ال�شوارع والحدائق وال�ساحات والميادين‬ ‫العامة تمجيداً وتخليداً لهم واع��ت��راف� ًا‬ ‫بعطاءاتهم وبما قدموا لوطنهم وللثقافة‬ ‫والأدب الإن�ساني‪ ،‬وه��ي الق�صيدة التي‬ ‫ن�شرتها في ديواني الأول (من �أغوار الأم�س)‬ ‫و�أقول فيها‪:‬‬ ‫ال�سامينا‬ ‫�أك���ب���رتُ �شعب ًا ُي��ك�� ِب ُ��ر ّ‬ ‫�����ص��ب ي��ب��ه ُ��ر ال��رائ��ي��ن��ا‬ ‫ب���ج�ل�الِ ن‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫يد بنا�ؤ ُه‬ ‫َم��ن ذا ال��ذي بالفخر �ش َ‬ ‫ف��زه��ا ب��ه ���ص��د ُر ال��وج��ود و ِزي��ن��ا؟‬ ‫ه����ذي ت��ن��اج��ي ِ‬ ‫��ه وت���ل َ‬ ‫��ض��م��هُ‬ ‫���ك ت��� ُّ‬ ‫و ِذ ِه ت��ب��ثُّ��هُ ف��ي ال���غ���رام �شجونا‬ ‫وكنت �أق��ر�أ لعدد من ال�شعراء والأدب��اء‬ ‫الرو�س الكبار �أمثال ميخائيل ليرمنتوف‪،‬‬ ‫ونيقوال غوغول‪ ،‬وفيودور د�ستويف�سكي‪،‬‬ ‫وليو تول�ستوي‪ ،‬و�أنطون ت�شيخوف‪ ،‬ومك�سيم‬ ‫جوركي و�آخرين‪ ،‬كنت �أقر�أ له�ؤالء الأفذاذ‬ ‫بلغتهم ال��ت��ي كتبوا بها و�أب��دع��وا �أعظم‬ ‫الأعمال الأدبية الخالدة‪.‬‬ ‫وك��ن��ت �أرت����اد المكتبات ال��ع��ام��ة في‬ ‫المدينة و�أ�صرف ال�ساعات الطوال �أحيان ًا في‬ ‫القراءة‪ ،‬و�أخ�ص�ص جزءاً من معا�شي كطالب‬ ‫ل�شراء ال�صحف اليومية والمجالت والكتب‬ ‫التي كنت �أقتني كمية منها في غرفتي‬ ‫بال�سكن الطالبي‪ .‬وكم كنت �أف��رح حينما‬ ‫�أنتهي من اجتياز فترة االمتحانات لكي‬ ‫�أتفرغ لقراءة الق�ص�ص والروايات ودواوين‬ ‫ال�شعر ال��رو���س��ي‪ ،‬و�إذا ب��ي �أح��ف��ظ ق�صائد‬ ‫ل�شعراء الحقبة ال�سوفييتية ومنهم ال�شاعر‬ ‫يفجيني يفتو�شينكو‪ ،‬وهذا ال�شاعر بالذات ال‬

‫رعد �أمان‬ ‫يمكن لي �أن �أن�ساه‪ ،‬لأن ذكره يعيدني �إلى‬ ‫موقف طريف ملت�صق بجدار ذاكرتي‪ ،‬فقد‬ ‫حدث �أن �أخفقت مرة في �أداء امتحان مادة‬ ‫علي �إع��ادة االمتحان بعد‬ ‫المنطق‪ ،‬وكان َّ‬ ‫�أ�سبوع في فر�صة ثانية لتعوي�ض �إخفاقي‬ ‫الأول‪ ،‬وحين وقفت للمرة الثانية �أم��ام‬ ‫مدر�سة المادة ذات المالمح ال�صارمة التي‬ ‫ِّ‬ ‫ال يعرف االبت�سام طريق ًا �إليها �أخبرتها بكل‬ ‫جر�أة �أنني �أحفظ الكثير من ال�شعر الرو�سي‪،‬‬ ‫وطلبت منها �أن ت ��أذن لي ب�إلقاء �إح��دى‬ ‫ق�صائد ال�شاعر يفجيني يفتو�شينكو قبل �أداء‬ ‫االمتحان ‪ .‬الغريب �أن المعلمة لم ترف�ض بل‬ ‫على العك�س وافقت على الفور وبد�أت �سمات‬ ‫االنب�ساط واالرتياح ترت�سم على وجهها مع‬ ‫تال�شي عالمات ال�صرامة �شيئ ًا ف�شيئ ًا‪ ،‬و�إذا‬ ‫بها تجل�س على كر�سيها م�صغية‪ .‬ورحت‬ ‫�ألقي ق�صيدة ليفتو�شينكو كنت �أحفظها‪،‬‬ ‫والحق �أنني لم �أك��ن �أرى المعلمة �أمامي‬ ‫و�أنا �ألقي ال�شعر بلغة ُخيل لي �أنها �سليمة‪،‬‬ ‫بل كنت �أرى في�ض ًا من �شعاع �أبي�ض يتدفق‬ ‫ليملأ ف�ضاء القاعة‪.‬‬ ‫‏ا�ستمهلتني المعلمة قلي ًال‪ ،‬وخرجت من‬ ‫القاعة ثم عادت ب�صحبة معلمتين �أخريين‪،‬‬ ‫وطلبت مني �أن �أعيد �إلقاء الق�صيدة من‬ ‫البداية ف�أعدت �إلقاءها ك�أح�سن ما يكون‬ ‫الإلقاء‪ ،‬وبانتهائي من الإلقاء �سمعت دوي‬ ‫ت�صفيق وعبارات ا�ستح�سان من المعلمات‪،‬‬ ‫لحظتها لم تجد معلمتي بداً من �أن ت�ضع لي‬ ‫بف�ضل ق�صيدة يفتو�شينكو عالمة كاملة في‬ ‫مادة المنطق من غير امتحان‪ ،‬لأن هذا‪-‬‬ ‫كما قالت‪ -‬هو المنطق‪ ،‬ومن يومها �أدركت‬ ‫�أن ال�شعر ال يعترف بالمنطق‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪143‬‬

‫قراءات‬

‫ف�ؤاد الظاهري‬

‫«م�صرية الجذور وعالمية الإبداع»‬ ‫الكتاب �صادر عن‬ ‫الهيئة الم�صرية العامة‬ ‫للكتاب عام (‪2020‬م)‪،‬‬ ‫ت�أليف الدكتورة رانيا‬ ‫ي��ح��ي��ى‪ ،‬رئي�سة ق�سم‬ ‫فل�سفة الفن ب�أكاديمية‬ ‫الفنون‪.‬‬ ‫�ضياء حامد‬ ‫(�إلى روح اعتنقت‬ ‫المو�سيقا و�آمنت بال�سينما فن�سجت رياحين‬ ‫االب��داع الباقي دائم ًا‪ ،)..‬بهذه الكلمات �أهدت‬ ‫د‪.‬رانيا يحيى كتابها �إلى ف�ؤاد الظاهري‪.‬‬ ‫الكتاب هو الأول عن الم�ؤلف المو�سيقي‬ ‫ف ��ؤاد الظاهري‪ ،‬باعتباره واح��داً من �أعمدة‬ ‫مو�سيقا الأفالم في م�صر والوطن العربي‪ ،‬وهو‬ ‫�إن�صاف لواحد من رموز الت�أليف المو�سيقي في‬ ‫ال�سينما الم�صرية‪.‬‬ ‫وتذكر الم�ؤلفة �أن �أي عن�صر من عنا�صر‬ ‫الفيلم ال�سينمائي‪ ،‬لم يقترن با�سم مبدع معين‪،‬‬ ‫مثلما اقترنت مو�سيقا الأفالم في م�صر با�سم‬ ‫الم�ؤلف ف���ؤاد ال��ظ��اه��ري‪� ،‬صحيح �أن قائمة‬ ‫الم�ؤلفين المو�سيقيين الكبار ت�ضم �إلى جانبه‬ ‫�أ�سماء �أخرى مهمة‪ ،‬مثل‪ :‬علي �إ�سماعيل و�أندريه‬ ‫راي��دار وعلي فرج‪ ،‬لكن يبقى الظاهري الأهم‬ ‫والأعظم بين ه��ؤالء في تقدير الم�ؤلفة‪ ،‬لي�س‬ ‫فقط لأنه �أكثر غزارة في الإنتاج‪ ،‬و�إنما �أي�ض ًا‬ ‫لوجود ا�سمه على غالبية الأف�لام ذات القيمة‬ ‫الفنية العالية‪.‬‬

‫‪144‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫ا�سمه الحقيقي (ف�ؤاد جرابيد بانو�سيان)‪،‬‬ ‫ول��د ف��ي (‪� 15‬أك��ت��وب��ر ‪1916‬م)‪ ،‬م��ن �أ�صل‬ ‫�أرمني وينتمي للجيل الثاني من الم�ؤلفين‬ ‫المو�سيقيين‪ ،‬ولقب با�سم ف�ؤاد الظاهري ن�سبة‬ ‫�إلى حي الظاهر بالقاهرة‪.‬‬ ‫التحق بمدر�سة (الفرير) �أ�شهر المدار�س‬ ‫الخا�صة لتعليم اللغة الفرن�سية في م�صر‪،‬‬ ‫وح�صل على �شهادة (الكفاءة)‪� ..‬شجعه الأ�ستاذ‬ ‫الفل�سطيني الأ�صل ق�سطندي ال��خ��وري‪ ،‬على‬ ‫درا�سة �آلة الكمان‪ ،‬ثم التحق بمعهد (ف�ؤاد الأول)‬ ‫للمو�سيقا العربية‪ ،‬و�أ�صبح عازف ًا لآلة الكمان‪.‬‬ ‫عين مدر�س ًا للأنا�شيد ب��وزارة‬ ‫وبعد تخرجه ّ‬ ‫عين‬ ‫(‪1948‬م)‪،‬‬ ‫عام‬ ‫وفي‬ ‫(التعليم)‪،‬‬ ‫المعارف‬ ‫ّ‬ ‫�أ�ستاذاً لآلة الكمان بمعهد ف�ؤاد الأول للمو�سيقا‬ ‫ال��ع��رب��ي��ة‪ ،‬بعدها عمل ق��ائ��داً لفرقة الفجر‬ ‫للمو�سيقا العربية‪ .‬كما �أ�شرف على فرقة الإذاعة‬ ‫للوتريات‪ ،‬و�سجل �أول عمل من م�ؤلفاته للإذاعة‬ ‫الم�صرية بعنوان (متتالية م�صرية)‪ ،‬وكتب‬ ‫كون�شرتو القانون والأورك�سترا من حركتين‬ ‫فقط في نف�س العام‪ ،‬ثم �أ�ضاف حركة ثالثة لهذا‬ ‫الكون�شرتو عام (‪1964‬م)‪.‬‬ ‫ع��ا���ص��ر ف�����ؤاد ال��ظ��اه��ري م��ج��م��وع��ة من‬ ‫المو�سيقيين الم�شهورين‪ ،‬منهم‪ :‬عزيز �صادق‪،‬‬ ‫ومحمد عبدالوهاب‪ ،‬وفريد الأطر�ش‪ ،‬ومحمد‬ ‫فوزي‪ .‬ولم يقت�صر عطا�ؤه على الفن ال�سينمائي‬ ‫فح�سب‪ ،‬ب��ل ارتبطت مو�سيقاه بالعديد من‬ ‫الأعمال في الم�سرح والتلفزيون‪ ،‬مثل‪( :‬الع�ش‬ ‫الهادئ) و(خ��ان الخليلي) و(النا�س والبحر)‪.‬‬ ‫وفي الم�سرح القومي قدم مو�سيقا م�سرحيات‪:‬‬ ‫(�سليمان الحلبي)‪ ،‬و(رج��ل عجوز)‪ ،‬و(طيور‬ ‫الحب)‪.‬‬ ‫قدمت الم�ؤلفة ق��راءة نقدية تحليلية عن‬ ‫مالمح الم�شروع المو�سيقي للظاهري‪ ،‬مثل‬ ‫فيلم (�صراع في ال��وادي) بطولة فاتن حمامة‬ ‫وعمر ال�شريف‪ ،‬ويتناول ال�صراع الداخلي‬ ‫بين طبقة الإقطاعيين والفالحين‪ .‬وتو�ضح‬ ‫الم�ؤلفة �أن مو�سيقا الفيلم تبد�أ مع خلفية‬ ‫ح��وار البطل قبل التتر‪� ،‬أو ما يعرف بـ(�أفان‬ ‫ت��ت��ر)‪ ،‬بعزف ن��اي منفرد م�صاحب ل�صوته‬ ‫وهو يعطي نبذة عن مو�ضوع الفيلم‪ ،‬م�شيرة‬ ‫�إل��ى �أن الظاهري ا�ستخدم (ال��را���س��ت)‪ ،‬وهو‬ ‫مقام مو�سيقي �شرقي ينا�سب �أجواء المواويل‬ ‫والأغاني ال�شعبية وموروث الريف‪ ،‬مع الناي‬

‫د‪ .‬رانيا يحيى‬

‫ك�آلة �شعبية تنا�سب �أجواء الفالحين والأرا�ضي‬ ‫الزراعية‪ .‬ثم تنتقل مو�سيقا الفيلم للعزف ب�آلة‬ ‫(التيمباني) الإيقاعية (كري�شندو)‪� ،‬أي التدرج‬ ‫في �شدة ال�صوت من ال�ضعف �إل��ى القوة‪ ،‬ثم‬ ‫دخ��ول الأورك�����س��ت��را وال��ك��ورال بثيمة �أي�ض ًا‬ ‫تعبر عن جو الفيلم‪ .‬وي�ستخدم الم�ؤلف الآالت‬ ‫ال�شرقية بكثرة مع الأورك�سترا‪ ،‬وتعتمد مو�سيقا‬ ‫الم�شاهد الدرامية على العزف المنفرد (�صولو)‬ ‫لآلة القانون‪ ،‬مع التقطيع المو�سيقي كخلفية‬ ‫للحوار على نح ٍو يمنح الإح�سا�س للم�شاهد‬ ‫بقيمة الأر�ض و�أهميتها‪ ،‬لي�س فقط للمزارعين‬ ‫بل للجميع‪.‬‬ ‫الكتاب ي�ضم ثالثة �أج��زاء رئي�سة؛ الأول‬ ‫بعنوان (ف� ��ؤاد الظاهري القيمة والمكانة)‪،‬‬ ‫ا�شتمل على ر�ؤية الكاتبة حول ن�ش�أته‪ ،‬وبداياته‬ ‫وملكة الإبداع لديه‪ ،‬ال�ستعرا�ض قيمة ومكانة‬ ‫الظاهري باعتباره �أحد رواد مو�سيقا الأفالم‪.‬‬ ‫الجزء الثاني؛ قراءة في �أفالمه‪ ،‬وخاللها‬ ‫قامت الم�ؤلفة بتحليل اثنين وع�شرين فيلم ًا‬ ‫�سينمائي ًا من الأف�لام التي تمثل عالمات في‬ ‫ال�سينما الم�صرية والعربية‪ ،‬وانتهى بالر�ؤية‬ ‫الجمالية لمو�سيقا �أفالم الظاهري‪.‬‬ ‫وجاء الجزء الأخير من الكتاب‪ ،‬متمث ًال في‬ ‫المالحق التي تحتوي على �شهادات حية‪ ،‬من‬ ‫كبار المخرجين والمو�سيقيين وال�سينمائيين‪،‬‬ ‫منهم‪ :‬علي عبدالخالق‪ ،‬تامر كروان‪ ،‬م�صطفى‬ ‫محرم‪ ،‬انت�صار عبدالفتاح‪ ،‬راجح داوود‪� ،‬سمير‬ ‫�سيف‪ ،‬كمال عبدالعزيز‪� ،‬أ�شرف فايق‪� ،‬صبحي‬ ‫�سيف الدين‪ ،‬جمال �سالمة‪ ..‬ثم فيلموجرافيا‬ ‫لأف�لام ف��ؤاد الظاهري وتعريف الم�صطلحات‬ ‫المو�سيقية بالكتاب‪ ،‬ثم اختتم بمجموعة �صور‬ ‫من �أفالم ف�ؤاد الظاهري‪.‬‬ ‫الكتاب يحتفي برائد من رواد مو�سيقا‬ ‫الأفالم‪ ..‬والذي رحل عن عالمنا عام (‪١٩٨٨‬م)‬ ‫وهو في الـ(‪ )٧٢‬من عمره‪.‬‬

‫�إ�صدارات‬

‫جر�أة االقتحام واالكت�شاف والتف ّتح‬ ‫قا�سم توفيق في روايته «ج�سر عبدون»‬ ‫يقول �أر�سطو عن‬ ‫المدينة‪� ،‬إن��ه ال يجب‬ ‫ال��خ��ل��ط ب��ي��ن المدينة‬ ‫ال��ع��ظ��ي��م��ة وال��م��دي��ن��ة‬ ‫ال��ع��ام��رة بال�سكان‪،‬‬ ‫ورواي ��ة قا�سم توفيق‬ ‫عمر �أبو الهيجاء‬ ‫ال��ج��دي��دة ال�����ص��ادرة‬ ‫ع��ن (الآن ن��ا���ش��رون)‬ ‫في عمان (ج�سر عبدون)‪ ،‬تحاول �إثبات هذه‬ ‫الحقيقة من خالل �شخو�صها العديدة عندما‬ ‫تقوم بعمل مزاوجة بين �أكثر من مدينة عربية‬ ‫و�أجنبية؛ كعمان‪ ،‬وبيروت‪ ،‬والقاهرة‪ ،‬ودبي‪،‬‬ ‫إيطالية‪ ،‬وت�شارلوت في‬ ‫وروم��ا‪ ،‬وبيروجيا ال‬ ‫ّ‬ ‫ال�شمالية في �أمريكا‪ ،‬وي�ضيف �إليها‬ ‫كارولينا‬ ‫ّ‬ ‫الم�ؤلف مدينة (الد ّفة) التي ي�صنعها من خياله‬ ‫مثلما �سبق له �أن فعل في روايته (حانة فوق‬ ‫التراب)‪ ،‬و(نزف الطائر ال�صغير) عندما �أن�ش�أ‬ ‫مدن ًا جديدة وزرعها في الأردن وفل�سطين‪ ،‬من‬ ‫دون �أن تكون موجودة على الخريطة‪.‬‬ ‫ح�ضور هذه المدن في رواية (ج�سر عبدون)‪،‬‬ ‫لم يكن مقحم ًا‪ ،‬مثلما �سيكت�شف القارئ‪ ،‬بل جاء‬ ‫نتيجة لحركة �شخو�صها النف�سية والواقعية‪،‬‬ ‫ال��ذي��ن تدفعهم الأح����داث ال��ت��ي يعي�شونها‪،‬‬ ‫لي�صبحوا م�أزومين ومحا�صرين‪ ،‬فلم يعد لهم‬ ‫مكان على الأر���ض حتى في �أوطانهم‪ ،‬وك�أن‬ ‫(قا�سم توفيق)‪ ،‬يريد �أن ينبه �إلى م�س�ألة؛ �أن‬

‫لي�س بال�ضرورة �أن يكون كل �إن�سان يم�شي على‬ ‫حي ًا‪ ،‬مثلما �أن المدن العظيمة لي�ست تلك‬ ‫الأر�ض ّ‬ ‫العامرة بالنا�س‪ .‬ويحاول ت�أكيد موقفه هذا من‬ ‫خالل اختياره لج�سر عبدون المعلم الهند�سي‬ ‫الجميل في مدينة (عمان)‪ ،‬الذي لم يعد تحفة‬ ‫تحول �إلى مكان للموت‪ ،‬بعد‬ ‫معمارية‪ ،‬بعد �أن‬ ‫ّ‬ ‫�أن �شهد عدداً من حاالت االنتحار‪ ،‬حتى �صار‬ ‫معروف ًا بهذه ال�صفة‪.‬‬ ‫تنق�سم الرواية �إلى جز�أين‪ ،‬الأول بعنوان؛‬ ‫(�أوط ��ان �صغيرة)‪ ،‬وال��ذي يعر�ض �سير حياة‬ ‫ع��دد م��ن ال�شخ�صيات‪ ،‬ن�ش�أت ف��ي (ع��م��ان)‪،‬‬ ‫وتوزعت بعدها في �أرجاء العالم‪ ،‬فعندما غادر‬ ‫الولد الطريد (ع��ادل) بيت �أبيه القا�سي و� ّأمه‬ ‫الم�ستكينة‪ ،‬في (عمان) كان �أفق رحلته مل ََّبداً‬ ‫بالغمو�ض وال�ضباب والظالم‪ ،‬فهو يتنقل بين‬ ‫(عمان)‪ ،‬و(القاهرة)‪ ،‬ثم يحط رحاله �أخيراً في‬ ‫مدينة (الد ّفة) التي كان يح�سب �أنها �ستكون‬ ‫مدينته الفا�ضلة‪ ،‬ليجد �أنها قد �أجهزت على‬ ‫إن�سانية‪ ،‬وحولته �إلى كائن‬ ‫الروحية وال‬ ‫قيمه‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫�آخر مختلف وغريب عنه‪.‬‬ ‫و(رائف) ال�شاب المحا�صر والم�أزوم‪ ،‬الذي‬ ‫يفت�ش عن خال�صه‪ ،‬من الآالم التي يكابدها‪،‬‬ ‫ت�صيبه لوثة العزلة ويم�ضي ب�أفكاره �صوب‬ ‫االنتحار خوف ًا على نف�سه من �أن يتردى نحو‬ ‫الجنون‪ .‬في حين �أن �شخ�صية �صاحب دار الن�شر‬ ‫التي تحمل ا�سمه‪( ،‬نوح) الفل�سطيني الذي يجد‬ ‫نف�سه مواطن ًا من الدرجة الثانية في كل بلد‬ ‫يعي�ش فيه‪ ،‬فهو يق�ضي عمره مغترب ًا يبحث‬ ‫هوية لم يهت ِد �إليها �إلى �أن يكبر في العمر‪،‬‬ ‫عن ّ‬ ‫ويكت�شف �أنه عا�ش عمره وحيداً على الرغم من‬ ‫وج��ود الكثيرين من حوله‪ ،‬وال يجد مخرج ًا‬ ‫المتوالية غير �أن يعتبر �أن حياته‬ ‫من �صدماته‬ ‫ّ‬ ‫الطويلة‪ ،‬ال تعدو �أن تكون �سوى حلم �أو كابو�س‪.‬‬ ‫ي�ضم الجزء الثاني من ال��رواي��ة‪ ،‬وال��ذي‬ ‫حمل عنوان؛ (�أوط��ان مه�شمة)‪� ،‬سير مجموعة‬ ‫من الن�ساء اللواتي كان لهن الن�صيب الأكبر‪،‬‬ ‫في الت�أثير في حياة ه�ؤالء الرجال‪ ،‬حيث يقدم‬ ‫فني يك�شف‬ ‫(قا�سم توفيق) �سيرهن في �أ�سلوب ّ‬ ‫عن الجزء المخبوء في دواخلهن‪ ،‬والعوالم‬ ‫�شخ�صية المر�أة العربية‪،‬‬ ‫النف�سية والمكبوتة في‬ ‫ّ‬ ‫ابة‬ ‫ويبرز ذلك من خالل �شخ�صية (�سالفة)‪ّ ،‬‬ ‫ال�ش ّ‬ ‫الفقيرة التي ت�صنع ذاتها بالكفاح والثقافة‬

‫قا�سم توفيق‬

‫والوعي‪ ،‬والتي تعمل مديرة لدار الن�شر التي‬ ‫يملكها (نوح)‪ ،‬عندما تعود بذاكرتها �إلى �أبيها‪،‬‬ ‫ال��ذي هجرها هي و�إخوانها و�أمها‪ ،‬من �أجل‬ ‫امر�أة �أخرى وهم مازالوا �أطفا ًال‪�( :‬أين هي المر�أة‬ ‫التي تجر�أت وك�شفت عن عدائها لأبيها‪ ،‬ولو في‬ ‫خيالها؟ م�ضت ب�أفكارها �أبعد من ذل��ك‪ ..‬كم‬ ‫هي كثيرة جرائم ال�شرف‪ ،‬التي يكون الأب فيها‬ ‫ال�سفاح وب�شاعتها تنقلها‬ ‫هو القاتل؟ حاالت ّ‬ ‫الأخبار ك ّل يوم‪ ،‬حتى الجرائم ال�صغيرة التي ال‬ ‫يحكي عنها �أحد‪ ،‬الحكم على البنات في البقاء‬ ‫تزويجهن‬ ‫ومنعهن من التع ّلم‪� ،‬أو‬ ‫تهن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أمي ّ‬ ‫على � ّ‬ ‫تقديمهن لرجال يعاملون‬ ‫وهن قا�صرات‪� ،‬أو‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫زوجاتهم بهمجية وق�سوة وعنف‪.‬‬ ‫تو ّقفت عن التفكير فج�أة‪ ،‬رفعت ر�أ�سها عن‬ ‫�ضمت وجهها بك ّفيها‪� :‬آه يا �أبي! كم‬ ‫ال�سرير‪ّ ،‬‬ ‫من الجرائم اقترفت في ح ّقي! وكم مرة �أقنعت‬ ‫نف�سي ب�أنك بريء من دمي!)‪.‬‬ ‫ثم ي�أتي دور ال�صبية (�أودري)‪ ،‬الفتاة التي‬ ‫ت�صدعت روحها بين ح�ضارتين ووالءين فهي‬ ‫ّ‬ ‫ن�صف �أمريكية من جهة �أمها ون�صف �أردنية‬ ‫من جهة الأب‪ ،‬تعي�ش حالة �صراع بين ما �أراده‬ ‫�أبوها لها عندما �أعادها عند بلوغها من �أمريكا‬ ‫لتعي�ش في (الأردن) خوف ًا عليها من �أن ُت�ستلب‬ ‫�شخ�صية‬ ‫من قبل ثقافة الغرب الأمريكي‪ .‬وكذلك‬ ‫ّ‬ ‫(فلك) المتمردة الجميلة التي تموت في عمر‬ ‫الع�شب والزهور‪ ،‬ومثلها (�سارة) التي تت�أرجح‬ ‫في عوالم وجدانية قا�سية تدفعها للعزلة‪.‬‬ ‫المالحظة التي افتتح الكاتب فيها روايته‬ ‫والتي تقول (�إنها �أكثر من رواية)‪ ،‬لم ي�أت بها‬ ‫من باب الرغبة في ت�شويق القارئ‪ ،‬بل من �أجل‬ ‫ك�سر المفاجئة التي �سوف يتحقق منها هذا‬ ‫القارئ‪ ،‬وهي �أن رواية (ج�سر عبدون) تحمل في‬ ‫بطنها رواية �أخرى‪� ..‬أو �أكثر من رواية!‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫‪145‬‬

‫مقاالت‬

‫كتابات و�أ�شياء‬

‫لوحات �شك�سبيرية خالدة‬

‫نواف يون�س‬ ‫اع��ت��م��دت ال��ه��ي��ئ��ة ال��ع��رب��ي��ة للم�سرح‬ ‫والم�سرحيين ومقرها ال�شارقة‪ ،‬يوم العا�شر من‬ ‫يناير كل عام‪ ،‬يوم ًا للم�سرح العربي‪� ،‬أ�سوة بيوم‬ ‫الم�سرح العالمي في مار�س من كل عام‪ ،‬ويحق‬ ‫لنا ونحن نحتفي بيوم الم�سرح العربي‪� ،‬أن نلفت‬ ‫النظر‪� ،‬إلى واحدة من �أهم الظواهر التي عرفها‬ ‫الم�سرح‪ ،‬ونعيد تذكرها‪ ،‬وهي متمثلة في �أن‬ ‫�شك�سبير �أحد رواد الم�سرح العالمي‪ ،‬ال يزال يحتل‬ ‫مكانته المرموقة‪ ،‬ويفر�ض ب�صمته في م�سيرة‬ ‫الم�سرحين العربي والعالمي مع ًا‪ ،‬وعلى رغم‬ ‫يدر�س حتى الآن في‬ ‫وفاته عام (‪١٦١٦‬م)‪ ،‬ف�إنه ّ‬ ‫كل مدار�س ومعاهد و�أكاديميات الم�سرح‪ ،‬من‬ ‫خالل ن�صو�صه و�إبداعاته في الكتابة والإخراج‬ ‫الم�سرحي‪ ،‬ولم تقدر كل التيارات الم�سرحية‬ ‫الجديدة‪ ،‬بكل تفانينها وتجريبها وطليعيتها‪� ،‬أن‬ ‫تتن�صل من �أثره في الم�شهد الم�سرحي‪ ،‬والتزال‬ ‫�أعماله تقدح خ�شبات الم�سرح‪ ،‬من �شرقه �إلى‬ ‫غربه‪ ،‬ومن �شماله �إلى جنوبه‪.‬‬ ‫وال�س�ؤال الذي يطرح نف�سه بقوة‪ ،‬ما هذه‬ ‫ال�شرعية‪ ،‬التي ت��وج بها �شك�سبير و�أعماله‬ ‫الم�سرحية‪ ،‬حتى نجد في كل زمان ومكان هذا‬ ‫الأثر الفاعل لما قدمه خالل حياته الق�صيرة‪،‬‬ ‫والتي امتدت بين عامي (‪١٥٦٤‬م) و(‪١٦١٦‬م)؛‬ ‫�أي �أنها اختزلت كل هذا الإبداع في نحو (‪)٥٠‬‬ ‫عام ًا وح�سب‪ ،‬وقد �أدلى بع�ض النقاد من دار�سيه‬ ‫بدلوهم‪ ،‬م�ؤكدين �أن الحقيقة تكمن في ال�سنوات‬ ‫ال�ست‪ ،‬التي يكتنفها الغمو�ض في حياته‪ ،‬وقد‬ ‫اختلفت ال��رواي��ات وتنوعت الحكايات‪ ،‬في‬

‫يعتمد �شك�سبير في‬ ‫ن�صو�صه الم�سرحية على‬ ‫�أبطال يت�سمون ب�شخ�صيات‬ ‫مركبة‬ ‫‪146‬‬

‫العدد الرابع وال�ستون ‪ -‬فبراير ‪- ٢٠٢٢‬‬

‫ك�شف �سرها‪ ،‬خ�صو�ص ًا �أنه ترك الدرا�سة وهو‬ ‫في الرابعة ع�شرة من عمره‪ ،‬وعمل في �أكثر من‬ ‫مهنة‪ ،‬مثل تجارة ال�صوف والأخ�شاب ك�أبيه‪،‬‬ ‫وامتهن التدري�س في الريف الإنجليزي‪ ،‬قبل �أن‬ ‫يعمل لدى �أحد المحامين‪ ،‬نتيجة تمكنه من اللغة‬ ‫والخطابة‪ ،‬والتي تلقاها على يد �أمه «ماري‬ ‫�أدن»‪ ،‬فتعلم بالغة و�آداب اللغة منها‪ ،‬وحفظ‬ ‫خالل تلك الفترة الكثير من الق�صائد ال�شعرية‪،‬‬ ‫�إال �أن بع�ض الوثائق ت�شير �إلى ما ي�ؤكده النقاد‬ ‫عن تلك الرحلة‪ ،‬التي ا�ستمرت ل�ست �سنوات‪،‬‬ ‫تجول خاللها في �أوروبا‪ ،‬وتحديداً في �إيطاليا‪،‬‬ ‫قبل �أن يعود �إلى مدينة «لي�ستر» الإنجليزية‪،‬‬ ‫ليكون فرقته الم�سرحية الأولى‪ ،‬والتي �أ�صبحت‬ ‫ّ‬ ‫فرقة الملك التمثيلية‪ ،‬بعد �أن تولى الملك جيم�س‬ ‫العر�ش‪ ،‬وك��ان من محبي الم�سرح‪ ،‬ما جعله‬ ‫ي�شجع �شك�سبير ويدعمه هو وفرقته‪.‬‬ ‫وفي ا�ستعرا�ض �سريع لنتاج هذا الم�سرحي‬ ‫العبقري‪ ،‬نطالع م�سرحيات عظيمة وخالدة‪،‬‬ ‫منها (هنري ال�ساد�س‪ -‬روميو وجولييت‪ -‬حلم‬ ‫ليلة �صيف‪ -‬تاجر البندقية‪ -‬يوليو�س قي�صر‪-‬‬ ‫عطيل‪ -‬الملك لير‪� -‬أنطونيو وكليوباترا‪-‬‬ ‫هاملت‪ -‬مكبث) وهو ما دفع الملك �إلى منحه‬ ‫وعائلته لقب «جنتلمان»‪ ..‬وه��ذه الأع��م��ال‬ ‫الم�سرحية الت��زال تقدح خ�شبات الم�سرح في‬ ‫العالم‪ ،‬وحتى الآن‪ ،‬ب�أ�ساليب ور�ؤى و�أفكار‬ ‫مغايرة ومواكبة ومعا�صرة‪.‬‬ ‫وبنظرة نقدية‪ ،‬نجد �أن كل هذه الأعمال‬ ‫ال�شك�سبيرية‪ ،‬تعتمد �أ�سا�س ًا على �شخ�صيات‬ ‫مركبة‪ ،‬تعاني ح��االت متناق�ضة ومتداخلة‪،‬‬ ‫ومتعار�ضة ومتوافقة مع ًا‪ ،‬تتنازعها القيم‬ ‫الإن�سانية المتراوحة في �صراعها‪ ،‬بين الخير‬ ‫وال�شر‪ ،‬والجمال والقبح‪ ،‬واالنتماء والخيانة‪،‬‬ ‫والإي ��م ��ان وال��ري��ب��ة‪ ،‬وح���االت م��ن الإح��ب��اط‬ ‫واالنك�سار والحلم والبطولة والهزيمة‪ ،‬وهنا‬ ‫تكمن عبقرية �شك�سبير المتدحرجة على مر‬ ‫الع�صور‪ ،‬والتي ال ن�ستطيع التمل�ص منها‪ ،‬مهما‬ ‫اختلف الزمكان في الوجود الإن�ساني‪.‬‬ ‫من منا ي�ستطيع ن�سيان �شخ�صية «الملك‬ ‫لير» الذي اختلطت عليه حكمته بعاطفته‪ ،‬في‬ ‫توزيع ملكه على بناته الثالث‪ ،‬عندما مل الحكم‬ ‫وال�سلطة و�شهوة الملك‪ ،‬فحرم ابنته «كورديال»‬ ‫ال�صادقة معه والمخل�صة له‪ ،‬من �إرثها الملكي‪،‬‬ ‫فدفع الثمن غالي ًا من نكران وجحود ابنتيه‬ ‫«جونيرل» و«ريجان» عندما �أ�ساءتا له‪ ،‬فحب�س‬ ‫دموعه ندم ًا على اختياراته الخط�أ‪ ،‬بل جثم‬

‫على ركبتيه �أم��ام جثمان «ك��وردي�لا» ينوح‬ ‫بدمعه‪ ،‬ولكن بعد فوات الأوان!‬ ‫و�أي�ض ًا �شخ�صية «هاملت» الأمير الحائر‪،‬‬ ‫الذي توافرت له كل �سبل العي�ش الرغيد‪ ،‬وكان‬ ‫مثا ًال للمرح والحيوية‪ ،‬حتى رحل والده الملك‬ ‫فجاءة! فتحولت حياته ال�سعيدة �إلى جحيم‪،‬‬ ‫خ�صو�ص ًا بعد �أن ت�س ّلم عمه الحكم بعد �أبيه‪،‬‬ ‫والأده��ى من ذل��ك‪� ،‬أن��ه اقترن ب�أمه‪ ،‬فتغيرت‬ ‫حياته‪ ،‬وتحول من النور �إل��ى الظلمة وال�شك‬ ‫والريبة‪ ،‬وقادته ظنونه نحو عمه و�أم��ه‪ ،‬وهو‬ ‫ما جعله يفقد �صوابه‪ ،‬ويقترب رويداً رويداً من‬ ‫الجنون‪ ،‬وعندما علم �أن المبارزة التي �أعدوها‬ ‫له مع «لورت�س» �إنما هي الحكم ب�إعدامه‪ ،‬بعد‬ ‫�أن �سمموا �سيف «لورت�س» فخر �صريع ًا وهو في‬ ‫ح�ضن �صديقه هورا�شيو‪ ،‬ليقول جملته الأخيرة‬ ‫والم�أثورة «لي�س عد ًال يا �صديقي هورا�شيو‪� ،‬أن‬ ‫�أموت ويبقى ال�سفلة!»‬ ‫�إبداع �آخر �شك�سبيري‪ ،‬في تركيب �شخ�صية‬ ‫«ماكبث» القائد ال��ذي ال يقهر‪ ،‬وال��ذي أ� ّلبته‬ ‫الليدي مكبث‪ ،‬بطموحها ال�شخ�صي لت�صبح‬ ‫ملكة‪ ،‬فدفعته و�شجعته على �أن يمتلك كل �شيء‪،‬‬ ‫م��ادام هو الأق��وى والأق��در‪ ،‬حتى �صال وجال‬ ‫في محاربة كل مناف�سيه‪ ،‬وو�صل به الأم��ر‪،‬‬ ‫�إل��ى الزهو بقوته و�صولجانه فيقتل الملك‪،‬‬ ‫ويت�سلم زمام الأمور بنف�سه‪� ،‬إال �أن نقطة �ضعفه‪،‬‬ ‫كانت وراء مقتله و�ضياع كل �شيء‪ ،‬حيث كان‬ ‫يراجع ال�ساحرات‪ ،‬اللواتي تنب�أن له بم�ستقبله‪،‬‬ ‫و�أخبرنه با�ستحالة هزيمته لعدم وج��ود من‬ ‫يقدر على ذلك في الوجود‪� ،‬شريطة �أال تتحرك‬ ‫غابة «برنام»‪ ،‬وهو ما حدث عندما �أ�شار غريمه‬ ‫«مالكولم» لجنوده عند الفجر‪ ،‬وهم يزحفون‬ ‫نحو قلعة «دونزنين» �أن يحملوا جذوع الأ�شجار‪،‬‬ ‫�أثناء تقدمهم من القلعة‪ ،‬وما �إن ر�أى «ماكبث»‬ ‫�أ�شجار الغابة تتجه �صوب قلعته‪ ،‬حتى �أ�سقط في‬ ‫يده‪ ،‬و�أح�س بدنو �أجله ح�سب نبوءة ال�ساحرات‪،‬‬ ‫وكان �أن هزم وقتل على يد «مالكولم» وتال�شت‬ ‫�أحالمه في البقاء ملك ًا‪.‬‬ ‫�إنها لوحات �شك�سبيرية خالدة‪ ،‬كتبها منذ‬ ‫خم�سة قرون‪ ،‬والتي �أثارت والتزال الكثير من‬ ‫الت�سا�ؤالت‪ ،‬وك�شفت لنا مكامن القوة وال�ضعف‬ ‫فينا‪ ،‬نحن الب�شر‪ ،‬و�سبرت �أغوار نفو�سنا بقوتها‬ ‫و�ضعفها‪ ،‬وخيرها و�شرها‪ ،‬وفجورها وتقواها‪،‬‬ ‫ونحن نتلم�س طريق ال��ح��ي��اة‪ ..‬المتمثل في‬ ‫المعرفة والفرجة والمتعة مع ًا‪ ..‬فن�ضع على‬ ‫جبين هذا المبدع �إكلي ًال من الغار‪.‬‬

‫تطبيق مجلة‬

‫• تطبيق الهواتف الذكية‬

‫مع ًا دائم ًا‪..‬‬

‫• موقعنا اإللكتروني‬

‫تطبيقنا الذكي متوفر على‬

‫• منصات التواصل االجتماعي‬

‫‪shj_althaqafiya‬‬ ‫‪Alshariqa althaqafiya‬‬ ‫‪www.alshariqa-althaqafiya.ae‬‬